الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابٌ
الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلِفَ .. انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ،
ــ
باب
قال: (المبيع قبل قبضه من ضمان البائع)؛ لبقاء سلطنته عليه، فينفسخ بتلفه ويثبت الخيار بتعيبه، ولا يكون من ضمان المشتري؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن، رواه الحاكم [2/ 17] والأربعة وابن حبان [4321].
وقال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر: إنه من ضمان المشتري؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) وقد تقدم قريبًا: أنه حسن.
وجوابه: أن (الألف واللام) في الخراج للعهد، وهو خراج المردود بعيب.
لكن يستثنى: ما إذا اشترى أمة فوطئها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها ثم ماتت .. فإنها تتلف من ضمان المشتري؛ لأنها بالعلوق يقدر انتقالها إلى ملك الأب.
وإذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا ثم عجَّز نفسه قبل قبض السيد العين المبيعة.
وإذا اشترى الوارث من مورثه عينًا ثم مات المورث قبل القبض.
ثم إطلاق المصنف: أن الضمان على البائع يشمل: ما إذا عرضه عليه فامتنع من قبوله، وهو الذي قاله الرافعي في أوائل (الصداق)، لكن لو وضعه بين يديه عند امتناعه .. برئ من ضمانه على الصحيح كما سيأتي.
قال: (فإن تلف) أي: بآفة سماوية (.. انفسخ البيع وسقط الثمن)؛ لأنه قبض مستحق بالبيع، فإذا تعذر .. انفسخ البيع كما إذا تفرقا في عقد الصرف قبل التقابض.
ولو كان الثمن دينًا على البائع .. ففي عوده عليه وجهان: أصحهما: العود، كذا قاله الرافعي في (كتاب الأضحية).
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنِ الضَّمَانِ .. لَمْ يَبْرَا فِي الأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ. وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ،
ــ
والمراد بـ (الانفساخ): عود ملكه إلى البائع قبيله، وقيل: يرتفع من أصله وينبني عليهما الزوائد الحادثة من المبيع في يد البائع كالولد والبيض واللبن والكسب، والأصح: أنها للمشتري وتكون أمانة في يد البائع.
وفي معنى الزوائد: ما وهب من العبد فقبله وقبضه، وما صار إليه بوصية، وكذلك الحكم في مؤنة تجهيز العبد إذا مات.
ويقوم مقام التلف وقوع الجوهرة في البحر، وانفلات الطير والصيد المتوحش.
ولو غصب المبيع أو ضاع أو أبق أو جحده البائع .. ثبت الخيار.
وانقلاب العصير خمرًا كالتلف على الصحيح.
ولو أدعى البائع تلف المبيع عنده .. قبل قوله على الصحيح.
قال: (ولو أبرأه المشتري عن الضمان .. لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم)؛ لأنه إبراء عما لم يجب.
والثاني: يبرأ لوجود السبب، فصار كما لو أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب وسيأتي في (الرهن).
قال الشيخ: والذي أقطع به: أنه لو جرى مثل ذلك في الصرف .. لم يسقط اشتراط التقابض؛ فإنه لحق الله تعالى، ولتحقق عدم الربا، فلا يتمكن العاقدان من إسقاطه.
فقوله: (ولم يتغير الحكم) لا فائدة له مع قوله: (لم يبرأ)، لكن أتى به على جهة التأكيد.
قال: (وإتلاف المشتري قبض إن علم) أي: إن علم أنه المبيع، كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب، وقيل: ينفسخ البيع.
هذا في الإتلاف بغير العتق، أما بالإعتاق .. فسيأتي.
لكن يستثنى منه: ما لو قتله لصياله عليه، فالأصح: أنه ليس قبضًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما إذا ارتد وكان المشتري الإمام فقتله بردته، فلو كان المشتري غيره .. كان قتله قبضًا.
والقياس في تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن: أن يكون كالمرتد، ويتصور في الكافر إذا زنا ثم لحق بدار الحرب فاسترق.
فروع:
أتلف المشتري بعض المبيع في يد البائع .. جعل كالقابض له إن كان مما يتقسط الثمن عليه كأحد العبدين.
ولو قطع يد العبد ثم مات عند البائع بآفة سماوية .. فالأصح: أنه يلزم المشتري جزء من الثمن بنسبة ما نقص من قيمته.
ولو أتلف المشتري والبائع المبيع .. لزم البيع في نصفه المقابل لجناية المشتري، وأما النصف الآخر .. فيعلم حكمه من جناية البائع.
وإتلاف بهيمة المشتري إن كان معها كإتلافه، وإن لم يكن معها؛ فإن كان بالنهار .. انفسخ البيع؛ لتفريط البائع، وإن كان بالليل .. ثبت الخيار؛ لتفريط المشتري، فإن فسخ .. طالبه بالقيمة.
