الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ:
التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ
ــ
قال الشيخ: وهذا لا أعلم أحدًا ممن له علم قال به، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وكلام جميع الأصحاب مصرح بخلافه سواء كان المشتري مسلمًا أو ذميًا.
وظابط ما يحرم كتمانه: ما يثبت به الخيار، وما لا .. فلا كذكر القيمة، قاله الإمام، فإن باع ولم يبينها .. صح البيع.
قال: (فصل:
التصرية حرام) (التصرية): الجمع، قال: صرى الماء في الحوض تصرية: إذا جمعه.
و (المصراة): البهيمة التي تربط أخلافها ليجتمع لبن كثير فيتوهم أن عادتها كذلك، وهذا الفعل حرام؛ للتدليس، وكذلك البيع.
قال صلى الله عليه وسلم: (بيع المحفلات خلابة ولا تحل خلابة مسلم) ذكره عبد الحق.
وإطلاق المصنف يقتضي: أنه لا فرق بين أن يقصد البيع أم لا، وهو كذلك، كما صرح به المتولي، وعلله بإضراره بالحيوان.
قال: (تُثبت الخيار)؛ لما روى الشيخان [خ2148 - م1515/ 11] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك .. فهو بخير النظرين: إن رضيها .. أمسكها، وإن سخطها .. ردها وصاعًا من تمر).
ووافقنا على ثبوت الخيار بذلك مالك وأحمد، وخالف أبو حنيفة فقال: لا خيار بها، وتأوَّل الحديث.
عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ .. رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ،
ــ
قال: (على الفور) كالرد بالعيب، فلو ترك الحلب ناسيًا أو لشغل أو تحفلت بنفسها .. ففي ثبوت الخيار وجهان في (الشرح) و (الروضة): المذكور منهما في (الحاوي الصغير): أنه لا يثبت.
قال: (وقيل: يمتد ثلاثة أيام)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وهو بالخيار ثلاثة أيام) رواه مسلم، وهذا الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه صريحًا، وقال به أكثر الأصحاب، واختاره الشيخ، وهو الحق.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: إنه الصواب.
ثم هل ابتداؤها من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط.
ومقتضى هذا: أنها من العقد على الأصح.
وقال ابن المنذر: ابتداؤها من الحلب.
ثم في علة هذا الخيار وجهان:
أحدهما: تدليس البائع.
والثاني: ضرر المشتري لإخلاف ما ظنه.
ويظهر أثرهما فيما لو تحفلت بنفسها.
وشملت عبارة المصنف: ما إذا اشترى مصراة ثم در اللبن على ما أشعرت التصرية به عليه واستمر، وفي الرد بذلك وجهان: أصحهما: نعم، وجزم به البغوي، وهما مأخوذان من القولين في الأمة إذا عتقت تحت عبد ولم تعلم حتى عتق، وشبيهان بالوجهين فيما إذا اشترى معيبًا ولم يعلم بالعيب حتى زال.
قال: (فإن رد بعد تلف اللبن .. رد معها صاع تمر)؛ للحديث، لكن يستثنى من هذا: ما إذا تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند
وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ
ــ
بقائه؛ فإنه يجوز بلا خلاف كما قاله البغوي وغيره، خلافًا لابن المنذر؛ فإنه منع إبدال التمر باللبن؛ لأنه بيع ذلك الطعام قبل قبضه، وذكر ابن كَج وجهين في جواز إبدال التمر باللبن إذا تراضيا.
والواجب في التمر: أن يكون من التمر الوسط، فإن فقد .. فقيمته، قيل: بالمدينة، وقيل: بأقرب بلد إليه.
وشملت عبارته: ما إذا اشتراها بصاع من التمر؛ فإنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر، وليس ذلك ربًا، لأن هذا فسخ، لكن سوء تدبير، ولذلك قال الشيخ: إنه لا يمتنع.
تنبيه:
تبع المصنف في التقييد بـ (تلف اللبن)(المحرر)، وفي ذلك نظر؛ فإنه وإن كان موجودًا فله إمساكه ورد الصاع، وليس للبائع إجباره على رده؛ لأن ما حدث منه بعد البيع ملكه ولا يتميز، وليس للمشتري رده على البائع قهرًا في الأصح؛ لذهاب طراوته، أما إذا حمض .. فكالتالف.
