الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
32 - باب نعم وبئس
(وليسا باسمين فيليا عوامل الأسماءن خلافاً للفراء) - وأكثر الكوفيين، واستدلوا بدخول حرف الجر، كقول رجل من بني عُقيل وُلدت له بنت، فقيل له: نعم الولد. فقال: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرُها سرقة. وقال الرؤاسي: سمعت العرب تقول: فيك نعمت الخصلة. فجعلها مبتدأ خبره فيك.
(بل هما فعلان) - وفاقاً للبصريين والكسائي، بدليل إلحاق تاء التأنيث مع المؤنث، نحو: نعمت المرأة هند؛ والإضمار فيها كالفعل نحو: نعما رجلين الزيدان، ونعموا رجالاً الزيدون، ونعمن نساء الهندات: حكاه الكسائي والأخفش، وأما قول العقيلي فعلى حذف الموصوف، أي بولد نعم الولد، وكذا ما حكى الرؤاسي أي فيك خصلة نعمت الخصلة.
وزعم بعضهم أنه لا خلاف بين البصريين والكوفيين في فعلية نعم وبئس في قولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو، وأن الاسم الذي بعدهما فاعل مرفوع بهما، وإنما الخلاف بينهم في أن مجموع الجملة صار اسماً أو لا؛ فذهب البصريون إلى أنها جملة غير مؤولة باسم، وذهب الكسائي إلى أنها اسم محكي كتأبط شراً، فنعم الرجل اسم للممدوح، وبئس الرجل للمذموم، وهما جملتان في الأصل.
وذهب الفراء إلى أن الأصل: رجل نعم الرجل أو بئس الرجل، فحذف الموصوف، وأقيمت الجملة التي هي صفة مقامه، كأنك قلت: ممدوح زيد أو مذموم زيد، وعلى هذا الاسم المرفوع الذي يلي نعم وبئس فاعل عند البصريين والكوفيين. وعلى الطريقة الأولى قال صاحب البسيط: ينبغي كونه تابعاً لنعم بدلاً أو عطفاً، ونعم اسم يراد به الممدوح، كأنك قلت: الممدوح الرجل زيد. ورد قول الكوفيين على الطريقة الثانية بعدم دخول النواسخ ونحوها، فلا يقال: إن نعم الرجل قائم، كما يقال: إن تأبط شراً قائم.
(لا يتصرفان) - فلا يكونان بغير صيغة الماضي.
(للزومهما إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة) - فلزمت نعم المدح، وكانت قبل ذلك للدلالة على إصابة نعمة نحو: نعم الرجل؛ ولزمت بئس الذم، وكانت لإصابة بؤس نحو: بئس الرجل، فلما خرجتا عن أصلهما إلى غيره لم يُتصرف فيهما؛ ودليل المبالغة استعمال نعم في صفة الله تعالى والأنبياء، واستعمال بئس في عذاب الكفار ونحوه؛ وربما توهم عدم المبالغة فيما روي أن شريك بن عبد الله القاضي ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال جليس له: نعم الرجل علي، فغضب وقال: ألعليّ يقال: نعم الرجل؟ فأمسك القائل حتى سكن غضب شريك، ثم قال له: ألم يقل الله تعالى: (فلنعم المجيبون)؟ و (نعم العبد إنه أواب)؟ قال شريك: بلى. فقال: ألا ترضى لعليّ ما رضيه الله لنفسه ولأنبيائه؟
(وأصلهما فعل) - على مثال سمع، كما سبق ذكره.
(وقد يَردان كذلك) - فيقال: نَعِمَ الرجل زيدٌ، وبئس الرجل بكرٌ، بفتح الفاء وكسر العين فيهما.
(أو بسكون العين وفتح الفاء) - نحو: نَعْم الرجلُ أو بأسَ، بفتح الفاء وسكون العين تخفيفاً.
(أو كسرها) - أي كسر الفاء مع سكون العين، وهي اللغة الفاشية مع بُعدها من الأصل، فكسرت الفاء إتباعاً لكسرة العين، ثم خففت العين بالتسكين.
(أو بكسرهما) - أي كسر الفاء والعين، وكسرت الفاء إتباعاً لكسرة العين؛ فهذه أربع لغات، قال بعض المغاربة: أفصحها نِعْمَ، وهي لغة القرآن، ثم نِعِم وعليها (فنعما هي)، ثم نَعِم وهي الأصلية، ثم نَعْمَ وهي في المرتبة الرابعة.
