المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بَابُ الْحَجْرِ مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، - النجم الوهاج في شرح المنهاج - جـ ٤

[الدميري]

الفصل: ‌ ‌بَابُ الْحَجْرِ مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ،

‌بَابُ الْحَجْرِ

مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدِ لِسَيَّدِهِ، وَالْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَهَا أَبْوَابٌ

ــ

باب الحجر

هو في اللغة: المنع.

وفي الاصطلاح: المنع من التصرف في المال.

وإنما قيد بالمال؛ لأن السفيه يصح طلاقه، بخلاف الصبي والمجنون؛ لسلب عبارتهما.

والأصل في الباب: قوله تعالى: {وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أمولهم} فأخبر تعالى: أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم وهو نوعان:

حجر شرع لمصلحة الغير.

وحجر شرع لمصلحة المحجور عليه.

قال: (منه: حجر المفلس لحق الغرماء، والراهن للمرتهن، والمريض للورثة، والعبد لسيده، والمرتد للمسلمين. ولها أبواب) أي: تذكر فيها، بعضها تقدم وبعضها يأتي، فهذه الخمسة من النوع الأول الذي لحق الغير.

قال الإمام: وأنكر بعضهم عد الرقيق من المحجور عليهم؛ لأنه لا يملك شيئًا يتصرف فيه، قال: وهذا لا أصل له، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، والحجر عليه لحق سيده ولحق الله في قول.

ص: 396

وَمَقْصُودُ الْبَابِ: حَجْرُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُبَذِّرِ

ــ

ومن هذا النوع:

الحجر على السيد في المكاتب كما ذكره المصنف في الكتاب، والحجر عليه في العبد الجاني كما تقدم في (البيع)، وعلى الورثة في التركة كما تقدم في آخر (الرهن)، والحجر الغريب وقد تقدم قبيل (التولية)، وعلى الأب إذا أعفه ابنه بجارية حتى لا يبيعها، قال القاضي والمتولي، وعلى الممتنع من وفاء دينه وماله زائد إذا التمسه الغرماء في الأصح كما تقدم.

وإذا فسخ المشتري بعيب .. كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن، ويحجر على البائع في بيعه لذلك.

وعلى من غنم مال حربي مديون وقد استرق حتى يوفي، وعلى المشتري في المبيع قبل القبض، قاله الجرجاني، وعلى العبد المأذون للغرماء، وعلى السيد في نفقة الأمة المزوجة حتى يعطيها بدلها؛ لأن للسيد فيها حق الملك ولها حق التوثق.

وكذلك على مالك دار قد استحقت العدة فيها، وعلى من اشترى عبدًا بشرط العتق، وفي المستولدة، وفيما إذا استؤجر على العمل فيه حتى يفرغ ويعطى أجرته، وأما النوع الثاني فهو ثلاثة أضرب:

حجر صبًا، وجنون، وسفه وسماه الغزالي تبذيرًا.

قال: (ومقصود الباب: حجر المجنون والصبي والمبذر) وهو بالذال المعجمة من (التبذير) وهو: صرف المال في غير مصارفه.

والأصل فيه: قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} .

وفسر الشافعي رحمه الله تعالى (السفيه) بالمبذر، و (الضعيف) بالصبي، و (الذي لا يستطيع) بالمغلوب على عقله، وفسره ابن عباس رضي الله عنهما بالأخرس.

وألحق القاضي حسين بالمجنون النائم؛ لأن تصرفه حال نومه غير نافذ، وفيه نظر.

ص: 397

-فَبِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الْوِلَايَاتُ وَاعْتِبَارُ الأَقْوَالِ، وَيَرْتَفِعُ بِالإِفَاقَةِ

ــ

وقال المتولي: المغمى عليه بالمرض كالمجنون في الحكم، والمختار خلافه، وصرح الغزالي بأنه ليس ممن يولى عليه، وهذا هو الحق.

وذكر الإمام وجهين في الرشيد إذا كان يخدع في بعض التصرفات، هل للقاضي أن يحجر عليه في ذلك النوع؟ ولم يصحح الرافعي شيئًا منهما.

والأخرس الذي لا تفهم إشارته لابد له ممن يتصرف عليه، لكن هل يتصرف الحاكم أو وليه في الصغر؟ فيه نظر، ولم يتعرض الرافعي لذلك، والظاهر: أن وليه في الصغر أولى من الحاكم.

قال: (فبالجنون تنسلب الولايات) أي: الثابتة بالشرع –كولاية النكاح وتفرقة الزكاة والنظر على الأطفال- والثابتة بالتفويض، كالإيصاء والقضاء؛ لأنه إذا لم يل أمر نفسه .. فأمر غيره أولى.

قال: (واعتبار الأقوال) فلا يترتب على شيء منها مقتضاه سواء كانت له أو عليه، سواء تعلقت بالدين كالإسلام أو بالدنيا كالمعاملات، وقد ذكر المصنف سلب الولايات في أبوابها.

وإنما عبر بـ (الانسلاب) دون الامتناع؛ لأن الامتناع لا يفيد السلب بدليل أن الإحرام مانع من ولاية النكاح لا سالب، ولهذا يزوج الحاكم دون الأبعد.

وسكت المصنف عن الأفعال؛ لأنها معتبرة منه في الإتلافات كالإحبال دون غيرها كالهدية والصدقة، فمن عامل المجنون أو أقرضه فتلف المال عنده أو أتلفه .. فمالكه هو المضيع، وما دام باقيًا .. يسترد، وقد تقدم في (باب الفلس) حكم حلول الدين بالجنون.

قال: (ويرتفع) أي: الحجر (بالإفاقة) أي: بمجردها من غير فك، وهذا لا خلاف فيه، واعتبار صاحب (التنبيه)(أن يفيق رشيدًا) محمول على من لم يبلغ رشيدًا فجن، أما من جن بعد رشده .. فلا.

