الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الجنائز
مدخل
…
باب: الجنائز
يستحب ذكر الموت بقلبه والإكثار منه والاستعداد له بالتوبة، والمريض أولى، ويسن عيادة المريض المسلم حتى الأرمد، والعدو والجار والكافر إن كان جارًا أو قريبًا غبًا ويخفف، ويدعو له بالعافية إن احتمل حياته، وإلا فيرغبه في توبة ووصية، ويحسن
ــ
باب: الجنائز
جمع جنازة بالفتح وبه1 وبالكسر للميت في النعش فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش من جنزه إذا ستره به2.
"يستحب" لكل أحد "ذكر الموت بقلبه" ولسانه "والإكثار منه" أي من ذكره بأن يجعله نصب عينيه لأنه أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكره، وعلله بأنه "ما ذكر في كثير" أي من أمر الدنيا والأمر فيها "إلا قلله، ولا في قليل" أي من الأعمال "إلا كثره"3. "و" يستحب "الاستعداد له بالتوبة" أي تجديدها والاعتناء بشأنها، ومحله إن لم يعلم أن عليه مقتضيًا لها وإلا وجبت فورًا بالإجماع "والمريض أولى" بذلك لأنه إلى الموت أقرب. "ويسن عيادة المريض المسلم حتى الأرمد" للاتباع ولو في أول يوم من مرضه وخبر: "إنما يعاد بعد ثلاثة"4 موضوع "والعدو" ومن لا يعرفه "والجار والكافر" أي الذمي والمعاهد والمستأمن "إن كان جارًا أو قريبًا" أو نحوهما كخادم ومن يرجى إسلامه فإن انتفى ذلك جازت عيادته بلا كراهة، ويكره عيادة تشق على المريض، ولا تندب عيادة ذي بدعة منكرة وأهل الفجور والمكس5 إذا لم يكن قرابة ولا نحو جوار ولا رجا توبته لأنا مأمورون بمهاجرتهم، ويندب أن تكون العيادة "غبًا" أي يومًا بعد يوم مثلا فلا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبًا، نعم نحو القريب والصديق ممن يستأنس به المريض أو يتبرك به أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم يسن لهم المواصلة ما لم ينهوا أو يعلموا كراهته لذلك "ويخفف" المكث عنده بل تكره إطالته ما لم يفهم منه الرغبة فيها. "ويدعو له بالعافية إن احتمل حياته" أي طمع فيها ولو على بعد، وأن يكون دعاؤه: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن
1 أي بالفتح.
2 انظر لسان العرب "5/ 324" مادة "جنز".
3 رواه النسائي في الجنائز باب 3.
4 حديث: "لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث" أو "ثلاثة" ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين "6/ 299"، والهيثمي في مجمع الزوائد "2/ 295" والمتقي الهندي في كنز العمال "25188" والفتني في تذكرة الموضوعات "210" والألباني في السلسلة الضعيفة "146" والعجلوني في كشف الخفا "2/ 526" والشوكاني في الفوائد المجموعة "264" وابن عراق في تنزيه الشريعة "2/ 253" والسيوطي في اللآلئ المصنوعة "2/ 216".
5 المكس: الضريبة يأخذها المكاس من يدخل البلد من التجار.
المريض ظنه بالله، ويكره الشكوى وتمني الموت بلا فتنة في الدين، وإكراهه على تناول الدواء، وإذا حضره الموت ألقي على شقه الأيمن، فإن تعذر فالأيسر، وإلا فعلى قفاه
ــ
يشفيك سبع مرات ويطيب نفسه بمرضه بأن يذكر له من الأخبار والآثار ما تطمئن به نفسه. "وإلا" يطمع في حياته "فيرغبه في توبة ووصية" ويذكر له أحوال الصالحين في ذلك ويزيد في وعظه ويطلب الدعاء منه ويوصي أهله وخادمه بالرفق به واحتماله والصبر لندب ذلك لهم، ويأمره بأن يتعهد نفسه بأن يلازم الطيب والتزين كالجمعة وبقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت فإن المريض يسن له جميع ذلك، ويوصي أهله بالصبر عليه وترك النوح ونحوه وتحسين خلقه واجتناب المنازعة في أمور الدنيا واسترضاء من له به علقة وإن خفت.
"ويحسن المريض ظنه بالله" لا سيما إن حضرته أمارات الموت لخبر مسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" 1 أي يظن أن يرحمه ويعفو عنه أما الصحيح فالأولى أن يستوي خوفه ورجاؤه ما لم يغلب عليه القنوط فالرجاء أولى أو أمن المكر فالخوف أولى، ويسن للمريض الصبر على المرض وترك التضجر منه. "ويكره" له "الشكوى" وعبر غيره بكثرة الشكوى ومحله ما لم يكن على جهة التبرم بالقضاء وعدم الرضى به وإلا حرمت كما هو ظاهر، بل ربما يخشى من ذلك الكفر، ولو سأله نحو صديق أو طبيب عن حاله فأخبره بما هو فيه من الشدة لا على صورة الجزع فلا بأس، والأنين خلاف الأولى بل يشتغل بالتسبيح ونحوه. "و" يكره "تمني الموت" لضر نزل به كما في الروضة وغيرها للنهي عنه2 "بلا" خوف "فتنة في الدين" فإن كان ولا بد متمنيًا فليقل:"اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وأمتني ما كان الموت خيرًا لي" للخبر الصحيح بذلك3، أما تمنيه عند خشية الفتنة فلا يكره، وكذا عند عدم الضرر، والفرق أن التمني مع الضر يشعر بعدم الرضى بالقضاء بخلافه بدونه. "و" يكره "إكراهه" أي المريض "على تناول الدواء" والطعام لحديث:"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم" 4
1 رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها "حديث 81 و82" من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
2 روى البخاري في الدعوات باب 30 "حديث 6351" عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتمنين أحد منكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". ورواه أيضًا أبو داود في الجنائز باب 9، والترمذي في الجنائز باب3، وابن ماجه في الزهد باب31، والنسائي في الجنائز باب 1، وأحمد في المسند "3/ 101، 104، 195، 208، 247، 281".
