المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر ولاية الملك العادل على مصر - النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة - جـ ٦

[ابن تغري بردي]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء السادس]

- ‌[تتمة ما وقع من الحوادث سنة 566]

- ‌ذكر ولاية السلطان صلاح الدين على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 567]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 568]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 569]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 570]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 571]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 572]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 573]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 574]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 575]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 576]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 577]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 578]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 579]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 580]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 581]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 582]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 583]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 584]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 585]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 586]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 587]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 588]

- ‌ذكر ولاية الملك العزيز عثمان على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 589]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 590]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 591]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 592]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 593]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 594]

- ‌ذكر ولاية الملك المنصور محمد على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 595]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 596]

- ‌ذكر ولاية الملك العادل على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 597]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 598]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 599]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 600]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 601]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 602]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 603]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 604]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 605]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 606]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 607]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 608]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 609]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 610]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 611]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 612]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 613]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 614]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 615]

- ‌ذكر سلطنة الملك الكامل على مصر

- ‌ذكر أخذ دمياط

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 616]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 617]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 618]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 619]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 620]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 621]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 622]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 623]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 624]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 625]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 626]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 627]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 628]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 629]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 630]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 631]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 632]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 633]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 634]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 635]

- ‌ذكر سلطنة الملك العادل الصغير على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 636]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 637]

- ‌ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 638]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 639]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 640]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 641]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 642]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 643]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 644]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 645]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 646]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 647]

- ‌[ما وقع من الحوادث سنة 648]

- ‌ذكر سلطنة الملك المعظّم توران شاه على مصر

- ‌ذكر ولاية الملكة شجرة الدّر على مصر

- ‌استدراكات

- ‌منبوبة

- ‌خليج القاهرة

- ‌قنطرة السدّ

- ‌بركة الحبش

- ‌قوص

- ‌منية ابن خصيب

الفصل: ‌ذكر ولاية الملك العادل على مصر

‌ذكر ولاية الملك العادل على مصر

هو السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد ابن الأمير أبى الشكر نجم الدين أيّوب بن شادى بن مروان الدّوينىّ التّكريتىّ ثم الدمشقىّ. وقد تقدّم ذكر نسبه وأصله فى ترجمة أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وقد ذكرنا أيضا من أحوال العادل هذا نبذة كبيرة فى ترجمة أخيه صلاح الدين المذكور، وأيضا فى ترجمة أولاده، ثم فى ترجمة حفيده الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، الذي خلعه العادل هذا وتسلطن مكانه فى العشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. وقد تقدّم ذلك كلّه فى ترجمة المنصور محمد المخلوع عن السلطنة. ولا بدّ من ذكر شىء من أحوال العادل هنا على حدته، وإيراد قطعة جيّدة من أقوال الناس فى ترجمته- إن شاء الله تعالى-.

قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبىّ فى تاريخة: «ولد ببعلبكّ فى سنة أربع «1» وثلاثين، وأبوه نائب عليها للأتابك زنكى والد نور الدين محمود، وهو أصغر من أخيه صلاح الدين بسنتين؛ وقيل: ولد فى سنة ثمان «2» وثلاثين؛ وقيل:

ولد فى أوائل سنة أربعين. قال أبو شامة: توفّىّ الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد، وهو بكنيته أشهر. ومولده ببعلبكّ، وعاش ستّا وسبعين سنة.

ونشأ فى خدمة نور الدين مع أبيه وإخوته؛ [وحضر «3» مع أخيه صلاح الدين فتوحاته وقام أحسن قيام فى الهدنة مع الأنكلتير ملك الفرنج بعد أخذهم عكّا] ، وكان

ص: 160

صلاح الدين يعوّل عليه كثيرا، واستنابه بمصر مدّة، ثم أعطاه حلب، ثم أخذها منه وأعطاها لولده الظاهر، وأعطاه الكرك عوضها، ثم حرّان» . انتهى كلام الذهبىّ.

وقال الشيخ شمس الدين أحمد بن خلّكان- رحمه الله فى وفيات الأعيان:

«كان الملك العادل قد وصل إلى مصر صحبة أخيه وعمّه أسد الدين شيركوه المقدّم ذكره. وكان يقول: لمّا عزمنا على المسير إلى مصر احتجت الى چرمدان «1» فطلبته من والدى فأعطانى، وقال يا أبا بكر: إذا ملكتم مصر أعطونى ملأه ذهبا.

