المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الفصل الأولالاستشراق والهيئات العلمية والتنصير

- ‌الاستشراق ومراحله

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌ مدرسة الآداب

- ‌أعمال المستشرقين

- ‌حياة بعض المستشرقين والمستعربين

- ‌اللجان العلمية

- ‌لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر:

- ‌لجنة الاحتفال المئوي بالاحتلال:

- ‌الجمعيات المتخصصة

- ‌المعاهد الجامعية

- ‌البعثات العلمية ومشاركة المثقفين الجزائريين فيها

- ‌الكنيسة والتنصير

- ‌نشأة الأسقفية

- ‌الأسقف بافي:

- ‌ لافيجري

- ‌شارل دي فوكو:

- ‌النشاط التنصيري منذ 1930:

- ‌الفصل الثانيالترجمة وظهور النخبة الاندماجية

- ‌مترجمو الحملة وغداتها

- ‌تنظيم فرقة المترجمين

- ‌المترجمون الجزائريون

- ‌تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة

- ‌الترجمة إلى العربية

- ‌الاتجاه الاندماجي - الاستغرابي

- ‌الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي

- ‌أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا

- ‌دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل

- ‌نماذج من المثقفين والاندماجيين

- ‌الفصل الثالثمذاهب وتيارات

- ‌(نعمة) الاحتلال

- ‌رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل

- ‌رأي لافيجري ولويس فينيون وآخرين

- ‌(فرق تسد)

- ‌معاداة العرب

- ‌ومعاداة البربر

- ‌التآمر على زواوة

- ‌الدعوة إلى تعلم الفرنسية ..وإلى التعلم عموما

- ‌وضع المرأة

- ‌الهجرة أو البقاء

- ‌الاندماج، التجنس، النخبة

- ‌الجزائر في الكتابات الفرنسية

- ‌اليهودية والصهيونية

- ‌الماسونية

- ‌الإسلام ووحدة الأديان

- ‌المثالية والاشتراكية

- ‌ إسماعيل عربان

الفصل: ‌الترجمة إلى العربية

محمد صوالح عن قصيدة مصطفى الثابتي في مشاركة الجزائريين في الحرب العالمية، وكلتا القصيدتين من الأدب الشعبي. يضاف إلى ذلك ترجمة بعض الأشعار والأغاني الزواوية من قبل عمر بوليفة في موضوعات مختلفة (1).

‌الترجمة إلى العربية

لم تكن الترجمة من الفرنسية إلى العربية هدفا للفرنسيين. ولذلك عملوا كل ما في وسعهم على تعلم العربية الدارجة ثم الفصيحة، والترجمة منها إلى الفرنسية. فنقل التراث الشفوي والمكتوب على يد التراجمة العسكريين والعموميين في البداية وعلى يد المستشرقين في مرحلة لاحقة كان هو الهدف. ذلك أن اللغة الفرنسية كانت هي المقصودة بالإثراء والانتشار، لأنها لغة الإدارة الجديدة والمحاكم والسيادة، كما قالوا.

ولكن هذا لا يعني أن الفرنسيين لم يوصلوا بعض معارفهم ومقاصدهم بلغتهم إلى الجزائريين أحيانا. ونقول (البعض) و (أحيانا)، لأن ما ترجم من الفرنسية إلى العربية وما حرص عليه الفرنسيون حتى يصل إلى الجزائريين هو نوع معين من المعارف، أي القرارات الرسمية، والإجراءات الصحية، والنصائح المتعلقة بالفلاحة وتربية الحيوانات، والأخبار الدعائية المضادة لإشاعات محلية أو واردة من المشرق، والترغيب في تعلم اللغة الفرنسية وعلومها. وإذا تاملنا في نوعية هذه الأخبار فإنا نجدها كلها تخدم المصالح الاستعمارية وتذيع فكرة التبعية والتعلق بفرنسا وثقافتها.

بدأت الترجمة إلى العربية في البيان الذي وزعه الفرنسيون على الجزائريين عشية الحملة والذي تعاون عليه بعض المستشرقين، منهم دي

(1) انظر الجزء الثامن، فصل الشعر.

ص: 181

ساسي والقس السوري شارل زكار. وربما كان البيان هو أول ما قرأ الجزائريون بحروف المطبعة. ولم يكن في الجزائر صحافة قبل الاحتلال. ولذلك بدأت أول جريدة رسمية وهي (المونيتور الجزائري)(1) في نشر إعلانات وأوامر رسمية صادرة عن إدارة الاحتلال بحروف عربية (ولا نقول بلغة عربية) لا يكاد معناها يفهمه أحد. وكانت قرارات الحكام العامين تصدر كلها بالفرنسية، ثم يترجم منها في السنوات الأولى ما يهم المسلمين مباشرة كمصادرة الأوقاف والأمر بطرد الأعيان ونحو ذلك. وكان قرار بوجو بطرد المفتي مصطفى الكبابطي قد ترجم إلى العربية وعلق على جدار الجامع الكبير بالعاصمة. كما علق الفرنسيون على الجدران نسخا، من فتوى علماء المسلمين التي حصل عليها ليون روش سنة 1842.