وظاهر كلام المصنف أن الجميع مسموع في نعم وبئس، وكذا ظاهر كلام غيره؛ وزعم بعضهم أنه لم يُسمع في بئس إلا الفاشية، وبعضهم يترك حينئذ الهمزة، والباقي إنما قيل بالقياس.
وحكى الأخفش والفارسي في بئس بَيْسَ بفتح الباء ثم ياء ساكنة، وهو غريب. والأصل بئس فخففت الهمزة بجعلها بين الهمزة والياء، ثم سُكنت بعد التسهيل، وأخلصت ياء على حد قولهم في يومئذٍ يوميْذِ.
والأوجه الأربعة المذكورة فيهما غير متصرفتين، جائزة فيهما وهما متصرفتان كما يستخرج ذلك مما سيأتي.
وحكى الكوفيون أنه سمع في نَعِم نَعِيم على وزن فعيل، وهو شاذ؛ ووجهه إشباع كسرة العين فتولدت الياء، كقوله:
85 -
* يحبُّك عظم في التراب تريب *
أي تَرِب.
(وكذلك كل ذي عين حلقية من فَعِلَ، فعلاً أو اسماً) - فيجوز في شهدَ وفَخِذَ ونحوهما ما سبق من اللغات الأربع، إلا إن شذت العرب في الفك فلا تسكن العين، لئلا يؤدي إلى الإدغام الذي تركوه في نحو: لحَحَتْ عينُ الرجل إذا لصقت من الرمص، وكذا لا تسكن عين ما سكنت لامه لما اتصل بها من ضمير نحو: شَهِدْتُ، أو كان اسم فاعل فعل معتل اللام كبعير سخٍ مثال عمٍ، يقال: سَخِيَ البعير بالكسر يَسْخَى سَخى فهو سخٍ؛ وهو أن يعترض له ريح بين الجلد والكتف إذا وثب بالحمل الثقيل، فهذا ونحوه لا يجوز تسكين عينه.
(وقد تُجعل العين الحلقية متبوعة الفاء في فعيل) - فيقال في صغير وبعير وبهيمة: صغير وبعير وبهيمة بكسر الصاد والباء، وكذا ما أشبهها، وهي لغة تميم.
(وتابعتَها في فَعْل) - نحو: فحَم ودهَر وكأس بفتح الحاء والهاء والهمزة؛ ومذهب البصريين أن الفتح فيما ثبت سكونه من هذا النوع مقصور على السماع، وأن الوارد منه بوجهين مما وضع على لغتين، وليس أصله السكون ثم فتح ولا العكس، ومذهب الكوفيين أن بعضه ذو لغتين، وبعضه أصله السكون ثم فتح، واختاره ابن جني.
(وقد يتبع اثاني الأول في مثل: نحو ومحْموم) - فيقال: نَحَوَ ومحَموم بفتح الحاء؛ واستدل ابن جني بفعل العرب هذا على ما اختاره من مذهب الكوفيين، فقال: لو لم تكن الفتحة عارضة في نحوٍ لزم قلب الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وف يمحموم لزم ثبوت مفعول، ولا سبيل إلى ذلك. قال المصنف: وهو حسن.
ونظير هذا قولهم: جيَل وتَوَم، مخففين من جيأل وتوْءم، فالفتحة على الياء والواو عارضة، منوي في محلها السكون، فلذا لم ينقلبا ألفين؛ وقولهم: بيُوت بكسر الباء وبعدها ضمة، مع رفضهم مثله في المفرد، وهو أخف، وذلك لعروض الكسرة للإتباع، والضمة منوية في محلها.
(وقد يقال في بِئْس: بَيْس) - وقد سبق حكاية هذا عن الأخفش وأبي علي، وسبق توجيهه، وقال المصنف: الوجه فيه أن أصله بئس، فخفف أي بقلب الهمزة ياء، ثم فتحت الياء التفاتاً إلى الأصل، وترك ما نشأ عن الكسرة، لأن استعمال الكسرة أكثر، فكانت جديرة بأن تنوي مع رجوع الفتحة، لشبه الفتحة بالعارضة في قلة الاستعمال.
