المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الفصل الأولالاستشراق والهيئات العلمية والتنصير

- ‌الاستشراق ومراحله

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌ مدرسة الآداب

- ‌أعمال المستشرقين

- ‌حياة بعض المستشرقين والمستعربين

- ‌اللجان العلمية

- ‌لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر:

- ‌لجنة الاحتفال المئوي بالاحتلال:

- ‌الجمعيات المتخصصة

- ‌المعاهد الجامعية

- ‌البعثات العلمية ومشاركة المثقفين الجزائريين فيها

- ‌الكنيسة والتنصير

- ‌نشأة الأسقفية

- ‌الأسقف بافي:

- ‌ لافيجري

- ‌شارل دي فوكو:

- ‌النشاط التنصيري منذ 1930:

- ‌الفصل الثانيالترجمة وظهور النخبة الاندماجية

- ‌مترجمو الحملة وغداتها

- ‌تنظيم فرقة المترجمين

- ‌المترجمون الجزائريون

- ‌تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة

- ‌الترجمة إلى العربية

- ‌الاتجاه الاندماجي - الاستغرابي

- ‌الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي

- ‌أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا

- ‌دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل

- ‌نماذج من المثقفين والاندماجيين

- ‌الفصل الثالثمذاهب وتيارات

- ‌(نعمة) الاحتلال

- ‌رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل

- ‌رأي لافيجري ولويس فينيون وآخرين

- ‌(فرق تسد)

- ‌معاداة العرب

- ‌ومعاداة البربر

- ‌التآمر على زواوة

- ‌الدعوة إلى تعلم الفرنسية ..وإلى التعلم عموما

- ‌وضع المرأة

- ‌الهجرة أو البقاء

- ‌الاندماج، التجنس، النخبة

- ‌الجزائر في الكتابات الفرنسية

- ‌اليهودية والصهيونية

- ‌الماسونية

- ‌الإسلام ووحدة الأديان

- ‌المثالية والاشتراكية

- ‌ إسماعيل عربان

الفصل: ‌الهجرة أو البقاء

عموما تخوض في هذه الموضوعات محبذة أو ناقدة، كما رأينا في كتابات محمد سعيد الزاهري.

ولكن المرأة الجزائرية الحقيقية كانت كالمرجانة الصافية تنتظر الخلاص على أيدي الحركة الوطنية وليس على أيدي الليكس وابن عابن وبوجيجا وروش. وقد جاءها الخلاص يوم أن خرج المرجان من أصدافه طاهرا طهورا مع فجر ثورة نوفمبر. وعندئذ كشفت المرأة الجزائرية عن هويتها ففاجأت كل الباكين عليها بكاء التماسيح.

‌الهجرة أو البقاء

سال حبر كثير حول وجوب الهجرة من الجزائر أو عدمه بعد تغلب الفرنسيين (الكفار) على المسلمين فيها. وقد انقسم أهل العلم والرأي في ذلك ثلاثة أقسام على الأقل: من يقول بوجوب الهجرة مطلقا لعدم وجود الحكومة الإسلامية، ومن يقول بعدم الهجرة ما دام الفرنسيون قد سمحوا بإقامة الشعائر الإسلامية، ومن يفصل ويقول إن الهجرة واجبة على المستطيع سواء منع الفرنسيون إقامة الشعائر أو سمحوا بها، ولكن بعد تصفية الديون وترتيب حياة العائلات وبيع العقار، أي أن النية في الهجرة والإقامة مؤقتة فقط.

والواقع أن الهجرة الجماعية من المدن التي احتلها الفرنسيون أول مرة، كالعاصمة ووهران وتلمسان ومعسكر وعناية وبجاية، لم ينتظر أصحابها فتوى العلماء ولا حكم الشريعة. لقد حمل القادرون أولادهم وأرزاقهم التي خفت وارتحلوا برا وبحرا، وشرقا وغربا، كما يقول محمد بن الشاهد. وقد هاموا على وجوههم حتى لا تحكمهم قوانين الفرنسيين ولا يخضعون لأحكامهم. وقد نقص عدد سكان العاصمة وحدها بحوالي الثلثين، وفيهم أصحاب الثروة والحرف والعلم. ويقول اس الشاهد (1) الذي

