المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الاندماج، التجنس، النخبة - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٦

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الفصل الأولالاستشراق والهيئات العلمية والتنصير

- ‌الاستشراق ومراحله

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌ مدرسة الآداب

- ‌أعمال المستشرقين

- ‌حياة بعض المستشرقين والمستعربين

- ‌اللجان العلمية

- ‌لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر:

- ‌لجنة الاحتفال المئوي بالاحتلال:

- ‌الجمعيات المتخصصة

- ‌المعاهد الجامعية

- ‌البعثات العلمية ومشاركة المثقفين الجزائريين فيها

- ‌الكنيسة والتنصير

- ‌نشأة الأسقفية

- ‌الأسقف بافي:

- ‌ لافيجري

- ‌شارل دي فوكو:

- ‌النشاط التنصيري منذ 1930:

- ‌الفصل الثانيالترجمة وظهور النخبة الاندماجية

- ‌مترجمو الحملة وغداتها

- ‌تنظيم فرقة المترجمين

- ‌المترجمون الجزائريون

- ‌تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة

- ‌الترجمة إلى العربية

- ‌الاتجاه الاندماجي - الاستغرابي

- ‌الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي

- ‌أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا

- ‌دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل

- ‌نماذج من المثقفين والاندماجيين

- ‌الفصل الثالثمذاهب وتيارات

- ‌(نعمة) الاحتلال

- ‌رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل

- ‌رأي لافيجري ولويس فينيون وآخرين

- ‌(فرق تسد)

- ‌معاداة العرب

- ‌ومعاداة البربر

- ‌التآمر على زواوة

- ‌الدعوة إلى تعلم الفرنسية ..وإلى التعلم عموما

- ‌وضع المرأة

- ‌الهجرة أو البقاء

- ‌الاندماج، التجنس، النخبة

- ‌الجزائر في الكتابات الفرنسية

- ‌اليهودية والصهيونية

- ‌الماسونية

- ‌الإسلام ووحدة الأديان

- ‌المثالية والاشتراكية

- ‌ إسماعيل عربان

الفصل: ‌الاندماج، التجنس، النخبة

يغيبون مؤقتا ثم يعودون بعلمهم. وأما العمال الذين كانوا يذهبون إلى فرنسا فقد كانوا في البداية يترددون على الجزائر، ثم أصبحوا يطيلون الإقامة ويستقرون في فرنسا. ومهما كان الأمر فإن الهجرة لم تعد تثير الجدل القديم بين العلماء حول وجوبها أو عدمه، وأصبحت هجرة في أغلبها من أجل العلم والعمل والحرية السياسية (1).

‌الاندماج، التجنس، النخبة

كثر الحديث عن الاندماج أثناء الاحتلال حتى كادت الكلمة تفقد مدلولها بل غاب معناها عن الأذهان أحيانا. فما هو الاندماج وهل تطور معناه؟

ترددت الكلمة كثيرا خلال القرن 19 في الصحف والنشرات والخطب الفرنسية. وكان المقصود بها عندئذ تطبيق النظم الفرنسية على فرنسي الجزائر من إدارة وتعليم وقوانين وانتخابات، وما إلى ذلك، بحيث يشعر الفرنسي في الجزائر كأنه في فرنسا نفسها. وبمعنى آخر دمج الفرنسيين (والمتجنسين الأوروبيين بالجنسية الفرنسية) في مجتمعهم الفرنسي بكل ما عليه وكل ما فيه. ولذلك بادرت الجمهورية الثانية (1848) إلى ربط المصالح الإدارية في الجزائر بمثيلاتها في فرنسا بالنسبة للفرنسيين فقط، فإدارة الداخلية في الجزائر أصبحت تابعة لوزارة الداخلية في فرنسا، وإدارة التعليم تابعة لوزارة التعليم، وهكذا. أما بالنسبة للجزائريين فقد بقي الأمر على ما هو عليه، فكانت تحكمهم إدارة عسكرية تابعة مباشرة لوزارة الحربية بفرنسا.

وكان مصدر التوتر الذي حدث بين المدنيين والعسكريين الفرنسيين، هو أن الحكم الفرنسي كان عسكريا منذ الاحتلال. فالحكم كان في يد الحاكم العسكري وكان يساعده حكام الأقاليم، وهم عسكريون، وتحتهم المكاتب العربية وهى عسكرية. وتبعا لذلك كانت المحاكم عسكرية ومدنية،

(1) عن دور المهاجرين فى المشرق وعلاقاتهم بالجزائر انظر فصل المشارق والمغارب.