(فصل): (فاعل نعم وبئس في الغالب ظاهرٌ معرفٌ بالألف واللام) - نحو: (نعم المولى ونعم النصير)، (ولبئس المهاد) واستظهر بقوله: في الغالب على ما جاء بخلافه، مما سيذكر، وبقوله: ظاهر من المضمر، ويأتي تفصيل القول فيه.
(أو مضاف إلى المعرف بهما مباشراً أو بواسطة) - فالأول نحو: (ولنعم دار المتقين)، (ولبئس مثوى المتكبرين)، والثاني كقوله:
86 -
فنعم ابن أختِ القوم غير مكذب
…
زهيرٌ، حسامٌ مفرد من حمائل
وفي ال المصاحبة لفاعل هذا الباب أو لما اتصل به أقوال:
أحدها: أنها للجنس حقيقة، وهو ظاهر كلام سيبويه، قال: لأنك تريد أن تجعله من أمة كلهم صالح، ودليله جوازه: نعم المرأة هند، في فصيح الكلام، ولا يقولون: قام فلانة، في الفصيح.
والثاني: أنها للجنس مجازاً، على حد قولهم: كل الصيد في جوف الفرا، وهو حمار الوحش.
والثالث: للعهد الذهني.
والرابع: للعهد في الشخص الممدوح؛ وإليه ذهب أبو إسحاق بن ملكون، وأبو منصور الجواليقي.
(وقد يقوم مقام ذي الألف واللام "ما" معرفةً تامةً، وفاقاً لسيبويه والكسائي) - نحو: (فنعما هي)، أي نعم الشيء هي، فما فاعل نعم، وهي المخصوص بالمدح، ومعنى كون ما تامة أنها معرفة لا تفتقر إلى صلة، أي ليست كالموصولة، وهذا مذهب سيبويه والمبرد وابن السراج؛ وجوزه الكسائي والجرمي والفراء والفارسي؛ وقال سيبويه في: غسلته غسلاً نعما، أي نعم الغسل، كقولهم: إني مما أن أصنع، أي من الأمر أن أصنع أي صنعي؛ ويؤيد تعريف ما هنا كثرة الاقتصار عليها، ولو كانت نكرة مميزة كانت بخلاف ذلك. قاله المصنف، وفيه نظر.
(لا موصولة، خلافاً للفراء والفارسي) - حيث قالا: إنها موصولة في موضع رفع على الفاعلية، يكتفي بها وبصلتها عن المخصوص، فإذا قلت: بئس
ما صنعت، فالتقدير على هذا: بئس الذي صنعته صنعك، وهذا أحد أقوال الفراء والفارسي في ما، وهو غير مطرد في مواضعها، فلا يتأتى ذلك في: بئسما زيد ونحوه إلا بتكلف وخروج عما استقر من القواعد، والظاهر أنهما لا يقولان هذا في مثل ذلك، وسيأتي تحرير القول في هذا.
(وليست بنكرة مميزة، خلافاً للزمخشري، وللفارسي في أحد قوليه) - فإذا قلت: نعما زيد، أو نعما صنعت، فما نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل نعم مضمر على حد: نعم رجلاً زيدٌ. وزعم بعض المغاربة أن هذا مذهب البصريين، والحق أن طائفة منهم قالوه، والمحققون منهم على القول المذكور أولا.
وممن أجاز هذا في ما هذه الجرمي وابن كيسان والكسائي والفراء، ورده كثيرون بأن ما شديدة الإبهام فلا تصلح للتمييز.
وتلخيص ما قيل في "ما" مع تحرير محل ما: قيل: إن "ما" هذه إما أن يقع بعدها اسم أو فعل:
إن وقع بعدها اسم كقول العرب: بئسما تزويج ولا مهر، فثلاثة أقوال: فاعل معرفة تامة، والاسم المخصوص، وهو مذهب المحققين.
تمييز تركيب "ما" مع الفعل، والاسم فاعل، وهو أحد أقوال الفراء، وقيل على هذا إن المركب مبتدأ خبره ما بعده، أي المذموم تزويج ولا مهر، وإن وقع بعده فعل نحو: نعما صنعت، فثمانية أقوال:
فاعل معرفة تامة، والمخصوص محذوف، والفعل صفته، أي نعم الشيء شيء صنعت، وهو أيضاً مذهب المحققين.