(1) تولي الفتوى في آخر العهد العثماني. وله شعر غزير وقوي. ومن شعره قصيدته في رثاء الجزائر بعد احتلالها. وقد تداولها الكتاب ونشرها بول فانسان بعد ترجمتها، =

ص: 356

عجز عن الارتحال، وأصيب بالعمى وكبر السن، وكان من الشعراء البارزين وأصحاب الفتوى: أن (الحل الكثير من ذوي الأموال سافر من هذه البلدة (الجزائر) براء وبحرا، شرقا وغربا، كما هو مشاهد محسوس لكل أحد). أما الباقون فاختلفت أسباب عدم هجرتهم. وقد فرغت مدن كاملة من سكانها مثل وهران وبجاية وعنابة عند الاحتلال، ومع ذلك زعم الفرنسيون فيما بعد أن الجزائر كانت بدون سكان مدن.

إن العلماء الذين أفتوا بالهجرة من البلاد التي تغلب عليها الفرنسيون استندوا إلى آيات وأحاديث ووقائع تاريخية، كهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهجرة أهل الأندلس، والتجارة في بلاد غير المسلمين (دار الحرب). وهناك حجج لهم يستندون إليها. ونود أن نذكر أن المقصود بالهجرة عندما طرحت خلال الثلاثينات من القرن الماضي، هو الخروج من المنطقة التي تغلب عليها الفرنسيون إلى منطقة أخرى ما تزال تحت الحكم الإسلامي، كالمناطق الواقعة تحت حكم الأمير عبد القادر. وقد جعل الأمير حماية المسلمين من الأحكام الصارمة في كل معاملاته مع المسلمين ومع الفرنسيين، وطبق الأحكام الإسلامية وقوانين الحرب على رعاياه من جهة وعلى المسلمين الواقعين تحت حكم الفرنسيين من جهة أخرى. وكان على هؤلاء المسلمين في نظره أن يخرجوا من ربقة الفرنسية لكين يكون هو الحامي الوحيد لهم. وكان هدفه أيضا هو عزل الفرنسيين وقطع المسلمين التعامل معه إلا بتعليماته، إضعافا لهم وإكراههم على الخروج من الجزائر أو إقامة العلاقات معه والاعتراف به هو كسلطة إسلامية وحيدة في البلاد.

والجدل الذي نشأ حول الهجرة بين بعض العلماء عندئذ إنما مصدره هذه الفكرة، وهي تجمع المسلمين تحت راية الأمير ورفض الحكم الفرنسي وتوحيد الصف، وليس المقصود به مغادرة القطر الجزائري إلى بلدان أمامية

= في المجلة الآسيوية. انظر دراستنا عنها في كتابا (تجارب في الأدب والرحلة)، 1982، وكذلك فصل الشعر. وقد توفى ابن الشاهد حوالى 1252 (1837).

ص: 357

أخرى. والمعروف أن عددا، من أعيان وعلماء الجزائر قد (هاجروا) إلى حكم الأمير من مختلف أنحاء الجزائر، ولاسيما من العاصمة. ومن هؤلاء قدور بن رويلة وصهره علي بن الحفاف. ومن العلماء الذين بقوا في الجزائر عندئذ المفتي مصطفى بن الكبابطي ومحمد بن الشاهد. ويبدو أن الجدل الذي دار بين هؤلاء كان قبيل معاهدة التافنة (1837). ولعل كاتب الأمير، ابن رويلة، هو الذي فجر الموضوع بدعوى العلماء للهجرة واحتجاجه بفتوى أحمد الونشريسي في كتاب المعيار، والمعروفة بعنوانها (أسنى المتاجر). والغالب على الظن أن ابن رويلة لم يكتب ما كتب إلا بموافقة الأمير. وقد تولى المفتي الكبابطي الرد عليه وتبرير عدم الهجرة بكون الفرنسيين لم يمنعوا المسلمين من العبادة وكون العامة في حاجة إلى العلماء ليعلموهم مبادئ الدين.

