المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب العتق (1) العتق في اللغة: الخلوص. ومنه: عتاق الخيل وعتاق - الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط ٣ - جـ ٣

[ابن المنجى، أبو البركات]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب العارية

- ‌كتاب الغصب

- ‌باب الشفعة

- ‌باب الوديعة

- ‌باب إحياء المَوَات

- ‌باب الجُعالة

- ‌باب اللقطة

- ‌باب اللقيط

- ‌كتاب الوقف

- ‌باب الهبة والعطية

- ‌كتاب الوصايا

- ‌كتاب الفرائض

- ‌باب ميراث ذوي الفروض

- ‌باب العصبات

- ‌باب أصول المسائل

- ‌باب تصحيح المسائل

- ‌باب المناسخات

- ‌باب قسمة التركات

- ‌باب ذوي الأرحام

- ‌باب ميراث الحمل

- ‌باب ميراث المفقود

- ‌باب ميراث الخنثى

- ‌باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم

- ‌باب ميراث أهل الملل

- ‌باب ميراث المطلقة

- ‌باب الإقرار بمشارك في الميراث

- ‌باب ميراث القاتل

- ‌باب ميراث المعتق بعضه

- ‌باب الولاء

- ‌كتاب العتق

- ‌باب التدبير

- ‌باب الكتابة

- ‌باب أحكام أمهات الأولاد

- ‌كتاب النكاح

- ‌باب أركان النكاح وشروطه

- ‌باب المحرمات في النكاح

- ‌باب الشروط في النكاح

- ‌باب حكم العيوب في النكاح

- ‌باب نكاح الكفار

- ‌كتاب الصداق

- ‌باب الوليمة

- ‌باب عشرة النساء

- ‌كتاب الخلع

- ‌نهاية السقط من المطبوعة

الفصل: ‌ ‌كتاب العتق (1) العتق في اللغة: الخلوص. ومنه: عتاق الخيل وعتاق

‌كتاب العتق

(1)

العتق في اللغة: الخلوص. ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير. سميت بذلك: لخلوصهما. وسمي البيت الحرام عتيقاً: لخلوصه من أيدي الجبابرة.

وهو في الشرع: تحرير الرقبة وتخليصها من الرقّ.

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3]، وقوله تعالى:{فك رقبة} [البلد: 13].

وأما السنة؛ فما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أَعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ اللهُ بكلِ إرْبٍ منه إرْباً منه من النار. حتى أنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج» (2). متفق عليه.

وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة في الجملة على صحة العتق وحصول القربة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهو من أفضل القُرَب. والمستحب عتق من له كسب. فأما من لا قوة له ولا كسب فلا يستحب عتقه ولا كتابته).

أما كون العتق من أفضل القرب؛ فلأن الله تعالى جعله كفارة للقتل، والظهار، والوطء في رمضان، والأيمان. وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكاً لمعتقه من النار (3).

وأما كون المستحب عتق من له كسب؛ فلأنه إذا أعتق يجد ما ينفق عليه ولا يبقى عَيْلة ولا محتاجاً.

وأما كون من لا قوة له ولا كسب لا يستحب عتقه ولا كتابته؛ فلأن في عتقه وكتابته نقلاً له من حالة الغنى بنفقة السيد إلى السؤال والفقر.

قال: (ويحصل العتق بالقول والملك).

أما كون العتق يحصل بالقول؛ فظاهر. وسيأتي ذكره بعد.

(1) ورد العنوان في أ: باب العتق.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (6337) 6: 2469 كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى:{أو تحرير رقبة} .

وأخرجه مسلم في صحيحه (1509) 2: 1147 كتاب العتق، باب فضل العتق.

(3)

عن كعب بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار» .

أخرجه ابن ماجة في السنن (2522) 2: 843 كتاب العتق، باب: العتق.

ص: 454

وأما كونه يحصل بالملك؛ فبأن يملك أباه أو ابنه أو أخاه وما أشبه ذلك. وسيأتي دليله في موضعه إن شاء الله تعالى (1).

قال: (فأما القول فصريحه لفظ: العتق والحرية كيف صرفا. وكنايته: خليتك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت ونحوها).

أما كون العتق له صريح وكناية؛ فلأنه إزالة قيد. أشبه الطلاق.

وأما كون صريحه لفظ العتق والحرية؛ فلأنهما وردا في الكتاب والسنة ومثلهما (2): أعتقتك، وحررتك، وأنت معتق وأنت حر أو محرر أو عتيق.

وفي قول المصنف رحمه الله: كيف صرفا نظر؛ لأن من تصاريف لفظ العتق والحرية الفعل المضارع نحو قولك: أُعْتِقُك وأحررك. وذلك لا يوقع العتق وفاقاً.

وأما كون كنايته (3) ما ذكر؛ فلأن فيه معنى الإزالة. فجاز أن يكنى به عن العتق؛ كالطلاق.

قال: (وفي قوله: لا سبيل لي عليكَ، ولا سلطان لي عليكَ، ولا ملك لي عليكَ، ولا رق لي عليكَ، وفككت رقبتكَ، وأنت مولاي، وأنت لله، وأنت سائبة: روايتان إحداهما: أنه صريح، والأخرى كناية).

أما كون ما ذكر صريحاً على روايةٍ؛ فلأنه يتضمن العتق. فكان صريحاً؛ كما لو قال: أعتقتك.

وأما كونه كناية على رواية؛ فلأنه يحتمل غير العتق.

قال: (وفي قوله: لأمته أنت طالق أو أنت حرام روايتان: إحداهما: أنه كناية، والأخرى: لا يعتق به وإن نوى).