ص: 398

-وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلوغِهِ رَشِيدًا. وَ (الْبُلوغُ): بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،

ــ

وعبارة الكتاب توهم: أن ولاية القضاء ونحوها تعود بالإفاقة وليس كذلك، بل لا تعود إليه بتولية جديدة، فالمراد: عود الأهلية.

قال: (وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: {وابتلوا اليتمى} الآية.

والمراد بـ (الابتلاء): الاختبار، وبـ (اليتيم): الذي مات أبوه ما لم يبلغ، وبـ (النكاح): الوطء لا العقد، والقصد: أنه بمجرد البلوغ يرتفع الحجر من غير فك في الأصح.

وفي (سنن أبي داوود)[2873] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا يتم بعد احتلام).

وفي (صحيح مسلم)[1812]: أن ابن عباس رضي الله عنهما كتب إلى نجدة الحروري: لا ينقطع اسم اليتم حتى يبلغ أو يؤنس منه الرشد.

ولو ادعى الابن على أبيه أنه بلغ رشيدًا وطلب فك الحجر عنه، فأنكره الأب .. لم يحلفه، وقال الهروي: يحتمل أن يلحف به.

قال: (و (البلوغ): باستكمال خمسة عشرة سنة) أي: قمرية وذلك تحديد لا تقريب، فلو نقصت يومًا واحدًا .. لم يحكم ببلوغه؛ لما روى ابن حبان [4728] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) وأصله في (الصحيحين).

وفي (الطبراني): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة .. كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود).

وفي وجه: يحصل البلوغ بالطعن في الخامسة عشر.

وثالث: بمضي نصفها.

ص: 399

أَوْ خُرُوجِ مَنِيٍّ. وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ: اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ،

ــ

وعن أبي حنيفة: أن بلوغ الغلام بثمانية عشر، والجارية سبعة عشر.

وعن مالك: أن ذلك لا يحصل بالسن بل بالاحتلام.

و (البلوغ) في اللغة: الوصول، يقال: بلغ الغلام إذا أدرك.

قال: (أو خروج مني)؛ لقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا} .

وقال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم

) رواه الحاكم [2/ 59] وقال: صحيح الإسناد.

و (الاحتلام) في اللغة: إنزال المني في النوم لرؤية جماع أو غيره.

وفي الشرع: خروج المني على أي وجه كان، في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره، من رجل أو امرأة.

وقال في (الدقائق): إن تعبيره بـ (خروج المني) أعم من تعبير (المحرر) و (التنبيه) بـ (الاحتلام) وفيه نظر.

وهذا الحكم متفق عليه في الغلام، أما الجارية .. فقيل: لا يكون ذلك فيها بلوغًا؛ لندوره فيهن.

قال: (ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين) في الذكور والإناث؛ للاستقراء، ولا عبرة بما يخرج قبل ذلك، وقيل: في الصبي نصف العاشرة، وقيل: بتمامها، وقيل: في الصبية أول التاسعة، وقيل: نصفها.

وعبارة الكتاب و (الوجيز) توهم: أن الخلاف الأول جار فيهما، وبه صرح في (الدقائق)، والصواب الذي تقرر.

والوجوه الأربعة كالوجوه في أقل سن الحيض، لكن العاشرة هنا كالتاسعة هناك.

ص: 400

وَنَبَاتُ الْعَانَةِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ،

ــ

قال: (ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر) لا خلاف فيه عندنا؛ لقول عطية القرظي رضي الله عنه –ولا يعرف نسبه وليس له غير هذا الحديث-: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت .. قتل، ومن لم ينبت .. خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي) رواه الأربعة، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم [2/ 123]: على شرط الشيخين.

والأصح: أنه ليس ببلوغ في حقه حقيقة، بل علامة عليه كما أشار إليه بقوله:(يقتضي)، وصرح به الرافعي في (الشرح الصغير) هنا، وفي (الكبير) في (كتاب السير) وفي الباب الثالث من (الدعاوى).

ووقت إمكانه وقت إمكان الاحتلام.

ومعنى كونه علامة على البلوغ: أنا نستدل به على أن بلغ بالاحتلام أو بالسن، ولهذا لو تحققنا أن عمره دون خمس عشرة سنة أو قامت بذلك بينة .. فلا أثر للإنبات، نص عليه.

فلو ادعى المأسور عدم البلوغ وقال: تعجلت الإنبات .. لم يقبل في دفع الجزية، وتقبل دعوى الصبي المأسور بيمينه في دفع القتل عنه؛ لسهولة الجزية وخطر الدم، واليمين واجبة على الصحيح، وفيه إشكالان:

أحدهما: أن اليمين تعمل في النفي، وهذه لإثبات الاستعجال؟

وأجيب بأنا فعلناه لحقن الدم، وقد يخالف القياس لذلك، ولهذا قبلنا جزية المجوس دون نكاحهم.

الثاني: كيف يحلف من يدعي الصبا؟ فالجواب: لابد منها؛ لأن الدليل الظاهر موجود فلا يترك بمجرد قوله، وعلى القول بأنه علامة في حق الكفار فقال الجويني: إنه علامة في الرجال دون النساء؛ لأنهن لا يقتلن إذا سبين، قال: وكان ابن خيران

ص: 401

لَا الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَحَبَلًا

ــ

يقول: إنه علامة في الرجال والنساء، وبهذا صرح إمام الحرمين والعراقيون.

ولابد من تقييد الشعر بكونه خشنًا.

وعلم من تقييد المصنف: أن شعر الإبط والشارب واللحية لا يلحق بها، وهو الأصح في (الشرح الصغير)، ولا اعتبار بتغير الصوت ونهود الثدي ونتوء طرف الحلق وافتراق الأرنبة.