دارت عدة مراسلات في هذا الشأن بين الطرفين، ووصلت أحيانا، إلى حد الاتهامات الشخصية بدل الاحتجاج الديني. وتدل المراسلات على معرفة سابقة بين المفتي الكبابطي وابن رويلة. وهذا ليس غريبا. لأن الكبابطي كان قاضيا ثم مفتيا منذ الاحتلال، وكان معروفا لابن روميلة قبل التحاقه (ابن رويلة) بخدمة الأمير. ومن ذلك التنابز أن المفتي عاتب ابن رويلة على استعماله عبارة (المعظم الأمجد) في مخاطبة رؤساء الفرنسيين. وقد رد ابن رويلة على ذلك بأنه فعلا كان يكتب ذلك قبل أربع سنوات، وكان يكتب ما كتب باسم الأمير، إلى أن نهاه الأمير عن استعمال عبارات مثل هذه في مراسلات، (فتاب) ولم يرجع إليها، وتحداه أن يجد عنده عبارة أخرى غير (إلى عظيم الجنرالات ..) منذ ذلك الحين (1). وقد رد ابن رويلة بعد ذلك على لائميه ردا حاسما بذكره عشرة نقاط كل واحدة منها تدل على خضوع العلماء، أمثال الكبابطي، للفرنسيين مما كان يؤدي في نظره إلى الكفر، ومنها توديع جيوشهم عند خروجهم لمحاربة المسلمين، واستقبالها بعد

(1) يفهم من كلام ابن رويلة أن المحرض على هذا (القول الشنيع) ضده هو مصطفى بن المرابط صهر المفتي ابن الكبابطي.

ص: 358

رجوعها ظافرة، والتهنئة بمواليدهم، وحضور حفلاتهم، وتقديم البلغة الصفراء لهم عند دخولهم المساجد .. أما عن الهجرة فقد قال ابن رويلة مخاطبا المفتي الكبابطي: لعلكم ظننتم أن الله لا يعبد إذا خرجتم من الجزائر وأن شريعته لا تطبق (1).

ورغم تمسك الكبابطي بعدم الهجرة فإنه قد وجد نفسه مجبرا عليها سنة 1843، أي بعد حوالي سبع سنوات من دفاعه القوي على البقاء ما دام الفرنسيون قد سمحوا بالعبادة. ويبدو أنه كان مقتنعا بالبقاء والمقاومة بمختلف الوسائل، وكان يعرف ما حصل لأهل الأندلس، وهو منهم، الذين لم يهاجروا. وأثناء مقاومته لتدخلات الفرنسيين في الشؤون الدينية واستيلائهم على الأحباس وإدخالهم اللغة الفرنسية في الكتاتيب القرآنية، اصطدم مع إدارة المارشال بوجو، فحكم عليه بالنفي إلى جزيرة سان مرغريت (فرنسا)، ثم سمح له بالإقامة في مصر، حيت توفي بالا، سكندرية (2). من عجائب الزمن أن ابن رويلة أيضا. قد مات في المنفى، وأن ابنه الذي خطفه الفرنسيون، قد

قتل في ثورة أولاد سيدي الشيخ (سنة 1864).

وقد انتصر علي بن الحفاف لصهره ابن رويلة أثناء هذه الخصومة. ونحن نعرف أن ابن الحفاف هذا قد رجع إلى الجزائر وأعيدت إليه بعض أملاكه ووظفه الفرنسيون على أساس أنه من أعيان العلماء، بناء على فكرة وهي أن من جاءهم طائعا من الجزائريين سيخلص في خدمته فهو أفضل من غيره، رغم أنهم أقروا بعداوته لهم. والغريب أيضا أن ابن الحفاف الذي تولى القضاء والفتوى وحج بيت الله، قد ظل يحلم بالهجرة من الجزائر ولم تطب نفسه للإقامة بها تحت الفرنسيين حتى بعد أن طال مكثه في الوظيفة. وقد صارح بذلك الشيخ محمد بيرم الخامس عند زيارته الجزائر

(1) انظر النص في قنان (نصوص سياسية)، ص 119 - 121 عن مخطوط المكتبة الوطنية، رقم 2083.

(2)

انظر دراستنا عنه في كتابنا (أبحاث وآراء)، ج 2.

ص: 359

حوالي 1878، فنصحه بيروم بالبقاء خدمة للدين والعامة، وقد توفي في الجزائر سنة 1307 هـ (1).