أما كون ما ذكر كناية على روايةٍ؛ فلأن الرق أحد الملكين في الآدمي. فيزول بلفظ الطلاق والحرام إذا نوى لهما العتق؛ كملك النكاح.

(1) ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..

(2)

في أ: ومثالهما. ولعل الصواب ما أثبتناه.

(3)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 455

وأما كونه لا يعتق به وإن نوى على روايةٍ؛ فلأن الرق ملك لا يستدرك بالرجعة. فلم يزل بما ذكر؛ كملك بقية المال.

قال: (وإن قال لعبده وهو أكبر منه: أنت ابني: لم يعتق. ذكره القاضي. ويحتمل أن يعتق).

أما كون العبد المقول له ما ذُكر لا يعتق على المذهب؛ فلأن كذب سيده محقق. فلم يعتق؛ كما لو قال لأمة وهي أصغر منه: هذه أمي.

وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأن سيده اعترف بما تثبت به حريته. أشبه ما لو أقر بحريته.

قال: (وإذا أعتق حاملاً عتق جنينها إلا أن يستثنيه. وإن أعتق ما في بطنها دونها عتق وحده).

أما كون الجنين يعتق بعتق أمه مع عدم استثنائه؛ فلأنه تابع لأمه. بدليل دخوله في البيع وغيره.

وأما كونه لا يعتق مع استثنائه؛ فـ «لأن ابن عمر أعتق أمة واستثنى ما في بطنها» .

ولأنها ذات حملٍ. فصح استثناء حملها كما لو باع نخلة لم تؤبر فاشترط ثمرتها.

وأما كون ما في بطنها يعتق وحده إذا أعتقه دون أمه؛ فلأن الأم ليست تابعة له. فلم تعتق بعتقه؛ كما لو أعتقه بعد الولادة.

قال: (وأما الملك فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه. وعنه: لا يعتق إلا عمود النسب).

أما كون من ملك ذا رحمٍ محرمٍ من عمودي النسب؛ كالولد وإن نزل، والوالد وإن علا من عمودي النسب؛ كالأخ وأولاده وإن نزلوا والعم وما أشبه ذلك ممن يحرم نكاحه: يعتق عليه على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «منْ مَلكَ ذا رَحِمٍ محرمٍ فهوَ حُر» (1) رواه أبو داود والترمذي. وقال: حديث حسن.

(1) أخرجه أبو داود في سننه (3949) 4: 26 كتاب العتق، باب فيمن ملك ذا رحم محرم.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1365) 3: 646 كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم.

وأخرجه ابن ماجة في سننه (2524) 2: 843 كتاب العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر.

وأخرجه أحمد في مسنده (20217) 5: 18.

ص: 456

ولأن غير عمودي النسب ذو رحم محرم. فعتق عليه بالملك؛ كعمودي النسب.

وأما كون غير عمودي النسب لا يعتق على روايةٍ؛ فلأن نفقة غيرهما لا تجب على قول.

والأول أولى؛ لعموم الخبر.

قال: (وإن ملك ولده من الزنا لم يعتق في ظاهر كلامه. ويحتمل أن يعتق).

أما كون ولد الزنا لا يعتق بالملك في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن أحكام الولد غير ثابتة فيه وهي الميراث، وعدم الحجب، والمحرمية، ووجوب الإنفاق، وثبوت الولاية. فكذا في العتق بالملك.

وأما كونه يحتمل أن يعتق؛ فلأنه حر حقيقة وقد ثبت فيه حكم تحريم التزويج. ولهذا لو ملك ولده المخالف له في الدين عتق عليه مع انتفاء الأحكام المذكورة.

قال: (وإن ملك سهماً ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله وعليه قيمة نصيب شريكه. وإن كان معسراً لم يعتق عليه إلا ما ملك).

أما كون من ملك سهماً مما ذُكر وهو موسر يعتق عليه كله: أما السهم؛ فلأن كل سببٍ إذا وجد في الكل، عتق به: إذا وجد في البعض عتق به؛ كالإعتاق.

وأما بقية الكل؛ فلأنه إذا أعتقه سرى مع اليسار. فكذلك إذا ملكه باختياره.

وشرط المصنف رحمه الله في ذلك: أن يكون مملوكاً بغير الميراث؛ لأنه مملوك بغير اختياره. وسيأتي ذكره.

وأما كونه عليه قيمة نصيب شريكه؛ فلأنه فوّته عليه. أشبه ما لو جرح غيره فمات من سراية الجرح.

ص: 457

وأما كونه لا يعتق عليه إلا ما ملك إذا كان معسراً؛ فلأن المباشرة مع الإعسار لا يسري بها العتق. فالعتق بالملك بطريق الأولى.

قال: (وإن ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك. موسراً كان أو معسراً. وعنه: أنه يعتق عليه نصيب الشريك إن كان موسراً).

أما كون ما ملكه بالميراث لا يعتق منه إلا ما ملك. موسراً كان أو معسراً على المذهب؛ فلأنه ملكه بغير اختياره. فلم يصح إلحاقه؛ كما لو باشر عتقه.

وأما كون نصيب الشريك يعتق عليه إن كان موسراً على رواية؛ فلأنه سهم ملكه. فيسري إلى نصيب شريكه. أشبه ما لو ملكه بالتسري.

وإنما لم يعتق إذا كان معسراً رواية واحدة؛ لأنه لو باشر عتقه وهو معسر لم يسر. فلأن لا يسري بالملك بالميراث بطريق الأولى.

قال: (وإن مَثَّل بعبده فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك عتق عليه نص عليه. قال القاضي: والقياس أن لا يعتق).

