الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الجُعالة
والأصل فيها قوله تعالى: {ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زَعِيم} [يوسف: 72]. وروى أبو سعيد الخدري «أنّ ناساً من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حَياًّ من أحياءِ العربِ فلم يَقرُوهم. فبينما هم كذلك إذْ لُدغَ سيدُ أولئك. فقال: هل فيكمْ من رَاقٍ؟ فقالوا: لم تَقرُونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جُعلاً. فجعلوا لهم قطيع شياهٍ. فجعل رجلٌ يقرأ بأمِ الكتابِ ويجمعُ بُزاقَهُ ويتفُل فبَرأَ الرجل فأتوا بالشاءِ، فقالوا: لا نأخذها حتى نسألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألوا عنها النبي (1) صلى الله عليه وسلم. فقال: وما أدراكَ أنها رقيةٌ. خذوها واضربوا لي معكمْ بِسهَم» (2) متفق عليه.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها فجازت كالإجارة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي أن يقول: من ردّ عبدي (3) أو لقطتي، أو بنى لي هذا الحائط فله كذا: فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه. وإن فعله جماعة فهو بينهم. ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه سواء ردّه قبل بلوغ الجعل أو بعده).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي أن يقول: من رد عبدي أو لقطتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا؛ فبيان لمعنى الجُعالة.
وأما كون من فعل ذلك بعد بلوغه الجعل يستحقه؛ فلأن العقد استقر بتمام العمل. فاستحق الجعل، كالربح في المضاربة.
وأما كون الجعل بين الجماعة الفاعلين لذلك؛ فلأن ذلك مستحق بالعمل، وهو مشترك بين الجماعة. فكذلك ما يستحق به.
(1) في هـ: للنبي.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (5404) 5: 2166 كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب.
وأخرجه مسلم في صحيحه (2201) 4: 1727 كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار.
(3)
في هـ: العبد.
وأما كون من فعل ذلك قبل بلوغه الجعل لا يستحقه؛ فلأن فعله وقع غير مأذون فيه. فلم يستحق الجعل، كما لو لم يبلغه.
ولأن الجعل عوض عن مجموع فعله وردّه، وقد وجد الفعل قبل الجعل.
ولأنه بذل منافعه بغير عوضٍ جُعِلَ له. فيكون عاملاً في مال غيره بغير إذنه. فلم يستحق شيئاً؛ لما يذكر في موضعه.
وأما كونه لا يستحقه سواء رده قبل بلوغ الجعل أو بعده؛ فلما تقدم من أن الجعل بدل عن الفعل والرد، والفعل فائت في الرد قبل البلوغ كما هو فائت في الرد بعده.
قال: (وتصح على مدةٍ مجهولةٍ وعملٍ مجهولٍ إذا كان العوضُ معلوماً).
أما كون الجُعالة تصح على مدة مجهولة، وعملٍ مجهول إذا كان العوض معلوماً؛ فلأن الله تعالى قال:{ولِمَنْ جاء به حِمْلُ بعير} [يوسف: 72]، ولم يذكر المدة ولا العمل.
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فجاز مع الجهالة، كالمضاربة.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا كان العوض معلوماً؛ فمشعرٌ بأنه لا تصح الجُعالة إذا كان العوض مجهولاً وهو صحيح؛ لأنه يجب تسليم العوض، وذلك متعذرٌ في المجهول.
قال: (وهي عقد جائز لكل واحدٍ منهما فسخها. فمتى فسخها العامل لم يستحق شيئاً. وإن فسخها الجاعل بعد الشروع فعليه للعامل أجرة عمله. وإن اختلفا في أصل الجعل أو قدره فالقول قول الجاعل).
أما كون الجعالة عقداً جائزاً؛ فلأنها عقدٌ يجوز على مجهولٍ. فكانت جائزةً، كالمضاربة.
وأما كون كل واحدٍ من الجاعل، والمجعول له: له فسخها؛ فلأن ذلك شأن كل عقدٍ جائز.
وأما كون العامل لا يستحق شيئاً إذا فسخ الجعالة؛ فلأنه إنما يستحق الجعل بعد الفراغ من عمله، ولم يحصل.
وأما كون الجاعل عليه أجرة عمل العامل إذا فسخها بعد الشروع؛ فلأنه إنما عمل بعوضٍ، ولم يسلم له بسببٍ من جهة غيره. فوجب على الجاعل أجرة عمله، كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
وأما كون القول قول الجاعل إذا اختلفا في أصل الجعل أو قدره؛ فلأنه منكرٌ والأصل يعضده.
