المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب حكم العيوب في النكاح - الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط ٣ - جـ ٣

[ابن المنجى، أبو البركات]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب العارية

- ‌كتاب الغصب

- ‌باب الشفعة

- ‌باب الوديعة

- ‌باب إحياء المَوَات

- ‌باب الجُعالة

- ‌باب اللقطة

- ‌باب اللقيط

- ‌كتاب الوقف

- ‌باب الهبة والعطية

- ‌كتاب الوصايا

- ‌كتاب الفرائض

- ‌باب ميراث ذوي الفروض

- ‌باب العصبات

- ‌باب أصول المسائل

- ‌باب تصحيح المسائل

- ‌باب المناسخات

- ‌باب قسمة التركات

- ‌باب ذوي الأرحام

- ‌باب ميراث الحمل

- ‌باب ميراث المفقود

- ‌باب ميراث الخنثى

- ‌باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم

- ‌باب ميراث أهل الملل

- ‌باب ميراث المطلقة

- ‌باب الإقرار بمشارك في الميراث

- ‌باب ميراث القاتل

- ‌باب ميراث المعتق بعضه

- ‌باب الولاء

- ‌كتاب العتق

- ‌باب التدبير

- ‌باب الكتابة

- ‌باب أحكام أمهات الأولاد

- ‌كتاب النكاح

- ‌باب أركان النكاح وشروطه

- ‌باب المحرمات في النكاح

- ‌باب الشروط في النكاح

- ‌باب حكم العيوب في النكاح

- ‌باب نكاح الكفار

- ‌كتاب الصداق

- ‌باب الوليمة

- ‌باب عشرة النساء

- ‌كتاب الخلع

- ‌نهاية السقط من المطبوعة

الفصل: ‌باب حكم العيوب في النكاح

‌باب حكم العيوب في النكاح

قال المصنف رحمه الله تعالى: (العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص الرجال. وهو شيئان: أحدهما: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع به. فإن اختلفا في إمكان الجماع بالباقي فالقول قولها. ويحتمل أن القول قوله).

أما كون العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام؛ فلأن منها ما يختص الرجال، ومنها ما يختص النساء، ومنها ما يشترك فيه الرجال والنساء.

أما كون ما يختص الرجال (1) شيئين؛ فلأن منها ما يكون جَباً، ومنها ما يكون عِنّة.

وأما كون أحد الشيئين المذكورين: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع معه؛ فلأن ذلك يمنع المقصود من النكاح. أشبه العنة. بل أولى؛ لأنه لا يرجى زواله. بخلاف العنة.

وأما كون القول قول الزوجة إذا اختلفت هي والزوج في إمكان الجماع بالباقي على المذهب؛ فلأنها تدّعي شيئاً يعضده الحال فكان القول قولها، وذلك أن الذكر يضعف بالقطع.

ولأنها ادعت عدم الوطء والأصل معها.

وأما كونه يحتمل أن القول قوله؛ فلأنهما لو اختلفا في العنة كان القول قوله. فكذا هاهنا.

ولأن له ما يمكن الجماع بمثله. أشبه من له ذكر قصير.

(1) في أ: النساء.

ص: 624

قال: (الثاني: أن يكون عِنِّيناً لا يمكنه الوطء. فإن اعترف بذلك أُجّل سنة منذ ترافعه. فإن وطئ فيها، وإلا فلها الفسخ).

أما كون ثاني الشيئين اللذين يختصان الرجال من العيوب المثبتة للفسخ: أن يكون الرجل عنيناً لا يمكنه الوطء؛ فلأن عمر رضي الله عنه قضى به (1).

ولأن العنة معنى لا يمكن معه الوطء وذلك هو المقصود من النكاح.

وأما كون الزوج يؤجل سنة منذ ترافعه الزوجة؛ فلأن عمر رضي الله عنه أجَّلَ العنّين سنة (2).

ولأن ذلك العجز يحتمل أن يكون مرضاً. فضُربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة: فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في زمن الاعتدال. فإذا زالت الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية (3) ولم يزل: علم أنه خلقة.

وحكي عن أبي عبدالله أن أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر.

وأما كون الزوجة لها الفسخ عند عدم الوطء في السنة؛ فلأنه يثبت عنته. فيثبت الفسخ؛ لما تقدم.

قال: (وإن اعترفت أنه وطئها مرة بطل كونه عِنِّيناً. وإن وطئها في الدبر أو وطئ غيرها لم تزل العنة. ويحتمل أن تزول).