والأصح في زوائد (الروضة): جواز النظر إلى العانة؛ ليعرف الإنبات، وقيل يمس من فوق حائل، وقيل: يلصق بها شمع ونحوه؛ ليعرف، وهما ضعيفان.

قال: (لا المسلم في الأصح)؛ لأن مراجعة الآباء في حق المسلمين والاعتماد على اخبارهم عن تواريخ المواليد سهل، بخلاف الكفار؛ فإنه لا اعتماد على قولهم، ولأن المسلمين ربما استعجلوا بالمعالجة لدفع الحجر واستفادة الولايات، والكفار لا يتهمون بمثله؛ لأنهم حينئذ يقتلون أو تضرب عليهم الجزية.

والثاني –وبه قال مالك وأحمد-: أنه يجعل أمارة في حقهم أيضًا، لأن الإشكال قد يقع في حق المسلمين أيضًا، واستدل له الرافعي بما روى البيهقي: أن غلامًا من الأنصار شبب بامرأة في شِعره، فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال:(لو أنبتّ .. لحددتك).

والخلاف مفرع على أنه علامة في حق الكافر، فإن قلنا: إنه بلوغ .. كان هنا أيضًا كذلك.

قال: (وتزيد المرأة حيضًا وحبلًا) أما الحيض .. فبالإجماع، واحتج له بما روى أبو داوود [4104] عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت أبي بكر: (إن المرأة إذا بلغت المحيض .. لا يصلح أن يرى منها إلى هذا وهذا) وأشار إلى الوجه والكفين؛ فعلق وجوب الستر بالمحيض، وذلك نوع تكليف.

ص: 402

وَ (الرُّشْدُ): صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ،

ــ

وبما روى أبو داوود [641] والترمذي [377] وابن ماجه [655] وابن خزيمة [775] وابن حبان [1711] والحاكم [1/ 251] عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) أشعر بأنها بالحيض تكلف بالصلاة.

وأما الحبل .. فلأنه مسبوق بالإنزال، لكن الولد لا يستيقن ما لم تضع، فإذا وضعت .. حكمنا بحصول البلوغ قبل الوضع بستة أشهر وشيء؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا أتت زوجة صبي بولد يمكن إلحاقه به بأن كان ابن تسع سنين ونصف ولحظة .. لحقه، وفي الحكم ببلوغه قولان:

أظهرهما: لا يحكم به؛ لأن البلوغ لا يثبت بالإمكان.

والثاني: نعم؛ لحكمنا بلحوق الولد.

قال بعضهم: وهما جاريان في استقرار المهر بذلك، بل هما هما.

فرع:

الخنثى المشكل إذا خرج من ذكره مني ومن فرجه حيض .. حكم ببلوغه على الأصح.

وقيل: لا؛ لتعارض الخارجين، وإسقاط كل منهما حكم الآخر، وإن خرج من أحدهما .. لم يحكم ببلوغه عند الجمهور؛ لجواز أن يظهر من الآخر ما يعارضه.

قال الرافعي: والحق ما قاله الإمام: أنه ينبغي أن يحكم ببلوغه بأحدهما كما يحكم بذكورته أو أنوثته بذلك، فإن طرأ ما يعارضه .. غيرنا الحكم، واستحسنه المصنف.

قال: (و (الرشد): صلاح الدين والمال) كذا فسر ابن عباس والحسن ومجاهد الآية السالفة، وحقيقته مركبة من شيئين فلا يصدق مسماه بدونهما.

وقال بعض الأصحاب: (الرشد) صلاح المال فقط، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ومال إليه الشيخ عز الدين.

ص: 403

فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ

ــ

واستشكل الأول بأن الرشد الواقع في الآية نكرة في سياق الإثبات وهي لا تعم.

وجوابه: أنها في سياق الشرط .. فعمت، كما صرح به إمام الحرمين وغيره.

وقال ابن الرفعة: كان قاضي القضاة تقي الدين بن رزين لا يأخذ على القضاء معلومًا، ويقضي بأن الرشد صلاح المال فقط، ويستدل له بإجماع المسلمين على جواز معاملة من يلقاه الغريب من أهل البلاد، مع أن العلم محيط بأن الغالب على الناس عدم الرشد في الدين والمال، ولو كان ذلك مانعًا من نفوذ التصرف .. لم يجز الإقدام عليه.

قال: (فلا يفعل محرمًا يبطل العدالة) هذا تفسير (صلاح الدين).

والذي يبطل العدالة: الكبيرة والإصرارا على الصغيرة، فلا أثر لغير المحرمات وإن أبطلت الشهادة كالأكل في السوق ونحوه، ولا للمحرم الذي لا يبطل العدالة كالصغيرة من غير إصرار، وكذلك ما لا تعلق له بمال.

وعن بعضهم: أن المعاصي التي لا تتعلق بإضاعة المال، ولا يخاف معها في الغالب إتلافه كالغيبة، أي: أذا كثرت .. لا يحجر عليه بسببها، والمشهور الأول، هذا كله بناء على المشهور: أن ما يخل بالمروءة ليس بحرام.

وعن القاضي تقي الدين بن رزين: أنه حكى في تحريمها ثلاثة أوجه: ثالثها: أنه إن كان قد تحمل شهادة .. حرم، وإلا .. فلا.

قال: (ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة، أو رميه في بحر، أو إنفاقه في محرم) قليلًا كان أو كثيرًا؛ لما في الأول والثاني من قلة العقل والثالث من قلة الدين، ولا يؤمن على ماله إلا ذو عقل ودين.

وفسر القاضي والفوراني والصيدلاني والإمام (التبذير): بأنه الذي لا يُكسب أجرًا في الآجل، ولا حمدًا في العاجل.

وقال في (أدب الدين والدنيا): (التبذير): الجهل بمواقع الحقوق، و (السرف): الجهل بمقادير الحقوق.

ص: 404

وَالأَصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ ......