فلمّا جاء إلى مصر، قال يا أبا بكر:[أين «2» ] الجرمدان؟ فرحت وملأته له من الدّراهم السّود، وجعلت على أعلاها شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلمّا رآه اعتقده ذهبا، فقلبه فظهرت الفضّة السوداء، فقال يا أبا بكر: تعلمت زغل المصريّين! قال: ولمّا ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب مصر كان ينوب عنه فى حال غيبته بالشام، ويستدعى منه الأموال للإنفاق فى الجند وغيرهم. قال:

ورأيت فى بعض رسائل القاضى الفاضل أنّ الحمول تأخّرت مدّة فتقدّم السلطان صلاح الدين إلى العماد الأصبهانىّ أن يكتب إلى أخيه العادل يستحثّه على إنفاذها حتّى قال: يسير [لنا «3» ] الحمل من مالنا أو من ماله! فلمّا وصل الكتاب إليه، ووقف على هذا الفصل شقّ عليه، وكتب إلى القاضى الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك. فكتب القاضى الفاضل جوابه، وفى جملته: «وأمّا ما ذكره المولى من قوله: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة ما المقصود منها من الملك النّجعة، وإنّما المقصود من الكاتب السّجعة. وكم من لفظة فظّة، وكلمة فيها غلظة؛ حيّرت عيىّ الأقلام، فسدّت خلل الكلام. وعلى المملوك الضمان فى هذه

ص: 161

النّكتة، وقد فات لسان القلم منها أىّ سكتة» . قال: ولمّا ملك السلطان (يعنى صلاح الدين) مدينة حلب فى صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة كما تقدّم ذكره، [أعطاها «1» لولده الملك الظاهر غازى ثم أخذها منه و] أعطاها للملك العادل فانتقل إليها [وقصد «2» قلعتها يوم الجمعة الثانى والعشرين] من شهر رمضان من السنة المذكورة؛ ثم نزل عنها للملك الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين؛ ثم أعطاه السلطان قلعة الكرك، وتنقّل فى الممالك فى حياة السلطان صلاح الدين وبعد وفاته. وقضاياه مشهورة مع الملك الأفضل والملك العزيز والملك المنصور فلا حاجة إلى الإطالة فى شرحها. وآخر الأمر أنّه استقلّ بملكة الديار المصريّة. وكان دخوله إلى القاهرة لثلاث عشرة ليلة خلت «3» من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرّت له القواعد. وقال أبو البركات بن المستوفى فى تاريخ إربل: فى ترجمة ضياء الدين أبى الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير [الوزير «4» ] الجزرىّ ما مثاله- وجدت بخطّه-: خطب للملك العادل أبى بكر بن أيّوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادى عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة- والله أعلم بالصواب- هذا ما ذكره ابن خلّكان وهو بخلاف ما ذكرناه من أنّه خطب «5» له فى عاشر شهر رمضان من السنة، ويمكن الجمع بين القولين، لأنّنا قلنا فى شهر رمضان تخمينا، لأنّ الاتّفاق كان فى شهر رمضان، ولعلّ الخطبة كانت فى شوّال- انتهى.

قال: «وملك مع ذلك البلاد الشاميّة والمشرقيّة، وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن فى سنة اثنتى عشرة وستمائة [و «6» ] سيّر إليها ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين

ص: 162

أبا المظفر يوسف ابن الملك الكامل محمد الآتى ذكره. وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيّوب ينوب عنه فى ميّافارقين وتلك النواحى، فاستولى «1» على مدينة خلاط و [بلاد «2» ] أرمينية، واتّسعت مملكته، وذلك فى سنة أربع وستمائة.

ولمّا تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل محمدا الديار المصريّة، وأعطى الملك المعظّم عيسى البلاد الشاميّة، وأعطى الملك الأشرف موسى البلاد الشرقية، والأوحد فى المواضع التى ذكرناها. وكان ملكا عظيما ذا رأى ومعرفة تأمّة قد حنّكته التجارب، حسن السّيرة جميل الطويّة وافر العقل، حازما فى الأمور صالحا محافظا على الصلوات فى أوقاتها، متتبّعا لأرباب السّنّة مائلا إلى العلماء.