أما كون الزوج يبطل كونه عِنِّيناً إذا اعترفت الزوجة أنه وطئها مرة؛ فلأنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح، وذلك يبطل عنته.

ولأن حقوق الزوجة من استقرار المهر والعدة تثبت بالوطء مرة واحدة، وقد وجد.

وأما كونه لا تزول عنته إذا وطئها في الدبر على المذهب؛ فلأنه ليس بمحل للوطء. أشبه الوطء دون الفرج.

(1) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.

(2)

أخرجه الدارقطني في سننه (221) 3: 305 كتاب النكاح، باب المهر.

(3)

في أ: واختلفت الهواء. وما أثبتناه من الشرح الكبير 7: 571.

ص: 625

وأما كونه لا تزول عنته بوطء غيرها على المذهب؛ فلأن حكم كل امرأة معتبر بنفسها.

ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها، وهو موجود هنا وإن وطئ غيرها.

وأما كونه يحتمل أن تزول؛ فلأن العنة خلقة وجبلّة. فلا يختلف باختلاف المحل والنساء.

ولأن ذلك يروى عن سمرة وعمر بن عبدالعزيز. وهذا الاحتمال هو اختيار ابن عقيل، ومقتضى قول أبي بكر. ذكره المصنف في المغني.

قال: (وإن ادعى أنه وطئها وقالت أنها عذراء وشهد بذلك امرأة ثقة: فالقول قولها، وإلا فالقول قوله).

أما كون القول قول الزوجة أنها عذراء إذا شهد بذلك امرأة ثقة؛ فلأن بكارتها أكذبت الزوج. إذ الوطء مع بقاء البكارة متعذر.

وأما كون القول قول الزوج إذا لم تشهد امرأة ثقة بذلك؛ فلأن الشاهد تكذبه البكارة وهي منتفية.

قال: (وإن كانت ثيباً فالقول قوله. وعنه: القول قولها. وقال الخرقي: يُخلى معها في بيت ويقال له: أخرج ماءك على شيء. فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني وبطل قولها).

أما كون القول قول الزوج على روايةٍ؛ فلأنه لا يعلم إلا من جهته. والأصل السلامة.

وأما كون القول قول الزوجة على روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم الإصابة.

وأما كون الزوج يُخلى معها في بيت على قول الخرقي؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بصدقه أو كذبه.

وأما كونه يقال له: أخرج ماءك على شيء؛ فلأن الإنزال علامة على عدم عنته؛ لأن العنّين يضعف عنه. فإذا أنزل واعترف أنه مني تبين صدقه وتحقق كذبها.

ص: 626

وأما كون الخارج يُجعل على النار إذا ادعت أنه ليس بمني؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بأنه مني؛ لأن المني لا يشبه إلا بياض البيض المنتن، وذلك يحترق بجعله في النار.

وأما كونه منيًّا إذا ذاب؛ فلأن ذلك شأنه لا شأن ما يشبهه.

وأما كون قولها يبطل عند ذلك فلتحقق كذبها أنه ليس بمني.

فإن قيل: إذا عجز عن إخراج مائه.

قيل: القول قولها؛ لأن الظاهر معها.

فإن قيل: ما الصحيح في الخلاف المذكور؟

قيل: حكى المصنف في المغني إذا كانت ثيباً فالقول قوله في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلامه هنا لأنه قدم ذلك، ودليله ما تقدم.

ولأنه يدعي سلامة العقد والأصل معه.

وقال في موضع منه أيضاً: الصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر والمعنى عليه. ثم قال: والصحيح أن القول قوله كما لو ادعى الوطء في الإيلاء. ثم قال: واعتبار خروج الماء ضعيف لأنه قد يطأ ولا يُنزل وقد يُنزل في غير وطء. فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء. وقد يعجز السليم القادر على الوطء في بعض الأحوال. وليس كل من عجز في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات يكون عنِّيناً ولذلك جعلت مدته سنة. والله أعلم.

ص: 627

فصل [القسم الثاني]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: يختص النساء. وهو شيئان: الرَّتَق. وهو: كون الفرج مسدودًا لا مسلك للذكر فيه، وكذلك القَرْن والعَفَل. وهو: لحم يحدث فيه يسده. وقيل: القَرْن عظم والعَفَل رغوة فيه تمنع لذة الوطء).

أما كون القسم الثاني يختص النساء فظاهر.

وأما كونه شيئين؛ فلأنه تارة يكون مسداً، وتارة يكون انخراقاً.