أما كون من مثّل بعبده يعتق عليه على المنصوص؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مثّل بعبده فهو حر» (1). رواه الإمام أحمد.

وأما قول المصنف: فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك؛ فتمثيل للتمثيل بالعبد، وتعداد لصور منه.

وأما كون القياس أن لا يعتق على قول القاضي؛ فلأن ذلك جناية على ماله. فلم يوجب زوال ملكه عنه. أشبه ما لو جنى على دابته.

قال: (وإذا أعتق السيد عبده فماله للسيد. وعنه: أنه للعبد).

أما كون مال من أُعتق لسيده على المذهب؛ فلما روي عن ابن مسعود: «أنه قال لغلامه عمير: يا عمير! إني أريد أن أعتقك عتقاً هنيئاً. فأخبرني بمالك. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده» . رواه الأثرم.

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك (8102) 4: 409 كتاب الحدود.

ص: 458

ولأن العبد وماله كانا جميعاً للسيد. فإذا أزال الملك عن أحدهما وجب أن يبقى الملك على الآخر؛ كما لو باعه.

وأما كونه للعبد على روايةٍ؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعتقَ عبداً وله مال فالمال للعبد» (1). رواه الإمام أحمد.

والأول أصح؛ لما ذكر.

وحديث ابن عمر ضعّفه الإمام أحمد.

(1) أخرجه أحمد في مسنده (14364) 3: 309.

ص: 459

فصل [إذا أعتق جزءاً من عبده]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أعتق جزءاً من عبده معيناً أو مشاعاً عتق كله. وإن أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله، وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه. وإن أعتقه شريكه بعد ذلك لم يثبت له فيه عتق. وإن كان معسراً لم يعتق إلا نصيبه وبقي حق شريكه فيه. وعنه: يعتق كله ويُستسعى العبد في قيمة باقيه غير مَشقوق عليه).

أما كون من أعتق جزءاً من عبده معيناً كان الجزء أو مشاعاً يعتق عليه كله؛ فلأن العتق يسري في عبد الغير لما يأتي. فلأن يسري في عبدٍ له خاصة بطريق الأولى.

وأما كون من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه يعتق كله، وعلى المعتق قيمة باقيه لشريكه؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أعتقَ شِركاً له في عبدٍ، فكان معه ما يبلغُ قيمةَ العبد، قوّم عليه قيمةَ عدل، وعَتَقَ عليه جميعَ العبد» (1).

وأما كون القيمة يوم العتق؛ فلأنه يوم التلف.

وأما كون الشريك إذا أعتقه بعد ذلك لا يثبت له فيه عتق؛ فلأن عتق المعتَق لا يصح.

وأما كون المعتِق لا يعتق إلا نصيبه إذا كان معسراً على المذهب؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يعتق على أحدٍ نصيب شريكه. خولف ذلك في اليسار للحديث. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2386) 2: 892 كتاب العتق، باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركاء.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1501) 3: 1286 كتاب الأيمان، باب من أعتق شركاً له في عبد.

ص: 460

وأما كون حق شريكه يبقى فيه؛ فلأن العتق لم يسر إليه.

وأما كون العبد يعتق كله ويُستسعى في قيمة باقيه غير مشقوق عليه على رواية؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتقَ شِقْصاً له في مملوكٍ فعليه أن يعتقه كله إن كانَ له مال، وإلا استُسْعَي العبدُ غيرَ مَشْقُوق عليه» (1). رواه أبو داود.

قال: (وإذا كان العبد لثلاثة: لأحدهم نصفه، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه. فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معاً وهما موسران عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما فيه نصفين، وصار ولاؤه بينهما أثلاثاً. ويحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه).

أما كون العبد يعتق على صاحبي النصف والسدس؛ فلما تقدم.

وأما كونهما يضمنان حق شريكهما فيه نصفين على المذهب؛ فلأن كل واحدٍ منهما لو انفرد بالعتق لضمن الكل. فإذا وجد سبب التلف منهما وجب الضمان عليهما.

وأما كون ولاء العبد بينهما أثلاثاً؛ فلأن صاحب النصف عتق عليه النصف بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلثا العبد. وصاحب السدس عتق عليه السدس بالمباشرة والسدس بالسراية وذلك ثلث العبد.

وأما كونه يحتمل أن يضمناه على قدر ملكيهما فيه؛ فلأن التلف حصل بإعتاق ملكيهما. وما وجب بسبب الملك كان على قدره؛ كالنفقة واستحقاق الشفعة.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2360) 882 كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل.

وأخرجه مسلم في صحيحه (1503) 2: 1140 كتاب العتق، باب ذكر سعاية العبد.

وأخرجه أبو داود في سننه (3938) 4: 24 كتاب العتق، باب من ذكر السعاية في هذا الحديث.

ص: 461

قال: (وإذا أعتق الكافر نصيبه من مسلمٍ وهو موسرٌ سرى إلى باقيه في أحد الوجهين).

أما كون إعتاق الكافر الموسر نصيبه من مسلم يسري إلى باقيه في وجهٍ؛ فلأنه تقويمُ متلفٍ. فاستوى فيه المسلم والكافر؛ كتقويم المتلفات.

وأما كونه لا يسري في وجه؛ فلأنه لا يجوز أن يتملكه. بخلاف المسلم.

قال: (وإذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران فقد صار العبد حراً به؛ لاعتراف كل واحدٍ منهما بحريته، وصار مدعياً على شريكه قيمة حقه منه، ولا ولاء عليه لواحدٍ منهما. وإن كانا معسرين لم يعتق على واحدٍ منهما. وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذٍ ولم يسر إلى نصيبه. وقال أبو الخطاب: يعتق جميعه. وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب المعسر وحده).