كل ذلك كان قبل صدور جريدة المبشر سنة 1847. ونحن وإن كنا درسنا هذه الجريدة في فصل المنشآت الثقافية فإننا نقول هنا انها الجريدة الوحيدة التي أصبحت مدرسة في توصيل المعلومات للجزائريين لأنها صدرت باللغتين العربية والفرنسية. وكانت النسخة العربية عادة مترجمة عن النسخة الفرنسية، ولكن تظهر في النسخة العربية أحيانا مقالات موضوعة أو ترجمات من أعمال فرنسية أخرى غير الواردة في القسم الفرنسي. تولى إدارة المبشر عدد من المترجمين العسكريين والمستشرقين الفرنسيين. وكان جميعهم يحسن العربية الدارجة والفصيحة، ولذلك كانوا يسهرون على القسم العربي كما يسهرون على القسم الفرنسي.

وكان القسم العربي يضم أيضا مجموعة من الجزائريين المزدوجي اللغة أو الذين يحسنون الترجمة إلى العربية، بالإضافة إلى وجود عناصر كانت تكتب أحيانا مقالات بالعربية مباشرة بإيعاز من السلطة الفرنسية، مثل زيارة نابليون الثالث للجزائر، وترغيب الجزائريين في التعلم بالفرنسية،

(1) ظهرت في ينام 1832، أثناء إدارة الدوق دو روفيقو. كانت بالفرنسية، ثم بدأت تنشر صفحة بالعربية المكسرة جدا. انظر فقرة الصحافة.

ص: 182

وإزالة المخاوف المتصلة بمرسوم الملكية الفردية للأرض سنة 1863، الخ.

كانت المبشر تخاطب المتعلمين والأعيان، ولا تخاطب العامة لأنها غير قارئة. وكانت في البداية ترسل إلى القضاة والموظفين عامة مجانا، ثم فرضت الإدارة الاشتراك فيها على جميع المتوظفين عندها. فالقضاة والقياد والأغوات والمعلمون ورجال الديانة كانت تأتيهم بدون استئذان.

وكانت تؤثر فيهم ليس فقط بالمقالات المترجمة عن الفرنسية، كما سنرى، ولكن باختيار النصوص من الأدب العربي أو من الكتب المؤلفة حديثا كالرحلات والآراء حول الحضارة الأوروبية والأديان. فإذا تحدثت عن العلم في عصر المأمون في بغداد أو في عهد عبد الرحمن الناصر بالأندلس، فإنما كانت تتحدث عن ترغيب الجزائريين في تعلمه الآن من اللغة الفرنسية لأن العقل العربي قد تخلف وتخلفت معه اللغة. وإذا أشادت الجريدة بحمد علي باشا وبابنه إبراهيم باشا فلأنهما ربطا علاقات علمية (وسياسية) مع فرنسا، وإذا نقلت عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي فإنما ذلك لأن الاثنين كانا من المعجبين بالتقدم الفرنسي والنظام الدستوري والعلوم في أوروبا (1).

من أبرز الأسماء الجزائرية التي ظهرت في المبشر: علي بن عمر، وعلي بن سماية، وأحمد البدوي، والحفناوي بن الشيخ (أبو القاسم الحفناوي)، ومحمد بن مصطفى (خوجة)، ومصطفى بن عبد الرحمن الشرشالي، ومحمود وليد الشيخ علي، وقدور بن باحوم، وعلي ولد الفكاي، ومحمد بوزار، ومحمد بن بلقاسم (2). بعض هؤلاء له أثر معروف فيها من ترجمة وغيرها، مثل أحمد البدوي، وعلي بن عمر. وبعضهم عمل فيها طويلا ولكن لا ندري هل كان عمله هو التصحيح والترجمة أيضا دون

(1) نشرت المبشر (أقوم المسالك) لخير الدين باشا التونسي في حلقات ابتداء من أول أكتوبر 1868، أي على إثر صدوره.

(2)

فيليب دي طرازي (الصحافة العربية)، ج 1/ 51.

ص: 183

وضع اسمه، مثل الحفناوي بن الشيخ الذي عمل طويلا مع شيخه الفرنسي آرنو، وكان الحفناوي متمكنا في اللغة العربية وفي الفرنسية أيضا. وكان علي بن سماية أديبا وأستاذا ماهرا ولكن اسمه لا يظهر كثيرا في الجريدة، ومثله محمد بن مصطفى خوجة صاحب عدة مؤلفات بالعربية (1).

ونريد الآن أن نترجم لبعض الذين ساهموا في المبشر في ميدان الترجمة العربية. ونخص بالذكر أحمد البدوي، وعلي بن عمر وأحمد الفكون.

1 -

أحمد البدوي: هناك قدر مشترك بين هذا الرجل (أحمد البدوي أو البداوي) وبين قدور بن رويلة وأحمد الشريف الزهار والحاج محمد الملياني، من جهة، وعمر بن قدور وعمر راسم من جهة أخرى. لا نستطيع أن نحدد الآن هذا القدر المشترك بين هؤلاء الرجال الذين عاشوا ظروفا مأساوية كاد ينساهم فيها الزمان والإنسان. ومع ذلك تركوا بصماتهم على تاريخ بلادهم، كل في مجاله. أحمد البدوي كان فتى عند احتلال الأعداء لوطنه. ولد في مدينة الجزائر أوائل القرن الماضي (قد يكون 1810 - 1815) وحضر دروس كبار علماء الوقت أمثال محمد بن الشاهد ومصطفى الكبابطي وعلي المانجلاتي وحمودة المقايسي. وكان الجامع الكبير ومدرسته ومدرسة القشاش هي مصابيح الظلام عندئذ. فتلقي معلومات قوية في الأدب والفقه والإنشاء، بالإضافة إلى القرآن الكريم.

