المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والماسونية، وغيرها. وقد كان لها جميعا صداها القوي أو الضعيف - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٦

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء السادس

- ‌الفصل الأولالاستشراق والهيئات العلمية والتنصير

- ‌الاستشراق ومراحله

- ‌حلقات اللغة العربية

- ‌ مدرسة الآداب

- ‌أعمال المستشرقين

- ‌حياة بعض المستشرقين والمستعربين

- ‌اللجان العلمية

- ‌لجنة الاكتشاف العلمي للجزائر:

- ‌لجنة الاحتفال المئوي بالاحتلال:

- ‌الجمعيات المتخصصة

- ‌المعاهد الجامعية

- ‌البعثات العلمية ومشاركة المثقفين الجزائريين فيها

- ‌الكنيسة والتنصير

- ‌نشأة الأسقفية

- ‌الأسقف بافي:

- ‌ لافيجري

- ‌شارل دي فوكو:

- ‌النشاط التنصيري منذ 1930:

- ‌الفصل الثانيالترجمة وظهور النخبة الاندماجية

- ‌مترجمو الحملة وغداتها

- ‌تنظيم فرقة المترجمين

- ‌المترجمون الجزائريون

- ‌تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة

- ‌الترجمة إلى العربية

- ‌الاتجاه الاندماجي - الاستغرابي

- ‌الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي

- ‌أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا

- ‌دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل

- ‌نماذج من المثقفين والاندماجيين

- ‌الفصل الثالثمذاهب وتيارات

- ‌(نعمة) الاحتلال

- ‌رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل

- ‌رأي لافيجري ولويس فينيون وآخرين

- ‌(فرق تسد)

- ‌معاداة العرب

- ‌ومعاداة البربر

- ‌التآمر على زواوة

- ‌الدعوة إلى تعلم الفرنسية ..وإلى التعلم عموما

- ‌وضع المرأة

- ‌الهجرة أو البقاء

- ‌الاندماج، التجنس، النخبة

- ‌الجزائر في الكتابات الفرنسية

- ‌اليهودية والصهيونية

- ‌الماسونية

- ‌الإسلام ووحدة الأديان

- ‌المثالية والاشتراكية

- ‌ إسماعيل عربان

الفصل: والماسونية، وغيرها. وقد كان لها جميعا صداها القوي أو الضعيف

والماسونية، وغيرها. وقد كان لها جميعا صداها القوي أو الضعيف بين بعض السياسيين الجزائريين والكتاب، ولا سيما النخبة الاندماجية. وهدفنا من ذلك هو بيان أن المجتمع الجزائري لم يكن بمعزل عن الحياة المعاصرة، رغم القيود التي كان يرسف فيها، مثل قوانين الاندجينا.

لقد تعرضت شعوب كثيرة إلى الغزو الفكري والاضطهاد بشتى الوسائل في القديم والحديث. وكان منها شعوب تتمتع بحصانة ذاتية فقاومت حتى انتصرت، ومنها شعوب كانت فاقدة للحصانة الذاتية فذابت في غيرها واندثرت. والشعب الجزائري تعرض، في غفلة من الزمن وأمام تخاذل حكامه الذين تركوه نهب الأقدار في براثن العدو (1)، إلى محاولة جادة وحثيثة للإذابة والإزالة، ولكنه قاوم حتى انتصر. ولذلك فإن الأفكار المدمرة التي سلطت عليه منذ اللحظات الأولى للاحتلال لم تنل منه في النهاية.

(نعمة) الاحتلال

؟

معظم الفرنسيين، ومعهم بعض الأوروبيين، اعتقدوا أن احتلال الجزائر كان نعمة وبركة على أهلها، بينما اختلفت وجهة نظر الجزائريين أنفسهم حول الموضوع: فهل كان الاحتلال نعمة أو نقمة؟ سوف لا نستوعب الجواب على هذا الموضوع، ولكننا نذكر بعض الآراء من هنا ومن هناك ثم نتركها مفتوحة للنقاش.

جاء الفرنسيون إلى الجزائر بمجموعة من النقد التي كانت متراكمة عندهم منذ العصور الوسطى حول العرب والمسلمين والشرق والشرقيين، وحول الأمم المتحضرة والأمم المتبدية. وكانت عقائد الحروب الصليبية ما تزال حية في أذهانهم وفي كتبهم وفي معاملاتهم مع أهل جنوب البحر الأبيض المتوسط. وكان وجود المسلمين في جنوب فرنسا منذ الفتح

(1) استسلم حسين باشا وحكومته وتخلت الدولة العثمانية عن حماية الشعب الجزائري الداخل تحت خلافتها وعهدتها.

ص: 270

الإسلامي للأندلس، قد ترك آثاره في الأقاصيص التي تروى عن شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي، وفي حكايات شارلمان وهارون الرشيد. كما أن الوجود العثماني في أوروبا الشرقية وفي الجزائر جعل ذكرياته غير مسرة للفرنسيين رغم أن ملوكهم (مثل فرانسوا الأول) كانوا متحالفين أحيانا مع سلاطين آل عثمان. وكان التقدم التقني والتجاري للفرنسيين قد أدى إلى التقدم في ميادين أخرى كالآداب والفنون والفلسفة، والتوسع البحري مما أدى إلى نمو الحس القومي. وكانت الثورة الفرنسية قد حررت الفرنسيين من عقد أوروبية عديدة، ولكنهم ظلوا يحملون عقدا متراكمة نحو الشرق والعرب والمسلمين. وما حملة نابليون الفاشلة على مصر وتخطيطه لاحتلال الجزائر ومعركة نافرينو إلا علامات فقط على هذه العقد وعودة فرنسا إلى ممارسة الحروب الصليبية بطريقة جديدة.