عن دور المهاجرين فى المشرق وعلاقاتهم بالجزائر انظر فصل المشارق والمغارب.

ص: 368

والضرائب تجبى بطريقة عسكرية، والقوانين كلها تنفذ تحت إشراف الحاكم العام. وكانت الجزائر في حالة حرب مستمرة. وقد أحس المدنيون الفرنسيون (الكولون) أنهم بذلك كانوا يعاملون معاملة (الأندجين) أو الأهالي، فأخذوا يطالبون بتطبيق القوانين المدنية عليهم وخضوعهم لما يخضع له مواطنوهم الفرنسيون في بلادهم، وفصلهم في المعاملة عن الأهالي. ويعتبر موقف الجمهورية الثانية المذكور تنازلا كبيرا لهم، وهو الأول من نوعه. وبعد عشر سنوات (1858) وقع تنازل آخر أو تجربة أخرى حين جرب نابليون طريقة الحكم المباشر للجزائر فألغي منصب الحاكم العام وأنشأ وزارة مدنية في حكومته، وأنشأ في الجزائر مجالس الولايات، ولكن التجربة لم تدم سوى سنتين ثم أعاد منصب الحاكم العام العسكري وأبقى على مجالس الولايات. ولكن الكولون ظلوا في صراع مع الجنرالات، وازداد الصراع حدة حين كثر الحديث عن مشروع المملكة العربية أو إعطاء الجزائريين (ذاتية عربية) رشح لها نظريا الأمير عبد القادر.

وقد انتهى الصراع لصالح المدنيين على إثر سقوط نابليون وتغيير النظام إلى جمهوري. فمنذ 1870 حصل (الاندماج) الكلي بين الجزائر وفرنسا بالنسبة للكولون، فقد أصبحت مصالحهم مرتبطة مباشرة بالوزارات المعنية في بلادهم، وأصبح لهم نوابهم في البرلمان كمواطنيهم، وخضعوا لكل ما خضع له هؤلاء من قوانين. فكانت عملية الاندماج كاملة، وقد أطلق عليها أحيانا، (خلال الثمانيات) اسم (الإلحاق) ثم كللت عملية الاندماج هذه سنة 1898 بإنشاء الحكم الذاتي المالي. أما الجزائريون فقد اختلف وضعهم، ففي المناطق المدنية حيث الفرنسيون والنظام البلدي، خضعوا لقانون الأندجينا، وفي المناطق المسماة مختلطة أو عسكرية، كان الحكم في يد المكاتب العربية كالسابق.

وفي هذه الأثناء - بعد السبعينات - بدأ الحديث عن (إدماج) الجزائريين في المجتمع الفرنسي: هل هو ممكن؟ وبأية وسائل؟ بعضهم ظهر له أن الجزائريين لا يمكن دمجهم لاختلاف العادات والتقاليد وللأصول والدين

ص: 369

وكونهم، عند البعض، غير قابلين للتعلم والتقدم والتمدن. وظهرت عندئذ نظريات تقول إن الجزائريين ليسوا سواء في ذلك، فمنهم من هو قريب من الفرنسيين وله قابلية الاندماج معهم، مثل الزواوة. وقد عاشت هذه النظرية بعض الوقت، ثم بدأت تختفي على أساس أن الدين الإسلامي قد وحد بين الجزائريين، وهو يجعلهم غير قابلين للاندماج، مهما كان أصلهم (1). وكان الرأي الآخر يقول بإمكان دمج الجزائريين بطرق عديدة، ولكن ببطء، وذلك عن طريق المدرسة الفرنسية، وتغيير الحالة المدنية، وإلغاء النظام القبلي، والتنصير إذا اقتضى الأمر، والزواج المختلط، والتجنس، والخدمة العسكرية، والهجرة إلى فرنسا، وغير ذلك من الطرق. ولكن المؤمنين بالرأي الأخير (إمكانية الإدماج) يرون أنه لا يمكن دمج كل الجزائريين بالمراسيم كما حدث في تجنيس اليهود سنة 1870، ولا بإعطاء الجزائريين حق الانتخاب العام والتمثيل النيابي، بل لا بد من المرور بفئة قليلة وبالتدرج وهي فئة النخبة المتخرجة من المدرسة الفرنسية والقريبة في تفكيرها ونمط عيشها من الفرنسيين. وهناك رأي ثالث كان يقول بضرورة إبعاد الجزائريين جميعا عن المناطق التي يسكنها الفرنسيون وحصرهم في مناطق معينة في اتجاه الصحراء وفي نوع من المعسكرات أو المحتشدات أو المراكز السكنية حيث يظلون على نمط عيشهم القديم، على هامش الحضارة.