صنّف له فخر الدين «3» الرازىّ «كتاب تأسيس التقديس» ، وذكر اسمه فى خطبته، وسيره إليه من بلاد خراسان. وبالجملة فإنّه كان رجلا مسعودا، ومن سعادته أنّه كان خلّف أولادا لم يخلّف أحد من الملوك أمثالهم؛ فى نجابتهم [وبسالتهم «4» ] ومعرفتهم وعلوّ همّتهم، ودان لهم العباد وملكوا البلاد. ولمّا مدحه ابن عنين «5» بقصيدته الرائية ذكر منها فى مديح أولاده المذكورين، فقال:

وله البنون بكلّ أرض منهم

ملك يقود إلى الأعادى عسكرا

من كلّ وضّاح الجبين تخاله

بدرا وإن شهد الوغى فغضنفرا

ص: 163

متقدّم حتّى إذا النّقع انجلى

بالبيض عن سبى الحريم تأخّرا

قوم زكوا أصلا وطابوا محتدا

وتدفّقوا جودا وراقوا منظرا

قال ومن جملة هذه القصيدة فى مدح الملك العادل هذا قوله، ولقد أحسن فيها،

[العادل «1» الملك الذي أسماؤه

فى كلّ ناحية تشرّف منبرا]

وبكلّ أرض جنّة من عدله الصّ

افى أسال [نداه «2» ] فيها كوثرا

عدل يبيت الذئب منه على الطّوى

غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا

ما فى أبى بكر لمعتقد الهدى

شكّ مريب أنّه خير الورى

سيف صقال المتن أخلص متنه

وأبان طيب الأصل منه الجوهرا

ما مدحه بالمستعار له ولا

آيات سؤدده حديث يفترى

بين الملوك الغابرين وبينه

فى الفضل ما بين الثّريّا والثّرى

نسخت خلائقه الحميدة ما أتى

فى الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا «3»

ملك إذا خفّت حلوم ذوى النّهى

فى الرّوع زاد رصانة وتوقّرا

ثبت الجنان تراع من وثباته

وثباته يوم الوغى أسد الشّرى

يقظ يكاد يقول عمّا فى غد

ببديهة أغنته أن يتفكّرا

حلم تخفّ له الحلوم وراءه

رأى وعزم يخفر الإسكندرا

يعفو عن الذنب العظيم تكرّما

ويصدّ عن قيل الخنا متكبّرا

لا تسمعنّ حديث ملك غيره

يروى فكلّ الصّيد فى جوف الفرا

قال: ولمّا قسم البلاد بين أولاده كان يتردّد بينهم، ويتنقّل من مملكة إلى أخرى، وكان يصيف بالشام لأجل الفواكه والمياه الباردة، ويشتّى بالديار المصريّة لاعتدال

ص: 164

الوقت فيها وقلّة البرودة؛ وعاش فى أرغد عيش. وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد، حتّى يقال إنّه كان يأكل وحده خروفا لطيفا مشويّا، وكان له فى النكاح نصيب وافر. وحاصل الأمر أنّه كان ممتّعا فى دنياه. وكانت ولادته بدمشق فى المحرّم سنة أربعين؛ وقيل: ثمان وثلاثين وخمسمائة.

قلت: وافق الذهبىّ فى مولده فى السنة، مع خلاف ذكره الذهبىّ فيه، وخالفه فى المكان الذي ولد فيه، فإنّ الذهبىّ قال: كانت ولادته ببعلبكّ كما تقدّم ذكره.

قال: وتوفّى فى سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين. ونقل إلى دمشق، ودفن بالقلعة ثانى يوم وفاته، ثمّ نقل إلى مدرسته المعروفة به، ودفن بالتّربة التى بها؛ [وقبره «1» ] على الطريق يراه المجتاز من الشّبّاك المركّب هناك. وعالقين (بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضا وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون) وهى قرية بظاهر دمشق» . انتهى كلام ابن خلّكان- رحمه الله تعالى- بتمامه.

