الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ هُنَاكَ .. لَمْ يُجْبَرْ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُهُ.
فَصْلٌ:
الإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ،
ــ
وعلى الصحيح: للمسلم الفسخ واسترداد رأس المال كما لو انقطع المسلم فيه، أما ما لا مؤنة له كالدراهم والدنانير .. فله المطالبة به.
ولو ظفر بالغاصب في غير مكان الغصب أو الإتلاف .. فالأصح: أنه يطالبه بالقيمة لا بالمثل.
قال: (وإن امتنع من قبوله هناك) أي: في غير محل التسليم (.. لم يجبر إن كان لنقله مؤنة، أو كان الموضع مخوفًا)؛ لما فيه من الضرر، فإن رضي بأخذه .. لم توجب له مؤنة النقل.
قال: (وإلا .. فالأصح: إجباره) الخلاف ينبني على القولين في التعجيل قبل المحل وقد تقدما.
تتمة:
هذا كله إذا أتى بالدين من هو عليه أو ضامنه، أما المتبرع، فإن كان عن حي .. لم يجب القبول، وإن كان عن ميت، فإن كان وارثه .. وجب، وإن تبرع عن الوارث .. ففيه تردد للقاضي حسين.
قال: (فصل:
الإقراض مندوب)؛ لأنه فعل خير ومعاونة على البر والتقوى.
وفي (صحيح مسلم)[2699]: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا .. نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).
وفي (سنن ابن ماجه)[2431] عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسلم قال: (رأيت مكتوبًا على باب الجنة ليلة أسري به: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل؛ ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل قد يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة).
وفي (مسند أبي يعلى)[5030] و (صحيح ابن حبان)[5040] عن ابن مسعود رضي الله عنه: (من أقرض مسلمًا درهمًا مرتين .. كان له كأجر صدقتهما مرة).
واستقرض النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفًا، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألفًا، فكانت مئة وثلاثين ألفًا قسمها صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من أهل الضعف، فكان نصيب الرجل الخمسين الدرهم إلى أقل من ذلك، ثم قضاها داعيًا لهم وقال:(جزاء المقرض الحمد والوفاء).
و (القرض) مصدرًا: القطع، واسمًا: المقرض، قال الله تعالى:{من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا} فنصب (قرضًا) على أنه مفعول به، فلذلك كان تعبير المصنف بـ (الإقراض) أحسن من تعبير (الروضة) وغيرها بـ (القرض).
وسمي القرض الشرعي قرضًا؛ لأن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله، وأهل الحجاز يسمونه سلفًا، وأهل العراق يمسونه قرضًا.
وقوله: (مندوب) أي: له، فحذف حرف الجر توسعًا، وعبر في (الشرح) و (المحرر) و (الروضة) بـ (مندوب إليه)، وكذا قاله في (المحكم)، والمعروف جره باللام، تقول: ندبته لكذا فانتدب له، أي: دعوته له فأجاب، وأما
وَصِيغَتُهُ: أَقْرَضْتُكَ، أَوْ أَسْلَفْتُكَ، أَوْ خُذْهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ.
ــ
المندوب .. فهو الشخص نفسه.
والإقراض رخصة ليس على قياس المعاوضات، قال الغزالي: وكأنه عند الشافعي إذن في الإتلاف بشرط الضمان، أو هو قريب منه، أي: فيه شوب منه، وفيه نظر.
قال: (وصيغته: أقرضتك، أو أسلفتك) وهما صريحان قطعًا.
قال: (أو خذه بمثله)؛ لدلالتها على المقصود، لأنه يضمن بالمثل، فإن اقتصر على (خذه) .. لم يملك التصرف، وجعلوا (خذه بكذا) في (البيع) كناية في الأصح، وهنا جزموا بصحة القرض بـ (خذه بمثله).
قال الشيخ: وينبغي أن يجري فيه الخلاف الذي في البيع.
ومقتضى كلام (المطلب): أنه هنا أيضًا كناية كالبيع.
قال: (أو ملكتكه على أن ترد بدله)؛ لأن ذلك حقيقة القرض، ولا يحتمل البيع؛ لجهالة الثمن، وكذا لو قال: خذه واصرفه في حوائجك ورد بدله، فإن اقتصر على (ملكتكه) ولم يذكر البدل ولا نواه .. فهو هبة لا يحتمل غيرها، وإن نواه .. فهو كناية، فإن اختلفا في ذكر البدل .. فالقول قول الآخذ؛ لأن الأصل عدمه.
وَيُشْتَرَطُ: قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمُقْرِضِ: أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ إِلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الأَظْهَرِ،
ــ
قال: (ويشترط: قبوله في الأصح) كالبيع والهبة وسائر التمليكات.