ويمكن القول إن الحديث عن إمكانية (الاندماج) الخاص بالجزائريين قد ظهر منذ 1891 على إثر زيارة لجنة التحقيق بقيادة جول فيري. فقد لاحظ وجود عناصر جزائرية بدأت تطالب بالحقوق وتؤمن بالتقارب مع الفرنسيين والاندماج في مجتمعهم. وهذه العناصر هي ما اصطلح على تسميته بالنسبة، ونحن نسميهم هنا (بالاندماجيين). وبينما كان أعيان المدن عندئذ يطالبون باحترام العادات والتقاليد الجزائرية، واسترجاع الأحكام للقضاة المسلمين، وتعليم اللغة العربية، وغير ذلك من المطالب التي كانت تهدف إلى الإبقاء

(1) عن هذه الآراء انظر الفقرات السابقة.

ص: 370

على الهوية الوطنية موازاة مع الهوية الفرنسية، كان الاندماجيون يكتبون عن إمكانات الاندماج مع الفرنسيين ويبحثون عن طرق التقارب بين الفرنسيين والجزائريين على أساس المستقبل الواحد والوطن الواحد. نجد ذلك في كتابات أحمد بن بريهمات والطيب مرسلي ولويس خوجة، خلال التسعينات (1)، ثم توسعت الدائرة وظهر فيها أمثال إسماعيل حامد، وأحمد بوضربة (الحفيد) وبلقاسم بن التهامي، والشريف بن حبيلس، وطالب عبد السلام وعباس بن حمانة (2). ثم جيل كامل من النخبة المتفرنسة.

إن الاندماج هنا ليس هو بالطبع الاندماج الذي كان يتحدث عنه الكولون خلال القرن الماضي. إن ذلك النوع من الاندماج قد تحقق لهم كما أرادوا وأصبحت الجزائر (فرنسية) على مقاسهم. ولكن الذي لم يتحقق رغم إلحاح المنادين به، هو إدماج النخبة الاندماجية وبواسطتها، كما كانت تظن، كل المجتمع الجزائري بعد أن يصل، كما وصلت، إلى درجة النخبوية. وكانت قمة التعلق بهذا الاندماج هو مشروع فيوليت سنة 1936، وهو المشروع الذي أدى فشله إلى خيبة أمل الاندماجيين وفشلهم أيضا. فقد رجع بعده بعضهم (إلى الشعب) مثل فرحات عباس ومن شايعه، وظل بعضهم متعلقا بالأوهام مثل ربيع الزناتي وابن جلول. ودخل بعضهم في الأحزاب

(1) هناك أفراد تجنسوا قبل ذلك، ومنهم أحمد بن الفكون (انظر عنه فصل الترجمة)، ومرسلي وبوضربة وربما بلقاسم بن سديرة (ومن هذه العائلة وجدنا اسمي شارل ولويس بن سديرة). أما معارضو التجنس في القرن الماضي فيمثلهم المكي بن باديس وابنه حميدة وصالح بن بوشناق وسعيد بن الشتاح. عن ذلك انظر فصل السلك الديني وفصول التعليم.

وكذلك كريستلو (المحاكم)، ص 243. ومنذ 1900 كتب أبو بكر عبد السلام بن شعيب (وهو من المزدوجين) أن الاندماج مضر بالأغلبية من المسلمين. ودعا إلى (التقارب) وليس الاندماج، في بحث قدمه للمؤتمر الأول للسيكولوجية الكولونيالية، باريس 1900، انظر أيضا قنان (نصوص)، 269.

(2)

اعتبرنا عباس بن حمانة من الاندماجيين لأنه رضي بالتجنيد الاجباري وذهب ضمن الوفد الاندماجى إلى باريس سنة 1912.

ص: 371

الفرنسية ليندمجوا من خلالها، كالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، بل إن بعضهم دخل في الحزب الفاشيستي.