وعند الاحتلال خرجت أفواج الجزائريين من المدينة وتفرقوا في المدن المجاورة لاجئين عند الأقارب ظنا منهم أن العدو سيغادر المدينة. ولكنه لم يغادرها، وسقطت الحكومة المركزية وتداعت بقية أطراف الدولة وانقطعت السبل بمن كان خارج المدينة، واستحوذ العدو على أملاك الغائبين وصادرها

(1) نحن نرجح أن يكون محمد بن مصطفى هو نفسه المسمى أحيانا مصطفى خوجة، وأحيانا مصطفى الكمال، والمضربة، الخ. كما نرجح أن يكون محمود وليد الشيخ علي هو ابن المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين. انظر عنه التاريخ الثقافي، ج 2.

ص: 184

تحت عنوان (الثقاف). ويقول فيرو في ترجمته المنتصرة لأحمد البدوي إنه وجد نفسه محاصرا في مليانة من قبل قوات الأمير، وليس له سبيل للرجوع إلى مدينة الجزائر، ونحن نرجح أن خروجه إلى هناك كان مع أهله على غرار ما فعلت عائلات جزائرية أخرى مثل علي بن الحفاف، وأحمد الشريف الزهار، وقدور بن رويلة. ومهما كان الأمر فإن أحمد البدوي قد دخل في خدمة الأمير وأصبح أحد كتابه المعروفين، لأن البدوي تميز منذ صغره بحسن الإنشاء والتحرير وقوة الحفظ وجودة الخط. وكان الأمير كما يقول فيرو، يترك البدوي لخلفائه إذا خرج هو في إحدى الغزوات. ولذلك عمل أحمد البدوي كاتبا لكل من محمد بن عيسى البركاني، ومحمد بن علال، وأحمد الطيب بن سالم، ومحمد البوحميدي والمولود بن عراش. ثم طلبه أحمد بن سالم شخصيا من الأمير، فأصبح من كتابه المقربين فترة طويلة. وجميع المذكورين كانوا خلفاء للأمير في مختلف الولايات التي أنشأها، عدا ابن عراش الذي كان وزيره للخارجية.

هل بقي أحمد البدوي مع أحمد بن سالم إلى نهاية مقاومته في ربيع 1847؟ يفهم من ترجمة فيرو له أن البدوي رجع إلى مدينة الجزائر قبل هذا التاريخ، فهل (هرب من عنده؟) لا دليل على ذلك. وإذا لم يهرب فلماذا يغادره إذن والمقاومة مستمرة؟ إن فيرو لا يذكر سوى شيء واحد وهو أن أحمد بن سالم قد مني بهزيمة فتركه أحمد البدوي بعدها ورجع إلى الجزائر، والتحق بالحملات الفرنسية. ويقول فيرو إن البدوي قد حضر حملة الفرنسيين ضد قبيلة فليسة، ثم حضر معركة ايسلي 1844 التي كانت بين المغاربة والفرنسيين. وهذه كانت قبل نهاية مقاومة أحمد بن سالم طبعا. أما الحملات الفرنسية الأخرى التي حضرها أحمد البدوي، حسب فيرو، فهي حملة المارشال بوجو نواحي بجاية 1845، وحملة المارشال راندون في البابور 1853، ثم في جرجرة 1854 - 1857. ونحن نفهم أن أحمد البدوي لم كن عسكريا لا أثناء غزوات الأمير ولا أثناء الحملات الفرنسية، إنما كان خوجة أو كاتبا للتقارير والرسائل والمحاضر، في كلتا الحالتين.

ص: 185

في اليوم الذي رجع فيه البدوي إلى الجزائر استدعاه العقيد (دوماس)، مدير إدارة الشؤون العربية في حكومة بيجو وقدمه إلى هذا الحاكم. وكان المترجم الرئيسي عندئذ في الإدارة المذكورة هو ليون روش. ولعله كان قد عرف أحمد البدوي من قبل. فأعطاه المارشال بوجو إلى رومش فأخذ يستصحبه معه كلما خرج في حملة مع الجيش، وكان ثالثهما هو المترجم الآخر شوصبوا الذي قلنا إنه كان دنماركي الأصل، وأخذ الجنسية الفرنسية (1). وكانت جريدة المبشر تابعة أيضا إلى إدارة الشؤون الأهلية. وكان البارون دي سلان المشرف على هذه الجريدة عندئذ، في حاجة إلى محررين بالعربية، فألحق به أحمد البدوي. ومنذئذ خرج البدوي من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية، ولا ندري متى كان ذلك بالضبط، ولكن يبدو أنه كان في نهاية الخمسينات. فقد وجدنا أحمد البدوي معينا ضمن اللجنة التي عهد إليها بترجمة الأحكام والنصوص القضائية، مع حسن برجمات وحميدة العمالي سنة 1859. وفي 20 يناير 1860 عينه المدعي العام عضوا في لجنة إعادة تنظيم القضاء الإسلامي (2).