أما (1) كون العبد يصير حراً إذا ادعى كل واحدٍ من الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى.

وأما كون كل واحدٍ منهما يصير مدعياً على شريكه قيمة حقه عليه؛ فلأنه يدعي أنه عتق عليه بالسراية.

وأما كون العبد لا ولاء عليه لواحدٍ منهما؛ فلأنه لا يدعيه واحدٌ منهما إذْ كل واحدٍ منهما يقول لصاحبه: أنت المعتق وولاؤه لك لا حق لي فيه.

وأما كونه لا يعتق على واحدٍ منهما إذا كانا معسرين؛ فلأنه لا يقبل قول واحدٍ منهما على شريكه في نصيبه. ولا سراية مع الإعسار. فلم يوجد الاعتراف بالحرية.

وأما كون من اشترى نصيب صاحبه يعتق عليه حينئذٍ؛ فلأنه معترفٌ بحريته.

وأما كونه لا يسري إلى نصيبه الذي كان له على قول غير أبي الخطاب؛ فلأن السراية فرعُ الإعتاق ولم يوجد منه ذلك. وإنما حكم عليه بالعتق؛ لاعترافه أن شريكه أعتقه.

(1) في أ: وأما.

ص: 462

وأما كونه يعتق جميعه على قول؛ فلأن الحكم بالعتق شبيهٌ بنفس العتق.

وأما كون نصيب المعسر يعتق وحده إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً؛ فلأنه اعترف بأن الموسر أعتق نصيبه، وذلك يوجب السراية. فعتق نصيبه؛ لاعترافه بما يوجب العتق.

قال: (وإذا قال أحد الشريكين: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر فأعتق الأول وهو موسر: عتق كله عليه. وإن كان معسراً عتق على كل واحدٍ منهما نصيبه).

أما كون العبد يعتق كله على المعتق الأول: أما نصيبه؛ فلأنه أعتقه.

وأما نصيب شريكه؛ فلأنه لما أعتق نصيبه كان موسراً. فسرى إلى نصيب شريكه فعتق بالسراية؛ لما تقدم.

وأما كون كل واحدٍ منهما يعتق عليه نصيبه إذا كان المعتق الأول معسراً؛ فلأن عتق المعسر لا يسري إلى نصيب الشريك. فوقع عتق الشريك؛ لأنه وجد شرط عتقه ولم يوجد ما يمنع وقوعه.

قال: (وإن قال: إذا أعتقت (1) نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فأعتق نصيبه: عتق عليهما موسراً كان أو معسراً).

أما كون النصيب المذكور يعتق على من ذكر مع اليسار؛ فلأن عتق شريكه يقع مقارناً للعتق المعلق. ضرورة قوله: مع نصيبك. فلم تجد السراية محلاً؛ لأنها لا توجد إلا بعد عتق الأول لنصيبه.

وأما كونه يعتق عليهما مع الإعسار؛ فلما تقدم.

(1) في أ: أعتقتك. وما أثبتناه من المقنع.

ص: 463

فصل [يصح تعليق العتق بالصفات]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويصح تعليق العتق بالصفات؛ كدخول الدار ومجيء الأمطار. ولا يملك إبطالها بالقول. وله بيعه وهبته ووقفه وغير ذلك. فإن عاد إليه عادت الصفة. إلا أن تكون قد وجدت منه في حال زوال ملكه فهل تعود بعوده؟ على روايتين).

أما كون تعليق العتق بالصفات كما ذَكر المصنف يصح؛ فلأنه إزالة قيد. فصح تعليقه بما ذكر؛ كالطلاق.

وأما كون المعلِّق لا يملك إبطال الصفات بالقول. والمراد: إبطال تعليق العتق بالصفات؛ فلأنه ألزم نفسه شيئاً. فلم يملك إبطاله بالقول؛ كالنذر.

وأما كونه له بيع المعلَّق عتقه بالصفات وهبته ووقفه وغير ذلك؛ فلأن ملكه باق عليه؛ لكون العتق لا يقع إلا بعد وجود الشرط؛ لأن المعلق بشرط عَدَمٌ عند عدمِ الشرط.

وأما كون المعلَّق عتقه بصفة؛ كدخول الدار ونحوه إذا باعه سيده ثم عاد إليه تعود الصفة إذا لم تكن وجدت فيه في حال زوال ملكه؛ فلأن التعليق وتحقق الشرط موجودان في ملكه. فوجب العتق؛ كما لو لم يزل ملكه عنه.

وأما كونها لا تعود إذا كانت قد وجدت منه فيما ذكر على رواية منصوصة عن الإمام أحمد؛ فلأن العتق المعلق بشرط لا يقتضي التكرار. فإذا وجد مرة انحلت اليمين. وقد وجدت الصفة في الملك الغير فانحلت يمينه. فلم تعد بعد ذلك.

وأما كونها تعود على رواية مخرجة من المنصوص عنه في الطلاق؛ فلأن العتق في معناه.

ولأن التعليق وتحقق الشرط وجدا في ملكه. أشبه ما تقدم.

ص: 464

وفرّق المصنف رحمه الله تعالى في المغني بين الطلاق والعتاق من حيث: إن الطلاق في النكاح الأول يحتسب به عليه في النكاح الثاني وينقص به عدد طلقاته. بخلاف الملك باليمين.

قال: (وتبطل الصفة بموته. فإن قال: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر، أو أنت حر بعد موتي بشهر فهل يصح ويعتق بذلك؟ على روايتين.