وقد وقفت جمعية العلماء ضد هذا النوع من الاندماج، وكان لموقفها صدى واسع وعواقب كبيرة لصالح الحركة الوطنية. فعندما نفى فرحات عباس وجود أمة جزائرية أجابه ابن باديس بعبارات زعزعت من كانوا يعتقدون أن هذه الأمة قد اندثرت فعلا، وبنوا على ذلك أوهام الاندماج في أمة أخرى. (ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية [كما قال] ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها، وهي لا تريد أن تندمج)(1). ثم عرضت مجلة (الشهاب) بالتفصيل العوامل التي تجعل دمج الجزائر في فرنسا من المستحيل عمليا. وفي عدد لاحق نشر الشهاب قوله إنه (معتز بخطته، ثابت على مبادئه، وهو يتشرف بأن يكون ممثلا للقومية الإسلامية الجزائرية .. التي لن تفنى ولن تزول .. هي حركة أمة تريد أن تحفظ لنفسها وتصون ذكرى أسلافها وتحتفظ بمميزاتها وتراثها العتيق)(2).

وفي نفس الاتجاه كتب الشيخ أبو يعلى الزواوي في جريدة البصائر يستنكر الفرنسة والتنصير والتجنس. ورأى أن استعمال الأيتام والصبيان لنشر الفرنسية والتنصير بينهم وتحضيرهم للتجنس سيجعلهم (منبوذين) فلا هم نصارى

(1) العبارة نشرت في الشهاب، إبريل 1936 تحت عنوان (كلمة صريحة) ردا على فرحات عباس دون ذكره بالاسم. وقد اختلفت الآراء حول صاحب الكلمة. وكان المعتقد (وهي غير موقعة) أن صاحبها هو الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى أن نشر الشيخ أحمد توفيق المدني الجزء الثاني من مذكراته وفيه الكلمة الصريحة على أنها له. وكان الشيخ المدني يحرر في الشهاب بعض الأبواب. وجاء في كتاب محمود قاسم عن ابن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائري) ص 156، أن ابن باديس تحدث عن نفسه بأنه هو الذي كتب الكلمة. وما تزال المسألة بين أخذ ورد. ومهما كان الأمر فقد هاجم الفرنسيون عندئذ ابن باديس من أجلها عدة مرات، ولم ينكرها أو يعدل منها، ولم يتبنها أحد غيره عندئذ.

(2)

البصائر، عدد 19، نوفمبر 1937.

ص: 372

ولا هم مسلمون. واعتبر الحكومة الاستعمارية حكومة (مبيدة ومهلكة)، لأن (العرب الأهالي مجردون من كل سلاح مادي وأدبي، ومنعوا من خصائص الإنسانية من الاجتماع والنطق والكتابة، ولا حرية لهم في ذلك)(1).

إن الفكر الاندماجي لم يمت عند بعض الجزائريين فقد بقي حتى بعد الاستقلال ولكنه اتخذ غطاء آخر كالتمسك باللغة الفرنسية وعملية التثاقف المستمرة عن طريق الزيارات ووسائل الإعلام والزواج والبحث العلمي.

وهناك علاقة بين التجنس والاندماج. وقد كان الجزائريون قبل 1865 محتلين تعترف لهم الدولة المحتلة بدينهم وعاداتهم، لكنها لم تكن تعترف لهم بجنسية ولا يتمتعون عندها بحق المواطنة. وفي 1865 صدر مرسوم ينص على أن الجزائريين رعايا فرنسيون يدينون بالإسلام، ولكن ليس لهم حقوق في المواطنة الفرنسية. ومن ثمة لا يتمتعون بالحقوق المدنية كحرية الاجتماع والصحافة والتعبير، ولا بالحقوق السياسية كالانتخاب والترشح للوظائف السامية. ذلك أن المواطنة الفرنسية في نظر الفرنسيين غير متلائمة مع الشريعة الإسلامية، والمسلم الذي تحكمه الشريعة لا حق له في المواطنة سواء كان مثقفا أو جاهلا، غنيا أو فقيرا. ولكن يمكنه أن يصبح مواطنا فرنسيا إذا ما تخلى طواعية عن أحكام الشريعة الإسلامية ودخل تحت طائلة القانون الفرنسي، ولا سيما في أحكام الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والإرث والوصايا. ورغم ما يبدو في هذا المرسوم من إغراء بالتمتع بالحريات المدنية والسياسية والمواطنة، فإن الجزائريين فضلوا البقاء على حالة الرعية تحت أحكام الشريعة الإسلامية مع الحرمان من تلك الحقوق ومع تعسفات قانون الأهالي التي لا وصف لها، لأن التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية كان يعني الخروج عن الدين، وهو الردة والكفر عند المسلمين، وهو (التجنس) في مصطلح ذلك الوقت.