ــ

وظاهر كلام الغزالي: أنهما سواء.

وكا ينبغي للمصنف التعبير بـ (الخسران) أو (السرف)؛ لأن النفقة مخصوصة بالطاعات، والخسران والضياع بضدها.

وإطلاق الشافعي رضي الله عنه والأصحاب يقتضي: أن الإنفاق في الحرام إسراف وإن قل، فقول المصنف:(إنفاقه) يعني: إنفاق جنس المال لا جميعه.

قال: (والأصح: أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير).

أما الصدقة ووجوه الخير كبناء المساجد والمدارس وفك الرقاب. ففيه غرض الثواب.

وانفرد الشيخ أبو محمد بقوله: إن بلغ وهو مفرط بالإنفاق في ذلك .. فهو مبذر، وإن عرض له ذلك بعد ما بلغ مقتصدًا .. لم يحكم بصيرورته مبذرًا.

وأما الصرف في المطاعم والملابس والضيافة والهدايا التي لا تليق بحاله، وكذلك شراء الجواري الكثيرة النفيسة للاستمتاع وهن غير لائقات به .. فقال الإمام والغزالي: إنه تبذير، واختاره الشيخ؛ لقضاء العرف بذلك، وهذا مقتضى كلام الصيدلاني والفوراني، بل قال القاضي في (قسم الصدقات): إنه حرام، وبه جزم الرافعي هناك؛ لظاهر قوله تعالى:{ولا تسرفوا إنه لا يجب المسرفين} .

وقوله: {والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} .

وقوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} .

وقال الأكثرون: لا يكون ذلك تبذيرًا؛ لأن المال يتخذ لينفتع ويلتذ به، وسواء في المسألتين القليل والكثير.

ص: 405

وَيُخْتَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ

ــ

وعكس المسألة: لو قتر الموسر على نفسه .. فالأصح: أنه لا يحجر عليه.

وقوله: (في الصدقة) كالتكرار؛ لأنه داخل في وجوه الخير، لا جرم عبر في (الروضة) بوجوه الخير كالصدقات وفك الرقاب.

قال: (ويختبر رشد الصبي)؛ لقوله تعالى: {وابتلوا اليتمى} وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والمسلم والكافر، ويكون في الدين والمال، ففي الدين بالمحافظة على أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير والديانات.

وصلاح الكافر في دينه بما هو صلاح عندهم.

والمخاطب بالاختبار: كل من يلي أمره من عصبة أو حاكم أو وصي على الأصح.

ولما كان أمر المحجور عليه في دينه يظهر كغير المحجور عليه .. استغنى المصنف عن التصريح به، ولما كان تصرفه في المال مجهولًا؛ لكون المال ليس في يده .. احتاج إلى ذكره فلذلك قال:

ص: 406

وَيَخْتَلِفُ بِالْمَرَاتِبِ: فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ: بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا. وَوَلَدُ الزَّرَّاعِ: بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بِهَا. وَالْمُحْتَرِفُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ. وَالْمَرْأَةُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ، وَصَوْنِ الأَطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّة وَنَحْوِهَا

ــ

(ويختلف بالمراتب: فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) أي: النقصان عما طلبه البائع والمشاحة فيه، يقال: تماكس البيعان إذا تشاحا في إنقاص الثمن، وعبارته تقتضي صحة البيع والشراء منه، والأصح خلافه.

قال: (وولد الزَّرَّاع: بالزراعة والنفقة على القُوَّام بها) أي: بالزراعة، أي: الأجراء، والمراد: إعطاؤهم الأجرة لا الإطعام؛ فإن الاستئجار به لا يصح، والتبرع به من مال المحجور ممتنع، فإن أريد إدخال العبيد والدواب .. فتحمل النفقة على العموم.

وفي (الدقائق): أنه عدل عن المزارع إلى الزراع؛ لأنه أعم.

قال: (والمحترف: بما يتعلق بحرفته) فيختبر الخياط بتقرير الأجرة وصون الثوب المسلم إليه ونحو ذلك.

و (الحرفة): الصنعة.

قال: (والمرأة: بما يتعلق بالغزل والقطن) وتهيئتهما إن كانت مخدرة، فإن كانت برزة .. فتختبر بما يختبر به الرجل المتعيش بالسوق ببيع الغزل والقطن ونحوهما من آلات النساء.

وقال القاضي: يؤمر من يخادعها، فإن انخدعت .. فليست برشيدة، وإلا .. فرشيدة.

قال: (وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها)؛ لأن بذلك يتبين الضبط وحفظ المال.

وقال القاضي: تختبر بمعاملة محارمها والنسوان بما يليق بها.

أما تصرف المرأة بعد الرشد .. فصحيح من غير احتياج إلى إذن الزوج.

ص: 407

وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الِاخْتِبَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَوَقْتُهُ: قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ

ــ

وأما رواية أبي داوود [3565 بنحوه]: (لا تتصرف المرأة إلا بإذن زوجها) .. فأشار الشافعي رضي الله عنه إلى ضعفها، وعلى تقدير صحتها تحمل على الأولى.

وولد الأمير والرئيس يختبران بالإنفاق على الخدم والعيال، فيسلم إليه المال ويؤمر بالإنفاق؛ ليعلم إسرافه في ذلك واقتصاده.

قال الماوردي: يعطى نفقة يوم ثم أسبوع ثم شهر، وينظر تصرفه في ذلك.

والخنثى .. قال ابن المسلم: يختبر بما يختبر به الذكر والأنثى جميعًا؛ ليحصل العلم بالرشد، لأنه إذا اختبر بما يختبر به أحدهما .. جاز أن يكون من النوع الآخر.

و (الهرة) جمعها هرر كقربة وقرب، وإذا جمعت المذكر ألحقته الهاء كقرد وقردة.

