الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ:
مَنْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ .. فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ، ......
ــ
أحدها –وهو ما أورده القاضي الطبري وابن الصباغ والبندنيجي وعليه عمل القضاة-: يحبس، فإن لم ينجع فيه الحبس .. باع ماله وقضى دينه.
والثاني عن الشيخ أبي حامد: أن القاضي إن رأى حبسه .. فعل، وإن رأى بيع ماله .. باعه.
والثالث: لا يحبسه بل يبيع المال عليه في الحال وهو المنصوص.
الثالث: من وقعت الإجارة على عينه .. لا يحبس في الديون، بل يقدم حق المستأجر كما يقدم حق المرتهن، أفتى به الغزالي، وقياسه: أن لا يحضر أيضًا مجلس القاضي إذا طلبه.
تتمة:
أفتى ابن الصلاح وغيره في رجل ثبت إعساره، ثم كتب عليه مسطورًا بدين وأشهد عليه أنه مليء به: أنه يثبت بذلك يساره؛ لتمكنه من صرف ما استدانه، وإقراره بالملاءة به يسري إلى كل دين، وفيما قالوه نظر؛ لأنه قد يوسر بذلك القدر دون غيره.
قال: (فصل:
من باع ولم يقبض الثمن حتى حجر على المشتري بالفلس .. فله فسخ البيع واسترداد المبيع)؛ لما تقدم في أول الباب من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أفلس
وَالأَصَحُّ: أَنَّ خِيَارَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْفَسْخُ بِالْوَطْءِ وَالإِعْتَاقِ وَالْبَيْعِ.
ــ
الرجل فوجد البائع سلعته بعينها .. فهو أحق بها من الغرماء) وهذا الرجوع ثابت إذا مات المشتري مفلسًا.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت في الحالين.
وقال مالك: يثبت في الفلس دون الموت.
وقال الإصطخري: يثبت بموت المشتري وإن كان موسرًا.
وقال ابن حربويه: إنما يكون أحق به؛ ليستوفي حقه من ثمنه، ولا يشاركه فيه الغرماء كالرهن، والمذهب الأول.
أما إذا قبض بعض الثمن .. فله الفسخ على الجديد، لكن في البعض فقط.
وأفهم كلامه: أن له الفسخ وإن لم يأذن الحاكم، وهو كذلك في الأصح.
وصيغته أن يقول: فسخت البيع أو نقضته أو رفعته أو رجعت في عين مالي، فإن اقتصر على قوله: فسخت أو رددت الثمن .. فالصحيح: أنه فسخ.
واستنبط الشافعي رضي الله عنه من الحديث: أن البيع موقوف إن أخذ ثمنه، وإلا .. رجع بائعه فأخذه، ويكون كالمرهون بثمنه بل أقوى؛ لأنه يأخذه كله لا يباع عليه فيستوفي حقه ويرد الفضل.
ولو قضى قاض بمنع الفسخ .. نقض حكمه عند الإصطخري، والأصح عند المصنف وغيره: أنه لا نقض له.
قال: (والأصح: أن خياره على الفور)؛ لأنه لدفع الضرر فكان كخيار العيب.
والثاني: على التراخي كخيار الرجوع في هبة الولد، وعن القاضي حسين: لا يمتنع تأقيته بثلاثة أيام كخيار المعتقة تحت العبد.
قال: (وأنه لا يحصل الفسخ بالوطء والإعتاق والبيع) وتلغو هذه التصرفات قياسًا على الواهب.
وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ،
ــ
والثاني: يحصل قياسًا على البائع في زمن الخيار.
ومحل الخلاف: إذا نوى بالوطء الفسخ، فإن لم ينوه .. فلا، قاله صاحب (المعين) اليمني.
قال: (وله الرجوع في سائر المعاوضات كالبيع) أشار بذلك: إلى أن المأخذ فيه القياس لا النص، وهو من محاسن كلامه.
ويشهد له من السنة عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ماله بعينه عند رجل مات أو أفلس
…
) الحديث.