أما محمد بن الشاهد فقد فصل القول في قضية الهجرة، وكان يرد على صاحب رسالة غير مذكور، ولكننا نرجح أنه هو قدور بن رويلة أيضا. وخلاصة رأي ابن الشاهد أن الهجرة المطلقة إنما هي واجبة على من لم يتمكن من إقامة شعائر دينه وكان قادرا على الهجرة، أما العاجز عنها بدنيا أو ماليا فلا تجب عليه. وأورد أدلة عديدة، منها أقوال بعض المفسرين، وحكم الفقهاء بكراهية التجارة في دار الحرب دون التحريم، وذكر هجرة الصحابة إلى الحبشة، وهي دار حرب عندئذ، لتمكنهم من العبادة فيها. وذكر أن علماء الأزهر الشريف لم يهاجروا عندما استولى الفرنسيون (الكفار) أنفسهم على مصر سنة 1798. ولو هاجر العلماء وهم أطباء الأديان، لبقى العامة بدون مرشدين.

واعترف ابن الشاهد بأن كل الظروف كانت تجبر على الهجرة، ولكن وقتها لم يحن بعد بالنسبة للبعض. فالفرنسيون قد هدموا المساجد وبعثروا المقابر واستولوا على الأحباس. ولكنه صرح بأن المساجد ليست هي الدين، وأن العبادة ممكنة في أي مكان مناسب. ثم إن البقاء مع الكفار لا يعني الرضى بحكمهم وإنما العجز هو الذي فرض ذلك. وقال قولته الشهيرة:(كيف يتصور في أذهانكم أننا نرضى بالكفر ونحب معاشرة أهله، وقد غلت أسعارنا، وتقطعت صنائعنا، وانهدمت حوانيتنا، وتعسرت مكاسبنا، وحفرت مقابرنا، ونبشت ضرائح أوليائنا، وما حصلت هذه الأشياء إلا بسبب دخوله؟ وأي عز لنا في هذه الأشياء حتى نرضى بها؟ والله الذي لا إله إلا هو: نحن إذا أصبحنا لا نريد أن يمسي معنا، وإذا أمسينا لا نرد أن يصبح معنا).

إن الناس فئات. والطلبة (العلماء) الذين ذكرهم صاحب الرسالة، ليس لهم مال يهاجرون به. لأن موردهم الأساسي هو الأحباس. وقل من له دار أو

(1) انظر عن ابن الحفاف فصل السلك الديني والقضائي.

ص: 360

حانوت، ولا يعدو دخلهم بضع دينارات لا تكفي لعيشهم، فما بالك بالهجرة. وعامة الناس حكمهم حكم الطلبة أيضا، فهم فقراء أو عاجزون. وأما من له مال وبقي إلى الآن فأسباب بقائه مختلفة، فإما كان له عقار يريد بيعه ولم يتيسر له ذلك، وإما له ديون يريد تحصيلها قبل الهجرة، وإما له عائلات كبيرة ينتظر الوقت لتنظيم أمورها. ثم إن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تحدث دفعة واحدة. ويفهم من هذا الكلام أن ابن الشاهد وأمثاله الباقين تحت حكم الفرنسيين أنهم جميعا كانوا على أهبة الهجرة، ولكنها مسألة وقت فقط، فهو يقول: (الناس قاطبة على نية الارتحال والخروج. كل يتربص وينتظر الوقت

هذا حاصل مكثنا في هذه البلدة) (1)، ورغم هذه النية، فإن ابن الشاهد قد أدركه الموت قبل تحقيقها. ومن العائلات التي هاجرت بعد ذلك إلى بلاد الشام عائلة مصطفى بن المرابط المذكورة.

