الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ الْحَوَالَةِ
ــ
باب الحوالة
هي بفتح الحاء وحكى الجيلي كسرها: مشتقة من التحويل والانتقال، يقال: حال فلان عن العهد، أي: انتقل عنه.
وهي في الشرع: نقل الحق من ذمة إلى ذمة، فكأن الحق حول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويطلع على العقد الذي يحصل به الانتقال، وهو الذي يستعمله الفقهاء غالبًا.
والأصل فيها: ما روى الشيخان [خ2287 - م1564] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء .. فليتبع) وفي رواية لأحمد [2/ 463] والبيهقي [6/ 70]: (وإذا أحيل أحدكم على مليء .. فليحتل) وهو الذي في (المحرر).
وألف (أتبع) مضمومة، وتاء (فليتبع) مشددة.
و (المليء) بالهمز: من الامتلاء.
وهذا الأمر عندنا وعند جمهور العلماء للندب، فمن أحيل على مليء .. استحب له القبول.
وقال الماوردي: للإباحة، لوروده بعد الحظر وهو:(نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين) كقوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} .
وقال أبو ثور وداوود: واجب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وللعلماء اختلاف في أن المماطل يفسق بمطله مرة واحدة، أو لابد من التكرر؛ لأن المطل إطالة المدافعة.
قال المصنف: ومقتضى مذهبنا: اشتراط التكرر.
قال الشيخ: بل مقتضاه: عدم اشتراط التكرر؛ لأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه يشبه الغصب، والغصب كبيرة، وأيضًا تسمية النبي صلى الله عليه وسلم له ظلمًا تشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، لكن لا يحكم عليه بذلك حتى يظهر عدم عذره؛ لأنه قد يكون معذورًا في الباطن.
وأجمع المسلمون على جواز الحوالة في الجملة، ومن جهة المعنى ما فيها من الارتفاق؛ فإن الإنسان قد يستحق دينًا وعليه مثله فيشق عليه الاستيفاء والإيفاء .. فجوزت لدفع هذه الكلفة، وإلا .. فالقياس: أنها لا تجوز؛ لأنها بيع دين بدين وقد نهي عنه.
وفي حقيقتها أوجه، وقيل: قول ووجهان.
الأظهر المنصوص: أنه بيع دين بدين جوز للضرورة.
فعلى هذا: تجوز الإقالة منها كما صرح به الخوارزمي في (الكافي).
والثاني –واختاره الشيخ وجماعة-: أنها استيفاء حق، كأن المحتال استوفى ما كان له من الحق في ذمة المحيل وأقرضه من المحال عليه.
والثالث –وهو اختيار القاضي والإمام ووالده-: أنها مركبة من المعاوضة والاستيفاء.
قال القاضي الطبري: وليس لهذا الخلاف فائدة إلا ثبوت خيار المجلس إن قلنا:
يُشْتَرَطُ لَهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ،
ــ
بيع .. ثبت، وإلا .. فلا وهو الأصح، وليس كذلك، بل له فوائد كثيرة تأتي في الباب، منها: اشتراط الضمان والرهن وظهور المحال عليه مفلسًا عند الحوالة، والترجيح فيها مختلف.
قال: (يشترط لها: رضا المحيل)؛ لأن له قضاء الحق من حيث يشاء، ولا يتعين قضاؤه من محل معين، كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
وقيل: يصح من غير رضاه حكاه في (الكفاية) عن بعض الشارحين قال: وصوره بما إذا قال: أحلتك على نفسي بالدين الذي لك على فلان فيقول المحتال: قبلت.
وأجاب الشيخ عنه بأن هذا ضمان لا حوالة.
قال: (والمحتال)؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم متفاوتة.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لصاحب الحق يدًا ومقالًا).
ويعتبر في المحيل والمحتال من أهلية التصرف ما يعتبر في سائر المعاملات.
وعلم من اشتراط الرضا –وهو لا علم إلا بالإيجاب والقبول_ أنه لابد منهما كما في البيع، وإنما اقتصر الأصحاب هنا على لفظ (الرضا)؛ ليتكلموا على أن المحال عليه لا يشترط رضاه، ولينبهوا على أن الرضا للمحتال غير واجب عليه، بل موكول إلى خيرته، وحملوا الأمر الوارد في الحديث المتقدم على الاستحباب.
وتنعقد بلفظ الحوالة وما في معناها كقوله: أحلتك على فلان، أو حولت ما في ذمتي إلى ذمته، أو نقلت أو أتبعتك عليه بما لك علي كما اقتضاه الخبر، وما أشبه ذلك فيقول: قبلت أو احتلت أو اتبعت وما أشبهه.
ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك .. فعلى الخلاف في الاستحباب والإيجاب في البيع.
لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ بِرِضَاهُ. وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ اللَّازِمِ وَعَلَيْهِ
ــ
وقيل: ينعقد مطلقًا؛ لأن الحوالة تسومح فيها، وفي انعقادها بلفظ البيع خلاف مبني على مراعاة اللفظ أو المعنى كالبيع بلفظ السلم.
قال: (لا المحال عليه في الأصح)؛ للحديث، ولأن الحق عليه فلا يعتبر رضاه، كما لا يعتبر رضا العبد المبيع، وهذا نص عليه في (المختصر)، وبه قال مالك وأحمد.
والثاني: يشترط؛ لأنه أحد أركان الحوالة، فأشبه المحيل، وهذا منصوص (الأم)، وبه قال أبو حنيفة والإصطخري، وبُني الخلاف على أنها معاوضة فلا يشترط، أو استيفاء فيشترط، والخلاف قولان، فكان ينبغي التعبير بالأظهر.
ولو كان لأحد الطفلين على أخيه مال فأحاله الأب بماله على أخيه على نفسه، أو على ابن له آخر صغير .. جاز.
قال: (ولا تصح على من لا دين عليه) وهو قول ابن سريج؛ بناء على أنها معاوضة، وليس على المحال عليه شيء حتى يجعل عوضًا.
قال: (وقيل: تصح برضاه) كصلحه عليه؛ بناء على أنها استيفاء، فكأنه استوفاه من المحيل وأقرضه المحال عليه، وهذا قول المزني وابن الحداد وصححه القاضي أبو الطيب، وإذا قلنا بهذا .. فلا يبرأ المحيل، بل حقيقة هذه الحوالة إنما هو الضمان.
ونبه بقوله: (برضاه) على أنه في هذه الحالة يشترط رضا المحال عليه بلا خلاف، ونقل الإمام عن العراقيين وجهًا: أن هذه الحوالة جائزة لا لازمة، حتى يجوز للمحال عليه أن يرجع قبل الأداء، وكأن صاحب هذا الوجه يراعي أنها توكيل مجرد.
قال: (وتصح بالدين اللازم وعليه) سواء اتفق سبب الوجوب فيهما أو اختلف؛ بأن كان أحدهما ثمنًا والآخر أجرة أو قرضًا أو بدل متلف.
الْمِثْلِيِّ، وَكَذَا الْمُتَقَوِّمُ فِي الأَصَحِّ، وَبِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَعلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
ــ
قال الرافعي: ولا يكفي اللزوم بل لابد أن يكون مستقرًا، واستدركه عليه في (الروضة)؛ لأن دين السلم لازم، وأصح الأوجه: لا تجوز الحوالة به ولا عليه، وما أطلقاه من اشتراط الاستقرار غير مستقيم؛ لأن الأجرة قبل مضي المدة غير مستقرة، وكذلك الصداق قبل الدخول والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ونحو ذلك تصح الحوالة بها وعليها كما صرحوا به، فلو عبرا بقولهما: يصح الاستبدال عنه .. لخرجت صورة السلم؛ لأن المنع فيها لتعذر الاعتياض، لا لعدم الاستقرار.
قال: (المثلي) هذا بدل من الأول، وذلك كالحبوب والأثمان، وقد تقدم حق المثلي.
قال: (وكذا المتقوم في الأصح) كالثياب والعبيد؛ لثبوته في الذمة ولزومه.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من الحوالة إيصال المستحق إلى الحق من غير تفاوات، وهذا لا يتحقق في المتقوم، وقيل: لا يصح إلا بالأثمان خاصة.
و (المتقوم) بكسر الواو حيث ورد؛ لأنه اسم فاعل، فلا يصح الفتح على أن يكون اسم مفعول؛ لأنه مأخوذ من تقوم كتعلم وهو قاصر، واسم المفعول لا يبنى إلا من متعد.
قال: (وبالثمن في مدة الخيار، وعليه في الأصح)؛ لأنه صائر إلى اللزوم، والجواز عارض فيه، كذا علله الرافعي، ولا تأتي هذه العلة في خيار المجلس؛ لأنه لازم للبيع لا عارض، مع أن إطلاقه وإطلاق غيره يقتضي: أنه لا فرق بينه وبين خيار الشرط.
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بَالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السِّيِّدِ عَلَيْهِ
ــ
صورته: أن يحيل المشتري البائع على إنسان، أو يحيل البائع إنسانًا على المشتري.