وإتلاف بهيمة البائع كالآفة، هكذا قاله القفال، قيل له: هلا فرق فيها بين الليل والنهار؟ قال: هذا موضع التروي؛ يعني: تروي الفقيه في طلب الفرق.
وَإِلَّا .. فَقَوْلَانِ كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ
ــ
وإتلاف الأعجمي والصبي الذي لا يميز بأمر المشتري أو البائع كإتلافهما، وإتلاف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يعلم (.. فقولان كأكل المالك طعامه المغصوب ضيفًا) هما في المغصوب قولان: أصحهما: يبرأ لمباشرة المالك الإتلاف، وهنا وجهان: ومقتضى البناء: مصيره قابضًا في الأصح.
وعلى الثاني: يكون كما لو أتلفه البائع إن كان البائع هو المقدم له، وإن كان أجنبيًا بغير إذن البائع .. فينبغي أن يكون كإتلاف الأجنبي، وإن لم يكن بتقديم أحد .. فينبغي أن يكون كالآفة.
فرع:
لو وطئها المشتري لم يصر قابضًا لها، بدليل: أنه لو زنى بجارية إنسان .. لم يصر غاصبًا لها، فهو بمنزلة الاستخدام، ثم إن تم العقد .. فذاك، وإن انفسخ بأن ماتت قبل القبض .. فلا مهر على المشتري.
قال: (والمذهب: أن إتلاف البائع كتلفه) أي: بآفة سماوية حتى ينفسخ البيع؛ لأنه لا يمكن الرجوع عليه بالقيمة؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، بخلاف الأجنبي؛ فإنه إذا أتلفه .. سقط الثمن، وصحح الرافعي في كتبه كلها ما صححه المصنف، إلا في (الشرح الصغير)؛ فإنه صحح عدم الانفساخ.
والطريق الثاني: القطع بالانفساخ.
والثالثة: القطع بعدمه.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ إِتْلَافَ الأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُغَرِّمَ الأَجْنَبِيَّ، أَوْ يَفْسَخَ فَيُغَرِّمَ الْبَائِعُ الأَجْنَبِيَّ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ .. أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي .. فَلَا خِيَارَ، أَوِ الأَجْنَبِيُّ .. فَالْخِيَارُ،
ــ
وإذا قلنا: لا ينفسخ .. تخير المشتري؛ لفوات العين.
قال: (والأظهر: أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ)؛ لقيام القيمة مقام البيع.
والثاني: ينفسخ البيع؛ لتعذر التسليم، لأن المعقود عليه قد فات، وصححه القاضي أبو الطيب، وقال المتولي: إنه ظاهر المذهب.
وكان الأحسن حذف (الأظهر) وعطفه على (المذهب)؛ فإن فيه طريقة قاطعة بأنه فسخ فيكون أخصر وأفيد.
قال: (بل يتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي، أو يفسخ فيغرم البائع الأجنبي)؛ لفوات غرضه في العين.
هذا إذا أتلفه الأجنبي عدوانًا، فإن أتلفه بحق بأن قتل عبده فاقتص منه .. فإتلافه كالآفة السماوية قطعًا.
قال: (ولو تعيب قبل القبض) أي: بآفة سماوية (فرضيه .. أخذه بكل الثمن) كما لو كان مقارنًا للعقد؛ لأن الأوصاف لا تقابل ولا أرش لها مع القدرة على الفسخ.
قال: (ولو عيبه المشتري .. فلا خيار)؛ لحصوله بفعله، ولأنه يمتنع بسببه الرد بالعيوب القديمة ويكون قابضًا لما أتلفه، فإذا قطع يده ومات بالسراية .. استقر عليه الثمن كله، أو بعد الاندمال .. ضمن اليد بجزء من الثمن بالطريق المتقدم في الكتاب لا بنصف القيمة ولا بما نقص منها.
قال: (أو الأجنبي .. فالخيار)؛ لكونه مضمونًا على البائع، وهذا لا خلاف فيه.
فَإِنْ أَجَازَ .. غَرِمَ الأَجْنَبِيُّ الأَرْشَ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ .. فَالْمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغْرِيمِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ،
ــ
قال: (فإن أجاز .. غرم الأجنبي الأرش) بالاتفاق أيضًا، والمراد: القدر المذكور في (الديات)، ففي يد العبد .. نصف القيمة، وفي يديه .. كلها.
قال: (ولو عيبه البائع .. فالمذهب: ثبوت الخيار لا التغريم) أما ثبوت الخيار .. فبلا خلاف؛ لأن فعل البائع إما كالآفة وإما كفعل الأجنبي وكلاهما مثبت للخيار.