منصوب على التمييز، والفعل صفته، والمخصوص محذوف.
تمييز، والفعل صفة مخصوص محذوف، أي نعم شيئاً شيء صنعته.
موصول، والفعل صلة، والمخصوص محذوف.
موصول وهو المخصوص، وما أخرى محذوفة هي التمييز، أي نعم شيئاص الذي صنعته.
تمييز، والمخصوص ما أخرى موصولة والفعل صلتها:
مصدرية، ينسبك منها مع الفعل مصدر هو فاعل نعم.
التركيب السابق ذكره.
(ولا يؤكد فاعلهما توكيداً معنوياً) - فلا يقال: نعم الرجل نفسه، أو بئس الرجل عينه، وهو اتفاق، وهو على قول إن اللام للجنس ظاهر، وأما على العهد فقد يقال: لا يمتنع، وفيه بحث. قال المصنف: ولا يمتنع التوكيد اللفظي نحو: نعم الرجل الرجل زيد.
(وقد يوصف، خلافاً لابن السراج والفارسي) - قال المصنف: لا يمتنع النعت على الإطلاق، كما قالا، بل يمتنع عند قصد التخصيص، مع كون الفاعل للجنس، فلو تأولنا الفاعل بالجامع لأكمل الخصال، لم يمتنع النعت، لقبوله هذا التأويل، وعلى هذا قوله:
87 -
نعم الفتى المريُّ أنت إذا هم
…
حضروا لدى الحجرات نار الموقد
وحمله ابن السراج والفارسي على البدل. وقضية كلام المصنف جواز ما عدا ما ذكر من التوابع، فيجوز العطف والبدلية، لكن بما يصلح لمباشرة نعم، وعطف البيان كالصفة.
(وقد ينكر مفرداً) - نحو: نعم امرؤ زيد.
(أو مضافاً) - نحو: نعم صاحبُ قوم زيدٌ. حكاهما الأخفش عن ناس من العرب، وأجازهما هو وابن السراج والكوفيون، ومنعهما سيبويه وعامة النحويين، إلا في الضرورة.
(ويضمر) - أي فاعل نعم وبئس.
(ممنوع الإتباع) - فإذا قلت: نعم رجلاً، لم يتبع الضمير المستكن في نعم بتوكيد ولا غيره، لشبهه بضمير الشأن في قصد الإبهام تعظيماً لمعناه، وما روي من: نعم هم قوماً أنتم، فشاذ، وهو توكيد للمضمر المستكن في نعم على المعنى.
(مفسراً بتمييز) - كرجل في المثال المذكور، وكونه تمييزاً هو قول سيبويه وغيره من البصريين، والفراء من الكوفيين؛ وذهب الكسائي إلى أنه حال.
(مؤخر) - أي يؤخر ذلك المنصوب عن نعم وبئس، فلا يقال: رجلاً نعم زيدٌ، ولا رجلاً بئس عمرو، وهو اتفاق. وتأخيره عن الفعل والمخصوص يأتي الكلام فيه.
(مطابق) - أي يطابق ذلك المنصوب الخصوص، نحو: نعم رجلاً زيدٌ، ونعمت امرأة هند، ونعم رجلين الزيدان، ونعم امرأتين الهندان، ونعم رجالاً الزيدون، ونعم نساءٌ الهندات.
(قابل ال) - فلا يميز المضمر المذكور بمثل وغير وأي وأفعل من، لأن هذا التمييز عن فاعل مقرون بأل، فاشتراط صلاحيته لها.
(لازم غالباً) - احترز بغالب من قولهم: إن فعلت كذا فبها ونعمت؛ أي ونعمت فعلة فعلتك، وقد نص سيبويه على لزوم ذكر التمييز هنا، وهو الصحيح، وقال بعضهم في المسموع بخلاف ذلك: إنه شاذ، وشرط بعضهم التعويض كالتاء في نعمت.
(وقد يرد) - أي التمييز.
(بعد الفاعل الظاهر مؤكداً) - نحو: نعم الرجل رجلاً زيدً.