قال: (ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر)؛ لأن المرة الواحدة قد يصيب فيها اتفاقًا .. فلابد من زيادة تفيد غلبة الظن برشده.

واعتبر الماوردي أن يكون ذلك ثلاث مرات، كما في الكلب المعلم.

قال: (ووقته: قبل البلوغ)؛ لقوله تعالى {وابتلوا اليتمى} ولا يتم بعد احتلام.

قال: (وقيل: بعده)؛ لأن تصرفه حالة الصبا غير نافذ.

ص: 408

فَعَلَى الأَوَّلِ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، بَلْ يُمْتَحَنُ فِي الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ .. عَقَدَ الْوَلِيُّ. فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ .. دَامَ الْحَجْرُ

ــ

قال: (فعلى الأول: الأصح: أنه لا يصح عقده، بل يمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد .. عقد الولي) ولو تلف المال المدفوع إليه للاختبار .. فلا ضمان على الولي.

والثاني: يعقد الصبي، ويصح منه هذا العقد للحاجة.

وقيل: يشتري الولي السلعة ويواطئ بائعها ليبيعها من الصبي في الصورة، ومنهم من قال: يعطى بعض المال ويشتري هو بنفسه على معنى الرسالة كما يرسل الرجل الصبي فيشتري .. فيجوز، حكاها الجوري.

فإن أراد بذلك صحة عقده بنفسه .. فهذه فائدة عظيمة؛ لعموم البلوى بإرسال الصبيان في شراء الحوائج.

قال الشيخ: والذي قاله غير بعيد، سواء جوزنا المعاطاة أم لا.

قال: (فلو بلغ غير رشيد .. دام الحجر) عليه؛ لمفهوم الآية، والمراد: دام جنس الحجر، وإلا .. فحجر الصبي زال بالبلوغ، وخلفه حجر السفه، ولكن لما اتصل السفه بالصبي .. كان بمثابة تمادي الصبا، ولهذا كان ناظرًا في أمره من كان ناظرًا في أمر الصبي من أب، أو جد، أو وصي، أو حاكم وإن كان النظر في أمر السفيه مختصًا بالحاكم.

وقال أبو حنيفة: إن بلغ مفسدًا للمال .. منع منه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة؛ لأنه حينُ كمال لُبِّه، روي عن عمر رضي الله عنه: أنه قال: ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة.

وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسًا وعشرين سنة .. فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًا في هذا السن.

ولأن منع المال عنه على سبيل التأديب له، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة .. فقد انقطع رجاء التأديب، فلا معنى لمنع المال عنه بعده، وينفذ تصرفه وإن كان فاسقًا، وبه قال مالك فيمن بلغ فاسقًا، ونقل المتولي مثل مذهبهما عن بعض أصحابنا.

ص: 409

وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا .. انْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَأُعْطِيَ مَالَهُ –وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي،

ــ

وحكم الجنون إذا اتصل بالصبا حكم الصفه إذا اتصل بالصبا، وقيل: يكفي بلوغه مصلحًا لماله.

قال: (وإن بلغ رشيدًا .. انفك بنفس البلوغ وأعطي ماله)؛ لأنه حجر ثبت بغير حاكم فلم يتوقف زواله على إزالة الحاكم، كحجر الجنون بالإفاقة.

قال: (وقيل: يشترط فك القاضي)؛ لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد فأشبه حجر السفه الطارئ، ورجحه البغوي وابن أبي هريرة.

وعلى هذا: لابد من قول الحاكم: رفعت الحجر، ويقوم مقامه إذنه لمن في يده المال في دفعه إليه.

ص: 410

فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ .. حُجِرَ عَلَيْهِ،

ــ

وقال الصيمري والماوردي: إن كان الولي أبًا أو جدًا .. ارتفع بالبلوغ والرشد، وإن كان أمين الحاكم .. لم يرتفع إلا بالحاكم، وإن كان وصي أبيه .. فوجهان.

تنبيه:

أشار بقوله: (أعطي ماله) إلى أنه لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا بين المزوجة وغيرها، خلافًا لمالك فإنه قال: لا يسلم المال إلى المرأة حتى تتزوج، فإذا تزوجت .. يدفع إليها بإذن الزوج، ولا ينفذ تبرعها بما زاد على الثلث ما لم تصر عجوزًا، فقال له الشافعي رضي الله عنه: أرأيت لو تصدقت بثلث مالها، ثم بثلث الثلثين، ثم بثلث الباقي هل يجوز التصرف الثاني والثالث؟ إن جوزت .. سلطتها على جميع المال بالتبرع، وإن منعت .. منعت الحر البالغ العاقل عن ماله، ولا وجه له.

قال: (فلو بذر بعد ذلك .. حجر عليه) خلافًا لأبي حنيفة.

لنا: قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} والمراد: أموالهم لقوله: {وارزقوهم فيها} .

وروى الطبراني من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا على أيدي سفهائكم).

وروى الشافعي [1/ 384] والبيهقي [6/ 61] بإسناد حسن: أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه اشترى سبخة بثلاثين ألفًا -وفي رواية: بست مئة ألف- فبلغ ذلك عليًا رضي الله عنه فقال: ما يسرني أنها لي بنعلي، فقال علي: لآتين أمير المؤمنين عثمان وأسأله أن يحجر عليه، فذكر عبد الله بن جعفر ذلك للزبير فقال: إني شريكك فيها، ثم بلغ ذلك عثمان فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟

وإنما قال عثمان ذلك؛ لأن الزبير كان معروفًا بالضبط في التجارة ووجوه الربح والخسران.

ص: 411

وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إِعَادَةٍ- وَلَوْ فَسَقَ .. لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ

ــ

وقوله: (حجر) المراد: أعيد عليه الحجر، فلا يعود بدون إعادة.

وعلى هذا: من يعيده؟

قال الرافعي: لا خلاف أن للقاضي أن يعيده.