وأما كون كل واحد من الرَّتَق والقَرْن والعَفَل مثبتاً لخيار الفسخ؛ فلأنه يمنع من استيفاء مقصود النكاح. أشبه الجب والعنة.

ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح. فجاز ردها بعيب؛ كالصداق. أو أحد العوضين في عقد النكاح فجاز رده بالعيب. أو أحد العوضين. فثبت له الخيار بالعيب في الآخر؛ كالمرأة.

وأما معنى ذلك فالرَّتَق بتحريك الراء والتاء كون الفرج مسدوداً يعني ملتصقاً لا يدخل الذكر فيه. قاله أبو الخطاب.

قال الجوهري: الرَتَق مصدر قولك: امرأةٌ رَتْقَاءُ، بَيِّنةَ الرَتَق، لا يستطاع جماعُها لارْتتاق ذلك الموضع منها. وقد رَتَقْتُ الفتق أَرْتُقُهُ فارْتَتَقَ. أي: التأَم.

وقال القاضي: الرتق والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج.

والقَرْن بفتح القاف وسكون الراء قيل: لحم كما تقدم. وقيل: عظم.

والعَفَل بفتح العين والفاء قيل: لحم كما تقدم. وقيل: رغوة تمنع لذة الوطء. قاله أبو حفص.

وقال الجوهري: هو شيء يخرج في قبل المرأة كالأُدْرة التي للرجال، والأُدْرة: نفخة في الخصية.

ص: 628

قال: (والثاني: الفتق. وهو: انخراق ما بين السبيلين، وقيل: انخراق ما بين مخرج البول والمني).

أما كون الفتق مثبتاً للخيار أيضاً؛ فلأن فيه تنفيراً من الوطء. وربما فات مقصود الوطء. أشبه الجب والعنة وغيرهما من العيوب المثبتة للفسخ.

وأما كون الفتق انخراق ما بين السبيلين على المذهب؛ فلأنه مصدر قولك: امرأة فتقاء. وهي المنفتقة الفرج؛ فلأن فيه تنفيراً. أشبه انخراق ما بين السبيلين.

ص: 629

فصل [القسم الثالث]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثالث: مشترك بينهما. وهو: الجذام، والبرص، والجنون سواء كان مُطْبقاً أو يخنقُ في الأحيان. فهذه الأقسام يثبت فيها خيار الفسخ روايةً واحدة).

أما كون الثالث مشتركاً بين الرجل والمرأة فظاهر؛ لأنه يقع بكل واحد منهما.

وأما كون كل واحد من الجذام والبرص مثبتاً للفسخ؛ فلأنهما يثيران نفرة في النفس تمنع قربان أحدهما الآخر ويخشى تعديه إلى النفس والنسل، وذلك وسيلة مانعة من الاستمتاع. فأثبت كل واحد منهما لكل واحد فسخ النكاح؛ كالجَبِّ والعنّة.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه تزوج امرأةً فرأى بكَشْحِهَا بياضا. فقال لها: البسي ثيابكِ والحقي بأهلِك» (1).

وأما كون الجنون مثبتاً للفسخ أيضاً؛ فلأنه يثير النفرة المذكورة، ويخاف ضرره.

وأما كون ما ذكر كذلك سواء كان مطبقاً أو يخنق في الأحيان. والمراد كونه دائماً أو يعتوره وقتاً دون وقت؛ فلأن النفس لا تسكن إلى من هذه حياته.

وأما قول المصنف: فهذه الأقسام يثبت بها خيار (2) الفسخ روايةً واحدة؛ فتأكيد لما سبق، وتصريح بأنه لا خلاف عن الإمام أحمد في ذلك.

ص: 630

فصل [في العيوب المختلف فيها]

قال المصنف رحمه الله تعالى: (واختلف أصحابنا في البَخَر. وهو: نتن الفم. وقال ابن حامد: نتن في الفرج يثور عند الوطء، واستطلاق البول، والنجو، والقروح السيالة في الفرج، والباسور، والناصور، والخصاء. وهو: قطع الخصيتين، والسل. وهو: سل البيضتين، والوجاء. وهو: رضّهما، وفي كونه خنثى مشكلاً، وفيما إذا وجد أحدهما بصاحبه عيباً به مثله، أو حدث به العيب بعد العقد: هل يثبت الخيار؟ على وجهين. وإن علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب: فلا خيار له).

أما كون البَخَر يثبت الخيار على وجه؛ فلأنه يثير نفرة. أشبه البرص.