وأما التغريم .. فالمذهب: أنه لا يثبت؛ بناء على أنه كالآفة السماوية.
والثاني: يثبت؛ بناء على جعله كالأجنبي، فكان الصواب أن يقول: يثبت الخيار لا التغريم على المذهب.
قال: (ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه) سواء كان عقارًا أو غيره، أذن فيه البائع أم لا، أعطى المشتري الثمن أم لا؛ لما روى الشيخان [خ2126 - م1525/ 29] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وأحسب كل شيء مثله).
وروى البيهقي [5/ 313] عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله؛ إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: (يا أبن أخي؛ لا تبيعن شيئًا حتى تقبضه).
وروى مسلم [1528/ 39] عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى).
وفي (الصحيحين)[خ2131 - م1527] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رأيت الناس يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جزافًا أن يبيعوه حتى يبلغه الرجل إلى رحله).
وأجمعوا على منعه في الطعام، وجوزه مالك في غيره، وأبو حنيفة في العقار، وأحمد فيما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود ولا مذروع.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ، وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْعِ،
ــ
وذكر الأصحاب للمنع معنيين:
أحدهما: ضعف الملك؛ فإنه معرض للسقوط بالتلف، وإلى هذا ذهب الأكثرون.
والثاني: توالي ضمانين؛ لأن المبيع إذا تلف قبل القبض تبينا انتقاله إلى ملك البائع قبيل تلفه، فلو جوز بيعه .. لكان له بائعان فيكون مضمونًا للمشتري الأول على البائع ومضمونًا عليه للمشتري الثاني.
واستبعد الرافعي العلتين وجعل الاعتماد على الإخبار، وهو قريب من كلام الإمام؛ فإنه جعل الغالب عليه التعبد.
قال: (والأصح: أن بيعه للبائع كغيره)؛ لعموم الأدلة المتقدمة.
وموضع الوجهين: إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع، قاله المتولي، وخرجه شيخه القاضي حسين على أن العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها.
والأصح –كما قاله الرافعي في أوائل (السلم) -: أن العبرة باللفظ، وحينئذ فلا يصح على الصحيح.
واستثنى المتولي من منع بيع المبيع قبل قبضه قسمته قسمة إجبار وإن قلنا: إنها بيع؛ فإن الرضا فيها غير معتبر، فكذلك القبض.
قال: (وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) هذا تفريع على ضعف الملك.
والثاني: يصح بناء على: أن العلة توالي الضمان، وصححه الغزالي، ومحل عدم جواز رهنه: إذا رهنه من غير البائع، فإن رهنه من البائع، فإن كان بالثمن حيث له حق الحبس .. لم يجز على الصحيح، وإلا .. فالمشهور جوازه.
وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخَلافِهِ. وَالثَّمَنَ المُعَيَّنُ كالْمَبِيعِ، فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ
ــ
قال: (وأن الإعتاق بخلافه) فيصح وإن كان للبائع حق الحبس؛ لقوة العتق، ولذلك نقل ابن المنذر فيه الإجماع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك كالبيع.
والثالث: إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلًا أو حالًّا ووفَّاه .. صح، وإلا .. فلا.
والاستيلاء والتزويج كالعتق، والكتابة كالبيع على الصحيح؛ إذ ليس لها قوة العتق، والوقف كالعتق على الصحيح في (شرح المهذب)، وفي (الشرح) و (الروضة): أنا إن شرطنا القبول .. فكالبيع، وإلا .. فكالعتق، وصحح الرافعي في وقف الراهن: أنه يبطل مطلقًا ولا يلتحق بالعتق، والقياس: التسوية بين البابين، أما إذا رجع فيما وهب لولده .. فله بيعه قبل قبضه على الصحيح.
والشفيع إذا تملك الشقص .. قال في (التهذيب): له بيعه قبل قبضه، وقال المتولي: ليس له ذلك؛ لأن الأخذ بها معاوضة، وقواه المصنف.
وللموقوف عليه بيع الثمرة الحاصلة من الشجرة الموقوفة قبل أن يأخذها.
وإذا اشترى طعامًا جزافًا وأباحه للفقراء قبل قبضه فأكلوه .. كان قبضًا، قاله الماوردي والروياني.
قال: (والثمن المعين كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه)؛ لعموم النهي ولتوقع الانفساخ، لكن لا حاجة إلى قوله:(فلا يبيعه البائع قبل قبضه) بل يضر؛ لأنه يوهم جواز غير البيع، ولهذا عبر في (المحرر) بالتصرف ليعم.
