الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدين، وتولّى إربل مكانه من قبل السلطان صلاح الدين. وكان زين الدين أميرا كبيرا شجاعا مقداما مدبرا.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو المواهب الحسن «1» بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التّغلبىّ الدمشقىّ، وله تسع واربعون سنة.
وأبو الطيّب عبد المنعم بن يحيى [بن خلف «2» بن نفيس] بن الخلوف الغرناطىّ المقرئ.
وأبو عبد الله محمد بن سعيد [بن أحمد «3» بن عبد العزيز بن عبد البرّ بن مجاهد المعروف ب] ابن زرقون الإشبيلىّ المالكىّ المسند. وأبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الفرح بن الجدّ الفهرىّ الحافظ بإشبيلية. وقاضى القضاة محيى «4» الدين أبو حامد محمد ابن قاضى القضاة كمال الدين بن الشّهرزورىّ، وله اثنتان وستون سنة. ولى حلب ثم الموصل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع.
***
[ما وقع من الحوادث سنة 587]
السنة الحادية والعشرون من ولاية السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
فيها كان استيلاء الفرنج على عكّا، كما تقدّم فى ترجمة السلطان صلاح الدين من هذا الكتاب.
وفيها توفّى الموفّق أسعد بن [إلياس «1» بن جرجس] المطران الطبيب. كان نصرانيّا فأسلم على يد السلطان، وكان غزير المروءة حسن الأخلاق كريم العشرة. وكان يصحبه صبىّ حسن الصورة اسمه عمر. وكان الموفّق يحبّ أهل البيت ويبغض ابن عنين «2» الشاعر لخبث لسانه، وكان يحرّض السلطان صلاح الدين عليه ويقول له:
أليس هذا هو القائل:
سلطاننا أعرج وكاتبه
…
أعمش والوزير منحدب
فهجاه ابن عنين بقوله:
قالوا الموفّق شيعىّ فقلت لهم
…
هذا خلاف الذي للناس منه ظهر
فكيف يجعل دين الرّفض مذهبه
…
وما دعاه إلى الإسلام غير عمر
وفيها توفّى سليمان بن جندر. كان من أكابر أمراء حلب، ومشايخ الدولتين:
النّوريّة والصلاحيّة، شهد مع السلطان صلاح الدين حروبه كلّها، وهو الذي أشار بخراب عسقلان مصلحة للمسلمين. ومات فى أواخر ذى الحجّة.
وفيها توفّى عمر بن شاهنشاه بن أيّوب الملك المظفّر تقىّ الدين. قد ذكرنا من أمره: أنّ عمّه السلطان صلاح الدين كان أعطاه حماة، وعدّة بلاد من حماة إلى دياربكر، فطمع فى ملكة الشرق فنفرت عنه وعن عمّه صلاح الدين القلوب لعظم طمعهما. ووقع لتقىّ الدين هذا مع بكتمر [بن عبد الله «3» مملوك شاه أرمن] صاحب خلاط وقائع وحروب، فمات تقىّ الدين بتلك البلاد، فكتم محمد ولده موته، وحمله
إلى ميّافارقين، فدفن بها. وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر شهر رمضان، ثم بنيت له مدرسة بظاهر حماة، فنقل إليها. وكان السلطان صلاح الدين يكره ابنه محمدا فأخذ منه بلاد أبيه، وأبقى معه حماة لا غير. ولقّب محمد هذا بالملك المنصور. وهو أبو ملوك حماة من بنى أيّوب الآتى ذكرهم. وكان تقىّ الدين شجاعا مقداما شاعرا فاضلا، عاشر العلماء والأدباء وتخلّق بأخلاقهم، وله ديوان شعر. ومن شعره:
يا ناظريه ترفّقا
…
ما فى الورى لكما مبارز
هبكم حجبتم أن أرا
…
هـ فهل لقلب الصّب حاجز
وفيها توفّى يحيى «1» السّهروردىّ المقتول بحلب، كان يعانى علوم الأوائل والمنطق والسيمياء وأبواب النّيرنجيّات «2» ، فاستمال بذلك خلقا كثيرا وتبعوه، وله تصانيف فى هذه العلوم. واجتمع بالملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، فأعجب الظاهر كلامه ومال إليه. فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين:
أدرك ولدك وإلّا تتلف عقيدته؛ فكتب إليه أبوه صلاح الدين بإبعاده فلم يبعده، فكتب بمناظرته، فناظره العلماء فظهر عليهم بعبارته، فقالوا: إنّك قلت فى بعض تصانيفك: إنّ الله قادر على أن يخلق نبيّا، وهذا مستحيل. فقال: ما وجه استحالته؟
فإنّ الله القادر هو الذي لا يمتنع عليه شىء. فتعصّبوا عليه، فحبسه الظاهر وجرت بسببه خطوب وشناعات. وكان السّهروردىّ ردىء الهيئة، زرىّ الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبا ولا جسما، ولا يقصّ ظفرا ولا شعرا، فكان القمل يتناثر على وجهه، وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره، وقبح زيّه.