هناك إذن مجالان أصبح أحمد البدوي يعمل فيهما مع النخبة القضائية والصحفية في الجزائر. والترجمة من الفرنسية إلى العربية كانت مقتصرة تقريبا على هذه النخبة. وقد ظهرت عندئذ كتابات في القضاء بالعربية مجهولة المؤلف والمترجم. ونحن نرجح أن يكون بعضها على الأقل من أثر أو تأثير أحمد البدوي. أما الصحافة، وهي موضوعنا الآن، فإن أحمد البدوي قد ساهم فيها بمقالات موضوعة وأخرى مترجمة. ويقول السيد فيرو إن البدوي بحكم مهنته كان مطلعا على أسرار الإدارة، وأنه كان ذا موهبة خاصة في التحرير وأن له فكرا حيا. وقد عرفه فيرو عن كثب بعد أن أصبح هو (فيرو) كبير المترجمين أو باش مترجم، بالإدارة الفرنسية في الجزائر. وقد أخبرنا

(1) انظر عنه سابقا.

(2)

رسالة بخط برينييه ضمن وثائق شارل فيرو، كما صنفها ونشرها أوغست كور، المجلة الافريقية، 1914، ص 108.

ص: 186

محمد الصالح العنتري، صديق فيرو أيضا، أن البدوي كان كاتبا عند فيرو سنة 1876 (1). ومدح فيرو أحمد البدوي بكونه قد أعطى لجريدة المبشر دفعا قويا بقدرته على التحرير، وبمقالاته الجذابة وبمهارته في عدم المساس بالمشاعر الدينية والعرقية للناس الذين يكتب لهم (؟) وقال إنه جلب الجزائريين إلى هذه الجريدة التي أنشئت (لنقل الحضارة الفرنسية إلى الأهالي). وقد أوصى له بالتعويض الشرفي على خدماته، لاستحقاقه ذلك منذ أمد بعيد، حسب قوله (2). ونحن لا ندري كيف انتهت حياة أحمد البدوي، هل كوفئ فعلا على خدماته؟ وهل انتهى نهاية مأساوية شأن أمثاله الذين ذكرنا بعضهم، عمر بن قدور وعمر راسم؟ إننا لا ندري الآن أين قرأنا أن أحمد البدوي كان من المتحمسين لثورة (كومون) باريس 1870، وأنه أراد أن يكون للجزائر أيضا ثورتها أو (كومونها).

لم تكن المبشر تنشر أسماء الكتاب والمترجمين إلا نادرا. ولذلك كانت معظم ترجمات أحمد البدوي مغفلة الاسم. ولا ندري متى بدأ في النشر فيها بالضبط، ولا الفرق بين المترجم والموضوع الذي ساهم به. ولم يساعدنا فيرو فيذكر التاريخ الحقيقي لالتحاق أحمد البدوي بجريدة المبشر. ذلك أن أول مقالة نشرها باسمه فيها كانت في 2 مايو 1865 أثناء زيارة نابليون الثالث للجزائر، وهي مقالة موضوعة ومزوقة إلى حد ما، متأثرة بالأسلوب العربي القديم، ولكنها حية بتحريك العبارات والألفاظ فيها. والمقالة في مدح نابليون ومرتبطة بالمناسبة. وقد ظل يكتب في الجريدة ويترجم من الفرنسية إلى العربية من 1865 إلى 1876 حين أخبرنا فيرو أنه ما يزال يعمل بالجريدة. ومن مترجماته قصة غرامية تاريخية ألفها أحد الفرنسيين

(1) رسالة العنتري إلى فيرو، من قسنطينة. وقد نشرناها في كتابنا (أبحاث وآراء) ج 3، فارجع إليه.

(2)

فيرو (مترجمو الجيش الإفريقي)، مرجع سابق، ص 399 - 400. وقد صدر هذا الكتاب سنة 1876، أي أن أحمد البدوي كان ما يزال إلى هذا العهد في مهنة الصحافة والكتابة.

ص: 187

ونشرت في القسم الفرنسي من الجريدة على حلقات. وعنوانها (حكاية غونزالف القرطبي). وقد نشرت هذه القصة في أكثر من عشر حلقات ابتداء من 1867. ويبدو أنه قد شاركه في ترجمتها أيضا زميله علي بن عمر الذي سيأتي الحديث عنه، ذلك أن اسميهما واردان في الترجمة ولكن في حلقات مختلفة (1).

هل هو الذي اختار ترجمة القصة؟ وما الهدف منها؟ إن موضوعها يتعلق بالأندلس وليس فرنسا. وهو موضوع تاريخي لأن اسم قرطبة وسليمى (بطلة القصة) واسم فاس وحياة الأندلس عندها طعم خاص وذكرى وشجون لكل عربي/ ومسلم في الجزائر. ولكن البطل (غونزالف) الأسباني- المسيحي زعيم الاسترداد هو القوي وسليمى تمثل الأندلس المنهارة التي يقع غونزالف في حبها. من الجانب الفرنسي هناك تشابه بين قوة فرنسا بجنرالاتها والجزائر، وهي سليمى الجديدة. وفي كلتا الحالتين نجد الغرب المسيحي هو المنتصر والعربي المسلم هو المنهزم. ألا يصلح هذا أن يكون إطارا تاريخيا شيقا في أذهان القائمين على جريدة المبشر؟. إننا نعتقد أن الاختيار كان لإدارة التي نشرت النص الفرنسي أيضا. ومع ذلك فلا نرفض أن يكون اختيار الترجمة من قبل البدوي نفسه لأن القصة، مع ذلك، فيها عبرة للمعتبرين، وفيها لذة في القراءة ومتعة من التاريخ.