قال: (وله بيع ماله في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض، ومرهون بعد
انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيَّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَاخُوذٌ بِسَوْمٍ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَالْجَدِيدُ: جَوَازُ الاِسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ،
ــ
انفكاكه، وموروث، وباق في يد وليه بعد رشده)؛ لتمام الملك والقدرة على التسليم، وكذلك المال الذي في يد الوكيل بالبيع، وفي يد المستأجر بعد انقضاء المدة، وما احتطبه العبد أو اكتسبه قبل أن يأخذه السيد.
لكن يستثنى من الأمانة: ما إذا استأجر صابغًا لصبغ ثوب أو قصره وتسلمه فليس للمالك بيعه قبل صبغه؛ لأن له حبسه لعمل ما تُستحق به الأجرة، فإذا صبغه أو قصره .. كان له بيعه قبل استرداده إن وفى الأجرة، كذا قاله البغوي والرافعي، ونوزعا فيه.
ويستثنى من الموروث: ما إذا كان المورث لا يملك بيعه؛ بأن اشتراه ومات قبل قبضه.
وضبط المصنف (مالَه) بفتح اللام وكسرها و (أمانةً) بنصبه على الحال.
قال: (وكذا عارية ومأخوذ بسوم)؛ لما تقدم، وكذا ما رجع إليه بفسخ عقد كالمردود بعيب، ورأس مال السلم المفسوخ بانقطاع المسلم فيه، والمبيع الذي رجع إليه بإفلاس المشتري.
قال: (ولا يصح بيع المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه)؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، وكذلك لا تجوز الحوالة به ولا عليه، وقيل: تجوز، وقيل: تجوز به ولا تجوز عليه.
قال: (والجديد: جواز الاستبدال عن الثمن) أي: الذي في الذمة، هذا بيع الدين ممن هو عليه، وهو جائز؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: يا رسول الله؛ إني أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ
فَإِنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ .. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ
ــ
الدنانير؟ فقال: (لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء) رواه الأربعة والحاكم [2/ 44]، وقال: على شرط مسلم.
و (البقيع) بالباء: بقيع الغرقد مدفن أموات أهل المدينة كانوا يبيعون فيه الإبل؛ لقلة الموتى فيه.
وقال ابن باطيش وابن معن: إنه بالنون، ورد عليهما المصنف ذلك.
والقديم: منع الاستبدال؛ لأنه بيع ما لم يقبض.
وفي قول ثالث: يجوز استبدال أحد النقدين عن الآخر ولا يجوز استبدال غيرهما، وفي حقيقة الثمن: ثلاثة أوجه:
أحدها: ما اتصلت به باء الثمنية نقدًا كان أو غيره.
والثاني: النقد، حتى لو باع عرضًا بعرض .. فلا ثمن فيه، ولو باع أحد النقدين بالآخر .. فلا مثمن فيه.
والثالث: الأصح: أنه النقد، فإن لم يكن أو كانا نقدين .. فالثمن ما اتصلت به الباء.
قال: (فإن استبدل موافقًا في علة الربا كدراهم عن دنانير .. اشترط قبض البدل في المجلس)؛ فرارًا من الربا.
قال: (والأصح: أنه لا يشترط التعيين في العقد) كما لو تصارفا في الذمة ثم عيَّنَا وتقابضا.
والثاني: يشترط؛ لئلا يكون بيع دين بدين.
قال: (وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافق في العلة كثوب عن دراهم) كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة، فلا يشترط قبض الثوب.
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ .. جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأَظْهَرِ؛
ــ
والثاني: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الآخر كرأس مال السلم، فإن قلنا: لا يشترط القبض .. فلابد من التعيين في المجلس، فتقرر: أن هذا القسم –وهو غير الموافق- لا يشترط تعيينه في العقد ولا قبضه في المجلس على الأصح، بل تعيينه فيه.
وعلى هذا: يكون قولهم: إن ما في الذمة لا يتعين إلا بالقبض محمول على ما بعد اللزوم، أما قبله .. فيتعين برضاهما وينزل ذلك منزلة الزيادة والحط، هكذا قاله في (المطلب) في (كتاب الصلح) وهو حسن.
وحيث استبدل لا يستبدل المؤجل عن الحال، ويجوز عكسه ويصير كأن مَن عليه المؤجل عجَّله.
قال: (ولو استبدل عن القرض وقيمة المتلف .. جاز)؛ لأنه ليس بثمن ولا مثمن، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف، بخلاف دين السلم.
وقوله: (عن القرض) أي: دين القرض، ولابد في الاستبدال من لفظ (عقد)، فلو أعطاه بغير معاوضة .. لم يملكه وكان مضمونًا عليه.
قال: (وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق) فيفصل بين الموافق في علة الربا والمخالف.
قال: (وبيع الدين لغير من عليه باطل في الأظهر)؛ لأنه لا يقدر على تسليمه.