3 راجع الحاشية السابقة.
4 رواه الترمذي في جامعه "حديث 2040"، والحاكم في المستدرك "1/ 350، 4/ 410" والطبراني في الكبير "17/ 293" وابن ماجه في سننه "حديث 3444" وأحمد في المسند "1/ 364".
ووجهه وأخمصاه للقبلة، ويرفع رأسه بشيء ويلقن لا إله إلا الله ولا يلح عليه، ولا يقال له قال. والأفضل تلقين غير الوارث، فإذا مات غمض عيناه، وشد لحياه بعصابة عريضة، ولينت مفاصله ولو بدهن إن احتيج إليه، وتنزع ثياب موته، ويستر بثوب خفيف، ويوضع على بطنه شيء ثقيل، ويستقبل به القبلة، ويتولى جميع ذلك أرفق محارمه به ويدعى له، ويبادر ببراءة ذمته، وإنفاذ وصيته، ويستحب الإعلام بموته للصلاة.
ــ
لكنه ضعيف1، ولذلك كان المعتمد أن ذلك خلاف السنة لا مكروه "وإذا حضر الموت" أي أماراته2 "ألقي على شقه الأيمن" وجعل وجهه إلى القبلة كالوضع في اللحد "فإن تعذر فالأيسر" لأنه أبلغ في الاستقبال من إلقائه على قفاه "وإلا" يتيسر إلقاؤه على الأيسر "فعلى قفاه" يلقى "و" يجعل "وجهه وأخمصاه" وهما بطون رجليه "للقبلة"؛ لأن ذلك هو الممكن "ويرفع رأسه" قليلا "بشيء" ليستقبل بوجهه "ويلقن" ندبًا "لا إله إلا الله" للأمر به في خبر مسلم3 ولا يسن زيادة محمد رسول الله لأنه لم يرد مع أن هذا مسلم ومن ثم يلقن الكافر الشهادتين ويؤمر بهما للاتباع "ولا يلح عليه" أي على المسلم "ولا يقال له قل" لئلا يتأذى بذلك بل يذكر الشهادتين بين يديه ليتذكرهما أو يقال ذكر الله مبارك فلنذكر الله جميعًا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. "والأفضل تلقين غير الوارث" والعدو والحاسد إن كان ثم غيره وإلا لقنه، فإذا قالها لم يعد عليه حتى يتكلم فإذا تكلم ولو بغير كلام الدنيا أعيدت عليه للخبر الصحيح:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" 4 "فإذا مات غمض" ندبًا "عيناه وشد لحياه بعصابة عريضة" يربطها فوق رأسه حفظًا لفمه من الهوام5 وقبح منظره "ولينت" عقب مفارقة روحه بدنه "مفاصله" فترد أصابعه إلى بطن كفه وساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه ثم يمدها تسهيلا لغسله وتكفينه فإن في البدن حينئذ حرارة فإن لينت لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد، نعم إن أمكن تليينها "ولو بدهن إن احتيج إليه" فلا بأس "وتنزع" عنه "ثياب موته" المحيطة التي مات فيها بحيث لا يرى شيء من بدنه لئلا يسرع فساده "ويستر" جميع بدنه "بثوب خفيف" يجعل أحد طرفين تحت رأسه والآخر تحت رجليه اتباعًا لما فعل به صلى الله عليه وسلم. "ويوضع على بطنه شيء ثقيل" من حديد كسيف ومرآة ثم
1 قال البوصيري في زوائد ابن ماجه في إسناد الحديث: إسناده حسن؛ لأن بكر بن يونس بن بكير مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات.
2 أماراته: علاماته.
3 حديث: "لقنوا موتاكم" وفي لفظ: "هلكاكم لا إله إلا الله". رواه مسلم في الجنائز "حديث 1 و2" وأبو داود في الجنائز باب 16، والترمذي في الجنائز باب 7، والنسائي في الجنائز باب 4، وابن ماجه في الجنائز باب 3، وأحمد في المسند "3/ 3".
4 رواه أبو داود في الجنائز باب 16 "حديث 3116" من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، ورواه أيضًا أحمد في المسند "5/ 233، 247" والحاكم في المستدرك "1/ 351، 500".
5 الهوام: جمع الهامة، وهي الدابة، وكل ذي سم يقتل سمه "المعجم الوسيط: ص995".