ولو رجع المرء إلى مختلف أعداد المبشر واستطاع معرفة ما ترجم أحمد البدوي فيها ولو كان غفلا من الاسم، وصنف ما ترجمه، لاستطاع أن يخرج من ذلك بصورة واضحة عن مساهمته في هذا الميدان. إن رجلا في ثقافة أحمد البدوي العربية ومعرفته الفرنسية بالقدر الذي يستطيع به نقل معارفها إلى العربية هو الذي كانت الجزائر في حاجة إليه عندئذ. رجل مزدوج اللغة، ولكن في فائدة لغته لا لغة عدوه، رجل ينقل للجزائريين آداب

(1) رسالة الباحث إبراهيم الونيسي حول جريدة المبشر. وقد نقل إلي مشكورا طرفا من القصة ومقالة البدوي عن نابليون، بتاريخ 27 نوفمبر 1988. الحلقة الأولى من الحكاية نشرت في عدد 7 نوفمبر 1867 من المبشر.

ص: 188

وعلوم الفرنسيين لكي يتغذوا منها وينتعشوا وينطلقوا كأجدادهم في مجال الإبداع والمنافسة الحضارية. ولكن أين ذلك في عهد حكم أصحابه، منذ أول وهلة، بأن يفرنسوا الجزائر ويربطوها بعجلة الاندماج الحضاري، أي الذوبان والإمحاء؟.

2 -

علي بن عمر: إذا كنا نعرف شيئا عن حياة أحمد البدوي الأولى وثقافته، فإننا لا نعرف شيئا عن حياة علي بن عمر حتى كدنا نقول عنه إنه شخص رمزي أو اسم مستعار. كيف أصبح صحفيا؟ وكيف تعلم العربية والفرنسية؟ وما زمان ومكان مولده؟ إن هناك اسماء كثيرة تبدأ بعلي. وهناك ابن علي، وابن الشيخ علي، ولكن ليس هناك علي بن عمر على حد علمنا (1). فإذا كان فإنه يكون من الجيل الأول الذي نشأ في العهد الاستعماري.

ظهر اسمه في المبشر أواخر الستينات، وكانت الموضوعات التي عالجها ذات طابع علمي في أغلبها. فله مقالة مترجمة بعنوان الشمس الثابتة، برهن فيها على ثبوت الشمس وحركية الأرض مدعما ذلك برسم توضيحي. ولا شك أن ذلك كان اهتماما أوروبيا أكثر منه إسلاميا. وقد انتقد في مقاله ما كان يشاع من أن الأرض هي محور النجوم والكواكب الأخرى كالشمس وأن كل الأجرام تدور حول الأرض وهي ثابتة. وفي مقالة أخرى له كرر نفس المعلومات بأسلوب آخر وبين حركات النجوم وتقدير المسافات بينها وبين الشمس (2). وكان المسلمون قد برعوا في علم الفلك وتعديل الكواكب أو تحريكها، كما يقول ابن حمادوش. ومن الواضح أن ابن عمر كان يترجم عن نصوص فرنسية وأن المادة كلها من إعداد إدارة الجريدة وتحت إشرافها.

ومما ترجمه علي بن عمر مقالة بعنوان (تاريخ الافريقية فيما يتعلق

(1) هناك علي بن عمر، صاحب زاوية طولقة، وهو من المتصوفين ولا علاقة له بالجريدة.

(2)

المبشر، 23 ديسمبر 1869 و 31 من نفس الشهر والسنة.

ص: 189

بالنباتات) (1) وهو تعريب لبحث طويل كتبه فريدريك لاكروا بعنوان (أفريقية القديمة: الإنتاج النباتي) ونشره في المجلة الجزائرية. وكان هدف المبشر من تعريب هذا البحث إفادة المزارعين الجزائريين بما كان في بلادهم وما حولها من إنتاج نباتي وما يمكن أن يقوموا به هم في العهد الجديد. فالأرض خصبة والفرنسيون يريدون الحصول منها على أكبر قدر من الإنتاج المتنوع.

وفي الميدان الأدبي نجد علي بن عمر يترجم مقالات خفيفة وحكايات للتسلية والعبرة. من ذلك مشاركته في ترجمة حكاية غونزالف القرطبي مع أحمد البدوي. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد نشر حكايات أخرى بالعربية والفرنسية مثل حكاية الأعرابي الذي فقد حصانه (2). وكان اسمه (ابن عمر) يظهر أيضا في القسم الفرنسي. وله سلسلة من المقالات بعنوان (مخالطة الباباوات مع عرب أفريقية في الأجيال المتوسطة) ومن الأكيد أن ذلك كان من اختيار الجريدة لأن الموضوع هو التاريخ الديني. والمقصود (بالمخالطة) هو العلاقات. وله ترجمات أخرى في التجارة ونحوها.

تاريخ ظهور اسمه في الجريدة يرجع إلى سنة 1867. ولا ندري كم استمر بعد 1869 أو بداية 1870. فقد تغيرت أحوال الجزائر بعد ظهور الجمهورية الثالثة. هذا إذا كان اسم علي بن عمر اسما تاريخيا (3). وبذلك تكون مساهمته في الترجمة مساهمة كبيرة سيما في الميدان العلمي.

3 -

أحمد الفكون: الشخص الحقيقي الذي ترجم عن الفرنسية وأفاد العربية في تلك الأثناء، ابتداء من الستينات من القرن الماضي، هو أحمد الفكون (ابن الفقون). فعائلته قسنطينية معروفة. ولها تاريخ حافل في خدمة الإسلام واللغة العربية. وقد قتل أحد أجداده العلماء في جامع الزيتونة بتونس من قبل جيش شارلكان. وكانت في عائلته مشيخة الإسلام وإمارة ركب الحاج

(1) نفس المصدر، 11 فبراير 1869. وبحث إبراهيم الونيسي.