والثاني: لا يشترط؛ لأن القرض إتلاف بعوض فلا يستدعي قبولًا وهو مكرمة سبيله سبيل القربات والتبرعات لا سبيل المعاوضات، ولهذا لا يجب التقابض فيه وإن كان ربويًا، ولا يجوز شرط الأجل فيه.
قال: (وفي المقرض: أهلية التبرع)؛ لأن القرض تبرع، أو فيه شائبة التبرع، كما جزم به الرافعي في أبواب وهو المعتبر، فلا يصح من محجور عليه ولا من مكاتب ولا من ولي إلا لضرورة.
لكن يستثنى منه القاضي؛ فإنه ليس أهلًا للتبرع في مال المحجور، وله إقراضه بلا ضرورة، لكثرة أشغاله، وله أن يقرض مال المفلس إذا رضي الغرماء بتأخير القسمة إلى أن يجتمع المال كله، نص عليه، فيحمل اشتراط أهلية التبرع على من يقرض مال نفسه.
أما المقترض .. فلم يتعرض في الكتاب ولا في (الروضة) لشرطه، ولا تشترط فيه إلا أهلية المعاملة.
ويفهم من كلام المصنف: أن الأعمى يصح إقراضه واقتراضه إلا أن قبضه لا يكفي.
قال: (ويجوز إقراض ما يسلم فيه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرًا، وقِيسَ غيره عليه.
والمراد: ما يسلم في نوعه، وإلا .. فالمعين لا يسلم فيه، والقرض يكون في المعين والموصوف.
قال: (إلا الجارية التي تحل للمقترض في الأظهر)؛ لأن المقترض قد يردها بعد الوطء فيكون في معنى إعارة الجواري للوطء.
وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال مالك في (الموطأ): ولم يزل أهل العلم ببلدنا ينهون عن ذلك ولا يرخصون فيه لأحد، وهذا على قاعدته في سد الذرائع.
أما على قاعدة الشافعي رضي الله عنه .. فيحتاج إلى دليل.
وليس هذا كالأب إذا وهب لولده جارية؛ فإنه يحل له وطؤها مع جواز استرجاع الأب، لأن الملك من جهة الابن لازم، بخلاف ملك المقرض.
وقيل: يجوز كإقراض العبد، وهذا هو القياس عند الإمام والغزالي، ونقلاه عن النص، وبه قال المزني وأهل الظاهر؛ لعموم الأدلة.
وقيل: يجوز إقراضها ولا يحل وطؤها، حكاه العمراني.
أما المحرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة .. فيجوز إقراضها بالاتفاق، كذا قاله الرافعي تبعًا للغزالي والإمام، وليس كذلك؛ ففي (الحاوي) أيضًا وجه: أنه لا يجوز في هذه الحالة أيضًا، ومن لا تحل له في الحال كأخت الزوجة .. الظاهر: أنها لا تحل.
والخنثى كالمرأة في استقراض الأمة، قاله في (شرح مسلم)، وفيه نظر.
قال: (وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصح)؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وما لا ينضبط بالصفة لا مثل له، فلا يجوز قرض الجواهر الكبار، ولا الشاة ونتاجها، ولا المختلطات كالقمح المختلط بالشعير.
والثاني: يجوز كالبيع.
وأفهمت عبارة المصنف: أنه لا يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها، ولا إقراض ماء القناة؛ لأنه مجهول، وهو كذلك في زوائد (الروضة) نقلًا عن (فتاوى القاضي حسين)، وأقره.
وصرح المتولي بجواز إقراض المنافع، فإذا قال: أقرضتك منفعة عبدي أو داري
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شهرًا وسلم العين .. صار مستحقًا للمنافع يتصرف فيها على حسب اختياره، وبالجواز صرح الرافعي في (الإجارة)، وصوبه في (المهمات).
فروع:
الأصح: جواز قرض الخبز كما صرح به ابن الصباغ والمتولي والشاشي والرافعي في (الشرح الصغير)؛ لإجماع أهل الأمصار في سائر الأعصار، وصحح البغوي: أنه لا يجوز، والمعتمد: الأول، وهو مذهب أبي قلابة ومالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد.
وإذا جوزنا .. وجب رد مثله وزنًا، كما نقله الرافعي عن صاحب (البيان)، وفي (الكافي): يجوز إقراضه عددًا، وفي قرض الخميرة وجهان.
وقال المتولي: يجوز قرض شقص من دار، وأقره عليه الشيخان في (كتاب الشفعة).
وجزم الماوردي بأنه لا يجوز قرض العقار وهو مقتضى كلام المصنف.