وفي رسالته المعنونة (حسام الدين لقطع شبه المرتدين) أجاب الأمير عبد القادر إجابة صريحة بوجوب الهجرة من البلد الذي غلب عليه الفرنسيون. ويقصد الهجرة أو الخروج إلى المناطق التي كانت تحت سلطته. وقد كتب الرسالة المذكورة سنة 1843، والغالب على الظن أنها كانت قبل الاستيلاء على الزمالة في نفس السنة. وقد عزز رأيه أيضا بآراء المفسرين وبالأحاديث وأقوال المغيلي وابن الحاج والونشريسي. ورد الأمير اعتذارات المعتذرين بعدم الهجرة مهما كانت الأسباب، بما في ذلك الخوف علن العائلة والرزق، والخوف من الجوع. واعتبر الأمير أن مال المسلم المقيم مع الكفار مال مباح لأنه ليس ماله. ورد على العلماء الجهلة في نظره القائلين (بمهادنة) العدو، لأن المهادنة في الحقيقة مخصوصة بالإمام أو نائبه وليس لعامة الناس، لأن أحكام العدو سارية على المسلمين، فكيف يهادنونه (2)؟

(1) رسالة ابن الشاهد في قنان (نصوص)، ص 136 - 141. وقد عالج محمد بن عبد الكريم موضوع الهجرة في كتاب نشره بعنوان (حكم الهجرة)، وجاء فيه بآراء ونصوص العلماء المذكورين (ابن الشاهد، ابن رويلة، الكبابطي، ابن الحفاف).

(2)

ذكر ذلك محمد بن الأمير عبد القادر في (تحفة الزائر)، ط. 1903، ج 1، ص 441. =

ص: 361

ويذكر مترجمو الأمير أنه فكر في حمل جميع المسلمين في الجزائر على الهجرة نحو البقاع المقدسة (1).

رغم أن كثيرا من العلماء ورجال الدين قد اختاروا الهجرة نحو المشرق، سيما بعد هزيمة الأمير عبد القادر، ثم في عهود متوالية، فإن هناك من كان منهم ضد الهجرة مهما كانت الأسباب. ومن هؤلاء بعض المتصوفة وعلماء الأرياف. ومنهم من هاجر ثم رجع زائرا أو مقيما وتولى الوظائف للفرنسيين أنفسهم. وقد ذكرنا ذلك في تراجم بعضهم. ويذكر أحد الكتاب أن الحاج البشير بن حواء الغريسي (معسكر) أحد تلاميذ الشيخ عدة بن غلام الله، قد استشاره بعض أقاربه في الهجرة إلى الشام فثبطهم ورغبهم في البقاء، وأورد لهم حكاية محتواها أنه إذا كان الملك في الشام وابنته في معسكر وهجم العدو على ابنته فهل الأفضل لسكان معسكر الدفاع عن ابنة الملك وتخليصها من العدو أو الهرب بأنفسهم إلى بلاد الملك (يقصد بالملك الرسول، والبنت هي الشريعة الإسلامية)(2).

ويرى أحد المتصوفة، وهو الشيخ الحبيب بن سيدي موسى العامري - من بني عامر - أن الهجرة الصورية (البدنية) قد انقطعت ولم تعد واجبة، أما الهجرة الروحية فهي باقية بقاء الدنيا. وكان الشيخ الحبيب من رجال التصريف، كما قيل، وحبذ الخروج إلى سبخة وهران عند هجرة قبيلته الشهيرة، بني عامر، إلى المغرب الأقصى. ولما رجعت القبيلة بعد هزيمة الأمير عبد القادر رجع هو أيضا واجتمع الشمل. وقد توفي الشيخ الحبيب سنة 1287 هـ (3).

ويبدو أن الأمير عبد القادر قد غير موقفه بعد هزيمته وسجنه وإقامته في

= انظر أيضا قنان (نصوص)، ص 142. والمقصود بالإمام هو الحاكم أو السلطان.

(1)

شارل هنري تشرشل (حياة الأمير عبد القادر)، ط. 2، 1982، ترجمتنا له.

(2)

الهاشمي بن بكار (مجموع النسب)، ص 136.

(3)

جاء ذلك فى مخطوط ك 48، الخزانة العامة الرباط.

ص: 362

المهاجر. فلا نعلم أنه شجع على الهجرة بعد 1847. بالعكس فقد وجدنا بعض أفراد عائلته كالطيب بن المختار، وآل طالب، قد رجعوا إلى الجزائر بعد أن هاجروا منها. وكان رجوع بعضهم بنصيحة منه. ونسب إليه أنه نصح، وهو بالشام، أحد الأصدقاء الذي سأله عن الهجرة بأن (لا تسمع لقول من يقول: اذهب إلى القدس تقدسك، فاعلم أن الرجال تقدس البقاع، وليست البقاع تقدس الرجال) (1).