(وفاقاً للمبرد والفارسي) - ويشهد لهما ظاهر قوله:
88 -
والتغلبيون بئس الفحل فحلهم
…
فحلاً، وأمهم زلاء منطيقُ
وظاهر كلام سيبويه المنع، وتأول البيت من وافقه على الحال المؤكدة، وفصل ابن عصفور بين أن يفيد التمييز فائدة زائدة على الفاعل أو لا؛ فإن أفاد جاز نحو: نعم الرجل رجلاً صالحاً زيدٌ؛ وإلا فلا، نحو: نعم الرجل رجلاً زيد.
(ولا يمتنعُ عندهما) - أي عند المبرد والفارسي.
(إسنادُ نعم وبئس إلى الذي الجنسية) - نحو: نعم الذي يأمر بالمعروف زيد، أي الآمر بالمعروف، على قصد الجنس. ومنع كون الذي فاعل نعم وبئس مطلقاً الكوفيون، وجماعة من البصريين منهم ابن السراج والجرمي، وأجاز وم من النحويين ذلك في من وما الموصولتين مقصوداً بهما الجنس، وعليه جرى ابن العلج والمصنف، واستشهد لجوازه وجواز المضاف إليهما بقوله:
89 -
فنعم مزكأ مَنْ ضاقت مذاهبهُ
…
ونعم من هو في سر وإعلان
فمن فاعل نعم بشهادة مزكأ مَنْ، إذ لو لم يصح الإنساد إلى مَنْ، لامتنع الإسناد إلى ما أضيف إليها، وقول أبي علي أن مَنْ تمييز لا يصح، لأن التمييز لا يقع بالاستقراء إلا نكرة صالحة لأل.
(وندر نحو: نعم زيدٌ رجلاً) - والأصل: نعم رجلاً زيدٌ، ففي نعم ضمير مستتر، ورجلاً تمييز، وزيد مبتدأ خبره الجملة قبله؛ وندوره من جهة تقدم المبتدأ على التمييز، فهو في هذا نظير.
مكرر 88 - * نعم الفحل فحلهم فحلا
ومذهب البصريين وجوب تقديم التمييز على المخصوص، وقد نص على منع تقدمه عليه سيبويه، فلا يقال: نعم زيدٌ رجلاً، وأجاز ذلك الكوفيون، بناء
منهم على أن زيداً فاعل بنعم لا مبتدأ، ولا ضمير في نعم أو بئس في هذا التركيب، تقدم المنصوب على المرفوع أو تأخر، وقد سبق أن المنصوب فيه حال عند الكسائي، تمييز عند الفراء، وتقديم المنصوب على المفروع فيه قبيح عند الفراء.
(ومُرَّ بقوم نعموا قوماً) - وندوره من جهة مطابقة الضمير مفسره، وحق المضمر هنا الإفراد والاستتار، قال سيبويه: لا تظهر علامة الإضمار في نعم، لا يقولون: نعموا رجالاً، يكتفون بالذي يفسره. انتهى. وهو قول البصريين، وأجاز قوم من الكوفيين تثنية هذا الضمير وجمعه، فيقولون: قومك نعموا رجالاً، وأخاك نعما رجلين، وروى ذلك الكسائي عن العرب.
(ونعم بهم قوماً) - المراد نعموا، لكن زيد الباء في الفاعل كما في (كفى بالله).
(ونعم عبدُ الله خالدٌ، وبئس عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صفين، وبئست صِفُّون) - والأول من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"نعم عبد الله خالد بن الوليد" - والثاني من قول ابن مسعود أو غيره من العبادلة، رضي الله عنهم، والثالث من قول سهل بن حنيف، رضي الله عنه، وظاهرها جواز كون فاعل هذا الباب مضافاً إلى علم أو علماً.
واختار الجرمي القياس على الأول، فيقول: نعم عبدُ الله زيدٌ؛ والصحيح
وهو قول عامة النحويين، المنع، وهذا مؤول على حذف التمييز، وعبد الله المخصوص بالمدح، وخالد بدل؛ وعبد الله في الثاني، وصفون في الثالث المخصوصان، والتقدير: نعم رجلاً عبد الله
…
، وبئس رجلاً
…
، وبئست بقعة
…
، وهو مع هذا أيضاً شاذ لحذف التمييز، فالصحيح في نعم رجلاً زيدٌ ونحوه، منع حذفه كما تقدم.