والدارهم والدنانير المغشوشة يصح إقراضها، كما أفهمه كلام المصنف واقتضاه إطلاق المتولي، لكن جزم في (البحر) فيها بعدم الجواز.
ويجوز أن يكون المقرض شيئًا في الذمة، كما لو قال: أقرضتك عشرة دراهم صفتها كذا وقبل، ثم إن عينها في المجلس .. صح، وإن عينها بعد مفارقته .. ففي (المهذب) و (البيان): أنه إن لم يطل الفصل .. جاز، وإن طال .. لم يجز حتى يعيد لفظ القرض، قال الشيخ: ولم أره لغيرهما.
وَيُرَدُّ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْمُتَقَوِّمِ الْمِثْلُ صُورَةً، وَقِيلَ: الْقِيمَةُ. وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنَةٌ .. طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الإِقْرَاضِ
ــ
قال: (ويرد المثل في المثلي)؛ لأنه أقرب إلى حقه.
قال: (وفي المتقوم المثل صورة)؛ لما روى مسلم [1600] عن أبي رافع رضي الله عنه قال: استلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل بكرًا، فلما جاءت إبل الصدقة .. أمرني أن أقضي الرجل بكرًا، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال صلى الله عليه وسلم:(أعطه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء).
و (البكر): الصغير من الإبل، كالغلام من الآدميين.
و (رباعيًا) مخفف الياء: الذي دخل في السنة السابعة.
ولم يقضه من إبل الصدقة إنما اشتراه منها ممن استحقه، فملكه النبي صلى الله عليه وسلم منه، واعتبار المثل الصوري يفهم: أنه لا أثر لما فيه من المعاني كحرفة العبد وفراهة الدابة، والذي يظهر: اعتبار ذلك، فإن تأتى ذلك، وإلا .. اعتبرت الصورة مع مراعاة القيمة.
قال: (وقيل: القيمة) كما لو أتلف متقومًا، وهو الأقيس في (الشرحين) و (الروضة).
وقال المتولي في الشفعة: إنه المذهب، والمعتبر: قيمة يوم القبض إن قلنا: يملك بالقبض، وإلا .. فالأكثر منه إلى التصرف، فإن اختلفا في القيمة أو في صفة الملك .. فالقول قول المستقرض، وإذا قلنا بجواز قرض ما لا مثل له ولا قيمة .. ضبط بالصفة ويضمن بالقيمة قولًا واحدًا، لكن لنا قرض لا يرد في شيء، وهو إذا اقترض بعض الجيش من بعض شيئًا مما يجوز التبسط به وهم في دار الحرب كما سيأتي في بابه؛ لأنه لو بقى في يده .. لرده إلى المغنم وله المطالبة به في دار الحرب.
قال: (ولو ظفر به في غير محل الإقراض وللنقل مؤنة .. طالبه بقيمة بلد الإقراض)؛ لما في التكليف بالمثل من الكلفة، ويخالف السلم، فإنه لا يأخذ القيمة
وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، فَلَوْ رَدَّ هَكَذَا بِلَا شَرْطٍ .. فَحَسَنٌ،
ــ
في هذه الحالة بل يفسخ لامتناع الاعتياض، والمعتبر قيمة يوم المطالبة؛ لأنه وقت استحقاقها.
ثم إذا أخذت القيمة .. هل هي بطريق المعاوضة أو الحيلولة؟ وجهان: أصحهما: أولهما، فتبرأ ذمة المقرض وليس له ردها وإعطاء الطعام، على الثاني: لا تثبت هذه الأحكام.
واحترز المصنف عما لا مؤنة لنقله كما إذا أقرضه دراهم في بلد ثم لقيه في آخر فطالبه، فإنه يلزمه دفعها؛ لأن القيمة في ذلك لا تختلف فانتفى الضرر.
قال الإمام: هذا إذا كان ذلك من النقود التي لا عسر في نقلها ولا تتفاوت قيمتها بتفاوت البقاع، فإن كانت مما يعسر نقلها وتختلف قيمتها .. فلا يطالبه بغير بلد الإقراض.
قال: (ولا يجوز بشرط رد صحيح عن مكسر أو زيادة) ويفسد به العقد؛ لقول فضالة بن عبيد رضي الله عنه: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا) رواه البيهقي [5/ 350]، ورواه عبد الحق مرفوعًا لكن بسند ضعيف.
وقال إمام الحرمين: إنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي (البيان) وجه: أنه يصح القرض ويفسد الشرط.
قال: (فلو رد هكذا بلا شرط .. فحسن)؛ لأن خير الناس أحسنهم قضاء، بل يستحب ذلك للمقترض ولا يكره للمقرض أخذه.