وكان أبو يحيى البلخي يقول: يعيده الأب والجد أيضًا، ونقل عنه: أن الوصي يعيده أيضًا، والمشهور: تخصيصه بالحاكم؛ لأنه محل نظر واجتهاد، فإن عاد رشيدًا .. لم ينفك إلا بالحاكم على المذهب.

قال: (وقيل: يعود الحجر بلا إعادة) كما لو جن، وهذا قول أبي ثور، وإذا تصرف قبل أن يحجر عليه .. نفذ تصرفه في الأصح.

وعلى الثاني: قال ابن الرفعة: يظهر أنه كالمهمل.

قال الشيخ: وفيما قاله نظر، والظاهر: أنه على الثاني لا ينفذ.

قال: (ولو فسق .. لم يحجر عليه في الأصح)؛ لأن الأولين لم يحجروا على الفسقة.

والثاني –وبه قال ابن سريج-: أنه يحجر عليه، كما يستدام الحجر به عليه، وكما لو عاد التبذير.

وقيد في (الوسيط) هذا الوجه بما إذا رأى فيه المصلحة.

وعبر في (الروضة) بالمذهب بدل الأصح.

ولا يخفى أن محل الوجهين: إذا قلنا: إن اقتران الفسق أولًا مانع، كما تقدم الجزم به في قوله:(وإن بلغ غير رشيد)، أما إذا قلنا: يكفي صلاح المال .. فلا يحجر قطعًا، ويؤخذ من هذا: أنه يفرق الزكاة بنفسه وهو فاسق.

قال في (المحكم): (الفسق) العصيان والترك لأمر الله والخروج عن طريق الحق.

ص: 412

وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ .. فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: وَليُّهُ فِي الصِّغَرِ. وَلَوْ طَرِأَ جُنُونٌ .. فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الْقَاضِي

ــ

قال: (ومن حُجر عليه لسفه طرأ .. فوليه القاضي)؛ لأن ولاية الأب وغيره قد زالت فلا تعود، وينظر من له النظر العام.

و (السفه): ضعف العقل وسوء التصرف، وأصله الخفة والحركة، شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]:

مشين كما اهتزت رماحٌ تسفَّهت .... أعاليَها مرُّ الرياح النواسم

قال: (وقيل: وليه في الصغر) كمن بلغ مجنونًا.

قال الرافعي: وموضع الوجهين: إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، أما إذا قلنا: القاضي هو الذي يعيده .. فهو الذي يلي أمره بلا خلاف، وطريقة الوجهين التي في الكتاب و (المحرر) مبنية على الوجه الضعيف.

ونقل الروياني عن الشافعي رضي الله عنه: أنه إذا حجر عليه الحاكم .. يستحب له أن يرد أمره إلى الأب والجد، فإن لم يكن .. فسائر العصبات؛ لأنهم أشفق.

قال: (ولو طرأ جنون .. فوليه وليه في الصغر، وقيل: القاضي) تعليلهما كما سبق، والفرق على الأصح بينه وبين السفيه: أن السفه وزواله مجتهد فيه فاحتاج إلى حاكم، بخلاف الجنون، فلو كان يغبن في بعض التصرفات دون بعض .. فهل يحجر عليه حجر خاص في ذلك النوع؟ فيه أوجه:

أحدها: لا؛ لبعد اجتماع الحجر بالسفه وعدمه في شخص واحد.

والثاني: يحجر عليه فيه؛ لنقصه عن رتبة الكاملين.

والثالث: يحجر عليه مطلقًا؛ لأنه لا يصدق عليه الرشد المطلق.

ويظهر جريانها فيما إذا بلغ بهذه الصفة.

ويستحب أن ينادى على المحجور عليه؛ ليجتنب سواء أشهد على الحجر أم لا، فإن عامله أحد بعد ذلك .. فهو المتلف لماله، نص عليه.

ص: 413

وَلَا يَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إِعْتَاقٌ وَهِبَةٌ

ــ

قال ابن داوود: هذا عندي إذا لم يطالب برده، فإن طالبه به فلم يفعل حتى تلف .. لزمه ضمانه، كما لو غصبها أو أتلفها.

قال: (ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء)؛ لأن ذلك مظنة الضرر سواء كان على العين أم في الذمة، سواء كان فيه غبطة أم لا، وفي شرائه في الذمة وجه ضعيف.

أما إذا توكل في ذلك لغيره .. فوجهان: مقتضى تصحيح الرافعي في مسألة شراء السفيه بإذن الولي مع تقدير العوض: المنع، لكنه صحح في (الوكالة) جواز توكيله في قبول النكاح.

هذا كله إذا لم يأذن له الولي في ذلك، فإن أذن له .. فسيأتي.

قال: (ولا إعتاق) بالإجماع، لا بإذن ولا بغيره، سواء كان العتق مجانًا أو بعوض، فإن وكله غيره في ذلك حيث لا يكون لعمله أجرة ولا عهدة فيه .. فالأصح أيضًا: أنه لا يصح، ولو لزمه كفارة يمين أو ظهار .. صام كالمعسر؛ حفظًا لماله، بخلاف كفارة القتل؛ فإن الولي يعتق عنه كما سيأتي في بابه.

كل هذا في حال الحياة، أما عتقه بعد الموت كالتدبير والوصية .. فيصح كما سيأتي في بابه.

قال: (وهبة) فلا يهب شيئًا من ماله بالاتفاق، أما قبوله الهبة والوصية .. فكلام الرافعي يقتضي: أنه لا يصح، والأصح في زوائد (الروضة): الصحة، ونقله الإمام عن الأكثرين، وجزم به الماوردي، واختاره الشيخ.

وعلى هذا: لا يجوز تسليمها له، فإن سلمه فاستهلكه .. غرم من سلمه في الوصية دون الهبة؛ لأنه ملك الوصية بقبوله، ولم يملك الهبة بقبوله.