فرع:
إذا تعددت الشياه المصراة .. لا نقل فيها عند أصحابنا، لكن نقل ابن قدامة الحنبلي عن نص الشافعي تعدد الصاع بعددها، وهو منقاس، وفيه عند المالكية خلاف، وإلى عدم التعدد ذهب ابن حزم، وزعم ابن الرفعة: أنه ظاهر الحديث، وإليه مال أبو عمر بن عبد البر.
قال: (وقيل: يكفي صاع قوت) ولو وجد التمر؛ لأنه ورد صاع تمر أو صاع قوت أو صاع من طعام.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَاكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالأَتَانَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجُهٌ.
ــ
فعلى هذا: يعتبر غالب قوت البلد كالفطرة، فيتخير الراد بينها.
قال الإمام: لا يتعدى إلى الأقط، بخلاف صدقة الفطر.
قال: (والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن)؛ لإطلاق الخبر وقطعًا للنزاع.
والثاني: يتقيد بقدره؛ لما روى أبو داوود [3439]: (ومثل أو مثلي لبنها قمحًا).
وعلى هذا: فقد يزيد الواجب على الصاع وقد ينقص؛ لأنه سوى بين الإبل والبقر والغنم في ذلك مع اختلاف ألبانها.
قال: (وأن خيارها لا يختص بالنعم بل يعم كل مأكول والجارية والأتان)؛ لأن في رواية أبي داوود: (من اشترى محفلة).
والثاني: يختص بالنعم؛ لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلا نادرًا.
و (الأتان) بالتاء المثناة: الأنثى من الحمر الأهلية، ولا يقال: أتانة، والجمع: أُتُنٌ وأُتْنٌ.
قال: (ولا يرد معهما شيئًا)؛ لأن لبنها لا يقابل بالأعواض غالبًا، ولأن لبن الأتان نجس.
قال: (وفي الجارية وجه): أنه يرد معها صاع تمر لطهارته والانتفاع به، ومفهوم كلامه: أن الوجه لا يجري في الأتان، وطرده الإصطخري فيها، وهو تفريع منه على رأيه في أن لبن الأتان طاهر يحل أكله وشربه، وأما غير المصراة إذا حلبها ثم ردها بعيب .. فلا يرد معها شيئًا، قال الشافعي رضي الله عنه في مناظرة محمد بن الحسن.
وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال: (وحبس ماء القناة والرحى المرسل عند البيع، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار)؛ قياسًا على التصرية؛ لأن في ذلك غشًا وخديعة، ولابد أن يكون ذلك بحيث لا يظهر لغالب الناس أنه مصبوغ حتى لا ينسب المشتري إلى تقصير، وأن يكون بفعل البائع أو غيره بإذنه، فإن حصل بلا صنع .. فكما لو تحفلت بنفسها.
والمراد: التجعيد المحبوب لا المفلفل كشعر السودان؛ لأن الجعودة تدل على قوة البدن والسبوطة على ضعفه.
قال: (لا لطخ ثوبه تخييلًا لكتابته في الأصح)؛ لتقصير المشتري بعدم الامتحان أو السؤال عنه.
والثاني: نعم؛ للتلبيس.
تتمة:
الخلاف جار فيما إذا ألبسه ثوب الكتبة أو ثياب الخبازين وغيرهم من الصنائع، وفي علف الدابة حتى ينتفخ بطنها فتظن حاملًا، وفي إرسال الزنبور على ضرعها فتظن لبونًا، فلو كان على ثوبه لطخة مداد .. لم يثبت الخيار بذلك قطعًا.
* * *
خاتمة
اشترى شاة وشرط أنها تحلب كل يوم خمسة أرطال مثلًا .. فوجهان في (المهذب) و (العدة) و (البحر):
أصحهما –وبه جزم الرافعي في (باب المناهي) _: البطلان.
والثاني: يصح، فإذا أخلف .. ثبت الخيار.
* * *