والثاني: يصح؛ لاستقراره وكبيعه ممن هو عليه وهو الاستبدال كما تقدم، وصححه في زوائد (الروضة) هنا، وفي (أصلها) في (كتاب الخلع)، واختاره الشيخ.
وإذا قلنا: يصح اشتراط قبض أحد العوضين في المجلس، فإن تفرقا قبله .. بطل على المشهور.
بِأَنِ يَشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو. وَلَو كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ .. بَطَلَ قَطْعًا. وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ،
ــ
وقال ابن الصباغ: لا يحتاج إلى قبضه.
واحترز بـ (بيع الدين لغير من عليه) عن بيعه ممن هو عليه، ويسمى استبدالًا؛ فإن ذلك جائز عند الجمهور كما تقدم.
قال: (بأن يشتري عبد زيد بمئة له على عمرو) وهذا تصوير المسألة، لكن يشترط أن يكون الدين حالًا، فإن كان مؤجلًا .. لم يجز قطعًا؛ لعدم القدرة على تسليمه ومقتضى هذا: أن لا يصح بيع الدين على معسر وجاحد لا بينة عليه به.
قال: (ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص، فباع زيد عمرًا دينه بدينه .. بطل قطعًا)؛ لأنه بيع دين بدين، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ، رواه الحاكم [2/ 57] وصححه، وبهذا فسره الفقهاء، لكن أهل اللغة قالوا: إنه النسيئة بالنسيئة، ولا فرق بين أن يتفق الجنس أو يختلف.
قال: (وقبض العقار: تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف)؛ لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا ولا حد له في اللغة فرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة وغيره، والعرف قاض بما ذكره المصنف.
والمراد: أن يرفع البائع يده عنه ويمكن المشتري منه؛ بأن يعطيه المفتاح بلا مانع شرعي ولا حسي سواء دخله أم لا.
قال: (بشرط فراغه من أمتعة البائع)؛ لأنه مع الشغل بالأمتعة لا يتأتى تسليمه، هذا هو الأصح الذي جزم به الرافعي هنا، وحكى في (باب الألفاظ المطلقة) في (البيع) وجهًا في صحة قبض الدار المشحونة بالأمتعة: أنه يصح وأن الإمام ادعى: أنه ظاهر المذهب، ونبه المصنف على ذلك هنا غير أنه سبق قلمه من صحة القبض إلى صحة البيع.
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ .. اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمضِيُّ إِلَيْهِ في الأَصَحِّ. وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ،
ــ
والدار المشحونة بالأمتعة بيعها صحيح بلا خلاف، فلو جعل البائع الأمتعة في بيت وخلى بين المشتري وبين بقية الدار .. حصل القبض فيما عدا ذلك البيت، وتقييد المصنف بـ (أمتعة البائع) يخرج أمتعة المشتري والمستأجر والمستعير.
قال: (فإن لم يحضر العاقدان المبيع .. اعتبر مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصح) أشار إلى مسألتين:
إحداهما: أن حضور العاقدين ليس بشرط في صحة قبض العقار، وهو الأصح؛ لما في تكلف ذلك من المشقة.
وقيل: يشترط حضورهما؛ لأنه أقرب إلى حقيقة الإقباض والقبض.
وقيل: يشترط حضور المشتري؛ ليتأتى إثبات اليد عليه.
الثانية: إذا لم يشترط الحضور .. فيشترط مضي زمن يمكن فيه الوصول إليه؛ لأنه بذلك يسمى قابضًا عرفًا.
والثاني: لا يشترط؛ لأنه لا معنى لاعتباره مع عدم الحضور.
قال: (وقبض المنقول: تحويله)؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يحولوه)، ولأن العادة في المنقول ذلك.
وقيل: إذا اشترى الأب مال طفله من نفسه أو باع منه .. لم يشترط تحويله.
وقيل: إذا اشترى أمتعة مع دار صفقة .. كفى في الأمتعة التخلية تبعًا للدار.
والأصح: ما أطلقه المصنف، لكن يستثنى: إتلاف المشتري المبيع؛ فإنه قبض.
فعلى المذهب: يأمر العبد بالانتقال من موضعه ويسوق الدابة.
فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ .. كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ .. لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ
ــ
كل هذا في غير الخفيف الذي لا يتناول باليد كالثوب ونحوه؛ فإنه يقبض بالتناول جزمًا.
قال: (فإن جرى البيع بموضع لا يختص بالبائع) كمسجد أو شارع أو دار المشتري (.. كفى نقله إلى حيز) أي: منه؛ لأن ذلك يعد قبضًا عرفًا وإن كان وضع المتاع في المسجد حرامًا إن ضيق على المصلين، ومكروه إن لم يضيق.