والثاني: لا يصح لا به ولا عليه؛ لعدم اللزوم، وبهذا قال القاضي أبو الطيب، وكلام الماوردي والمتولي يقتضي تصحيحه.
واحترز بقوله: (في مدة الخيار) عما إذا أحال به بعد انقضائها وقبل قبض المبيع؛ فإنها جائزة قطعًا.
قال: (والأصح: صحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، دون حوالة السيد عليه)؛ لاستقرار ما أحال به السيد بخلاف العكس.
والثاني: يصحان أما الحوالة من المكاتب .. فلاستقرار الدين عليه، وأما الحوالة عليه .. فنظرًا إلى أنها استيفاء.
والثالث: لا يصحان؛ نظرًا لما تقدم، ولأن الاعتياض عن نجوم الكتابة لا يصح، وإذا قلنا بصحة حوالة المكاتب سيده بالنجوم، فإذا أحاله .. برئ وعتق، ويلزم الدين في ذمة المحال عليه.
وقال الإمام: إذا أحال العبد بالنجوم دفعة واحدة، أو بالنجم الأخير .. جاز؛ لأنه يعتق ويبقى الدين على المحال عليه، ولو أحال السيد بالنجم الأخير .. لم يصح؛ إذا لو صح .. لعتق، ولو عتق .. لبرئ وسقط الدين.
واحترز بـ (النجوم) عما لو كان للسيد على المكاتب دين معاملة فأحال به عليه .. فالأصح الصحة.
فرع:
الجعل في الجعالة جزم الماوردي والمتولي بعدم صحة الحوالة به قبل العمل وبالصحة بعده، قال الرافعي: والقياس: أن يأتي في الحوالة به، وعليه الخلاف في الرهن به وفي ضمانه.
وَيُشْتَرَطُ: الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بِإِبِلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا. وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الأَصَحِّ.
ــ
قال: (ويشترط: العلم بما يحال به وعليه)؛ لأن المجهول لا يصح بيعه ولا استيفاؤه.
قال: (قدرًا وصفة) المراد: صفات السلم، سواء كان مثليًا أم متقومًا كما تقدم، ولم يذكر المصنف الجنس؛ لأنه استغنى عنه بالصفة.
قال: (وفي قول: تصح بإبل الدية وعليها)؛ لأنها معلومة العدد والصفات.
والأظهر: المنع، لأن صفاتها لا تنضبط، والخلاف فيها مبني على جواز المصالحة عليها والاعتياض عنها.
والأصح فيهما: المنع، فكذلك الحوالة.
قال: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا)؛ لأنا إن جعلناها استيفاء .. استحال مع المخالفة، أو معاوضة .. فهي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي في القدر والصفة كالقرض، فلا تصح مع اختلاف الجنس، كما لو أحال بالدراهم على الدنانير وعكسه.
والمراد بعدم الصحة: أن الحق لا يتحول، فإن جرت .. فهي حوالة على من لا دين عليه.
وأغرب الزبيلي فجوزها مع اختلاف الجنس، ولا تصح مع اختلاف القدر، وقيل: تصح بالقليل على الكثير والمحيل متبرع بالزيادة، واتفقوا على أنها تصح بالقليل على من له عليه أكثر.
قال: (وكذا حلولًا وأجلًا وصحة وكسرًا في الأصح)؛ إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والجودة والرداءة كالصحة والكسر.
والثاني: إن كان النفع فيه للمحتال .. جاز، وإلا .. فلا.
فعلى هذا: يجوز أن يحيل بالمؤجل على الحال، ولا يجوز أن يحيل بالحال
وَيَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ الْمُحِيلُ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلِفٍ وَنَحْوِهِمَا .. لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ،
ــ
على المؤجل، فإن كانا مؤجلين بأجلين مختلفين .. جاز أن يحيل بالأبعد على الأقرب دون عكسه، وإن كان أحدهما صحيحًا والآخر مكسرًا .. جاز أن يحيل بالمكسر على الصحيح، ويكون المحيل متبرعًا بصفة الصحة، ولا يحال بالصحيح على المكسر، ووقع فيه سبق قلم في (الروضة).
وفي وجه ثالث: يجوز أن يحيل بالمكسر على الصحيح وعكسه؛ لأنه يجوز أن يأخذه بالتراضي، لكن تعبيره بـ (الأصح) يقتضي أن الخلاف قوي وهو ضعيف، فكان ينبغي أن يعبر بـ (الصحيح) كما فعل في (الروضة).
وتجري الأوجه الثلاثة في الجيد والرديء.
فرع:
كان بالمحال به أو عليه ضامن أو رهن برئ الضامن وانفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان كما صرح به الرافعي في آخر الباب، وفي أول الباب الثاني من أبواب (الضمان)، وظاهر كلام (المطلب): أنه لا خلاف فيهما.