وذكر الجوهري صفين في مادة صفين فقال: صفين موضع كانت به وقعة بين علي ومعاوية، رضي الله عنهما، وهذا يقضي بأصالة النون، والكلام المذكور عن سهل، رضي الله عنه، يقضي بزيادتها.
(ويُدل على المخصوص بمفهوميْ نعم وبئس) - أي بحذف المخصوص بمفهوميهما وهو المقصود بالمدح بعد نعم، وبالذم بعد بئس، للدلالة عليه، كقوله تعالى:(فنعم الماهدون) أي نحن، (نعم العبد إنه أواب) أي أيوب. وشرط بعض المتأخرين تقدم ذكره كما في الآيتين؛ إذ سبق:(والأرض فرشناها)، و (إنا وجدناه)؛ والأكثرون على عدم تقييد الدلالة بذلك كما في حذف خبر المبتدأ أو المبتدأ.
(أو يذكر قبلهما معمولاً للابتداء أو لبعض نواسخه) - نحو: زيد نعم الرجل؛ ومثال الناسخ:
90 -
إذا أرسلوني عند تعذير حاجة
…
أمارس فيها كنت نعم الممارس
91 -
إن ابن عبد الله نعـ
…
ـم أخو الندى وابن العشيره
92 -
يمينا لنعم السيدان وجدتما
…
على كل حال من سحيل ومبرم
(أو بعد فاعلهما مبتدأ) - نحو: نعم الرجل زيد، وبئس الغلام عمرو. ولا يجوز فيه غير هذا عند ابن خروف؛ ويقال إنه مذهب سيبويه؛ وقال المصنف في الشرح: إنه المتعين.
(أو خبر مبتدأ لا يظهر) - وأجاز هذا جماعة منهم السيرافي وأبو علي والصيمري، ونسب إلى سيبويه، والتقدير: نعم الرجل هو زيد؛ وأجاز جماعة كونه مبتدأ حذف خبره، والتقدير: ذلك الممدوح أو المذموم. وقال ابن
خروف: ثبت باتفاق كونه مبتدأ لدخول نواسخ المبتدأ عليه، ولا دليل على جواز الوجهين الآخرين مع تكلف الإضمار، فينبغي أن لا يقال به.
(وأول معمولي فعل ناسخ) - نحو: نعم الرجل كان زيداً، وظننت زيداً:
مكرر 92 - * لعمري لنعم السيدان وجدتما *
واحترز بالفعل من الحرف، فلا يجوز: نعم الرجل إن زيداً، لأن خبر إن لا يتقدم عليها.
(ومن حقه) - أي المخصوص بالمدح أو الذم.
(أن يختص) - بأن يكون معرفة أو مقارباً لها بالتخصيص نحو: نعم الفتى رجل من بني فلان، ونعم العمل:(طاعة وقول معروف) قاله المصنف وأورد عليه قولهم: نعم المال أربعون، ونعم مالاً ألف.
(ويصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفاً بالممدوح بعد نعم، وبالمذموم بعد بئس) - كما قال في: نعم الرجل زيدٌ: الرجل الممدوح زيدٌ؛ وفي بئس الرجل عمرو: الرجل المذموم عمرو؛ ومفسر الفاعل كالفاعل، فيتناول ما ذكر من الضابط: نعم رجلاً زيدٌ، وبئس رجلاً عمرو.
(فإن باينه أول) - أي لم يصلح المخصوص لجعله خبراً عن الفاعل نحو: (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله)؛ وتأوله الفارسي على وجهين:
أحدهما جعل الذين صفة للقوم، والمخصوص محذوف، أي مثل هؤلاء.
والثاني أن المخصوص مضاف للذين محذوف، أي مثل الذين.
(وقد يحذف) - أي المخصوص.
(وتخلفه صفته اسماً) - نحو: نعم الصديق حليم كريم، وبئس الصاحب عذول خذول.
(وفعلاً) - نحو: (بئسما اشتروا به أنفسهم) في قول: ونحو: نعم الصحاب تستعين به فيعينك، أي صاحب تستعين به.
وقال ابن إصبع: أجاز الكسائي: نعم الرجل يقوم، ونعم الرجل عندي، ومنعه أكثر النحويين. انتهى. أي رجل يقوم، أو عندي. ومن الأول قول الأخطل:
93 -
إلى خالد حتى أنخن بخالد
…
فنعم الفتى يُرجى ونعم المؤملُ
أي فتى يرجى، ولا يجيز الكسائي: نعم رجلاً يقوم، أي رجل يقوم.