وقوله: (فإن جرى البيع) تبع فيه (المحرر) وهو غير مستقيم؛ فإن جريان البيع لا مدخل له في ذلك بل العبرة بوجود المبيع في المكان المنقول إليه، ولهذا عبر الرافعي بقوله: وإن كان المبيع بـ (الميم)، وكذلك هو في (الروضة).
وقوله: (لا يختص بالبائع) يشمل ما اختص بالمشتري بملك أو إجارة أو إعارة، وما لا يختص به أحد كالمسجد والشارع والموات، ويشمل المغصوب من أجنبي، وفي الاكتفاء به نظر.
قال: (وإن جرى في دار البائع .. لم يكف ذلك) أي: نقله إلى حيز منها دون إذن البائع؛ لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها.
واستشكل ابن الصلاح كون ذلك ليس بقبض؛ لأنه إذا أخذه ورفعه لينقله .. صار بمجرد ذلك مقبوضًا من غير توقف على وضعه.
وأجاب في (شرح المهذب) بأن أهل العرف لا يعدون مجرد رفعه قبضًا.
نعم؛ يستثنى ما قبضه بالتناول كالثياب إذا قبضها ووضعها شيئًا فشيئًا فيكفي ذلك.
والمراد بعدم الاكتفاء بما ذكره المصنف: أن ضمان العقد لا ينتقل ولا يجوز التصرف فيه، لكن يدخل في ضمانه حتى يطالب به إذا خرج مستحقًا لوضع يده عليه.
قال: (إلا بإذن البائع) أي: في القبض والنقل (فيكون معيرًا للبقعة) التي أذن
فَرْعٌ:
لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ
ــ
في النقل إليها، فإن لم يأذن إلا في النقل .. فأطلق الإمام: أنه لا يحصل القبض؛ لأن الإذن في النقل لا يقتضي العارية.
تتمة:
إذا ملك المشتري الموضع الذي فيه المبيع ببيع أو هبة مع قبض .. فالتخلية تقوم مقام نقله، ولو استعاره .. لم يكن قبضًا، ولو استأجره .. فوجهان: أصحهما عند الروياني: أنه قبض، وصحح المصنف: أنه لا يكون قبضًا.
قال: (فرع:
للمشتري قبض المبيع إن كان الثمن مؤجلًا) سواء أذن البائع أو لم يأذن، سواء كان حالًا بطريق الأصالة أو حل قبل التسليم، كما أن للمرأة قبض الصداق بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها.
قال: (أو سلمه) أي: جميعه، أما إذا سلم بعضه .. فلا أثر له في الأصح، كما صرح به الرافعي في تفريق الصفقة.
وقيل: يستحق تسليم قسطه من المبيع إن كان يقبل القسمة.
قال: (وإلا .. فلا يستقل به) بل لا بد من إذن البائع؛ لأن له حق حبسه بالثمن، ولو أخذه .. فعليه رده ولا ينفذ تصرفه فيه كالمرهون، لكن يدخل في ضمانه؛ ليستقر الثمن عليه، ولو خرج مستحقًا .. طولب به كما تقدم.
وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا .. اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، مِثَالُهُ: بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ. وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ .. فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُكِيلُ لِعَمْرٍو
ــ
قال: (ولو بيع الشيء تقديرًا كثوب وأرض ذرعًا، وحنطة كيلًا أو وزنًا .. اشترط مع النقل ذرعه) أي: إن بيع ذرعًا (أو كيله) أي: إن بيع كيلًا (أو وزنه) أي: إن بيع وزنًا، وكذا عده في المعدود؛ لأن المكيل ورد فيه النص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:(من ابتع طعامًا .. فلا يبعه حتى يكتاله) رواه مسلم [1525/ 29]، وقيس الباقي عليه.
فلو خالف وقبض جزافًا .. لم يملك التصرف في شيء منه، ولكن يدخل المقبوض في ضمانه كما تقرر.
قال: (مثاله: بعتكها كل صاع بدرهم، أو على أنها عشرة آصع) وكذلك بعتك عشرة آصع منها.
ومثال الذرع: بعتك هذا الثوب كل ذراع بدرهم.
ومثال الوزن: بعتك هذا العسل كل رطل بدرهم.
ومثال العد: بعتك هذه الأغنام كل شاة بعشرة، ثم إن اتفقا على كيال .. فذاك، وإلا .. نصب الحاكم أمينًا يتولاه، قاله الماوردي.
وإذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين .. وجب عليه العدل، وحرم عليه التطفيف.
قال في (الإحياء): وكل من خلط بالطعام ترابًا، أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة به .. فهو من المطففين، وكذا إذ جر البزاز الثوب مع الذرع عند بيعه لغيره.
قال: (ولو كان له طعام مقدر على زيد، ولعمرو عليه مثله .. فليكتل لنفسه ثم يكيل لعمرو)؛ ليكون قبضه قبل إقباضه.