لكن إطلاقه مقيد بشرط أن تكون المعاوضة سابقة على الحجر، فإن كانت متأخرة .. فقد تقدم أن الأصح أنه ليس له الفسخ إن علم، وله إن جهل.
وأفهم بقوله: (كالبيع) أنه يشترط أن تكون المعاوضة محضة، فإن الفسخ لا يثبت في النكاح والخلع والصلح عن دم العمد، لكن للمرأة الفسخ بالإعسار بالمهر قبل الدخول، وكذا بعده في قول.
فلو أجر دارًا أو أرضًا أو دابة، ثم أفلس المستأجر، ثم انهدمت الدار .. انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة.
فروع:
الأول: في (فتاوى ابن الصلاح): أن الإجارة التي تسقط أجرة كل شهر فيها على انقضائه لا يثبت فيها الفسخ بإفلاس المستأجر بالأجرة، لا قبل انسلاخ الشهر
وَلَهُ شُرُوطٌ، مِنْهَا: كَوْنُ الثَّمَنِ حَالًّا
ــ
ولا بعده، أما قبله .. فلأن الأجرة لم تحل بعد، وشرط الفسخ الحلول، وأما بعده .. فلفوات المنفعة، وشرط الفسخ: وجود المعقود عليه.
الثاني: اقترض مالًا، ثم أفلس وهو باق في يده .. فللمقرض الرجوع سواء قلنا: يملك بالقبض أم بالتصرف، وهذا يشكل على اشتراط أن يكون بمعاوضة؛ فإن الغزالي صرح بأن القرض ليس عقد معاوضة.
الثالث: كان المبيع شقصًا مشفوعًا، ولم يعلم الشفيع بالبيع حتى حجر على المشتري فهل البائع أحق به أو الشفيع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: الشفيع، والثمن بين الغرماء.
وثانيها: البائع.
وثالثها: الشفيع أولى بالشقص، والبائع أولى بالثمن بكماله.
قال: (وله شروط؛ منها: كون الثمن حالًّا)؛ لأن المؤجل لا يطالب به، فتباع السلعة وتصرف إلى الغرماء على الأصح.
هذا إذا وقع الشراء بالحال، فإن اشترى بمؤجل وحل قبل الحجر .. رجع أيضًا على الأصح، وإن حل بعده .. فوجهان: أصحهما في (الشرح) و (الحاوي) الصغيرين: أنه يرجع، وليس في (الكبير) ولا في (الروضة) تصحيح فيهما.
وعبارة المصنف تشمل الصورة المذكورة.
ولو حل الأجل قبل تسليم المبيع .. ففي (الرافعي) الجزم بأنه لا حبس للبائع، ولو وقع مثل ذلك في الصداق .. فالأصح في (الشرح الصغير): أن للمرأة الحبس، وفي (الكبير): لا حبس لها.
وَأَنْ يَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ بِالإِفْلَاسِ، فَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ مَعَ يَسَارِهِ أَوْ هَرَبَ .. فَلَا فَسْخَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لَا تَفْسَخْ وَنقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ .. فَلَهُ الْفَسْخُ
ــ
قال: (وأن يتعذر حصوله بالإفلاس، فلو امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب .. فلا فسخ في الأصح)؛ لأن التوصل إلى أخذه بالسلطان ممكن، فإن فرض عجز على ندور .. فلا عبرة به.
والثاني: له الفسخ؛ لتعذر الوصول إليه حالًا مع توقعه مالًا، فأشبه المفلس.
واحرتز بـ (الإفلاس) عن تعذره بانقطاع جنسه، فلا فسخ إن جوزنا الاستبدال عن الثمن، وإلا .. ففيه الخلاف في انقطاع المسلم فيه، كذا قاله الرافعي تبعًا لـ (الوسيط)، واستشكله في (المهمات) وقال: ينبغي تجويز الفسخ وإن جوزنا الاستبدال؛ لفوات مقصوده، قال: وما قاله الرافعي مخالف للقواعد ولقول الأصحاب.