وإذا كان التجنس قد رفضه المسلمون عموما فقد كان غير محبب عند

(1) البصائر، عدد 31، 1367 هـ، وقد نشر ذلك أيضا في كتابه (جماعة المسلمين) ص 58.

ص: 373

الكولون أيضا. ذلك أنه يعني عندهم منافسة (الأهالي) لهم في حقوقهم الكثيرة، ويعني ذلك أيضا أن ثلاثة ملايين من الأهالي (سنة 1865) سيطغون على حوالي خمسمائة ألف من الأوروبيين (نصفهم من الفرنسيين) وبذلك سترجع الجزائر إلى الأهالي بحكم الأغلبية والمواطنة. فكانت معارضة الكولون شديدة للتجنس الفردي للمسلمين، وكانت أشد من ذلك بالنسبة لتجنسهم الجماعي. وكانت هذه من القضايا التي التقي فيها رفض الجزائريين ورفض الكولون، ولكن لدوافع مختلفة.

غير أن التجنس الفردي، قد حدث. وكانت له شروط ضيقة لا تسمح لكل راغب أن يحصل عليه. وأهم الشروط هي الولاء المطلق لفرنسا وخدمتها والتثقف بلغتها، وحيازة الملكية، وحسن السيرة والسلوك في نظر الفرنسيين. وبناء على ذلك لم يتقدم أو بالأحرى لم يحصل على المواطنة الفرنسية إلا عدد ضئيل جدا بين 1865 و 1914 (1). وإلى جانب الشروط القانونية، ومعارضة الكولون، هناك معارضة الرأي العام الجزائري للتجنس أيضا. فقد كان الرأي العام يسمى المتجنس (المطورني) أو المرتد عن دينه، وكان المتجنسون منبوذين في المجتمع المسلم، سيما وأن الذين تجنسوا كانوا من صف معين في الغالب، وهم أولئك الذين خدموا في الجيش الفرنسي، أو عملوا في مصالح الترجمة في الإدارة أو الجيش أو المحاكم، أو من الذين تخرجوا من مدارس الآباء البيض.

وبعد ضغط الرأي العام ضد التجنس وظهور حركة الأمير خالد التي بنت مطالبها على نيل الحقوق السياسية (المواطنة) دون التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية، تراجع التجنس أيضا، وأصبح الذين يرغبون فيه يشترطون عدم مطالبتهم بالتخلي عن الشريعة أسوة باليهود الذين حصلوا على التجنس

(1) حسب إحصاء سنة 1876 كان عدد المتجنسين سبعة عشر فردا فقط. وبين 1865 - 1874 بلغ عدد المتجنسين 458 فردا. انظر (حكومة ألبير قريفي)، ص 36، وكذلك (حكومة الجزائر العامة) في عهد الجنرال شانزي، الجزائر 1877، ص 9 - 14.

ص: 374

بالجنسية الفرنسية أو المواطنة دون شروط. ومن جهة أخرى كان الكولون، كما ذكرنا، يخشون من التجنس الجماعي للمسلمين لأنه يحرمهم (الكولون) من امتيازاتهم كأقلية محظوظة، ولذلك استمروا في معارضتهم الشديدة له. وكان لهم دور في إفشال مشروع فيوليت الذي قام على إعطاء المواطنة الفرنسية للنخبة فقط دون مطالبتهم بالتخلي عن الشريعة الإسلامية.