وقال غيره: ولمّا افتتح ولده الكامل إقليم أرمينية فرح العادل فرحا شديدا، وسيّر أستاداره [شمس الدين «2» ] إيلدكز وقاضى العسكر نجم الدين خليل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر والشام وخلاط وبلاد الجزيرة، فأكرمهما الخليفة وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين أبا حفص عمر بن محمد السّهروردىّ بالتشريف، ومرّ بحلب ووعظ بها؛ واحترمه الظاهر غازى صاحب حلب، وبعث معه بهاء الدّين ابن شدّاد بثلاثة آلاف دينار لينثرها على عمّه العادل، إذا لبس خلعة الخليفة. ولمّا وصل السّهروردىّ إلى دمشق «3» فرح العادل وتلقّاه من القصير «4» ، وكان يوما مشهودا،

ص: 165

ثمّ من الغد أفيضت عليه الخلع؛ وهى: جبّة سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب فيه جوهر، وقلّد سيفا محلّى جميع قرابه بالذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعلم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين الله. ثمّ خلع السّهروردىّ على ولدى العادل: المعظّم عيسى والأشرف موسى، لكلّ واحد عمامة سوداء، وثوبا أسود واسع الكمّ؛ وخلع على الصاحب ابن شكر كذلك. ونثر الذهب على رأس العادل من رسل صاحب حلب وحماة وحمص وغيرهم.

وركب الأربعة (أعنى العادل وولديه وابن شكر الوزير) بالخلع، ثمّ عادوا إلى القلعة؛ وقرأ ابن شكر التقليد على كرسىّ، وخوطب العادل: بشاهنشاه «1» ملك الملوك خليل أمير المؤمنين. ثمّ قدم السّهروردىّ إلى مصر وخلع على الملك الكامل بن العادل.

وهو يوم ذاك صاحب مصر نيابة عن أبيه العادل كما تقدّم ذكره.

وقال الموفّق «2» عبد اللّطيف فى سيرة الملك العادل: «كان أصغر الإخوة وأطولهم عمرا وأعمقهم فكرا وأبصرهم فى العواقب وأشدّهم إمساكا وأحبّهم للدرهم؛ وكان فيه حلم «3» وأناة وصبر على الشدائد، وكان سعيد الجدّ عالى الكعب مظفّرا بالأعداء من قبل السماء، وكان نهمّا أكولا يحبّ الطعام واختلاف ألوانه، وكان أكثر أكله باللّيل كالخيل، وله عند ما ينام رضيع، ويأكل رطلا بالدّمشقىّ خبيص السّكّر، يجعل هذا كالجوارش «4» ؛ وكان كثير الصلاة ويصوم الخميس؛ وله صدقات فى كثير من الأوقات، وخاصّة عندما تنزل به الآفات، وكان كريما على الطعام يحب من يؤاكله، وكان قليل الأمراض. قال لى طبيبه بمصر: إنّى آكل خير هذا السلطان

ص: 166

سنين كثيرة ولم يحتج إلىّ سوى يوم واحد، أحضر إليه من البطّيخ أربعون حملا فكسر الجميع بيده، وبالغ فى الأكل منه ومن الفواكه والأطعمة، فعرض له تخمة فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء الحارّ، وأن يركب طويلا ففعل، وآخر النهار تعشّى وعاد إلى صحّته. وكان نكّاحا يكثر من اقتناء السّرارىّ، وكان غيورا لا يدخل فى داره خصىّ إلّا دون البلوغ، وكان يحبّ أن يطبخ لنفسه مع أنّ فى كلّ دار من دور حظاياه مطبخا [دائرا «1» ] ، وكان عفيف الفرج لا يعرف له نظر إلى غير حلائله.

نجب له أولاد من الذكور والإناث، سلطن الذكور وزوّج البنات بملوك الأطراف.

وكان العادل قد أوقع الله تعالى بغضته فى قلوب رعاياه، والمخامرة عليه فى قلوب جنده؛ وعملوا فى قتله أصنافا من الحيل الدقيقة مرّات كثيرة، وعند ما يقال إنّ الحيلة تمّت تنفسخ وتنكشف وتحسم موادّها، ولولا أولاده يتولّون بلاده لما ثبت ملكه؛ بخلاف أخيه صلاح الدين فإنّه إنّما «2» حفظ ملكه بالمحبّة له وحسن الطاعة، ولم يكن- رحمه الله بالمنزلة المكروهة؛ وإنّما كان الناس قد ألفوا دولة صلاح الدين وأولاده، فتغيرت عليهم العادة دفعة واحدة. ثم إن وزيره ابن شكر بالغ فى الظّلم. قال: وكان العادل يواظب على خدمة أخيه صلاح الدين، يكون أوّل داخل وآخر خارج، وبهذا جلبه، وكان يشاوره فى أمور الدولة، لما جرّب من نفوذ رأيه. ولمّا تسلطن الأفضل بدمشق والعزيز بمصر قصد العزيز دمشق، ووقع له ما حكيناه إلى أن ملكها. قال: ثم أخذ العادل يدبّر الحيلة حتى يستنيبه «3» العزيز على مصر، ويقيم العزيز بدمشق، ففطن بعض أصحاب العزيز فرمى قلنسوتا