(2)

نفس المصدر، 25 فبراير 1869.

(3)

لاحظ أن فيرو لم يذكره في المترجمين العسكريين. ولم نعرف من ترجم له.

ص: 190

إلى مكة المكرمة إلى الاحتلال الفرنسي. وإظهارا للتناقض الصارخ كان أحمد الفكون من أوائل من منحتهم فرنسا جنسيتها بعد إنشائها، سنة 1866.

ولد أحمد الفكون في قسنطينة في 12 فبراير 1829. وكان عمره ثماني سنوات عند احتلال مدينته المروع الذي تهدمت فيه الدور وطارت فيه الرؤوس وسقطت خلاله العشرات في مهاوي وادي الرمال. وكان جده محمد الفكون، شيخا للإسلام في البلاد وحامي حمى المدينة، وكان طاعنا في السن حتى حمل على كرسي لمقابلة المارشال فاليه عند كدية عاتي. وجلبا للسكان وتسكينا للخواطر واتباعا للسياسة الماهرة، عين فاليه حمودة الفكون بن شيخ الإسلام، شيخا للمدينة. وكان طبعا تعيينا مؤقتا حتى يسيطر الفرنسيون على مقاليد البلاد وتهدأ الخواطر، كما قلنا. فمن هو الطفل أحمد الفكون؟ هل هو ابن حمودة؟ أو هو فقط من العائلة؟.

تعلم أحمد على مشائخ المدينة على الطريقة القديمة، وكان أمثاله في سنه يحفظون القرآن ويعرفون مبادئ العلوم والدين. ثم يتحلقون حول دروس المساجد ويطالعون الكتب، وقد يسافرون إلى الزوايا البعيدة أو يذهبون إلى جامع الزيتونة لاستكمال الدراسة. ونحن لا نعرف كيف أكمل أحمد هذه الدورة التعليمية ولا كيف تعلم اللغة الفرنسية. والغالب على الظن أن أهله قد أدخلوه إلى المدرسة العربية - الفرنسية التي أنشئت منذ 1850. ولعله حضر دروس المستشرق شيربونو في الفرنسية، ومهما كان الأمر فإن لغته العربية كانت أقوى من الفرنسية، وتدل على ذلك ترجماته. ومن حيث الوظيفة نعرف أن أحمد الفكون أصبح مترجما عسكريا، وهي وظيفة يدخلها أصحابها بمسابقة ويتدرجون فيها بين ثلاث طبقات. ولكن يبقون، كمسلمين، مترجمين احتياطيين فقط. ولا ندري ما الذي حمل أحمد الفكون على طلب الجنسية الفرنسية سنة 1866، هل يرجع ذلك إلى عدم تقديره لخطورة التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية والدخول تحت طائلة القانون الفرنسي؟ أو يرجع إلى عوامل أخرى نجهلها كالزواج المختلط أو الخلاف العائلي؟.

ص: 191

لقد نشرت جريدة المبشر في آخر سنة 1866 خبرا تزفه إلى قرائها وهو (تطبيقا) لما ورد في الفصل 1، 2، 3، 4 من قانون 13 جويليه 1865، دخل في الحرم والحقوق الجارية على الفرنسيين السيد: أحمد بن اللفقون (كذا) ترجمان عسكري، ولد في قسنطينة في 12 فيفري، 1829، ويقطن في هذا الوقت في باتنة) (1). ونحن نقول تزف إليهم الخبر لأنه من النادر جدا أن طلب الجزائريون التجنس بالجنسية الفرنسية. ونعرف من مصدر آخر أن أحمد الفكون قد أصبح ترجمانا عسكريا منذ سنة 1850.

نشر أحمد الفكون ترجمات في الأدب والتاريخ. وموضوعها هو الأدب العربي والتاريخ الإسلامي، وجغرافيتها هي الأندلس والمشرق وأفريقية. ولكنه عالج أيضا الترجمة حول تاريخ فرنسا. أول ما نشر كان عن الأندلس. وهو تعريب قصة محمد السراج الأندلسي بعنوان طويل وهو (الجوهر الوهاج المنقوش في غرائب ابن السراج الأطلسي). وهي قصة في ثماني حلقات نشرها في جريدة المبشر (2). والقصة تذكر العرب والمسلمين بمجدهم الخالد وبطردهم الدموي. وتجعلهم يعتبرون من الاحتلال الفرنسي أيضا.

ثم نشر الفكون قصة تاريخية عن جان دارك الفرنسية. ويظهر أنه كان مولعا بالتاريخ وأحداثه وملامحه وعبره. فمن الأندلس إلى فرنسا. ومن حرب الهزيمة إلى حرب الانتصار. وهنا أيضا هزيمة، ولكنها ترمز إلى النصر الآتي، لأن جان دارك كانت رمزا لا حقيقة. (التاريخ المتدارك في أخبار جان دارك) ذلك هو عنوان القصة الجديدة التي نشرها الفكون في عدة

(1) المبشر، 27 ديمسير 1866. وقانون 13 يوليو (جويليه)، 1865 هو المعروف بالمرسوم المشيخي (سنتوس كونسلت) الذي فتح للجزائريين باب التجنس بالجنسية الفرنسية بشرط التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية من زواج وطلاق وتركات، ودفن

وهو ما رفضه الجزائريون، ورضوا بحالة الرعية التي تحفظ لهم دينهم وهويتهم رغم حرمانهم من الحقوق.