وأما كون البخر الذي يثبت الخيار نتن الفم على المذهب؛ فلأن النفرة تحصل بذلك.

وأما كونه نتناً في الفرج يثور عند الوطء على قول ابن حامد؛ فلأن النفرة تحصل بذلك أيضاً.

قال المصنف في المغني: إن أراد به أن يسمى بخراً ويثبت به الخيار، وإلا فلا معنى له.

وأما كون استطلاق البول والغائط يثبت الخيار على وجه؛ فلأن النفرة تحصل به ويخشى تعدي النجاسة.

وأما كون كل واحد من القروح السيالة في الفرج، والباسور. وهو: علة تحدث في المقعدة، والناصور. وهو: علة تحدث حوالي المقعدة يُثبت الخيار على وجه؛ فلأنه في معنى البَخَر.

ص: 631

وأما كون الخصاء يُثبت الخيار (1) على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً يمنع الوطء.

وقد روي «أن عمرَ رضي الله عنه قال لرجلٍ تزوجَ امرأةً وهو خصي: أَعْلمتها؟ قال: لا. قال: أعلمها ثم خيّرها» . رواه أبو عبيد.

وأما كون كل واحد من السل والوجاء يثبته على وجه؛ فلأنه في معنى الخصاء.

وأما كون كونه خنثى مشكلاً يثبته على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً ومضرة. أشبه الخصاء.

وأما كون أحدهما إذا وجد بصاحبه عيباً به مثله يثبت الخيار على وجه؛ فلأن الذي يُثبت الخيار وجود العيب، وهو متحقق هنا.

ولأن المساواة لا تبطل الخيار الثابت. بدليل ما لو غر عبداً بأمة.

وأما كون من حدث به العيب بعد العقد يثبته على وجه؛ فلأنه عيب حدث للمعقود عليه. فأثبت الخيار؛ كالإجارة.

وأما كون شيء مما تقدم لا يُثبت الخيار على وجه: أما في العيوب المذكورة؛ فلأنها لا نص فيها ولا إجماع ولا قياس؛ لأن الفرق بين المنصوص وبين ذلك كله ثابت. وأما إذا وجد بصاحبه عيباً مثله؛ فلأنهما متساويان ولا مزية لأحدهما على صاحبه. أشبها الصحيحين.

وأما فيما إذا حدث به عيب بعد العقد؛ فلأنه عيب حدث بالمعقود عليه قبل لزوم العقد. أشبه الحادث بالمبيع.

وأما كون من علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب لا خيار له؛ فلأنه عيب يثبت الخيار. فبطل مع ما ذكر؛ كالعيب في المبيع.

(1) زيادة يقتضيها السياق.

ص: 632

قال: (ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم. فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، وإن فسخ بعده فلها المهر المسمى. وقيل عنه مهر المثل ويرجع به على من غرّه من المرأة والولي. وعنه: لا يرجع).

أما كون الفسخ المذكور لا يجوز إلا بحكم حاكم؛ فلأنه مجتهد فيه. فاحتاج إلى حكم حاكم؛ كفسخ الاعسار بالنفقة. وفارق خيار المعتقة من جهة كونه معتقا عليه.

وأما كونه لا مهر إذا فسخ قبل الدخول؛ فلما يأتي بعده.

ولا فرق بين كون الزوجة هي الفاسخة أو الزوج في أن لا مهر قبل الدخول؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها. فيسقط مهرها؛ كما لو أفسدته برضاع زوجة له أخرى. وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء وصار الفسخ كأنه منها.

فإن قيل: هلا جعل فسخها لعيبه كأنه منه لحصوله بتدليسه.

قيل: العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت فسخ العقد مع استدامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضاً. فافترقا.

وأما كون المرأة لها المهر إذا فسخ العقد بعد الدخول؛ فلأن المهر يجب بالعقد ويستقر بالدخول. فلا يسقط بحادث بعده. وكذلك لا يسقط بردتها ولا يفسخ من جهتها.

وأما كونه المسمى على المذهب؛ فلأنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح. فوجب المسمى؛ كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد. ويدل على أن النكاح صحيح أنه وجد بشروطه وأركانه. فكان صحيحاً؛ كما لو لم يفسخه.

ولأنه لو لم يفسخ لكان صحيحاً. فكذلك إذا فسخه كنكاح الأمة إذا عتقت تحت عبد.

ولأنه يترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت [مهر المثل.