وعندما كان كتاب الأمير يدعون المسلمين، ولا سيما العلماء والطلبة، إلى الهجرة من المناطق التي استولى عليها الفرنسيون، كان ليون روش، الذي كان يتجسس على الأمير، يتابع المراسلات ويطلع على ردود الأفعال. وعند استئناف الحرب مع الفرنسيين (1839) وجد ليون روش الفرصة للهروب من حاشية الأمير إلى الماريشال بوجو. وقد كشف له في تقاريره عن عورات المسلمين ولا سيما مخططات الأمير وأسراره. ومن ذلك أن المسلمين كانوا يعتبرون الأرض الواقعة تحت الإدارة الفرنسية دار حرب يجب الخروج منها. وكان ذلك هو أساس حركة الجهاد عندهم. ولمقاومة هذه الحركة صاغ الفرنسيون (فتوى) وحملها ليون روش نفسه إلى علماء المسلمين ليفتوا الجزائريين بناء عليها، ومفادها أن الجزائر لا تعتبر دار حرب ولا تستوجب الجهاد ما دام المسلمون قد بذلوا الجهد في الدفاع عنها وعن الإسلام ثم عجزوا عن طرد الكافر، ثم إن هذا الكافر نفسه قد ترك لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية. فعليهم إذن أن يرضوا بحكم النصارى وأن يمارسوا الإسلام، طبقا لأحكام الشريعة نفسها.

هذه (الفتوى) الغريبة حررها بعض الموالين لفرنسا من شيوخ التصوف، ومنهم، كما جاء في (مجلة العالم الإسلامي) الشيخ محمد التجاني، ومقدم الزاوية الطيبية، ثم أعدت السلطات الفرنسية بعثة فيها هؤلاء الشيوخ أو نوابهم، ورافقوا سنة 1841، ليون روش الذي غير اسمه ليصبح

(1) ابن بكار، مرجع سابق، ص 136.

ص: 363

(الحاج عمر) وتوجهوا أولا إلى القيروان فوافق عليها مفتي الجامع الكبير هناك، ثم القاهرة، حيث وافق عليها بعض شيوخ الأزهر الشرف، ثم مكة المكرمة حيث وافق عليها مجلس العلماء، الذي انعقد في الطائف تحت رعاية شريف مكة. وقد وافق هؤلاء العلماء، كما جاء في كتاب ليون روش، على أن الجهاد لم يعد واجبا على مسلمي الجزائر، لأنه من باب إلقاء بالنفس إلى التهلكة (1). ونعلم أن السلطات الفرنسية قد روجت لهذه الفتوى في الجزائر كسلاح ضد المقاومة وحركة الجهاد، فقد وزعت نسخا منها على الموظفين ورجال الدين وعلقتها على جدران المساجد، ونشرتها في الصحف، ولعلها جعلتها تقرأ في الخطب المنبرية أيضا، ومع ذلك لا نعلم إلى أي حد كان ليون روش صادقا، في روايته وأخذه موافقة علماء المسلمين على نص فتواه. فنحن نعلم أيضا أن الأمير عبد القادر كتب رسالته (حسام الدين) في هذه الأثناء، وكأننا به كان يرد بها على مثل هذه الفتوى المشبوهة (2).

ولم تكن هذه هي المحاولة الدينية الوحيدة التي حارب بها الفرنسيون هجرة الجزائريين. ففي سنة 1893 حاول الحاكم العام جول كامبون صياغة فتوى أخرى شبيهة بالأولى لكي يمنع بها هجرة الجزائريين المتكاثرة ويهدئ بها المناطق التي كانت فرنسا تعتزم احتلالها في الصحراء، والتمهيد لاحتلال المغرب الأقصى. وكان الإنكليز قد استصدروا فتوى من علماء مكة تذهب إلى أن الهند بلاد إسلامية رغم احتلالها من قبلهم. فلماذا لا يفعل كامبون مثلهم؟ لقد صاغ كامبون فتواه على النحو التالي: إن الجزائر رغم احتلال

(1) مجلة العالم الإسلامي،. R.M.M، فيفري/ مارس، 1912، ص 32. انظر كذلك كتاب روش (32 سنة في الإسلام). ويقول ديبون وكوبولاني (الطرق الدينية الإسلامية)، الجزائر 1897، ص 37، إن ليون روش قدم بهذه الفتوى أكبر خدمة لنشر الهيمنة الفرنسية على الجزائر.