وإن قال: إن دخلتها فأنت حر بعد موتي فدخلها في حياة السيد صار مدبراً، وإلا فلا).

أما كون الصفة تبطل بموت المعلِّق؛ فلأن ملكه يزول بموته. فتبطل الصفة بموته؛ كسائر تصرفاته.

وأما كون من قال ما ذكر في الصورتين المتقدم ذكرهما لا يصح على رواية؛ فلأنه جعل العتق معلقاً بصفة توجد بعد زوال ملكه. فلم يصح؛ كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك فأنت حر.

فعلى هذا لا يعتق المعلَّق عتقه بذلك؛ لعدم صحة التعليق.

وأما كونه يصح على رواية؛ فلأنه إعتاقٌ بعد الموت. فصح؛ كما لو قال: أنت حر بعد موتي.

فعلى هذا يعتق؛ لأن صحة التعليق توجب وقوع العتق عند شرطه ضرورة.

وأما كون العبد يصير مدبراً إذا قال سيده: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر فدخلها في حياة السيد؛ فلأنه وجد شرط القول المذكور وهو مقتضٍ للتدبير.

وأما كونه لا يصير مدبراً إذا لم يدخل الدار في حياة السيد؛ فلأنه جعل الموت ظرفاً لوقوع الحرية، وذلك يقتضي سبق دخول الدار في الحياة. ضرورة أنه الشرط. إذ الشرط لا بد من سبقه الجزاء.

قال: (فإن قال: إن ملكتُ فلاناً فأنت حر، وكل مملوك أملكه فهو حر: فهل يصح؟ على روايتين. وإن قاله العبد لم يصح في أصح الوجهين).

أما كون الحر إذا قال ذلك يصح على رواية؛ فلأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه. أشبه ما لو كان التعليق في ملكه.

ص: 465

وأما كونه لا يصح على رواية؛ فلأنه لا يملك تنجيز العتق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عِتقَ قبلَ مُلكٍ» (1) رواه أبو داود الطيالسي. فلا يملك تعليقه؛ كالنكاح.

وأما كون العبد إذا قال ذلك لا يصح في وجه؛ فلأن العبد لا يملك. فلم يصح التعليق منه.

وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فبالقياس على الحر.

وأما كون الأول أصح؛ فلما ذكر من الفرق بينهما.

قال: (وإن قال: آخر مملوك اشتريته فهو حر، وقلنا بصحة الصفة فملك عبيداً ثم مات: فآخرهم حر من حين الشراء، وكسبه له).

أما كون آخر العبيد فيما ذُكر حراً؛ فلأن الحرية علقت على الاتصاف بالآخرية، وقد وجدت في الآخر.

وأما كون الحرية من حين الشراء؛ فلأنه تبين بالموت أنه آخرهم من حينئذ.

فإن قيل: لم أخّر الحكم بذلك إلى الموت؟

قيل: لجواز أن يشتري بعده آخر. فلا يكون آخر عبد استثنى له.

وأما كون كسبه له؛ فلأن الكسب يتبع الحرية.

قال: (وإن قال لأمته: آخر ولد تلدينه فهو حر. فولدت حياً ثم ميتاً: لم يعتق الأول. وإن ولدت ميتاً ثم حياً عتق الثاني. وإن ولدت توأمين وأشكل الآخر منهما أقرع بينهما).

أما كون الأول في الصورة الأولى لا يعتق؛ فلأنه ليس بآخر ولدٍ ولدته.

وأما كون الثاني في الصورة الثانية يعتق؛ فلأنه آخر ولدٍ ولدته.

وأما كون التوأمين يقرع بينهما؛ فلأن أحدهما يستحق العتق. فأقرع بينهما؛ كما لو قال: أحدكما حر. وكما لو أعتق عبداً من عبيده ثم جهل عينه.

(1) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (1767)243.

ص: 466

قال: (ولا يتبع ولدُ المعتقة بالصفة أمَّه في العتق في أصح الوجهين. إلا أن تكون حاملاً به حال عتقها، أو حال تعليق عتقها).

أما كون ولد المعتقة بالصفة لا يتبع أمه إذا لم تكن حاملاً به حال عتقها أو حال تعليق عتقها في وجه؛ فلأن التعليق ووجود الصفة لا تعلق لهما بالولد. فلم تصح التبعية.

وأما كونه يتبعها في وجهٍ؛ فبالقياس على ولد المدبرة.

وأما كون الأول أصح؛ فلأن الفرق بين المعلق عتقها بصفة والمدبرة ثابت؛ لأن ولد المدبرة يعتق إذا مات السيد وهي حية أو ميتة. بخلاف ولد المعلق عتقها بصفة فإنه لا يعتق حتى يوجد العتق في أمه.

وأما كونه يتبعها إذا كانت حاملاً به حال عتقها؛ فلأن الحمل كعضو من أعضاء أمه. دليله: ما لو أعتقها وهي حامل فإنه يعتق بعتقها. فكذا هاهنا.

وأما كونه يتبعها إذا كانت حاملاً به حال تعليق عتقها؛ فلأن التعليق أحد سببي العتق. أشبه الآخر.

قال: (وإذا قال لعبده: أنت حر، وعليك ألف، أو على ألف: عتق ولا شيء عليه. وعنه: إن لم يقبل العبد لم يعتق. والصحيح في قوله: أنت حر على ألف أنه لا يعتق حتى يقبل).

أما كون العبد يعتق ولا شيء عليه في الصورتين المتقدم ذكرهما على الأول؛ فلأنه أعتقه بغير شرط وجعل علته عوضاً لم يقبله. فوقع به العتق ولم يلزمه شيء.