(2)

ابتداء من العدد 22 ابريل 1864.

ص: 192

حلقات. وكان قد انتهى من ترجمتها سنة قبل ذلك، إذ جاء في آخرها بعد نشرها هذه العبارة (تمت الحكاية على يد مترجمها من الفرانسوية إلى العربية أحمد بن الفقون، الترجمان بالجيش الإفريقي بتاريخ 20 مارس 1866. وقد بدأ الفصل أو الحلقة الأولى بدون مقدمات: (لما توفي أحد ملوك فرنسة، وهو السلطان شارل السادس، خلف الملك غارقا في بحر الألم الناحس) الخ

وانتقل بسرعة إلى الحديث عن جان دارك في أسلوب أدبي خيالي وتاريخي (1).

أما بالنسبة للتاريخ العربي فقد نشر أحمد الفكون ترجمة لدراسة كتبها أحد الفرنسيين وهو ليون قاليبير GALIBERT بعنوان (الحكم العربي في أفريقية). وقد ظهرت ترجمة الفكون هكذا: الخبر عن دولة العرب في أفريقية. وذلك في عدة حلقات أيضا، ابتداء من 26 نوفمبر 1868. وكانت النسخة الفرنسية من الجريدة تنشر أيضا النص الفرنسي. والفترة التي تغطيها الدراسة هي من ظهور الإسلام إلى سقوط الأندلس (622 - 1490 م)(2). ولم نقارن نحن النصين لنعرف ما إذا كان الفكون يلخص الترجمة أو يورد النص كاملا. كما لا نستطيع أن نتصور أنه قد يترجم شيئا لا ترضى عنه الجريدة.

والذي يعنينا في الواقع هو نقل المعرفة إلى القارئ بالعربية في الصحيفة الوحيدة عندئذ. ولو أنصف الدهر لكان دور الفكون مثل دور رفاعة الطهطاوي في إثراء الثقافة العربية. والمعلومات التي أوردها الفكون موجودة في بطون الكتب المخطوطة وبعضها كان يطبع في المشرق أيضا، ولكن قارئ الجريدة يحتاج إلى مادة منقولة إليه حيث كان وبأسلوب بسيط. وهذا ما فعله أحمد الفكون، وكان اختيار العناوين في حد ذاته فنا من الفنون، ويدل اختياره للعناوين على تغلب الذوق العربي عليه. انظر مثلا إلى القصة

(1) البمشر ابتداء من 2 مايو 1867. وقد نشرت الحلقات بعد ذلك في كتيب على حدة.

(2)

رأينا أعداد 7 و 14 يناير 1869 من المبشر وكان النص ما يزال متواصلا فيها.

ص: 193

الأندلسية التي بدأها بعبارة (الجوهر الوهاج) وهو عنوان جذاب وعربي الرنين. وكذلك الخبر عن دولة العرب في أفريقية، كل كلمة فيه لها حساسية خاصة. ورغم ثقل اسم جان دارك على الأذن العربية فإن الفكون قدم له بالسجعة العربية (التاريخ المتدارك) ثم أكمل الاسم فأصبح موزونا معه ومقبولا.

ما مصير أحمد الفكون؟ وماذا ترجم أيضا في المبشر غير ما ذكرنا؟ لا ندري بالضبط فنحن لم نتتبع كل أعماله ولا كل حياته. وجدير بالباحثين الآخرين أن يفعلوا ذلك بدلنا. ويذكر بيروني أن الفكون تقاعد سنة 1881. ولا ندري لماذا اختصر فيرو الحديث عنه سنة 1876 وقد مضى عليه 26 سنة مترجما عسكريا. وقد اكتفى بقوله عنه إنه ترجم ونشر بالعربية أعمالا عديدة من الأدب الفرنسي. وذكر أيضا أنه تجنس بالجنسية الفرنسية (1). وفي سنة 1882 وجدنا الفكون يساهم في جريدة جديدة ظهرت بالعربية ويترجم لها، وهي جريدة (المنتخب) التي أسسها أحد الفرنسيين، وهو بول ايتيان، ولكنها لم تكن رسمية كجريدة المبشر. ومن المساهمين معه فيها حميدة بن باديس (ابن المكي، وجد عبد الحميد)، وكانت (المنتخب) متزعمة لحركة المساواة بين الجزائريين والفرنسيين أو بعبارة أخرى تساند السياسة الإسلامية التي كان يتزعمها حميدة بن باديس إلى 1887 والذي أصبح المتكلم الرسمي باسم المسلمين في المجلس العمومي (C.G) أو مجلس الولاية. ويقول أحد الباحثين إن الأعضاء الآخرين في المجلس كانوا يوافقون ابن باديس آليا. وكان ابن باديس يعارض التجنس بشدة، فهل كان أحمد الفكون من أعضاء المجلس أيضا؟ أليس هو من المتجنسين؟ يفهم من هذا المصدر أن الفكون كان عضوا في المجلس أيضا، ولكن أي تناقض سيكون بينه وبين حميدة بن باديس إذا تمسك الفكون بالجنسية الفرنسية (2).