وخلال الثلاثينات وقف زعماء جمعية العلماء ضد التجنس مطلقا سواء للنخبة فقط أو لكل الجزائريين. وقد اشترك في ذلك الشيوخ: ابن باديس والإبراهيمي والعقبى والميلي والتبسي وغيرهم. وهاجموا أيضا، محاولات التأثير على علماء تونس ليفتوا بإباحة التجنس، مثل الشيخ الطاهر بن عاشور الذي قيل إنه مال إلى ذلك، وقد اشترك في الهجوم عليه ابن باديس والإبراهيمي والعقبى. وظهرت ردود ضد التجنس من علماء الزيتونة وعلماء القرويين. وقد أفتى هؤلاء جميعا بأن المتجنس مرتد عن دينه، وأن حكم المرتد هو الكفر، ومن ثمة لا يمكن للمتجنس أن يرث أو يدفن في مقابر المسلمين ولا أن يتزوج على طريقتهم، وإن ذلك يسري على أولاده، وإذا أراد التوبة فعليه أن يخرج من البلاد التي دخل في قوانينها وأن يعلن توبته صراحة.

وبالطبع لم ترض هذه الفتوى التي اشتهر بها ابن باديس (سنة 1938) الفرنسيين ولا الراغبين في التجنس. فقد ثارت ثورتهم ضد ابن باديس وضد جمعية العلماء، واعتبروا المسألة سياسية. وأطلقوا العنان لصحفهم ضد الفتوى وصاحبها. وكان ابن باديس فيما يبدو يقصد ذلك، أي أنه كان يعلن عن موقف سياسي/ ديني يحفظ للجزائر هويتها. وقد صدرت تلك الفتوى في وقت كانت فيه فرنسا تجمع شتاتها وتجند أتباعها لمواجهة الموقف الدولي المنذر بالحرب. ولذلك اتهمت حتى جمعية العلماء بأنها كان تعمل لحساب الفاشيست والدول الخارجية (1).

(1) انظر البصائر، 19 نوفمبر 1937.

انظر البصائر، 19 نوفمبر 1937.

ص: 375

وقد سلطت فرنسا مختلف الوسائل ضد الجمعية ورجالها الذين أفتوا ضد التجنس والاندماج. وحركت ضدها بعض المتجنسين أيضا. وقام الحاكم العام (لوبو) سنة 1937 بعزل إمام جامع دلس، لأنه رفض الصلاة على أحد المتجنسين، (واسمه أوسعدة)، فجاء رئيس جمعية المتجنسين في الجزائر، ويدعى سعدى أوأكلى، ليؤيد الحاكم العام في ذلك، ويعلن أن أمثال هذا الإمام كان يؤمن بوطنية بعيدة عن الجزائر، وهي الحركة الإسلامية، وأعلن أواكلي أن أوسعدة كان شاوشا في بلدية دلس وأنه قد خدم فرنسا بإخلاص (1). وكتب السيد مهندس يستنكر أعمال (جمعية العلماء التخريبية) وقال إنها انقسمت بين المتطرفين المتعصبين بقيادة ابن باديس والواقعيين العقلاء بقيادة العقبى (انظر مسألة البرقية)، وأن ابن باديس وأنصاره لم يحركوا ساكنا أمام الخطر الذي كان يهدد الحضارة العالمية (يعني الوقوف ضد هتلر وموسوليني) وأنهم ظلوا متمسكين بفكرة الجهاد الذي يعني في الجزائر الحرب الأهلية (2). وبعد سنة، بل عشية الحرب (يونيو 1939) كتبت نفس المجلة بأن جمعية العلماء والحركة المصالية هما العدوان الحقيقيان لفرنسا في شمال إفريقية. لقد أكدت كتابات ابن باديس أن الجزائر لن تكون فرنسا وأن المتجنسين خارجون عن الدين. وهاهم (أنصار ابن باديس) ينادون يوميا بالثأر للإسلام (3).

ومهما كان الأمر فإن قانون التجنيس المشروط بالتخلي عن الشريعة الإسلامية قد ألغى سنة 1947، وجاء في القانون الجديد أن الجزائري مواطن فرنسي مع المحافظة على الحالة المدنية الإسلامية، وأصبح الجزائري منذ 1947 يدعى (فرنسي مسلم) بدل (رعية فرنسي). ولا شك أن ذلك يعتبر

(1) إفريقية الفرنسية. AF، ديسمبر 1937. انظر أيضا ما كتبناه عن الاندماجيين في فصل آخر.

(2)

إفريقية الفرنسية، نوفمبر 1938. واضح أن السيد مهندس كان يستفز الإدارة لاتهام العلماء بالخيانة والفتنة.

(3)

نفس المصدر، جوان 1939.