قال: (ولو قال الغرماء: لا تفسخ ونقدمك بالثمن .. فله الفسخ)؛ لدفع المنة، ولأنه ربما يظهر غريم آخر فيشاركه فيما أخذ.
ونظير المسألة: ما إذا قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء في الثوب، والأصح في (الروضة) في هذه: الإجبارُ، وكذلك لو مات المشتري وقال وارثه: لا ترجع وأقدمك من التركة .. لم يلزم القبول، وإن قال: من مالي .. فوجهان.
ولو تبرع أجنبي عن المفلس .. لم يجب على البائع القبول.
ولو تبرع أجنبي بدين الميت .. اختلف فيه كلام القاضي حسين قال أولًا: لا يجب، ثم قال: يجب، واختاره الشيخ.
وَكَوْنُ الْمَبِيعِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ فَاتَ أَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ .. فَلَا رُجُوعَ، وَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجُ .....
ــ
قال: (وكون المبيع باقيًا في ملك المشتري)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إذا وجده). فلو زال ثم عاد قبل الحجر .. فوجهان:
صحح المصنف عدم الرجوع كالمصحح في الهبة للولد.
وصحح الرافعي في (الشرح الصغير) في مسألتنا تبعًا لـ (الوجيز): الرجوع، وسيأتي في الكتاب في نظيرها جواز الرجوع.
قال: (فلو مات أو كاتب العبد .. فلا رجوع) سواء كان الفوات بموت أو جناية أو أكل أو بيع أو هبة أو إعتاق أو صدقة أو وقف أو غيرها، لأنه كالخارج عن ملكه، وليس له نقض هذه التصرفات؛ لأنها صدرت من أهلها في محلها.
والاستيلاد كالكتابة، كذا في (الروضة) و (الشرح)، ووقع في (فتاوى المصنف): أنه لا يمنع، وهو سبق قلم، فلو باعه ثم حجر عليه في زمن الخيار .. فله الرجوع وإن قلنا: يزول ملكه، كما يجوز للمفلس، قاله الماوردي.
قال: (ولا يمنع التزويج) عبدًا كان أو أمة، لأنه لا يمنع البيعَ، وهذه المسألة لا حاجة إليها؛ لأنه عيب في العبد والأمة وقد ذكره عقبه، والتدبير وتعليق العتق لا يمنعان قطعًا.
وأما الإيجار .. فلا يمنع على الأصح، فإن شاء .. أخذه مسلوب المنفعة، وإن شاء .. ضارب والأجرة للمفلس.
قال ابن الرفعة: وسكتوا عن رجوع البائع عليه بأجرة المثل، قال: والذي يظهر أنه لا يرجع؛ لأن له مندوحة عن ذلك بالمضاربة، وبقي للرجوع شرطان:
أحدهما: أن لا يتعلق به حق ثالث كالجناية والرهن والشفعة، فإن زال التعلق .. جاز الرجوع.
وَلَوْ تَعيَّبَ بِآفَةٍ .. أَخَذَهُ نَاقِصًا، أَوْ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ. أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ أَوِ الْبَائِعِ .. فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُضَارِبُ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ. وَجِنَايَةُ الْمُشْتَرِي كَآفَةٍ فِي الأَصَحِّ
ــ
الثاني: أن لا يقوم بالبائع مانع من التملك، كما لو أحرم والمبيع صيد .. فلا رجوع في الأصح.
وجوزوا رجوع الكافر في العبد المسلم بالفلس، وفي الفرق عسر، ولذلك منع مجلي الرجوع فيهما.
قال: (ولو تعيب بآفة .. أخذه ناقصًا، أو ضارب بالثمن) كما في تعييب المبيع في يد البائع، فإن المشتري يتخير بين أن يأخذه ناقصًا أو يتركه، وسواء كان النقصان: حسيًا كسقوط بعض الأعضاء والعمى، أو غير حسي كنسيان الحرفة والإباق والتزويج، وقد تقدم استشكاله.