قال: (ومن عمل لغيره عملاً بغير جُعْل فلا شيء له. إلا في ردّ الآبق فإن له في الشرع ديناراً أو اثني عشر درهماً. وعنه: إن ردّه من خارج المصرِ فله أربعون درهماً).
أما كون من عمل لغيره عملاً بغير جُعْل في غير ردّ الآبق لا شيء له؛ فلأنه بذل نفعه من غير جُعل. أشبه ما لو نوى التبرع به.
وأما كونه له في ردّ الآبق شيء بالشرع، فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الآبقِ إذا جاء به خارجاً من الحرم ديناراً» (1).
ولأنه قول علي وعمر وابن عمر وابن مسعود، ولم يعرف لهم مخالفٌ. فكان إجماعاً.
وعن أحمد: لا شيء لمن ردّه؛ لأنه عمل في ملك غيره عملاً بغير إذنه. فلم يستحق شيئاً، كما لو ردّ جمله.
والأول أصح، لما تقدم ذكره.
ولأن في استحقاق الجعل في ردّ الآبق من غير شرط حثاً على ردّه، وصيانة له عن الرجوع إلى دار الحرب، وارتداده عن دينه. فيجب أن يكون مشروعاً لهذه المصلحة. وبهذا فارق الجمل الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك.
فعلى هذه إن ردّه من داخل المصرِ فله دينار أو اثني عشر درهماً: أما الأول؛ فلأنه يروى عن ابن مسعود. وأما الثاني؛ فلأن الدينار مقدر في الشرع بذلك في كثير من المواضع. فليكن كذلك هاهنا.
وإن ردّه من خارج المصر ففيه روايتان:
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 200 كتاب اللقطة، باب الجعالة.
إحداهما: أنه له ديناراً أو اثني عشر درهماً: أما الأول، فلما تقدم من الحديث.
وأما الثاني (1)؛ فلأنها بدل عنه لما تقدم.
وثانيهما: أن له أربعين درهماً؛ لما روى أبو عمرو الشيباني قال: «قلت لعبدالله بن مسعود: إني أصبتُ عبيداً أباقاً فقال: لكَ أجرٌ وغنيمة. فقلتُ: هذا الأجر فما الغنيمة؟ فقال: من كل رأسٍ أربعينَ درهماً» (2).
وقال أبو إسحاق: «أُعْطيتُ الجعل في زمن عمر أربعين درهماً» . وهذا يدل على أنه مستفيض بين أهل العصر الأول. واختار هذه الرواية الخلال، وقال: حديث عبدالله بن مسعود أصح إسناداً.
قال: (ويأخذ منه (3) ما أنفق عليه في قوته وإن هرب منه في طريقه، فإن مات السيد استحق ذلك في تركته).
أما كون الرّاد يأخذ ما أنفقه على الآبق في قوته؛ فلأنه مأذون له في الإنفاق من جهة الشرع لحرمة النفس. وبهذا فارق من قضى دين غيره بغير إذنه حيث وقع فيه خلاف. بخلاف الآبق.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن هرب منه (4) في طريقه؛ ففيه تنبيهٌ على أن الهرب لا يسقط النفقة؛ لأنها وقعت مأذوناً فيها شرعاً وقد وُجدت فاستحق الرجوع بها، كما لو أذن مالكه في الإنفاق عليه ثم هرب. وفيه إشعارٌ بأن الجعل لا يُستحق إلا (5) بالرد سواء كان ذلك متاعاً وجده ثم ضاع، أو عبداً وجده ثم هرب لكونه ذكر ذلك في النفقة دون الجعل. وصرح بذلك في المغني. وعلل عدم الاستحقاق في العبد: بأن الجعل مرتبٌ على الرد؛ لأن القائل يقول: من ردّ عبدي.
ثم قال: فإن قيل: أليس الجعل في اللقطة معلقاً على مجرد الوجدان، كقوله: من وجد لقطتي فله دينار؟
(1) سقط لفظي: وأما الثاني من هـ.
(2)
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (14911) 8: 208 كتاب البيوع، باب الجعل في الآبق.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 200 كتاب اللقطة، باب الجعالة.
(3)
ساقط من هـ.
(4)
مثل السابق.
(5)
مثل السابق.
[قيل: قرينة الحال تدل على اشتراط الرّد، إذ المقصود الرّد لا نفس الوجدان](1). وإنما اكتفى بذكر الوجدان؛ لأنه سبب الرّد.
وأما كون الرّاد يستحق ما تقدم ذكره في تركة السيد إذا مات؛ فلأن ذلك وجب له. فكان له في تركة السيد، كسائر الحقوق الثابتة عليه.
(1) ساقط من أ.