وأما كونه لا يعتق على رواية إذا لم يقبل العتق؛ فلأن السيد قصد المعاوضة. فإذا لم يقبل العبد وجب أن يبقى الحال على ما كان.

وأما كون الصحيح في قوله: أنت حر على ألف أنه لا يعتق حتى يقبل؛ فلأن قصد العوض فيه ظاهر، وقد يستعمل بإزاء الشرط. أشبه ما لو قال: أعتقتك بشرط أن تعطيني ألفاً. بخلاف قوله: وعليك ألف فإنه لا رابطة بينه وبين العتق.

ص: 467

قال: (وإن قال: أنت حر على أن تخدمني سنة فكذلك. وقيل: إن لم يقبل [لم يعتق] (1) رواية واحدة).

أما كون قول: أنت حر على أن تخدمني سنة كما تقدم؛ فلأنه في معنى قوله: أنت حر على ألف.

وأما كون المقول له لا يعتق رواية واحدة إذا لم يقبل على قول؛ فلأن قَصْد المعاوضة فيما ذكر أظهر.

(1) زيادة من المقنع.

ص: 468

فصل [إذا قال كل مملوك لي حر]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا قال: كل مملوكٍ لي حر: عتق عليه مدبروه، ومكاتبوه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه).

أما كون قائل ما ذكر يعتق عليه مدبروه؛ فلأن كل واحدٍ منهم مملوكٌ له وقد حرره.

وأما كونه يعتق عليه مكاتبوه؛ فكذلك.

وأما كونه يعتق عليه أمهات أولاده وشقصٌ يملكه؛ فلأن كلاً منهما داخلٌ في مسمى المملوك، وقد حرره.

قال: (وإن قال: أحد عبديَّ حر: أُقرع بينهما. فمن تقع عليه القرعة فهو حر من حين عتقه. وإن مات أقرع الورثة. وإن مات أحد العبدين أقرع بينه وبين الحي).

أما كون العبدين فيما إذا قال: أحد عبديَّ حر يقرع بينهما؛ فلأن أحدهما استحق العتق ولم يعلم عينه. أشبه ما لو أعتق المريض عبيداً لا يملك غيرها. بيان المشابهة بينهما: أن من أعتق عبيداً لا يملك غيرها وهو مريض مرض الموت لم ينفذ عتقه إلا في الثلث فبعضهم مستحق للعتق. وقد أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم (1) فكذلك تشرع القرعة في هذه الصورة؛ لكون البعض مستحقاً للقرعة لا الكل.

وأما كون من تقع عليه القرعة حراً؛ فلأن فائدتها ذلك.

وأما كون ذلك من حين الإعتاق؛ فلأن القرعة مثبتة لا منشئة.

وأما كون الورثة تقرع إذا مات المعتق؛ فلأنهم يَقُومون مقام الميت.

(1) سيأتي ذكره وتخريجه من حديث عمران بن حصين ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..

ص: 469

وأما كون الميت يقرع بينه وبين الحي إذا مات أحد العبدين؛ فلأن العتق مستحق في أحدهما قبل الموت.

فعلى هذا إن وقعت القرعة على الميت حكم بموته حراً، وإن وقعت على الحي عتق، وحكم بموت الآخر رقيقاً.

قال: (وإن أعتق عبداً ثم أُنْسيه: أُخْرج بالقرعة. وإن علم بعدها أن المعتق غيره عتق وهل يبطل عتق الأول؟ على وجهين).

أما كون العبد المعتق المنسيّ عتقه يُخرج بالقرعة؛ فلما تقدم.

وأما كون غير من خرجت له القرعة إذا عَلم بعدها أنه المعتق يعتق؛ فلأنه أعتقه، وقد تبين أمره.

وأما كون عتق الأول يبطل على وجه؛ فلأنه تبين أنه ليس المعتق.

وأما كونه لا يبطل على وجه؛ فلأن العتق إذا وقع لا يرتفع.

ص: 470

فصل [إذا أعتق في مرض موته]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أعتق في مرض موته ولم تُجِز الورثة: اعتبر من ثلثه. وإن أعتق جزءاً من عبده في مرضه أو دبره وثلثه يحتمل جميعه عتق جميعه. وعنه: لا يعتق إلا ما أعتق).

أما كون من أعتق في مرضه ولم تُجِز الورثة [يعتبر من ثلثه](1)؛ فلما روى عمران بن حصين «أن رجلاً أعتقَ ستةَ مملوكين له عندَ موتهِ. لم يكن له مالٌ غيرهم. فدعاهمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فجزأهمْ أثلاثاً. ثم أقرعَ بينهمْ. فأعتقَ اثنينِ وأَرَقَّ أربعة. وقالَ لهُ قَولاً شَديداً» (2). رواه مسلم.

ولأن المعتق تصرف فلم ينفذ من غير الثلث عند عدم إجازة الورثة؛ كالهبة ونحوها.

وأما كون من أعتق جزءاً من عبده في مرضه وثلثه يحتمل جميعه يعتق جميعه على المذهب؛ فلأن عتق الشخص لجزء من عبده موجب للسراية؛ لما تقدم.

وأما كون من دبّر جزءاً منه وثلثه يحتمل جميعه يعتق جميعه على المذهب؛ فلأن التدبير إعتاق لبعض عبده عند موته فعتق جميعه؛ كما لو أعتقه في حياته.

واشترط المصنف في عتق الجميع: أن يكون ثلث المريض يحتمله؛ لأن تصرف المريض بالمباشرة في الزائد عن الثلث لا يصح. فلأن لا يسري فيه بطريق الأولى.