وقال في (المطلب): الذي يظهر: أنه يصح قبضه الموهوب ويملك به.

ص: 414

وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ الْمَاخُوذُ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ .. فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَهُ،

ــ

أما ضمان السفيه: فعند الإمام والغزالي باطل؛ لأنه تبرع، واعترضهما الرافعي بأن كونه تبرعًا إنما يظهر حيث لا رجوع، أما حيث يرجع .. فهو إقراض لا محض تبرع.

وأجاب المصنف بأنه لو سلم أنه قرض .. فهو قرض تبرع، وأيضًا ففي الضمان غرر بلا مصلحة.

قال: (ونكاح بغير إذن وليه) هذ عائد على النكاح خاصة؛ فإنه الذي يصح بالإذن، وسيأتي في (كتاب النكاح) الولي الذي يزوجه، أما الهبة والإعتاق .. فباطلان مطلقًا، وكذا البيع في الأصح.

قال: (فلو اشترى أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه .. فلا ضمان في الحال، سواء علم حاله من عامله أو جهله)؛ لأن الذي عامله كان من حقه أن لا يعامله إلا عن بصيرة، فالذي أقبض هو المضيع.

وقيل: إن جهل حاله .. وجب الضمان.

هذا إذا أقبضه البائع الرشيد، فإن أقبضه السفيه بغير إذن البائع، أو أقبضه البائع وهو محجور عليه .. فإنه يضمنه بالقبض قطعًا، فإطلاقه محمول على ما إذا أقبضه البائع الرشيد.

ولا خلاف أنه إذا كانت العين في يده .. يجب ردها، ويجب على وليه استرداد الثمن إن كان أقبضه.

وقوله: (سواء علم أو جهل) وصواب العبارة: سواء أعلم أم جهل، قال تعالى:{وسواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم} .

ص: 415

وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ. وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نِكَاحُهُ، لَا التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ فِي الأَصَحِّ

ــ

قال: (ولا بعد فك الحجر)؛ لتقصيره أيضًا، ومقتضى كلام الرافعي والمصنف: أن الضمان كما ينتفي في الحكم ينتفي أيضًا فيما بينه وبين الله تعالى، وقد صرح به الإمام والغزالي في (الوسيط)، وحكيا وجهًا: أنه يطالب فيما بينه وبين الله تعالى، وضعفاه بأنه لو وجب باطنًا .. لم تمتنع المطالبة به ظاهرًا.

وقيل: إن علم البائع بالحجر .. لم يجب الضمان، وإلا .. وجب، واختاره الروياني.

قال: (ويصح بإذن الولي نكاحه) هذا الذي قطع به العراقيون، وله شروط ذكرها المصنف وغيره ستأتي هناك مبسوطة إن شاء الله تعالى.

قال: (لا التصرف المالي في الأصح) كما لو أذن الصبي.

والثاني: يصح كالنكاح، ورجحه الأمام ومال إليه الغزالي، وهذه غير مسألة بيع الاختبار.

والوجهان محلهما: إذا عين له الولي قدر الثمن، فإن لم يعنيه .. قال القاضي حسين: بطل جزمًا.

وألحق في (المطلب) تعيين المبيع بتعيين الثمن، ويتقدر بثمن المثل، وهذا بخلاف ما لو أذن له في النكاح ولم يقدر مهرًا .. فإنه يصح ويتقدر بمهر المثل، والفرق: أن المهر في الصداق ليس بركن، والثمن في المبيع ركن.

ص: 416

وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ –وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ-

ــ

وشملت عبارة المصنف: البيع والشراء وإجارة أملاكه، ومقتضاها: طرد الخلاف في كل تصرف مالي، ومنه الهبة والعتبق والكتابة، ولا خلاف في بطلانها مع الإذن.

والجواب: أنه إذا وكل فيها .. يجري الخلاف، وهذا كاف في تصحيح كلامه؛ لأنه لم يقل: تصرفه في ماله، وأيضًا المفهوم لا عموم له، بل يقتضي: أن منها من يصح على وجه.

ولو أذن له الحاكم في تصرف .. هل يصير مطلق التصرف في كل تصرف؟ وجهان.

ولو ثبت للسفيه دين فقبضه بإذن وليه .. ففيه وجهان: رجح الحناطي الاعتداد بقبضه، كذا نقله الرافعي عنه في أوائل الباب الثاني من أبواب (الخلع).

ويستثنى من عموم التصرف المالي: لو وجب عليه قصاص فصالح بغير إذن الولي على الدية أو أكثر .. صح، وإن وجب له قصاص .. فله العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب كما سيأتي في مكانه، وكذلك يصح عقده الذمة بدينار بلا خلاف، وبأزيد من الدينار على رأي القاضي حسين والغزالي.

قال الإمام: وإذا انتهى إلى الضرورة في المطاعم .. فالوجه عندي: القطع بجواز تصرفاته.

قال: (ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده) كالصبي إذا أقر، وفيما أسنده إلى ما قبل الحجر وجه، فلو فك عنه الحجر .. لا يلزمه ما أقر به.

قال: (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كدين المعاملة.

والثاني: يقبل؛ لأنه لو باشر الإتلاف ضمن، فإذا أقر به .. قبل، وذلك في الدنيا كما تقدم.

وينبني على القولين سماع الدعوى.

ص: 417

وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَظِهَارُهُ وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ. وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ،

ــ

وعرض اليمين: إن قبلناه .. سمعت وعرضت اليمين، فإن حلف .. انقطعت الخصومة، وإن نكل .. عرضت على المدعي، فإن حلف .. استحق، وإن لم نقبله .. لم تسمع الدعوى حيث لا بينة.