وقيل: يمتنع أخذ الزيادة في الربويات.
وقيل: يمتنع إقراض المشهور برد الزيادة، ويجوز للمقرض قبول الهدية من المقترض وغيره من المديونين من غير كراهة، هذا مذهبنا ومذهب ابن عباس رضي الله عنهما، لكن الأولى أن يتنزه عنها، وكرهها ابن مسعود رضي الله عنه.
وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ .. لَغَا الشَّرْطُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ. وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا .. فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ، وَإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ .. فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الأَصَحِّ
ــ
وفي (رسالة القشيري) في (باب التقوى) عن أبي حنيفة: أنه كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه ويقول: كل قرض جر منفعة فهو ربا.
قال: (ولو شرط مكسرًا عن صحيح أو أن يقرضه غيره .. لغا الشرط)؛ لأنه مجرد وعد.
قال: (والأصح: أنه لا يفسد) به (العقد)؛ لأن المنهي عنه جر المقرض النفع إلى نفسه، وهنا النفع للمستقرض، فكأنه زاد في المسامحة ووعد وعدًا حسنًا.
والثاني: يفسد به؛ لأنه ينافي مقتضاه، ولو وقع مثل هذا في الرهن .. بطل الشرط جزمًا، وكذا الرهن في الأظهر كما سيأتي، وفي الفرق عسر.
قال: (ولو شرط أجلًا .. فهو كشرط مكسر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرض)؛ لأنه رفق فيصح العقد ولا يلزم الأجل على الصحيح.
قال: (وإن كان كزمن نهب .. فكشرط صحيح عن مكسر في الأصح)؛ لما فيه من جر المنفعة.
ومن صور المسألة: أن يقرضه شيئًا ليكتب له به كتابًا إلى وكيله ليعطيه في غير تلك البلد ليأمن خطر الطريق وتتوفر عليه مؤنة الحمل، فذلك منفعة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: أنه كالتأجيل بغير عوض فيلغو الشرط ويصح العقد.
وتتلخص في فساد القرض بشرط الأجل ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان للمقرض غرض .. فسد، وإلا .. فلا، ولا يلزم الأجل عندنا بحال.
وقد قال مالك: يثبت الأجل ابتداء بأن يقرضه مؤجلًا، وانتهاء بأن يقرضه حالًا ثم يؤجله.
فائدة:
قال الشيخ: قول الأصحاب: لا يجب الوفاء بالوعد .. مشكل؛ لأن ظواهر الآيات والسنة تقتضي وجوبه، وإخلاف الوعد كذب، والخلف والكذب من أخلاق المنافقين، قال: ولا أقول: يبقى دينًا في ذمته حتى يقضى من تركته، وإنما أقول: يجب الوفاء به؛ تحقيقًا للصدق وعدم الإخلاف، وتصير الواجبات ثلاثة:
منها: ما هو ثابت في الذمة ويطالب بأدائه، وهو الدين على موسر وكل عبادة وجبت وتمكن منها.
ومنها: ما ثبت في الذمة ولا يجب أداؤه، كالزكاة بعد الحول وقبل التمكن.
ومنها: ما لم يثبت في الذمة ويجب أداؤه، كهذا.
قال: وقد استنبطت من قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا} الآية: أن الكذب لا يختص بالماضي، وأن الجملة المقسم عليها خبرية؛ لأنه كذبهم في قولهم:{لئن أخرجتم لنخرجن معكم} .
مهمة:
قال الأصحاب: يصير الحال مؤجلًا بالوصية، ومقتضى كلام المتولي: أنه يتأجل
وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ
ــ
بالنذر على الصحيح، والرافعي ذكر هذا في (باب البيوع المنهي عنها).
قال ابن الرفعة: إذا كان من عليه الدين ميتًا .. فلا أثر لنذر تأخير المطالبة؛ لأن المبادرة إلى براءة ذمة الميت واجبة، وحينئذ فلا يؤثر النذر، حتى لو رضي الوارث ورب الدين بذلك .. لم يجز.
ولك أن تقول: الوصية والنذر ليس فيهما تأجيل حال بل تأخير الطلب مع حلول الدين، كما أن المديون المعسر يجب إنظاره مع حلول الدين، ويظهر أثر ذلك في الزكاة.
نعم؛ لو أن الناذر في هذه الحالة مات .. فهل لورثته المطالبة؛ لأن الدين حال والناذر قد مات وهم لم ينذروا، أو عليهم الإمهال؛ لأن الحق انتقل إليهم كذلك؟ فيه نظر، والظاهر: أن لهم الطلب، وهو يؤيد البحث السابق.