وأما كونه لا يعتق في الصورتين إلا ما أعتق على رواية؛ فلأن المريض محجور عليه في المرض.

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2)

أخرجه مسلم في صحيحه (1668) 3: 1288 كتاب الأيمان، باب من أعتق شركاً له في عبد.

وأخرجه أبو داود في سننه (3958) 4: 28 كتاب العتق، باب فيمن أعتق عبيداً له لم يبلغهم الثلث.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1364) 3: 645 كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ص: 471

قال: (وإن أعتق في مرضه شركاً له في عبد أو دبَّره وثلثه يحتمل باقيه: أعطى الشريك وكان جميعه حراً في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يعتق إلا ما ملك منه).

أما كون المعتِق المذكور يعطي الشريك -أي قيمة باقيه- بتقدير الحكم بالحرية؛ فلعموم قوله عليه السلام: «وأعطى شركاءهم حصصهم» (1).

ولأنه أتلف عليه باقيه بالعتق. أشبه ما لو قتله.

وأما كون جميعه حراً على رواية؛ فلأن تصرف المريض فيما لم يجاوز الثلث كتصرف الصحيح. ولو أعتق الصحيح شِركاً له في عبد سرى إلى نصيب الشريك. فكذلك المريض.

وأما كونه لا يعتق منه إلا ما ملك منه على روايةٍ؛ فلأنه بموته يزول ملكه إلى الورثة فلا يبقى له شيء يعطي منه.

والصحيح حرية جميعه فيما أعتق؛ لما تقدم من أن تصرف المريض في ثلثه كتصرف الصحيح في ماله. بخلاف ما إذا دبر؛ لما ذكر من أنه يزول ملكه بموته فلا يبقى له ما يعطي الشريك.

قال المصنف في المغني: قال القاضي: الرواية في سراية العتق حال الحياة أصح. والرواية في وقوفه في التدبير أصح.

قال: (ولو أعتق في مرض موته ستة أعبد قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم ثم ظهر عليه دين يستغرقهم: بيعوا في دينه. ويحتمل أن يعتق ثلثهم).

أما كون العبيد المذكورين يباعون في دين المعتق؛ فلأن عتقهم فيما ذكر كالوصية، والدين مقدم على الوصية، ولهذا قال علي رضي الله عنه:«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبلَ الوصية» (2). فكذلك فيما هو كالوصية.

(1) سبق تخريجه من حديث ابن عمر ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..

(2)

أخرجه الترمذي في جامعه (2122) 4: 435 كتاب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية.

وأخرجه ابن ماجة في سننه (2715) 2: 906 كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية.

ص: 472

ولأن الدين مقدم على الميراث بالاتفاق، ولهذا تباع التركة في قضاء الدين. وقال تعالى:{من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11]. والميراث مقدم على الوصية في الثلثين. وما يُقدم على الميراث يجب أن يقدم على الوصية.

وأما كونهم يحتمل أن يعتق ثلثهم؛ فلأن تصرف المريض في ثلثه صحيح، وقد تصرف بالعتق.

قال: (وإن أعتقهم فأعتقنا ثلثهم، ثم ظهر له مال يخرُجون من ثلثه: عتق من أرقّ منهم. وإن لم يظهر له مال جزأناهم ثلاثة أجزاء، كل اثنين جزءاً، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق. فمن خرج له سهم الحرية عتق، ورقّ الباقون).

أما كون من أرقّ ممن ذكر يعتق إذا ظهر للمعتق مال يخرجون من ثلثه؛ فلأن المنع من عتقهم إنما كان لاعتقاد أنهم لا يخرجون من الثلث وقد تبين خلافه. فوجب عتق الكل. عملاً بموجبه السالم عن المعارض.

وأما كونهم يجزؤون ثلاثة أجزاء ويقرع بينهم إذا لم يظهر لهم مال؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جَزَّأَ الأعبد الستة أثلاثاً، ثم أقرع بينهم» (1).

وأما كون كل اثنين جزءاً؛ فليحصل التثليث.

ولا بد أن يلحظ أن العبيد متساووا القيمة والعدد؛ كثلاثة أو ستة أو تسعة، وما أشبه ذلك. قيمة كل واحدٍ مثلُ قيمة الآخر. فإن كانوا متساوي العدد مختلفي القيمة؛ كستة أعبد، قيمة اثنين ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، واثنين ألفان ألفان، واثنين (2) ألف ألف: جعلت الاثنين اللذين قيمتهما أربعة آلاف جزءاً، وكل واحدٍ من اللذين قيمتهما ألف ألف مع كل واحدٍ من الذين قيمتهما ثلاثة آلاف ثلاثة (3) آلاف جزءاً. وكل واحدٍ من اللذين قيمتهما ألف ألف مع كل واحدٍ من اللذين قيمتهما ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف جزءاً.

وأما كون القرعة بسهم حرية وسهمي رِقّ؛ فلأن الحرية نافذة في الثلث، والرق باق في الثلثين.

(1) سبق تخريجه ص: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة ..

(2)

في أ: اثنان.

(3)

في أزيادة: أربعة.

ص: 473

وأما كون من خرج له سهم الحرية يعتق ويرق الباقون؛ فلأن فائدة القرعة ذلك.

قال: (فإن كانوا ثمانيةً فإن شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق وسهم لمن ثلثاه حر، وإن شاء جزأهم أربعة أجزاء، وأقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق، ثم أعاد القرعة بينهم لإخراج من ثلثاه حر، وإن فعل غير ذلك جاز).

أما كون من يَقْرع بين الثمانية إن شاء أقرع بينهم كما ذكر، وإن شاء جزأهم وأقرع بينهم كما ذكر؛ فلأن الغرض إخراج الثلث بالقرعة. فكيف اتفق ذلك حصل الغرض.