وحكم الغصب والجناية في جميع ما ذكرناه حكم الإتلاف، وكذا السرقة التي لا توجب القطع، ثم إن المصنف حكى الخلاف كـ (المحرر) قولين، وحكياه في (دعوى الدم والقسامة) وجهين وقالا: إنهما سبقا في (الحجر).

قال: (ويصح بالحد والقصاص)؛ لعدم تعلقهما بالمال، ولبعد التهَمة فيهما، فإن كان الحد سرقة .. قطع لها، وفي ثبوت المال قولان كما في العبد، قاله الرافعي، والصحيح في العبد: عدم ثبوته.

قال: (وطلاقه وخلعه وظهاره ونفيه النسب بلعان) هذه معطوفات على الضمير في قوله: (ويصح) أي: ويصح إقراره، ولا فرق في صحة خلعه بين أن يكون بمهر المثل أو أقل؛ لأن له أن يطلق مجانًا فبعوض أولى.

وقوله: (بلعان) لا حاجة إليه؛ لأن له نفيه من أمته بالحلف لا باللعان، وكذلك تصح رجعته، فإن كان مطلاقًا .. سُرِّيَ جاريةً، فإن تضجر منها .. أبدلت.

ولو احتطب أو احتش أو اصطاد .. ملك بلا خلاف.

ولو أقر باستيلاد أمة .. لم يقبل وتباع إذا اختار الولي، إلا أن يثبت أنها فراش وتلد لمدة الإمكان.

ولو أقر بنسب .. ثبت وأنفق على المستلحق من بيت المال، وأكثر هذه المسائل مذكورة في أبوابها.

قال: (وحكمه في العبادة كالرشيد)؛ لاجتماع الشرائط فيه، ومراده: العبادة الواجبة مالية كانت أو بدنية، أما غير الواجبة .. فالمالية كصدقة التطوع وغيرها ليس هو فيها كالرشيد.

ص: 418

لَكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ .. أَعْطَى الْوَلِيُّ كِفَايَتَهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ .. فَلِلْوَلِيِّ

ــ

قال: (لكن لا يفرق الزكاة بنفسه)؛ لأنه تصرف مالي، ولا فرق بين زكاة المال وزكاة الفطر، بل ينوي الولي ويفرقها كزكاة الصبي، فلو أذن له الولي في التفرقة .. جاز؛ لأنه يجوز أن يوكله الأجنبي فيها كما صرح به القاضي والبغوي والروياني، فإذا جاز ذلك في مال الأجنبي .. ففي ماله أولى إذا أذن الولي، لكن شرط فيه الروياني تعيين المدفوع إليه، فينبغي اشتراطه هنا.

قال: (وإذا أحرم بحج فرض .. أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه)؛ خوفًا من تفريطه فيه، اللهم إلا أن يسافر معه، وإذا رأى أن يدفع إليه نفقة أسبوع .. فعل، وإن كان اللائق به دفعها يومًا بيوم .. فعل.

هذا كله بعد الإحرام، أما قبله .. فلا؛ لأنه على التراخي، اللهم إلا أن يسافر لذلك وأخر الإحرام إلى الميقات .. فإنه يعطى.

وحكم العمرة كالحج، فلو عبر بـ (النسك) كان أشمل.

ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين فرض الإسلام والمنذورة قبل الحجر.

وقوله: (لثقة) الصواب حذف اللام؛ لأن (أعطى) يتعدى لاثنين بنفسه.

ولو أحرم بحج تطوع ثم حجر عليه قبل إتمامه .. فحكمه حكم الفرض، قاله الرافعي في أوائل (الحج).

قال: (وإن أحرم بحج تطوع وزادت مؤنة سفره على نفقته المعهودة .. فللولي

ص: 419

مَنْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمُحْصَرٍ فَيَتَحَلَّلُ. قُلْتُ: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ إِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الإِحْصَارِ بَدَلٌ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ .. لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

ــ

منعه)؛ صيانة لماله، وههنا اتفقوا على صحة إحرامه بحج التطوع كالعبد، بخلاف الصبي المميز حيث لا يصح في الأصح، والفرق: استقلال السفيه.

ثم إن لم تزد مؤنة سفره على نفقة الحضر .. فالإحرام لازم، وإن زادت ولا كسب له في الطريق يفي بالزائد .. لم يعطه الولي الزائد، والتعبير بالمنع وقع هنا وفي كتب الرافعي والمصنف، وهو يقتضي: أن الولي يمنعه من نفس السفر، وعبارتهما وعبارة غيرهما في (كتاب الحج): أن للولي تحليله.

وعبر الإمام والغزالي بأن له منعه من زوائد المؤنة لا نفس المضي، ومال إليه في (المطلب)، وحمل كلام الشيخين عليه.

قال: (والمذهب: أنه كمحصر فيتحلل)؛ لأنه ممنوع.

والطريقة الثانية: وجهان:

أحدهما: هذا.

والثاني: أنه كمن فقد الزاد والراحلة لا يتحلل إلا بلقاء البيت؛ لاشتراكهما في امتناع الذهاب للعجز.

قال: (قلت: ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدل؛ لأنه ممنوع من المال) وتقدم في (الحج): أن هذا هو الأصح، وإن قلنا: لا بدل له .. فإنه يبقى في ذمة السفيه كما صرح به في (المطلب).

قال: (ولو كان له في طريقه كسب قدر زيادة المؤنة .. لم يجز منعه والله أعلم)؛ لأن الإتمام من دون التعرض للمال ممكن، واستشكله في (المطلب) إذا كان عمله مقصودًا بالأجرة حتى لا يجوز التبرع به.

وجوابه: أن المسألة مفروضة فيما إذا كان كسبه من السفر لا يتأتى منه في الحضر، ومثل ذلك لا يعد الولي به مفوتًا للمال؛ لأنه لو أقام .. لما حصل ذلك الكسب، أما عمل الحضر الذي يفوت بالسفر .. فليس مقصودًا هنا.

ص: 420