قال: (وله شرط رهن وكفيل)؛ لأن توثقة في العقد لا زيادة، وكذا شرط الإشهاد عليه والإقرار به عند الحاكم.
ولو اشترط رهنًا بدين آخر .. فهو كزيادة الصفة، وما أحسن قول عمر بن محمد النسفي –بفتح النون-[من الوافر]:
أنلني بالذي استقرضت خطًا .... وأشهد معشرًا قد شاهدوه
فإن الله خلّاق البرايا .... عنت لجلال هيبته الوجوه
يقول: إذا تداينتم بدينٍ .... إلى أجلٍ مسمىً فاكتبوه
فإن قيل: ما فائدة هذه الشروط حتى يحكم بصحتها؛ لأنه لا يجب على المقترض الوفاء بما شرط عليه من الرهن وغيره، ولا على المشروط كفالته أن يتكفل، وإنما صححنا هذه الشروط في البيع، لأن فيه فائدة وهو الفسخ على تقدير:
وَيَمْلِكُ الْقَرْضَ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الأَصَحِّ ......
ــ
أن لا يقوم بها، وهو ههنا متمكن منه .. فالجواب: أنه ليس المراد بذلك صحة الشرط بل عدم الإفساد للقرض.
قال: (ويملك القرض بالقبض)؛ لأنه لو لم يملك به .. لا متنع عليه التصرف فيه والقبض للمنافع بقبض الأعيان.
قال (وفي قول: بالتصرف)؛ لأنه ليس تبرعًا محضًا؛ إذا يجب فيه البدل، وليس معاوضة محضة؛ إذ له الرجوع فيه ما دام باقيًا بحاله، فوجب أن يملكه بعد استقرار بدله للمقرض.
والمراد: التصرف المزيل للملك، فإذا تصرف .. تبين ثبوت الملك قبيله.
ومن فروع القولين: ما لو كان المقرض حيوانًا، فإن قلنا: يملك بالقبض .. فنفقته عليه، وإن قلنا: بالتصرف .. فهي على المقرض إلى أن يتصرف المستقرض.
ولو اقترض من يعتق عليه، فإن قلنا: يملك بالقبض .. عتق عليه، وإن قلنا: بالتصرف .. فلا.
قال: (وله الرجوع في عينه ما دام باقيًا بحاله في الأصح) كالوالد في الهبة، ولأن له تغريم بدله عند الفوات، فالمطالبة بعنيه أولى؛ لأنه أقرب.
والثاني: ليس له الرجوع في عينه؛ صيانة لملك المستقرض، وله أن يؤدي من موضع آخر كسائر الديون.
والمراد بـ (الدوام): بقاؤه في ملكه، وهذا يفهم: أنه إذا زال ثم عاد .. لا يرجع فيه، وقياس نظائره من الفلس وغيره: الجواز.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا زاد زيادة منفصلة كالولد .. أخذه بدونها، وإن كانت متصلة كالسمن .. أخذه معها، وإن نقص، فإن شاء .. أخذه مع الأرش، وإن شاء .. أخذ بدله.
تتمة:
لو أجره المستقرض .. كان للمقرض الرجوع فيه ولا تبطل الإجارة، وله الرجوع إلى بدله لنقصان منفعته.
ولو اقترض نقدًا فأبطل السلطان المعاملة به .. فليس له غيره، وقيل: لو قيمته يوم، منع حكاه العمراني.
* * *
خاتمة
روى ابن ماجه [2408]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استقرض في حاجة غير مكروهة .. فالله معه).
وكان راويه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه يقول كل ليلة لوكيله: (اقترض لي شيئًا لأبيت والله معي).
وكان عبد الله من أجواد العرب، أبوه ذو الجناحين، وأمه أسماء بنت عميس، مات عام الجحاف سنة ثمانين، ودفن بالبقيع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القرطبي: لا يمتنع القرض للأعراض؛ لقصة أبي ضمضم رضي الله عنه.
وفي الحديث: (أقرض من عرضك ليوم عرضك) رواه أبو عمر.
وأما حديث أبي ضمضم رضي الله عنه .. فرواه ابن عدي في (الكامل)[6/ 219]، والبزار والبيهقي [هب8083] وأبو داوود في (المراسيل)، وإرساله أصح.
وروي: أن علبة بن زيد الحارثي أحد البكّائين رضي الله عنه لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحث عليها .. قال: اللهم؛ إني أتصدق بعرضي على من ناله من خلقك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديًا فنادى أين المتصدق بعرضه؟ فقام علبة بن زيد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الله قبل صدقتك).