ص: 167

بين يديه، وقال: ألم يكفك أنّك أعطيته دمشق حتّى تعطيه مصر! فنهض العزيز لوقته على غرّة ولحق بمصر.

قال الموفّق: ومات الملك الظاهر غازى قبله بسنتين فلم يتهنّ العادل بالملك من بعده، وكان كلّ واحد منهما ينتظر موت الآخر، فلم يصف للعادل العيش بعد موته، لأمراض لزمته بعد طول الصّحّة، والخوف من الفرنج بعد طول الأمن.

وخرجوا (يعنى الفرنج) إلى عكّا وتجمّعوا على الغور «1» ، فنزل العادل قبالتهم على بيسان «2» ، وخفى عليه أن ينزل على عقبة أفيق «3» ، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب، وكانت ظهرهم، ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عليه الفرنج من الغارة، فاغترّ بما عوّدته المقادير من طول السلامة، فغشيت الفرنج عسكره على غرّة، وكان قد آوى إليه خلق من البلاد يعتصمون به، فركب مجدّا؛ وماج الفرنج فى أثره حتّى وصل دمشق على شفا وهمّ؛ فدخل إليها فمنعه المعتمد وشجّعه، وقال له: المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأمّا الفرنج فاعتقدوا أنّ هزيمته مكيدة فرجعوا من قرب دمشق بعد ما عاثوا فى البلاد قتلا وأسرا وعادوا إلى بلادهم، وقصدوا دمياط فى البحر فنازلوها.

وكان قد عرض له قبل ذلك ضعف وصار يعتريه ورم الأنثيين. فلمّا هزّته «4» الحيل على خلاف العادة ودخله الرّعب، لم يبق إلّا مدّة يسيرة ومات بظاهر دمشق.

وكان مع حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة ببذله. وشرع فى بناء قلعة

ص: 168

دمشق فقسم أرضها على أمرائه وأولاده، وكان الحفّارون يحفرون الخندق ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء معين. قال: ودعا مرة فقال: اللهمّ حاسبنى حسابا يسيرا؛ فقال له رجل ماجن من خواصّة: يا مولانا، إنّ الله قد يسّر حسابك؛ قال: ويلك! وكيف ذلك؟ قال: إذا حاسبك قل له: المال كلّه فى قلعة جعبر لم أفرّط فيه فى قليل ولا كثير. وكانت خزائنه بالكرك ثمّ نقلها إلى قلعة جعبر وبها ولده الملك الحافظ، فسوّل له بعض أصحابه الطمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقل ما فيها إلى قلعة دمشق، فحصلت فى قبضة ولده الملك المعظّم عيسى، فلم ينازعه فيها إخوته؛ وقيل: إنّ الذي سوّل للحافظ الطمع والعصيان هو المعظّم ففعل ذلك الحافظ، وكانت مكيدة من المعظّم حتّى رجع إليه المال» . انتهى كلام الموفّق باختصار.

وقال أبو المظفّر شمس الدين يوسف بن قزاوغلى فى تاريخه: «سألته عن مولده فقال: فتوح الرّها (يعنى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة) - وهذا نقل آخر فى مولده- قال: وقد ذكرنا أحواله «1» فى السنين إلى أن استقرّ له الملك وامتدّ من بلاد الكرخ «2» إلى همذان والجزيرة والشام ومصر والحجاز ومكّة والمدينة واليمن إلى حضر موت، وكان ثبتا خليقا بالملك حسن «3» التدبير، حليما صفوحا مدبّرا للملك على وجه الرضا، عادلا مجاهدا دينا عفيفا متصدّقا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، طهّر جميع ولاياته من الخمور والخواطىء والقمار والمكوس والمظالم. وكان الحاصل من هذه الجهات بدمشق على الخصوص مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله تعالى.