وأما كونه يَقرع بينهم بسهمي حرية وسهم رق وسهم لمن ثلثاه حر؛ فلأن المستحق للعتق الثلث وذلك عبدان وثلثا عبد.

وأما كونه يجزؤهم أربعة أجزاء؛ فلأنه يمكن جعل كل اثنين جزءاً.

وأما كونه يقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق؛ فليظهر الفريق المعتق من غيره.

وأما كونه يعيد القرعة؛ فليظهر من ثلثاه حر.

وأما كونه إذا فعل غير ذلك يجوز؛ فلما تقدم من أن الغرض إخراج الثلث بالقرعة وهو موجود فيما ذكر.

فإن قيل: ما مراد المصنف بذلك؟

قيل: مراده والله أعلم أنه يجزؤهم ثلاثة أجزاء: ثلاثة وثلاثة واثنين. ثم يقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق. فإن وقع سهم الحرية على الثلاثة أعيدت القرعة بينهم بسهم عتق وسهم رق. فمن وقع عليه سهم العتق عتق ثلثاه.

قال: (وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان والآخر ثلاثمائة جمعت قيمتهما وهي خمسمائة فجعلتها الثلث ثم أقرعت بينهما. فإن وقعت على الذي قيمته مائتان ضربته في ثلاثة تكن ستمائة، ثم نسبت منه خمس المائة يكن العتق فيه خمسة أسداسه، وإن وقعت على الآخر عتق منه خمسة أتساعه. وكل شيء يأتي من هذا فسبيله أن يضرب في ثلاثة ليخرج بلا كسر).

أما كون عامل المسألة المذكورة يجمع قيمتي العبدين؛ فليعلم مبلغهما.

وأما كونه يجعل ذلك الثلث؛ فلئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه.

ص: 474

وأما كونه يقرع بينهما؛ فلتمييز المعتق منهما.

وأما كونه يضرب قيمة من قيمته مائتان في ثلاثة؛ فكما عمل في مجموع القيمة.

وأما كونه ينسب خمسمائة منها؛ فلأنها الثلث تقديراً.

وأما كون العتق إذا وقعت القرعة على العبد الذي قيمته مائتان خمسة أسداسه؛ فلأن خمسمائة من ستمائة خمسة أسداسها.

وأما كونه إذا وقعت على العبد الذي قيمته ثلاثمائة خمسة أتساعه؛ فلأنه إذا ضربت قيمته وهي ثلاثمائة في ثلاثة كانت سبعمائة. فإذا نسبت خمس المائة منها كانت خمسة أتساعها.

وأما كون كل شيء يأتي من هذا فسبيله أن يضرب في ثلاثة؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من قوله: ليخرج بلا كسر.

قال: (وإن أعتق واحداً من ثلاثة أعبد فمات أحدهم في حياته أقرع بينه وبين الحيين. فإن وقعت على الميت رق الآخران، وإن وقعت على أحد الحيين عتق إذا خرج من الثلث).

أما كون الميت يقرع بينه وبين الحيين؛ فلتمييز المعتق منهم.

وأما كون القرعة إذا وقعت على الميت رقّ الآخران؛ فلأنه تبين أنه لا عتق فيهما.

وأما كونها إذا وقعت على أحد الحيين يعتق؛ فلأن القرعة مميزة.

واشترط المصنف في هذه الصورة: الخروج من الثلث في العتق؛ لأن تصرف المريض معتبر من الثلث. ولم يشترط في الصورة الأولى؛ لأن الميت إن كان وقف الثلث فلا إشكال فيه، وإن كان أكثر فالزائد على الثلث هلك على مالكه، وإن كان أقل فلا يعتق من الآخرين شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحداً.

وأما إذا وقعت على أحد الحيين فلا بد من اعتبار القيمة؛ لأن العبرة بالثلث عند الموت، والميت قبله هلك من أصل المال.

ص: 475

قال: (وإن أعتق الثلاثة في مرضه فمات أحدهم في حياة السيد فكذلك في قول أبي بكر. والأولى أن يقرع بين الحيين ويسقط حكم الميت).

أما كون حكم الثلاثة إذا أعتقهم في مرضه فمات أحدهم في حياة السيد كحكم الواحد المعتق من الثلاثة إذا مات أحدهم في قول أبي بكر؛ فلأنهما سواء معنى. فكذا يجب أن يكون حكماً.

فإن قيل: حكم عتق الثلاثة ليس كحكم عتق أحدهم في بعض الصور؛ لأن الميت لو كانت قيمته أقل من الآخرين. فإذا وقعت القرعة عليه عتق من أحد الآخرين تكملة الثلث في عتق الثلاثة. وليس كذلك في عتق أحدهم.

قيل: غرض المصنف رحمه الله تعالى التشبيه في نفس القرعة وعتق أحدهم من غير تعرض لقيمة. أو يحمل قوله: على عبيد قيمتهم متساوية، وتكون فائدة تقييده: العتق بالخروج من الثلث احتمال كونه مالكاً لشيء غير العبيد.

وأما كون الأولى أن يقرع بين الحيين ويسقط حكم الميت: أما القرعة بين الحيين؛ فلأن الحق فيهما وهو محتاج إلى التمييز. فشرعت القرعة بينهما؛ كما لو أعتق اثنين.

وأما سقوط حكم الميت؛ فلأن الهلاك صادف حقاً مشتركاً في الكل. فوجب هلاكه على الكل. وإذا هلك على الكل لم يبق للميت حكم.

ص: 476