ص: 633

وأما كونه عليه مهر] (1) المثل على روايةٍ منقولة عن الإمام أحمد؛ فلأن الفسخ استبدال العقد. فصار كالعقد الفاسد.

وأما كون الزوج يرجع بذلك على من غرّه من المرأة أو الولي على المذهب؛ فلما روى ابن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: «أيما رجل تزوّجَ بامرأة بها جنونٌ أو جذامٌ أو برصٌ فلها صَدَاقَهَا وذلك لزوجهَا غُرْمٌ على وَليِّها» (2).

ولأنه غره في النكاح بما يثبت الخيار. فكان المهر على الغارّ؛ كما لو غره بحرية أمة.

وقول المصنف رحمه الله تعالى: من المرأة؛ يرجع عليها لأنها غارة. أشبهت الولي.

وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه.

ولأنه ضمن ما استوفى بدله وهو الوطء. فلا يرجع به على غيره؛ كما لو كان المبيع معيباً فأكله.

قال المصنف في المغني: الصحيح أن المذهب [أنه يرجع](3) روايةً واحدة.

قال الإمام أحمد: كنت أذهب إلى قول علي بن أبي طالب فهبته فملت إلى قول عمر: إذا تزوجها فرأى جذاماً أو مرضاً فإن لها المهر لمسيسه إياها ووليها ضامن الصداق.

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2)

أخرجه مالك في موطئه (9) 2: 416 كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق والحباء.

(3)

زيادة من الشرح الكبير 7: 583.

ص: 634

فصل

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليس لولي صغيرة أو مجنونة ولا سيد أمة تزويجها معيباً، ولا لولي كبيرة تزويجها به بغير رضاها. فإن اختارت الكبيرة نكاح مجبوب أو عنّين لم يملك منعها. وإن اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص فله منعها في أصح الوجهين. وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به لم يملك إجبارها على الفسخ).

أما كون ولي الصغيرة والمجنونة وسيد الأمة ليس له تزويجها من به أحد العيوب التي تثبت الفسخ؛ فلأن التزويج المذكور يعتمد النظر والحظ، ولا حظ في هذا العقد.

فعلى هذا إذا وقع العقد مع العلم بالعيب لم يصح لأنه عقد لهن عقداً لم يجز عقده. فلم يصح؛ كما لو باع عقار الصبي بغير غبطة ولا حاجة.

وإن لم يعلم بالعيب صح كما لو اشترى لهن معيباً لا يعلم عيبه. ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ لأن غلبة النظر بما فيه الحظ، والحظ في الفسخ. ويحتمل أن لا يصح العقد؛ لأنه زوجهن ممن لا يملك تزويجهن به. فلم يصح؛ كما لو زوجهن بمن يحرم عليهن.

وأما كون ولي الكبيرة ليس له تزويجها بمن ذكر بغير رضاها؛ فلأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد. فلأن تملك المنع بطريق الأولى.

وأما كون الولي لا يملك منع الكبيرة إذا اختارت نكاح مجبوب أو عنّين؛ فلأن ضرر ذلك مختص بها.

وأما كونه له منعها إذا اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص في أصح الوجهين؛ فلأن عليها فيه ضرراً دائماً وعاراً عليها وعلى أهلها. فملك منعها منه، كالتزويج بغير كفء.

ص: 635

وأما كونه لا يملك منعها في وجه؛ لأن الضرر عليها. أشبه المجبوب.

والأول أصح لا شتماله على ضررها وضرر أهلها بخلاف المجبوب.

وذكر المصنف في المغني الخلاف المذكور في كل عيب. وحكى عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: ما يعجبني أن يزوجها بعنين وإن رضيت الساعة تكره إذا دخلت عليه لأن من شأنهن النكاح ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا. ثم قال: وذلك لأن الضرر في ذلك دائم والرضى غير موثوق بدوامه ولا تتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد وربما أفضى إلى الشقاق. والعداوة فيتضرر وليها وأهلها فملك الولي منعها كما لو أرادت زواج من ليس (1) بكفء. والصحيح التفرقة بين الجَبّ والعنة وبين سائر العيوب المذكورة.

ولأن الجب والعنة ضرر يختص بها. بخلاف بقية العيوب. فإن ضررها متعد إلى الولد.

وأما كونه لا يملك إجبارها على الفسخ إذا علمت العيب بعد العقد أو حدث به؛ فلأن حق الولي في ابتداء العقد لا في دوامه. بدليل أنه يملك منعها من تزوج عبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.

(1) في أ: ليست. وما أثبتناه من الشرح الكبير.

ص: 636