ص: 169

وكان واليه على دمشق المبارز والمعتمد «1» ، أعانه المبارز على ذلك، أقام رجالا على عقاب قاسيون «2» وجبل الثّلج وحوالى دمشق بالجامكيّة «3» والجراية يحرمون أحدا يدخل دمشق بمنكر. بلغنى أنّ بعض المغانى دخلت على العادل فى عرس فقال لها:

أين كنت؟ فقالت: ما قدرت أجىء حتّى وفيت ما علىّ للضامن. فقال:

وأىّ ضامن؟ قالت ضامن القيان، فقامت عليه القيامة، وطلب المعتمد [وعمل «4» به ما لا يليق]، وقال: والله لئن عاد بلغنى مثل هذا لأفعلنّ ولأصنعنّ.

ولقد فعل العادل فى غلاء مصر عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره؛ كان يخرج فى الليل بنفسه ويفرّق الأموال فى ذوى البيوتات والمساكين، وكفّن تلك الأيام من ماله ثلثمائة ألف من الغرباء، وكان إذا مرض أو تشوّش مزاجه خلع جميع ما عليه وباعه حتى فرسه وتصدّق به.

قال أبو المظفّر: وقد ذكرنا وصول شيخ الشيوخ إليه بخبر برج دمياط «5» ، وأنّه انزعج وأقام مريضا إلى يوم الجمعة سابع أو ثامن جمادى الآخرة وتوفّى بعالقين.

وكان المعظّم قد كسر الفرنج على القيمون «6» يوم الخميس خامس جمادى الآخرة، وقيل يوم الأربعاء. ولمّا توفّى العادل لم يعلم بموته غير كريم الدّين الخلاطىّ، فأرسل الطير إلى نابلس إلى المعظم، فجاء يوم السبت إلى عالقين فاحتاط على الخزائن،

ص: 170

وصبّر العادل وجعله فى محفّة وعنده خادم يروّح عليه وقد رفع طرف سجافها وأظهر أنّه مريض، ودخلوا به دمشق يوم الأحد والناس يسلّمون على الخادم، وهو يومئ إلى ناحية العادل ويردّ السلام؛ ودخلوا به القلعة وكتموا موته؛ و [من «1» العجائب أنهم] طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة الفقيه ابن فارس فكفّنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدّة فلفّوه به، وصلّى عليه [وزيره «2» ] ابن فارس ودفنوه فى القلعة.

قال أبو المظفّر: وكنت قاعدا إلى جانب المعظّم عند باب الدار التى فيها الإيوان وهو واجم ولم أعلم بحاله؛ فلمّا دفن أبوه قام قائما وشقّ ثيابه ولطم رأسه ووجهه، وكان يوما عظيما، وعمل له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالى، وعمل له العزاء فى الدنيا كلّها، ونودى ببغداد من أراد الصلاة على الملك العادل الغازى المجاهد فى سبيل الله فليحضر إلى جامع القصر، فحضر الناس ولم يتخلّف سوى الخليفة، وصلّوا عليه صلاة الغائب وترحّموا عليه، وتقدّموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة. وبقى العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وستمائة، [ثم] نقل إلى تربته التى أنشأها عند دار العقيقىّ «3» ومدرسته.

- قلت: لا أعلم ما كان السبب فى عدم وجود الكفن القطن للملك العادل مع همة ولده الملك المعظّم عيسى وأخذه من عالقين ميتا فى محفّة ولم يفطن به أحد.

وهذا أعظم وأكثر كلفة وأصعب من شراء ثوب بعلبكّىّ، وما يحتاج إليه الميت من الحنوط والقطن وغيره فلعلّ لها «4» عذرا وأنت تلوم-.

ص: 171

قال: وكان له عدّة أولاد: منهم شمس الدين مودود «1» والد الملك الجواد [يونس «2» ] .

والكامل «3» محمد. والأشرف «4» موسى. والمعظّم «5» عيسى. والأوحد «6» أيّوب. والفائز إبراهيم [ويلقّب «7» بسابق الدين] . وشهاب «8» الدّين غازى. والعزيز «9» عثمان. والأمجد «10» حسن.

والحافظ «11» أرسلان. والصالح «12» إسماعيل. والمغيث «13» عمر. ومجير «14» الدين يعقوب.

وتقىّ «15» الدين عبّاس. وقطب «16» الدين أحمد. والقاهر «17» إسحاق. وخليل «18» أصغرهم «19» .

ص: 172