(1) فيرو، مرجع سابق، ص 341. وأيضا بيروني، مرجع سابق، ص 200. وقد تحدث بيروني عن (النياشين) التي الها أحمد الفكون وعن تنقلاته في مختلف المدن أثناء الخدمة. ومنها قسنطينة وعنابة وباتنة ويبدو أنه لم يكن متفرغا للمبشر.

(2)

انظر كريستلو، المحاكم، مرجع سابق، ص 237 - 238.

ص: 194

4 -

وأما الطاهر بن النقاد فحياته ما تزال مجهولة. وكان من مواليد قسنطينة أيضا، وتعلم على أيدي علمائها الباقين بعد الاحتلال. وتولى بعض الوظائف للفرنسيين فيها، ثم انتقل إلى عدة مدن مجاورة، ومنها العين البيضاء. وقد توفي في بوسعادة سنة 1863. ويهمنا منه الآن أنه ترجم إلى العربية مجموعة من القصص (المحادثات). وكان من أوائل المساهمين في حركة الترجمة. ولكننا لا ندري كيف ولا أين تعلم الفرنسية. ولعله كان من المقربين لدى الضابط بواسوني والمستشرق شيربونو، وكلاهما عمل في قسنطنية واقترب من بعض عائلاتها.

هذا عن أوليات الترجمة من الفرنسية إلى العربية. وقد يكون مفيدا أن يتتبع الباحث تطور ذلك في العهود اللاحقة، سيما بعد أن أصبحت الازدواجية بارزة في خريجي المدارس الشرعية الثلاث وفي بعض خريجي مدرسة (كلية) الآداب. كما أن جريدة المبشر التي استمرت إلى سنة 1927 قد تطورت مع إدارة جديدة ومحررين جدد، أصحاب أقلام عربية وثقافة فرنسية من أمثال علي بن سماية والحفناوي بن الشيخ ومحمد بن مصطفى خوجة ومحمود كحول. وعند ظهور الصحف الوطنية بالعربية أو الصحف العربية المدعومة من قبل الإدارة الفرنسية أمثال جريدة (المغرب) و (كوكب افريقية)، فإن الترجمة أصبحت ضرورية. وأول لغة كان يجري النقل عنها هي الفرنسية. ولكن ليس من غرضنا هنا تتبع تاريخ الترجمة العربية وتصنيف مادتها وأصحابها، في كل المراحل.

ولنذكر أن أحدهم، ويدعى طيبال (Tibal) قد ترجم سنة 1880 قصة (بارب بلو أو اللحية الزرقاء). من تأليف بيرولت الفرنسي إلى العربية. وكان طيبال أستاذا للغة العربية. وقد أعلنت جريدة (الأخبار) التي كانت تصدر بالفرنسية أن الترجمة كانت أمينة وحرفية، وأنها ستساعد التلاميذ في المدارس على تعلم العربية. ولاحظت أن القصة تذكر بعهد الطفولة. فمن هو

ص: 195

طيبال هذا؟ والمهم عندنا الآن هو النقل من الأدب الفرنسي إلى اللغة العربية (1).

وبعد عشر سنوات نشر مجدوب بن قلفاط ترجمة لقصص اختارها من الأدب الفرنسي، وجعل لها عنوانا هو (اختيار حكايات)، وقد ترجمها إلى العربية الدارجة. ونشرها في قسنطينة (2). ويظهر أن الهدف منها تعليمي - تجاري وليس ثقافيا - ما دامت الدارجة هي أداة التوصيل.

إن الترجمة من الفرنسية إلى العربية تحتاج إلى ثقافة واسعة باللغتين، ولا سيما اللغة العربية المنقول إليها. كما تحتاج إلى غيرة وطنية وإلى هدف محدد وهو خدمة اللغة المنقول إليها وأهلها. وذلك لا يكون بجهود فردية فقط، بل لا بد من دعم جماعي أو حكومي. وهو ما لم يتأت في الجزائر. فالجهود كلها كانت منصبة على النقل إلى الفرنسية وليس العربية، والثقافة العربية كانت وسيلة لخدمة الجهاز الفرنسي كله، وكانت الغيرة الوطنية غائبة عند معظم الذين تلقوا تعليما مزدوجا في العهد الفرنسي. وقد رأينا أن أفضل من آمن بالنقل إلى العربية عن الفرنسية قد تجنس وتخلى عن دينه وقومه. كما أن الجهود الجماعية والحكومية لخدمة الترجمة العربية كانت منعدمة.

وحتى في العهود المتأخرة من الاحتلال ظل الأمر كما كان. فالصحافة الوطنية كانت تكافح بنفسها في التوصل إلى الترجمات الضرورية، ولم تهتم بالترجمة الأدبية والعلمية والتاريخية. وكانت تكتفي بالمادة الخيرية. وقلما مد قصة أو خبرا علميا فيها مترجما بانتظام ودراسة عن المعارف الفرنسية. لكن مجلة كالشهاب أو جريدة كالنجاح كانت من وقت لآخر تترجم عن الفرنسية مواد غير سياسية أو خبرية. أما الأخبار العلمية العالمية فتشترك فيها الصحف كالبصائر والبلاغ. والعهد الذي ظهرت فيه مجلة افريقية الشمالية

(1) الأخبار، عدد 17 فبراو و 19 مارس، 1880. وعنوان القصة أو conte هو Barbe bleue واسم المؤلف Perrault .

(2)

سنة 1890، 175 صفحة. انظر نبذة عن حياته لاحقا.

ص: 196