والفرق بين المحال وبين الوارث: أن الوارث خليفة الموروث فيما ثبت له من الحقوق، وأجاب البارزي بانتقال الرهن والضمان قياسًا على الوارث.
قال: (ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال، والمحال عليه عن دين المحيل، ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه)؛ لأن ذلك فائدة الحوالة، وقال الماوردي: أجمعوا عليه.
قال: (فإن تعذر بفلس أو جحد وحلف ونحوهما .. لم يرجع على المحيل)؛ لأن حقه تحول، وبرئت بعقد الحوالة الذمة، فوجب أن لا يعود إليه كما لو أبرأه.
فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ الْمُحْتَالُ .. فَلَا رُجُوعَ لَهُ،
ــ
وقال محمد بن الحسن: يرجع إذا أفلس.
وقال أبو حنيفة: يرجع إذا مات مفلسًا، أو جحد وحلف؛ لورود ذلك عن عثمان رضي الله عنه.
لنا: أنه منقطع ومشكوك في متنه، ومعارض بقول علي رضي الله عنه: لا يرجع.
وقوله: (ونحوهما) من زيادة الكتاب على (الشرح) و (الروضة)، وأراد به امتناعه أو موت البينة بعد موته موسرًا.
ولا فرق في الجحد بين أن يكون للدين أو للحوالة؛ فلذلك أطلقه المصنف، وكان الأولى أن يعبر بالإنكار؛ لأنه أعم من الجحد.
فروع:
أحال بشرط الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس أو الجحد فثلاثة أوجه في (الشرح) و (الروضة) من غير تصحيح ثالثها: تصح الحوالة دون الشرط، وهو مقتضى إطلاق المصنف.
ولو أحال بمؤجل على مؤجل .. حلت الحوالة بموت المحال عليه، ولا تحل بموت المحيل لبراءته بالحوالة.
وإذا قبل المحتال الحوالة من غير اعتراف بالدين .. قال في (المطلب): كان قبوله متضمنًا لاستجماع شرائط الصحة، فيؤاخذ بذلك لو أنكر المحال عليه، وهل له تحليف المحيل أنه لم يعلم براءته؟ فيه وجهان.
قال: (فلو كان مفلسًا عند الحوالة وجهله المحتال .. فلا رجوع له) كما لو طرأ الإفلاس، ولأنه مقصر؛ إذا كان من حقه أن يفحص عن حاله قبل الحوالة.
وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شُرِطَ يَسَارُهُ. وَلَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ .. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ. لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ
ــ
قال: (وقيل: له الرجوع إن شرط يساره) كما لو اشترى عبدًا بشرط أنه كاتب فأخلف، وإلى هذا ذهب ابن سريج وسليم، وهو خلاف ما عليه الجمهور، وأجابوا بأنه لو ثبت الرجوع عند الشرط .. لثبت عند عدمه؛ لأنه نقص كالعيب.
وفي وجه آخر: أنه يرجع وإن لم يشرط، واختاره الغزالي.
ولو خرج المحال عليه عبدًا .. فهو كما لو علم رقه.
قال: (ولو أحال المشتري بالثمن فرد المبيع بعيب) وكذا بإقالة أو تحالف أو غيرهما (.. بطلت في الأظهر) هذا المسألة: وما بعدها إلى آخر الباب من تخريجات المزني على قواعد الشافعي.
ووجه البطلان في هذه المسألة: أنه أحال بالثمن، فإذا انفسخ العقد خرج المحال به عن كونه ثمنًا، فبطلت الحوالة.
والثاني: لا تبطل، كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا ثم رد المبيع بعيب فإن الاستبدال لا يبطل على المعروف، وقيل: تبطل الحوالة قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
ولو أحال الزوج زوجته بصداقها على شخص، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول واقتضى الحال الرجوع .. لم تنفسخ الحوالة على الأصح؛ لأن الصداق أثبت من غيره، ولهذا لو زاد زيادة متصلة .. لم يرجع في نصفه إلا برضاها، بخلاف المبيع ونحوه.
قال: (أو البائع بالثمن) أي: أحال البائع بالثمن رجلًا (فوجد الرد .. لم تبطل على المذهب) سواء قبض المحتال مال الحوالة من المشتري أم لا؛ لتعلق الحق بثالث.
والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ .. بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، فَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ .. حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، ثُمَّ يَاخُذُ الْمَالَ مِنَ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَقْبِضَ لِي، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَحَلْتَنِي،
ــ
قال: (ولو باع عبدًا وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة .. بطلت الحوالة) وكذا لو اتفقوا على أنه مستحق أو قامت البينة به؛ لأنه بان أن لا ثمن، فيرد المحتال ما أخذه على المشتري، ويبقى حقه في ذمة البائع.
والمراد بالبطلان ههنا: عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم تتقدم لها صحة، وهذه البينة يقيمها العبد أو تشهد حسبة، ولا يتصور أن يقيمها واحد من المتبايعين؛ لأنه كذبها بالدخول في البيع، قال البغوي والروياني.
قال: (فإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلفاه على نفي العلم) طردًا للقاعدة فيقول: والله لا أعلم حريته.
قال: (ثم يأخذ المال من المشتري)؛ لأن الحوالة باقية بحلفه، وهل يرجع المشتري على البائع المحيل؟ قال البندنيجي وسليم والبغوي: لا؛ لأنه يقول: المحتال ظلمني بما أخذه، والمظلوم لا يطالب غير ظالمه.
وقال الأكثرون: نعم؛ لأنه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة، قال ابن الرفعة: وهو الحق.
وإذا قلنا بالرجوع .. فهل يرجع قبل دفع المال إلى المحتال؟ فيه الوجهان السابقان، أصحهما: المنع.
فإن نكل المحتال عن اليمين .. حلف المشتري، وبطلت الحوالة إن جعلنا اليمين المردودة كالإقرار، وإلا .. فلا؛ إذ ليس له إقامة البينة.
قال: (ولو قال المستحق عليه: وكلتك لتقبض لي، وقال المستحق: أحلتني،
أَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: أَحَلْتُكَ الْوَكَالَةَ، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ. وإِنْ قَالَ: أَحَلْتُكَ، فَقَالَ: وَكَّلْتَنِي .. صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ
ــ
أو قال: أردت بقولي: أحلتك الوكالة، وقال المستحق: بل أردت الحوالة .. صدق المستحق عليه بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء الحقين، ولأنه أعرف بقصده.
قال في (المطلب): ويتخرج عليهما ما إذا لم تكن له بينة، قال: ولم أر فيه نقلًا.
قال: (وفي الصورة الثانية وجه)؛ لأن ظاهر اللفظ يوافق دعواه.
فعلى الأول: إن لم يكن المستحق قبض .. فليس له القبض؛ لأن الحوالة لم تثبت والوكالة ارتفعت بالإنكار، وإن قبض .. برئت ذمة المقبوض منه؛ لتسليمه إلى وكيل أو محال، وعليه تسليمه للمستحق عليه، وله مطالبة المستحق عليه بحقه في الحالين.
قال: (وإن قال: أحلتك، فقال: وكلتني .. صدق الثاني بيمينه)؛ لأن الأصل بقاء حقه، وفي وجه: أن القول قول المحيل اعتبارًا بالظاهر.
وموضع الوجهين في المسألة والتي قبلها: إذا كان اللفظ الجاري بينهما أحلتك بمئة على عمرو مثلًا، فأما إذا قال: أحلتك بالمئة التي لك علي بالمئة التي لي على عمرو .. فهذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة، فالقول قول زيد بلا خلاف، كذا قاله الشيخان، ونوزعا في نفي الخلاف؛ فإن كلام (النهاية) يشير إلى إثباته.
فرع:
لك على رجل دين فلما طالبته به .. قال: قد أحلتك به على زيد، وزيد غائب، فأنكرت .. صدقت بيمينك، فلو أقام بينة .. سمعت وسقطت مطالبتك عنه.
وفي ثبوت الحوالة في حق الغائب حتى لا يحتاج إلى إقامة بينة إذا قدم وجهان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتمة:
أحال من عليه الزكاة الساعي .. جاز إن قلنا: الحوالة استيفاء، وإن قلنا: اعتياض .. فلا؛ لامتناع أخذ العوض عن الزكاة، كذا نقله الرافعي عن المتولي وأقره، وكأن صورة المسألة فيما إذا تلف النصاب بعد التمكن، فإن كان باقيًا .. فلا دين حتى يحال به؛ لأن الزكاة تجب في العين.
* * *
خاتمة
جندي أجر إقطاعه وأحال ببعض الأجرة على المستأجر ثم مات؟ أجاب الشيخ بتبين بطلان الإجارة فيما بعد موته من المدة، وبطلان الحوالة فيما يقابله.
وتصح الإجارة في المدة التي قبل موت المؤجر، وتصح الحوالة بقدرها، ولا يرجع المحال عليه بما قبضه المحتال منه من ذلك، ويبرأ المحيل منه.
* * *