وروى ابن ماجه [2228] والدارقطني [3/ 8] عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري).
فَلَوْ قَالَ: اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ .. فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ.
فَرْعٌ:
قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ
ــ
فلو اشترى طعامًا مكايلة أو أسلم فيه فاكتاله وتركه في المكيال ونقله ثم باعه مكايلة .. لم يكف تسليمه للمشتري كذلك بل لابد من صبه واستئناف كيله على الأصح عند البغوي؛ لعدم جريان الصاعين فيه.
والأصح: أنه يكفي ذلك؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه.
قال: (فلو قال: اقبض من زيد ما لي عليه لنفسك ففعل .. فالقبض فاسد)؛ لاتحاد القابض والمقبض، أما قبضه الأول من زيد لبكر .. فصحيح في الأصح، وكذا لو قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك .. فإنه يصح القبض الأول لبكر في الأصح، ولا يصح لنفسه في الأصح.
تتمة:
أجرة الكيال على البائع، ووزن الثمن على المشتري، وفي أجرة النقاد وجهان: قال في (الروضة): ينبغي أن يكون الأصح: أنها على البائع، قال في (المطلب): وهو الأشبه.
وأجرة النقل المحتاج إليه في تسليم المنقول على المشتري على ما دل عليه كلام الشافعي رضي الله عنه وصرح به المتولي.
قال: (فرع:
قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري في الثمن مثله ..
أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ .. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا .. سَقَطَ الْقَوْلَانِ الأَوَّلَانِ وَأُجْبرَا فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
أجبر البائع)؛ لأن حق المشتري في العين وحق البائع في الذمة، فقدم ما يتعلق بالعين كأرش الجناية مع غيره من الديون.
وأورد على هذه العلة: ما إذا أوصى لرجل بعبد معين ولآخر بعبد مطلق وضاق الثلث .. فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر، ومنهم من علله بأن البائع يجبر على تسليم ملك غيره والمشتري على تسليم ملك نفسه.
ومحل إجبار البائع: إذا باع مال نفسه، أما إذا باع مال غيره بوكالة أو ولاية .. فلا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما سيأتي في المفلس والوكيل وعامل القراض.
قال: (وفي قول: المشتري)؛ لأن حقه متعين في العين وحق البائع غير متعين في الثمن، ومحل هذا: إذا كان الثمن حالًا.
قال: (وفي قول: لا إجبار، فمن سلم .. أجبر صاحبه)؛ لأن كلًا منهما ثبت له الاستيفاء وعليه الإيفاء فاستويا.
وعلى هذا: يمنعهما الحاكم من التخاصم.
قال: (وفي قول: يجبران)؛ لأن التسليم واجب عليهما.
ومعنى (الإجبار): أن يؤمر بالتسليم لعدل وهو يسلم إليهما، ولا يضره بأيهما بدأ.
قال: (قلت: فإن كان الثمن معينًا .. سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر والله أعلم)؛ لاستواء الجانبين وسواء كان الثمن نقدًا أو عرضًا.
فلو كان الثمن مؤجلًا .. أجبر البائع قطعًا، وليس له المطالبة برهن ولا كفيل؛ لأنه المفرط، ولو لم يتفق التسليم حتى حل الأجل .. فلا حبس أيضًا على الأصح كما تقدم.
ولو تنازع وكيلان .. قال الإمام: أجبرا.
وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ .. أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا: فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا .. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ .. حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ،
ــ
وحكم تنازع المكتري والمكري في البداءة بالتسليم حكم البائع والمشتري بلا فرق.
قال: (وإذا سلم البائع .. أجبر المشتري إن حضر الثمن) أي: حضر في المجلس؛ لأنه واجب عليه، ولا مانع منه سواء قلنا: يجبر البائع أو لا، ولكنه تبرع وسلم.
وفهم من كلام المصنف: أنه لا يثبت للبائع في هذه الحالة الفسخ بإصرار المشتري على الامتناع، وهو كذلك على الأصح، وقد صرح به المصنف في (كتاب التفليس).
والمراد بـ (الثمن): النوع الذي يعطى منه؛ لأن الكلام فيما إذا كان الثمن في الذمة.
قال: (وإلا) أي: وإن لم يكن حاضرًا (فإن كان معسرًا .. فللبائع الفسخ بالفلس) هذا هو المنصوص.
وقيل: تباع السلعة ويقضى دينه من ثمنها.
والمراد بـ (المعسر) هنا: من ليس له مال غير السلعة، سواء كانت السلعة قدر الثمن أو أكثر، وهذا الفسخ هو الفسخ بالفلس بعينه فيشترط فيه حجر الحاكم.