(وقد يغني متعلق بهما) - كقوله:
94 -
بئس مقام الشيخ: أمرس امرس
…
إما على قعو وإما اقعنس
أي مقام مقول فيه: أمرس امرسِ، فحذف الموصوف وهو المخصوص، وحذف صفته، وأبقى معمولها، وهي الجملة المكررة.
يقال: مرس الحبل يمرس مرسا إذا وقع في أحد جانبي البكرة، فإذا أعدته إلى مجراه قلت: أمرسته، وأمرس في الرجز من هذا، ويقال أيضاً: أمرسته إذا أنشبته بني البكرة والقعو؛ فهو من الأضداد، والقعو خشبتان في البكرة فيهما المحور، والمحور العود الذي تدور عليه البكرة؛ واقعنسس تأخر ورجع إلى خلفه. يقول المرتجز: إن استقى الشيخ ببكرة وقع حبلها في غير موضعه، فيقال له: أمرس، وإن استقى بغير بكرة ومتح أوجعه ظهره، فيقال: اقعنسِس واجذب الدلو.
(وإن كان المخصوص مؤنثاً جاز أن يقال: نعمت وبئست مع تذكير الفاعل) - فتقول: نعمت الثواب الجنة، ونعم الثواب الجنة، بثبوت التاء وسقوطها، وكلاهما جيد، إلا أن سقوطها أجود، ومن ثبوتها:
95 -
نعمت جزاء المتقين الجنة
…
دار الأماني والمنى والمنة
(وتلحق ساء ببئس) - فتجري مجراه في جميع ما تقدم، فيقال: ساء الرجل فرعون، وساءت المرأة الخائنة، وساء رجلاً هو، وساءت امرأة هي، ومنه:(ساء مثلاً القوم)؛ وساء هذا محول من فعل المفتوح العين إلى فَعُل
فهو داخل فيما سيذكره، إلا أنه أفرده بالذكر لأنه على فَعُل تقديراً لا لفظاً، بقلب عينه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(وبها وبنعم فعُل موضوعاً) - نحو: حَسُن الخلق خلق الحكماء، وقَبُح العناد عناد المبطلين؛ وقال تعالى:(كبُرتْ كلمةً).
(أو محولاً من فَعَل أو فَعِل) - قال المصنف: ومنهما قول العرب: لقضو الرجل فلان، وعلُم الرجل فلان، بمعنى: نعم القاضي هو، ونعم العالم هو. انتهى.
وظاهر قوله: قول العرب، سماع عَلُم الرجل فلان بضم عين علم، ونص غيره على أن علم وجهل وسمع تبقى على لفظها عند قصد هذا الاستعمال ولا تحول إلى فَعُل بضم العين، وكلام صاحب الإفصاح يقتضي إثبات علم وجهل هنا بضم العين.
(مضمناً تعجباً) - فالمعنى: ما أحسن خلق الحكماء! . وما أقضى فلاناً! . وما أعلمه! .
(ويكثر انجرار فاعله بالباء) - نحو: حَسُن بزيد رجلاً، لما تضمن معنى التعجب عومل معاملة: أحسِنْ بزيد رجلاً، وامتنع ذلك في نعم لعدم هذا التضمن؛ ومن هذا قوله:
96 -
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها
…
وحُب بها مقتولة حين تُقتلُ
(واستغناؤه عن الألف واللام) - كقوله تعالى: (وحسُن أولئك رفيقا) بمعنى ما أحسن.
(وإضماره على وَفْق ما قبله) - نحو: الزيدون كرُموا رجالاً، تنزله منزلة: ما أكرمهم رجالاً. ولا يجوز هذا الإضمار في نعم وبئس إنما يضمر فيهما مفرداً يفسره ما بعده. وقوله تعالى: (كبرت كلمة) يحتمل كونه مثل: نعمت امرأة، أي كبرت هي، أي الكلمة كلمة، والمخصوص محذوف أي كلمة تخرج؛ وهذا قول ابن برهان؛ ويحتمل أن يكون فاعل كبرت ضميراً عائداً إلى قوله:(اتخذ الله ولداً): وهذا قول الزمخشري في الكشاف.
* * *