قال: (أو بجناية أجنبي أو البائع .. فله أخذه، ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة)؛ لأن المشتري أخذ بدلًا للنقصان، وكان ذلك مستحقًا للبائع، فلو بقي .. فلا يحسب نقصه عليه، فإذا ساوى سليمًا مئتين ومقطوع اليد مئة .. أخذه وضارب بنصف الثمن، فإذا كان اشتراه بمئة .. ضارب بخمسين، أو بألف .. ضارب بخمس مئة.
قال: (وجناية المشتري كآفة في الأصح)؛ لأن فعله وقع في ملكه قبل تعلق حق البائع.
وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَفْلَسَ .. أَخَذَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ بِحِصَّةِ التَّالِفِ، فَلَوْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ .. رَجَعَ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ .. أَخَذَ الْبَاقِي بِبَاقِي الثَّمَنِ،
ــ
والثاني: أنها كجناية الأجنبي وصححها الإمام، وقد تقدم تعليل ذلك في موضعه، فكان ينبغي للمصنف أن يعبر بـ (المذهب) أو (الأظهر).
قال: (ولو تلف أحد العبدين ثم أفلس .. أخذ الباقي وضارب بحصة التالف)؛ لأنه ثبت له الرجوع في كل منهما، فكان كما لو رجع الأب في بعض ما وهب.
ورجوع الأب في بعض ما وهب مسألة حسنة ذكرها الرافعي هنا، ولم يصرح بها في (باب الهبة)، وسيأتي ذكرها هناك إن شاء الله تعالى.
قال: (فلو كان قبض بعض الثمن .. رجع في الجديد)؛ لأن الإفلاس سبب تعود به كل العين فجاز أن يعود به بعضها، كالفرقة في النكاح قبل الدخول يعود بها جميع الصداق إلى الزوج تارة، وبعضه أخرى، والقديم: لا يرجع، بل يضارب ببقية الثمن؛ لأنه ورد في الحديث.
وإن كان قد قبض من ثمنه شيئًا .. فهو أسوة الغرماء، لكن قال الدارقطني: إنه مرسل.
قال: (فإن تساوت قيمتهما وقبض نصف الثمن .. أخذ الباقي بباقي الثمن) ويكون ما قبض في مقابلة التلف، كما لو رهن عبدين بمئة وتلف أحدهما وقد قبض خمسين .. فالباقي مرهون بالباقي.
وما ذكره المصنف هو المنصوص في (الأم) وغيرها، وله فيما إذا أصدق أربعين شاة وحال الحول فأخرجت شاة ثم طلق قبل الدخول قولان:
أحدهما: يرجع بعشرين كنصه هنا.
والثاني: يأخذ نصف الموجود.
والفرق: أن الزوج إذا لم يرجع إلى عين الصداق. .يأخذ القيمة بتمامها، والبائع يحتاج إلى المضاربة.
وَفِي قَوْلٍ: يَاخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ بَاقِي الثَّمَنِ وَيُضَارِبُ بِنِصْفِهِ. وَلَوْ زَادَ الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَصَنْعَةٍ .. فَازَ الْبَائِعُ بِهَا، وَالْمُنْفَصِلَةُ –كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ- لِلْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي الأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَبَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَتَهُ .. أَخَذَهُ مَعَ أُمِّهِ، وَإِلَّا .. فَيُبَاعَانِ وَتُصْرَفُ إِلَيْهِ حِصَّةُ الأُمِّ،
ــ
قال: (وفي قول: يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن، ويضارب بنصفه) أي: بنصف الباقي وهو الربع؛ لأن الثمن موزع على المبيع، فيوزع كل واحد من المقبوض والباقي على العبدين.
قال: (ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة .. فاز البائع بها)؛ جريًا على القاعدة إلا في الصداق كما سيأتي.
والذي ذكره في (الصنعة) وقع مثله في (الشرحين) و (الروضة) و (المحرر)، والأصح: خلافه كما سيأتي في الكلام على القصارة.