وصورة المسألة: إذا سلم بإجبار الحاكم، فلو فرض التسليم متبرعًا .. لم يجز الفسخ إذا وفت السلعة بالثمن في الأصح.
قال: (أو موسرًا وماله بالبلد أو مسافة قريبة .. حجر عليه في أمواله حتى يسلم)؛ لئلا يتصرف فيها بما يفوت به حق البائع، سواء كانت أمواله وافية بالثمن أم لا، ولهذا سماه الأصحاب: الحجر الغريب.
فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ .. فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافِ، وَإِنَّمَا الأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ
ــ
والمراد بـ (المسافة القريبة): ما دون مسافة القصر.
وهذا الحجر يخالف الحجر على المفلس من وجهين:
أحدهما: أنه لا يتسلط على الرجوع إلى عين المال.
والثاني: أنه لا يتوقف على ضيق المال عن الوفاء.
واتفقوا على: أنه إذا كان محجورًا عليه بالفلس .. لم يحجر عليه هذا الحجر أيضًا؛ لعدم الحاجة إليه، ومقتضى إطلاق الأكثرين: أن هذا الحجر لا ينفك بمجرد التسليم بل لابد من فك القاضي.
قال: (فإن كان بمسافة القصر .. لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره)؛ لما فيه من الضرر عليه بتأخير حقه.
وقال ابن سريج: يكلف ذلك بشرط رد المبيع إليه والحجر على المشتري.
قال: (والأصح: أن له الفسخ)؛ لتعذر تحصيل الثمن، كما لو أفلس المشتري بالثمن.
والثاني: يباع ويؤدى حقه من ثمنه كسائر الديون.
قال: (فإن صبر .. فالحجر كما ذكرنا)؛ لاحتمال تفويته المال.
وقيل: إنما يحجر حيث لا يثبت الفسخ.
قال: (وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه إن خاف فوته بلا خاف، وإنما الأقوال إذا لم يخف فوته وتنازعا في مجرد الابتداء)؛ لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال ونحو ذلك فيه ضرر ظاهر، وهكذا الحكم في المشتري
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضًا، فلو عبر المصنف بقوله: ولكل حبس ما بذله حتى يقبض عوضه .. كان أولى.
وقوله: (بلا خلاف) تبع فيه (المحرر)، وهي طريقة الأكثرين.
تتمة:
قال الأصحاب: إذا تبرع البائع بالتسليم .. لم يكن له حق الحبس، وكذا لو أعاره البائع للمشتري على الأصح.
وصورة إعارة البائع للمشتري: أن يؤجر عينًا ثم يبيعها لغيره ثم يستأجرها من المستأجر أو يهبها له المستأجر أو يوصي له بها ثم يعيرها للمشتري قبل القبض، وكذلك إذا باعه نصف عين ثم أعار النصف الذي على ملكه قبل قبض المشتري ما اشتراه.
هذا إذا أرادوا مطلق الإعارة، فإن أرادوا إعارة المبيع .. لم تأت هذه الصورة.
* * *
خاتمة
أهمل المصنف من هذا الموضع حكم (الإقالة) وهي: تراد أحد العوضين، وهي جائزة، بل تستحب إذا ندم أحدهما .. أن يقيله الآخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(من أقال مسلمًا .. أقال الله عثرته) رواه أبو داوود [3454].
وصيغتها: تقايلنا، أو تفاسخنا، أو يقول أحدهما: أقلتك، فيقول: قبلت، وما أشبهه.
وهي فسخ في أظهر القولين، وهو الجديد، وبيع في الآخر.
فعلى الجديد: هل الفسخ من الآن أو من أصله؟ فيه وجهان: ظاهر تصحيح الرافعي: الأول، وتظهر فائدتهما في الزوائد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتجوز في السلم وفي المبيع قبل القبض إذا قلنا: فسخ، وإن قلنا: بيع .. فلا، ولا تجوز بعد التلف إن قلنا: بيع، وإلا .. فالأصح: الجواز.
ولو أقاله على أن ينظره بالثمن أو يأخذ الصحاح عن المكسرة .. لم يصح.
وللورثة الإقالة بعد موت المتعاقدين.
وتجوز في بعض المبيع معينًا، فإن تقايلا أحد العبدين مع بقاء الثاني .. لم تجز على قولنا: بيع للجهل بحصة كل واحد.
وتجوز في بعض المسلم فيه، لكن لو أقاله من بعضه ليعجل الباقي أو عجل بعضه ليقيله من الباقي .. فهي فاسدة.
وإذا اختلفا في الثمن بعد الإقالة .. فالأصح: أن القول قول البائع، وقيل: قول المشتري، وقيل: يتحالفان وتبطل الإقالة، وإن اختلفا في وجود الإقالة .. صدق منكرها.
* * *