(2)

رجع ليون روش من رحلته أو مغامرته سنة 1842، وكتب الأمير رسالته (حسام الدين) سنة 1843.

ص: 364

الفرنسيين لها، تبقى بلادا إسلامية. كما أن كل بلاد إسلامية يحتلها الكفار تبقى بلادا إسلامية إذا سمحوا لأهلها بإقامة شعائرهم، وليس على هؤلاء المسلمين إذن واجب الجهاد، لأن بلادهم، والحالة هذه، لم تعد دار حرب، إذا كانوا عاجزين على تحقيق الانتصار.

وتتكون فتوى كامبون من مقدمة وثلاثة أسئلة. أما المقدمة فهي: إذا كان الكفار (الفرنسيون) قد احتلوا أرضا إسلامية، ولكنهم لم يضعوا أية عراقيل لممارسة المسلمين ديانتهم - بل هم يشجعونهم على القيام بشعائرهم الدينية، ويعينون القاضي منهم لينفذ أحكام الشريعة، ويخصصون لهذا القاضي راتبا شهريا، فهل يجب على المسلمين:

1) أن يهاجروا أو لا؟ 2) هل يدخلون في حرب ضد الكفار لينتزعوا منهم السلطة، ولو كانوا غير متأكدين من أنهم يملكون القوة لتحقيق الانتصار عليهم؟ 3) هل المكان المحتل من قبل الكفار يعتبر أرضا إسلامية أو أرض حرب؟

وتزعم المصالح الفرنسية أن المفتين بالمذاهب الثلاثة في مكة المكرمة: الشافعي والحنفي والمالكي قد أجابوا بما يرضي الفرنسيين، وهو أن الأرض المذكورة (الجزائر) لم تعد دار حرب. وأن الجهاد أصبح غير واجب على أهلها ما داموا غير قادرين على تحقيق الانتصار على عدوهم وما دام العدو نفسه قد ترك لهم حرية العبادة. وقد علق ديبون وكوبولاني على الفتوى بأنها ذات قيمة كبيرة لأنها سمحت لفرنسا باستعمال الجزرة والعصا، كما أن النص المطاط قد أعطى لفرنسا حججا يمكنها استعمالها لصالحها (1). ونحن لا ندري كيف اطلع علماء مكة على الفتوى؟ هل وجد جول كامبون شخصية أخرى كشخصية الجاسوس ليون روش؟ أو استعمل بعض الحجاج الجزائريين فقاموا له بالمهمة؟ (2).

(1) ديبون وكوبولاني، مرجع سابق، صں 37.

(2)

سنذكر أن شخصية غريبة أخرى، وهو كورتيلمون، قد استعمله كامبون في مهمة إلى =

ص: 365

أما القول بأن الفرنسيين قد سمحوا للجزائريين بالحرية الدينية ففيه تمويه كبير. والذي يطلع على ما فعلوه في المساجد والأضرحة والزوايا، ومع الاحباس ورجال العلم والدين، ومع الطرق الصوفية، وتشجيع الخرافات ومنع تفسير القرآن، وتحريم أبواب من الفقه على المدرسين (1)

يعرف أن تلك الحرية غير موجودة. كما أن الحج كان ممنوعا في كثير من المواسم، وأن الأعياد الدينية كانت غير رسمية وغير شرعية، عدا عيدي الفطر والأضحى، ولكن أي عيد؟ أما القضاة المسلمون فقد انتزع القضاة الفرنسيون صلاحياتهم ما عدا الأحوال الشخصية.