أما تعلم العبد القرآن والحرف والكتابة والشعر المباح ورياضة الدابة .. فالأصح: أنها من صور القولين.
ولو باعه بذرًا فزرعه فصار حبًا، أو بيضًا فصار فرخًا، أو عصيرًا فصار خمرًا ثم خلًّا .. فالأصح عند العراقيين والبغوي: أنه يرجع.
قال: (والمنفصلة –كالثمرة والولد- للمشتري، ويرجع البائع في الأصل)؛ لأن الشارع أثبت له الرجوع في المبيع فلا يتعداه.
قال: (فإن كان الولد صغيرًا وبذل البائع قيمته .. أخذه مع أمه) أي: جزمًا؛ لانتفاء المحذور وهو التفريق.
قال: (وإلا .. فيباعان وتصرف إليه حصة الأم) ويكون ما قابل الولد للغرماء كما تقدم في الأمة المرهونة.
وقيل: يجوز التفريق للضرورة.
والعجب من الرافعي في قوله: إنهم لم يحكوه هنا، وقد حكاه الماوردي
وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ. وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ دُونَ الْبَيْعِ أَوْ عَكْسَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَعَدِّي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَلَدِ. وَاسْتِتَارُ الثَّمَرِ بِكِمَامِهِ وَظُهُورُهُ بِالتَّابِيرِ قَرِيبٌ مِنَ اسْتِتَارِ الْجَنِينِ وَانْفِصَالِهِ، وَأَوْلَى بِتَعَدِّي الرُّجُوعِ ......
ــ
والمتولي والشاشي، وكذا الإمام في (كتاب السير).
قال: (وقيل: لا رجوع) بل يضارب، ومحل هذا إذا لم يبذل قيمة الولد، فإن بذلها .. رجع جزمًا.
قال: (ولو كانت حاملًا عند الرجوع دون البيع أو عسكه .. فالأصح: تعدي الرجوع إلى الولد).
مدرك الخلاف في الأبواب كلها: أن الحمل هل يعلم أو لا؟ وحينئذ يكون التصحيح في المسألة الثانية -وهي قوله: أو (عكسه) - واضحًا؛ فإن الأصح أنه يعلم.
وأما في الأولى .. فمخالف للمبني عليه، وقياسه عدم الرجوع فيه، كما صححوه في نظائره من الرد بالعيب والرهن ورجوع الوالد في الهبة من أن الحمل لا يتبع، أما إذا كانت حاملًا عند البيع والرجوع .. فإنه يرجع فيها جزمًا.
وقوله: (الأصح) صوابه: الأظهر كما في (الروضة).
قال: (واستتار الثمر بكمامه وظهوره بالتأبير قريب من استتار الجنين وانفصاله) فإن كانت مؤبرة في الحالين. .فللمشتري، أو غير مؤبرة فيهما .. فللبائع، وإن كانت في حالة دون حالة .. فالقولان.
قال: (وأولى بتعدي الرجوع) تبع في هذه العبارة (المحرر) وفيه إطلاق، فإنها إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع .. فأولى بعدم تعدي الرجوع، فالذي ذكره هو فيما إذا كانت مؤبرة عند الرجوع فقط.
وَلَوْ غَرَسَ الأَرْضَ أَوْ بَنَى: فَإِنِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى تَفْرِيغِهَا .. فَعَلُوا وَأَخَذَهَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا .. لَمْ يُجْبَرُوا، بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ
ــ
قال: (ولو غرس الأرض أو بنى: فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها .. فعلوا)؛ لأن الحق لهم لا يعدوهم، وفي هذه الحالة لا يكلفهم أن يعطوه البناء والغراس بقيمته؛ لأن المبيع قد سلم له.
نعم؛ تجب تسوية الحفر، وغرامة أرش النقص من مال المفلس يقدم بها على الغرماء.
قال: (وأخذها) أي: البائع إذا اختار الرجوع في الأرض؛ لأنها عين ماله لم يتعلق بها حق.