وطال أمره إلى أن أمر السلطان بقتله فقتل فى يوم الجمعة منسلخ ذى الحجّة من هذه السنة، أخرج من الحبس ميّتا. وممّا ينسب إليه من الشعر القصيدة «1» التى أوّلها:
أبدا تحنّ إليكم الأرواح
…
ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم
…
وإلى كمال جمالكم ترتاح
وقال السيف «2» الآمدىّ: اجتمعت بالسّهروردىّ بحلب، فقال لى: لا بدّ أن أملك الأرض. فقلت: من أين لك هذا؟ فقال رأيت فى المنام أنّى شربت ماء البحر؛ فقلت: لعلّ ذلك يكون اشتهار العلم فلم يرجع؛ فرأيته كثير العلم قليل العقل. ويقال: إنّه لمّا تحقّق القتل كان كثيرا ما ينشد:
أرى قدمى أراق دمى
…
وهان دمى فهاندمى
والأوّل قول أبى الفتح «3» البستى وهو قوله:
إلى حتفى سعى قدمى
…
أرى قدمى أراق دمى
فلا أنفك من ندم
…
وليس بنافعى ندمى
وفيها توفّى الشيخ نجم الدين الخبوشانىّ «4» . قال صاحب المرآة: «قدم إلى الديار المصريّة وأظهر الناموس وتزهّد، وكان يركب الحمار فيقف على السلطان صلاح الدين وأهله. وأعطاه السلطان مالا فبنى به المدرسة «5» التى بجانب الشافعىّ- رحمة الله عليه-. وكان كثير الفتن- منذ دخل مصر إلى أن مات- ما زالت الفتنة قائمة
بينه وبين الحنابلة [و] ابن الصابونىّ وزين الدين بن نجيّة «1» ، يكفّرونه ويكفرهم؛ وكان طائشا متهوّرا، نبش على ابن الكيزانىّ «2» وأخرج عظامه من عند الشافعىّ، وقد تقدّم ذلك. وكان يصوم ويفطر على خبز الشعير، فلمّا مات وجد له ألوف الدنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: يا خيبة المسعى! ومات فى صفر. وتولّى بعده- تدريس مدرسة الشافعىّ التى بناها- شيخ الشيوخ صدر الدين ابن حمّويه «3» » . انتهى كلام صاحب المرآة باختصار بعد أن ثلب الخبوشانىّ المذكور بمساوئ أضربت عن ذكرها- رحمه الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن علىّ الحرقىّ اللّحمىّ فى ذى القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. وأبو المعالى عبد المنعم بن عبد الله بن محمد الفراوىّ «4» فى شعبان. وصاحب حماة المظفّر عمر بن شاهنشاه بن أيّوب. ونجم الدين محمد بن الموفّق الخبوشانىّ الشافعى الزاهد. والشهاب السّهروردىّ الفيلسوف. ويعقوب بن يوسف الحربىّ «5» المقرئ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.