ومنذ هذه الفترة (حوالي 1893) ظلت حدود الجزائر مغلقة في وجه الهجرة نحو الشرق. لقد ارتاع الفرنسيون من كثرة المهاجرين من إقليم قسنطينة عندئذ. فاستصدروا الفتوى المذكورة وأغلقوا الحدود ومنعوا الحج إلا استثناء، خوفا فيما يبدو من حركة الجامعة الإسلامية ودعاية السلطان عبد الحميد في أوساط المهاجرين. ونحن وإن كنا سنعرض للهجرة نحو المشرق في فصل آخر (2)، فإننا نذكر أن فكرة الهجرة ظلت حية عند الجزائريين رغم كل القيود والفتاوى. ولذلك كتب ألفريد لوشاتلييه سنة 1907 مستنكرا سياسة بلاده هذه قائلا إن هناك (سياسة سرية) تقوم على التوازن السياسي للجزائر الأهلية بإبقاء حدودها مغلقة مع العالم الخارجي. وحذر من أن الشعوب تحتاج إلى الهواء وأن فرنسا قد خرجت من الباستيل. وكان من رأى لوشاتلييه أن على فرنسا أن تستعمل المهاجرين الجزائريين (وعددهم حوالي خمسين ألفا، كما قال) في المغرب وسورية لصالحها (3). وكأن هذا الكاتب كان يتنبأ، لأن سنة 1910 و 1911 قد شهدت هجرات

= الحجاز خلال هذه الظروف. وقد استعان كورتيلمون بأحد الحجاج الجزائريين.

(1)

انظر فصل السلك الديني والقضائي.

(2)

انظر فصل المشارق والمغارب.

(3)

مجلة العالم الإسلامي، 1907، ص 512، اسم لوشاتلييه مشار إليه فقط بالحروف:. A.L.C.

ص: 366

جماعية من الجزائر. وقد أعطى أوغسطين بيرك تواريخ بارزة للهجرة إلى الشرق. وكانت الأسباب ترجع في نظره إلى الغيرة والخوف على الدين، والغضب من القضاء على الصناعات المحلية وطغيان الصناعات الأوروبية، والخوف من فرض التجنيد، الخ (1).

أما الهجرة إلى فرنسا فتاريخها يرجع إلى أوائل القرن العشرين فقط، وكان منطلقها في البداية هو زواوة، وأسبابها، كما يقول الفرنسيون ديموغرافية، واقتصادية، بخلاف الهجرة نحو المشرق فأسبابها، كما عرفنا، كانت سيكولوجية واقتصادية ودينية. ففي آخر القرن الماضي زاد عدد السكان الجزائريين كما زاد عدد المهاجرين إلى المدن من الأرياف، فوجدوا نقصا في المواد الصناعية والاقتصادية والاجتماعية لاستقبالهم. فقصد بعضهم جنوب فرنسا، ثم رجعوا إلى الجزائر يقصون مشاهداتهم على الآخرين، فأخذ العدد يتكاثر كل سنة بين 1906 و 1914 حتى كانت الحرب العالمية فجندت فرنسا كثيرا من العمال ونقلتهم إلى الجبهة الأوروبية. وهكذا، فمن حوالي خمسة آلاف عامل مهاجر سنة 1912 إلى أكثر من 78 ألف عامل مهاجر سنة 1918 (2). ولكن مسألة الهجرة إلى فرنسا لا تهمنا هنا رغم عواقبها السياسية والاقتصادية والثقافية.

ومنذ أوائل هذا القرن أصبح بعض الجزائريين يهاجرون من أجل العلم ثم العودة في غالب الأحيان. لقد لاحظ محمد بيرم خلال السبعينات أن طلب العلم كان أحد أسباب الهجرة التي لا يعود أصحابها بعدها إلى الجزائر. أما المهاجرون في طلب العلم منذ القرن العشرين فكانوا غالبا

(1) أوغسطين بيرك مجلة (هيسبريس)، 1948، ج 35، ص 16. ولا يذكر الفرنسيون إلا قليلا قوانين انتزاع الأراضي الباقية من الجزائريين منذ 1871 وهجرة الألزاسيين إلى الجزائر، وكلها ساهمت في حالة الفقر.

(2)

جان قانياج (شؤون شمال إفريقية)، 1930 - 1956، باريس، 1972. وكذلك ج. ج. راجي Ragie (المسلمون الجزائريون) في (مجلة البحر الأبيض)، عدد 2، سنة 1950، وصفحات المقال كله 169 - 190.

ص: 367