قال: (وإن امتنعوا .. لم يجبروا)؛ لأنه حين بنى وغرس لم يكن متعديًا، فإن اختلفوا فطلب بعضهم البيع وبعضهم الإبقاء .. أجيب من في قوله مصلحة.
قال: (بل له أن يرجع ويتملك الغراس والبناء بقيمته، وله أن يقلعه ويضمن أرش نقصه)؛ لأن مال المفلس مبيع كله، والضرر يندفع بكل واحد من الأمرين، فأجبنا البائع لما طلبه منهما، بخلاف الزرع فإنه يبقى إلى إدراكه؛ لأن له أمدًا ينتظر.
قال: (والأظهر: أنه ليس له أن يرجع فيها، ويبقى الغراس والبناء للمفلس)؛ لأن الغراس بلا أرض والبناء بلا مقر ولا ممر ناقص القيمة، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس.
والثاني: له ذلك، كما لو صبغ الثوب .. فإنه يرجع فيه، ويكون شريكًا بالصبغ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا .. فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْمَبِيعِ مِنَ الْمَخْلُوطِ، أَوْ بِأَجْوَدَ .. فَلَا رُجُوعَ فِي الْمَخْلُوطِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ طَحَنَهَا أَوْ قَصَرَ الثَّوْبَ، فَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ .. رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ زَادَتْ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُبَاعُ، وَلِلْمُفْلِسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ
ــ
فرع:
اشترى أرضًا من رجل، وغراسًا من آخر وغرسه فيها، ثم أفلس .. رجع كل منهما في عين ماله، فإن أراد صاحب الغراس القلع .. مكن وعليه التسوية والأرش، وإن أراد صاحب الأرض .. فكذلك إن ضمن الأرش، وإلا .. فوجهان.
قال: (ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها .. فله أخذ قدر المبيع من المخلوط) أي: بعد الفسخ؛ لأنه في المثل واجد حكمًا، وفي الخلط بالدون مسامح بعيب حدث بالخلط، وفي قول مخرج من الخلط بالأجود: إنه فاقد فيهما، فلو طلب البيع وقسمة الثمن .. لم يجب إليه في الأصح.
قال: (أو بأجود .. فلا رجوع في المخلوط في الأظهر)؛ لأن الرجوع إلى عين المبيع متعذر حقيقة للاختلاط؛ وحكمًا لتعذر القسمة.
والثاني: يرجع كالخلط بالمثل، لكن هنا يباع الجميع ويوزع الثمن على قدر القيمتين.
وفي قول: يقسم على نسبة القيمتين مراعاة للجانبين.
فلو كان المخلوط من غير جنس المبيع كالزيت بالشيرج. فلا فسخ، بل هو كالتالف.
قال: (ولو طحنها أو قصر الثوب، فإن لم تزد القيمة .. رجع ولا شيء للمفلس)؛ لأن المبيع موجود من غير زيادة.
قال: (وإن زادت .. فالأظهر: أنه يباع، وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد)؛ لأنه زيادة حصلت بفعل محترم متقوم فوجب أن لا يضيع عليه، بخلاف الغاصب.
مثاله: قيمة الثوب خمسة، وبلغ بالقصارة ستة، فللمفلس السدس من ثمنه، فلو
وَلَوْ صَبَغَهُ بِصَبْغِهِ: فَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ قَدْرَ قِيمَةِ الصِّبْغِ .. رَجَعَ، وَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالْصِّبْغِ، أَوْ أَقَلَّ .. فَالنَّقْصُ عَلَى الصِّبْغِ،
ــ
ارتفعت القيمة أو انخفضت بالسوق .. فالزيادة والنقص بينهما على هذه النسبة، ولا يسلم هذا الثوب قبل البيع للبائع، ولا للمفلس ولا للغرماء، بل يوضع عند عدل حتى يباع كالجارية الحامل.
ويجوز للبائع أن يمسك المبيع لنفسه ويعطي المفلس حصة الزيادة كما نقله الرافعي بعد هذا بنحو ورقة، وزاده في (الروضة) هنا، فعلى هذا: قول المصنف: (يباع) زيادة مضرة.