ص: 376

هزيمة لأنصار الاندماج عن طريق التجنس وانتصارا لأنصار الهوية الوطنية والمحافظة على الذاتية الإسلامية، كما يسميها ابن باديس.

ومع ذلك فإن الإحصاءات تدل على (تقدم) التجنس بل ومضاعفة عدد المتجنسين بين الحربين. وإليك ما نشره علي مراد في الموضوع بين 1920 - 1938 (1):

السنة

عدد المتنجنسين

1920

17

1930

152

1922

56

1932

127

1924

29

1934

155

1926

67

1936

142

1928

38

1938

190

أما الزواج المختلط فقد كان موجودا، كما عرفنا، ولكنه كان محدودا، فقد وجد بين الجزائريين والفرنسيات حتى قبل الاحتلال، كما رأينا في حالة أحمد بوضربة. وبعد الاحتلال بدأ يشيع بين الذين وظفهم الفرنسيون من الحضر، مثل مصطفى بن عمر وحمدان بوركايب. ثم أخذ يشيع بين بعض القادة الدينيين مثل زواج أحمد التجاني من أوريلي بيكار، وزواج الآغا

(1) المصدر: علي مراد (الإصلاح الإسلامي)، ص 405 عن إحصاءات الحكومة العامة بالجزائر، سنوات 1920 - 1938. ويقول علي مراد إن ربيع الزناتي كان بطل الدعوة إلى الاندماج منذ 1929، وإنه اعتبر الاحتفال المئوي بالاحتلال (1930) هو عيد 14 يوليو (الفرنسي) بالنسبة للجزائريين، لأنه رمز للتحرر ونيل الحقوق والحرية من الاستبداد. ونرى أن العدد الاجمالي للمتجنسين كان ضئيلا بالنظر إلى حجم السكان.

ص: 377

حمزة بن بو بكر من أولاد سيدي الشيخ من فيري FERET ابنة قائد مشاة فرنسي. وزواج عبد القادر بن داود (زعيم الدوائر) من تيريز ماس (1). وبالطبع هناك فئة الاندماجيين الذين تزوجوا في أغلبهم من فرنسيات أمثال ابن التهامي، وبوضربة (الحفيد) ومرسلي. وقد ذكرنا ذلك في محله. ومنذ الحرب العالمية الأولى شاع الزواج المختلط أيضا بين الطلبة الدارسين في فرنسا والفرنسيات والعمال العاملين هناك، ومنهم فرحات عباس ومصالي الحاج وابن نبي وسعدان. وفي نفس الوقت تزوج الفرنسيون بعض المسلمات، ومنهم من أسلم من أجل الزواج منهن، ولكن بعضهم تزوج مسلمات دون أن يتخلى عن دينه. ومن الصف الأول توماس (إسماعيل) عربان الذي تزوج امرأة مسلمة من قسنطينة، وكان قد اعتنق الإسلام في مصر. وقد قيل إن العقيدين: بيليسيه، ودي نوفو، قد تزوجا من مسلمتين. وتدل الإحصاءات المتأخرة على أن الزواج بين المدنيين الفرنسيين والمسلمات كان شائعا أيضا.

وإليك بعض الإحصاءات:

1) بين المسلمين والفرنسيات هناك 483 حالة خلال سنوات 1930 - 1953، موزعة هكذا: عنابة 96 حالة، قسنطينة 83 حالة ما بين 1932 - 1953؛ ووهران 75 حالة خلال سنوات 1939 - 1953، والعاصمة 229 حالة خلال نفس المدة.

2) بالنسبة لزواج المسلمات بالفرنسيين هناك مجموع 250 حالة منها 28 في عنابة خلال 1930 - 1953، و 30 حالة في قسنطينة خلال 1932 - 1953، و 39 في وهران خلال 1939 - 1953، و 53 حالة في العاصمة خلال نفس الفترة.

(1) عن زواج حمزة بن بكر انظر هنري قارو (الحركة الإسلامية) في (مجلة الجزائر وشمال إفريقية) 1906، ص 174. وعن زواج عبد القادر بن داود انظر نفس المصدر، سنة 1907 مقالة لبوسكي عنه. انظر (التقويم الجزائري) للشيخ كحول سنة 1912 عن زواج إبراهيم بن عبد الجليل شيخ زاوية دلول الطيبية، فقد تزوج فرنسية وهي ابنة مدير الضرائب، أثناء سياحة إبراهيم فى فرنسا.

ص: 378