والقول الثاني: إن البائع يفوز بالزيادة؛ لأنها صفات تابعة حصلت بفعل المشتري، فأشبه سمن الدابة بالعلف وكبر الأشجار بالسقي، والخلاف جار فيما إذا اشترى دقيقًا فخبزه، أو لحمًا فشواه ونحو ذلك، ثم لا يتعين البيع كما قاله المصنف، بل لو أراد البائع أخذه ودفع حصة الزيادة للمفلس .. كان له ذلك على الأصح.
قال: (ولو صبغه بصبغه) أي: بصبغ المشتري (فإن زادت القيمة قدر قيمة الصبغ .. رجع، والمفلس شريك بالصبغ)؛ لأن المبيع هو الثوب خاصة.
مثاله: قيمة الثوب أربعة والصبغ درهمان، فصار بعد الرجوع يساوي ستة، فيكون المفلس شريكًا بدرهمين.
والمراد بـ (زيادة القيمة): أنها زادت بسبب الصبغ.
قال: (أو أقل) أي: وسعر الثوب باق بحاله (.. فالنقص على الصبغ)؛ لأن أجزاءه تتفرق وتنقص، والثوب باق بحاله.
أَوْ أَكْثَرَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ الصِّبْغَ وَالثَّوْبَ .. رَجَعَ فِيهِمَا، إِلَّا أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ فَاقِدًا لِلصِّبْغِ. وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا مِنِ اثْنَيْنِ: فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ .. فَصَاحِبُ الصِّبْغِ فَاقِدٌ، فَإِنْ زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّبْغِ .. اشْتَرَكَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِمَا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالزِّيَادَةِ.
ــ
مثاله: أن يساوي الثوب بعد الصبغ خمسة، فيكون المفلس شريكًا بخمس الثوب، فلو لم يزد شيء .. كان الثوب للبائع، ولم يذكره المصنف.
قال: (أو أكثر .. فالأصح: أن الزيادة للمفلس)؛ بناء على أنها عين كما تقدم في القصارة.
والثاني: أنها أثر والزيادة بينهما بالقسط، فيكون للبائع ثلثا الثمن وللمفلس ثلثه؛ لأن الصبغة اتصلت بهما فوزعت عليهما.
قال: (ولو اشترى منه الصبغ والثوب .. رجع فيهما، إلا أن لا تزيد قيمتهما على قيمة الثوب فيكون فاقدًا للصبغ)؛ لاستهلاكه فيضارب بثمنه.
قال: (ولو اشتراهما من اثنين: فإن لم تزد قيمته مصبوغًا على قيمة الثوب .. فصاحب الصبغ فاقد، فإن زادت بقدر قيمة الصبغ .. اشتركا) فيه، وكيفية الاشتراك كما سبق.
قال: (وإن زادت على قيمتهما .. فالأصح: أن المفلس شريك لهما بالزيادة)؛ بناء على أنها عين كما سبق، ووجه مقابله ينبني على أنها أثر.
تتمة:
إذا أخفى المديون بعض أمواله، ونقص الظاهر عن قدر ديونه، فحجر عليه، وباع الحاكم أمواله وصرفها في ديونه، ورجع أرباب الأمتعة في أمتعتهم، ثم ظهر حاله وأنه لم يكن مستحقًا الحجر .. قال المتولي: لا ينقص شيء من ذلك؛ لأن له
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك في حق الممتنع، والرجوع إلى الأعيان بامتناع المشتري مختلف فيه، فإذا اتصل به حكم حاكم .. نفذ.
قال الرافعي: وفيه توقف؛ لأن القاضي ربما لا يعتقد جواز ذلك.
* * *
خاتمة
كان المبيع دارًا فانهدمت ولم يتلف من نقضها شيء .. فهو نقصان صفة كالعمى، وإن تلف نقضها .. فهو نقصان جزء.
قال الرافعي: وينبغي طرد الخلاف السابق في تلف الشقص.
* * *