وكان احتلال الجزائر، بعد فشل حملة مصر وهزيمة واترلو وتحجيم الخريطة الفرنسية في مؤتمر فيينا، قد أطلق الكبت الفرنسي من عقاله. وهكذا كانت تصرفات الجيش والمدنيين الفرنسيين تصرفات تدل على شذوذ غريب في العلاقات الإنسانية. فالمسألة هنا ليست مجرد احتلال أرض واستعباد شعب، ولكنها مسألة انتقام من الماضي كله: من فشل الحروب الصليبية، وهزيمة واترلو، وهزيمة الحملة على مصر، والهزائم الفرنسية القديمة أمام الجزائر، ثم الانتقام من احتلال العرب والمسلمين لأجزاء من فرنسا في القرون الوسطى. لقد كان الفرنسيون سنة 1830 لا يحملون أحقادهم فقط ضد الجزائريين، كعرب ومسلمين، ولكن أحقاد رجال الكنيسة والملوك والقادة والرعاع الذين تحطمت أحلامهم في السيطرة على الشرق وعلى العالم الإسلامي أثناء قوته.

ومن جهة أخرى اعتقد الفرنسيون أنهم في الجزائر أصبحوا خلفاء الرومان وأحفاد القياصرة. ورغم عدم تدين الفرنسيين الظاهري فإنهم كانوا يعتبرون أنفسهم ورثة القساوسة والرهبان الذين كانوا على رأس الكنيسة (الكاثوليكية) في بلاد البربر. وقد رأينا أن تصرفاتهم وتصريحاتهم الأولى

ص: 271

كانت كلها تصب في هذا التيار، أي استعادة مجد الكنيسة ومجد رومة. فكل قائد فرنسي في البداية كان يعتبر نفسه شيبيو الإفريقي، وكل قسيس كان يعتبر نفسه القديس أوغسطين أو سيبريان. وقد عاملوا الجزائريين كما عامل الرومان البربر في القديم، ولكن أحقاد الفرنسيين المتراكمة ضد العرب والمسلمين تجمعت هذه المرة ضد الجزائري باعتباره من البربر المتعربين والمسلمين، أي أنه أضاف إلى العنصر البشري (المتخلف) كما كان في العهد الروماني عنصرا جديدا للسخط عليه، وهو اعتناقه للإسلام وتبنيه لغة القرآن. إن كل تاريخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر هو في الواقع تاريخ لمحاولات القضاء على هذه (الهوية الجديدة) التي أصبحت تميز الإنسان الجزائري العربي المسلم (البربري سابقا). فكل قوانين التجنيس، وإجراءات الدمج في الكيان الفرنسي، والانتقاص من الحضارة العربية الإسلامية إنما كانت تذهب هذا المذهب وتعمل على تجريد الجزائري من هويته الجديدة.

وزاد من انطلاق الكبت الفرنسي سهولة نجاح حملتهم ضد الجزائر وسقوط حكومتها بدون حرب تقريبا، ورضى حاكمها بالسلامة الشخصية، واغترار بعض أعيانها بوعود القائد الفرنسي. فرغم الضعف الذي كانت تعانيه حكومة الجزائر عندئذ - اقتصاديا وعسكريا- فإنها كانت تبدو مستعدة لمواجهة الحملة الفرنسية وإفشالها بالأسلوب الذي تعاملت به مع الحملات الأوروبية والأمريكية، وآخرها كانت حملة 1816. ولكن اتضح بعد نزول الحملة الفرنسية في سيدي فرج غربا، بدل نزولها في البرج البحري شرقا، أن الاستعدادت كانت غير كافية وأن الخطة الدفاعية كانت فاشلة، وأن العاصمة أصبحت في حاجة إلى معجزة لإنقاذها. فالعدو الذي اجتاز البحر بسفن جرارة ونزل أرض عدوه بدون مقاومة، تصبح إعادته إلى البحر مسألة مستحيلة تقريبا. ثم إن نزول العدو بالطريقة المذكورة كشف عن ضعف جديد أيضا في المقاومة الجزائرية، وهو زعزعة الثقة بين الحاكم والمحكوم. إن المسألة لم تعد مسألة جهاد يدوم أياما ويتناوب عليه الجيش والفلاحون والمتطوعة لدفع العدو خارج تراب الوطن، ولكنها أصبحت مسألة الشعور

ص: 272

بالولاء الوطني نفسه والثقة في الحاكم، بل مسألة وجود شعب ودولة بالمعنى العصري للكلمة. لقد كان للجزائر حكام وشعب ونظم قائمة وإدارة مركزية وأخرى إقليمية، ولكنها كانت تفتقر إلى التماسك الصلب والإحساس بالتلاحم بين السلطة والمواطن دفاعا عن الوطن الواحد. وهذه هي نقطة الضعف التي أدت إلى تلاشي المقاومة الأولى والتي وجد فيها العدو ثغرة للدخول منها إلى العاصمة واحتلالها. أما المقاومة التى تولدت بعد ذلك فلا تهمنا الآن.

والأحكام الأولى التي صدرت عن الفرنسيين (المنتصرين) تبرهن على روح الانتقام التي أشرنا إليها وعلى الشعور بالتفوق والتعالي. فكتب كتابهم عن هذا التفوق وتجسم ذلك في قوانيهم وأحكامهم على أنهم أعلى درجة في التطور الاجتماعي والحضاري من الجزائريين (الأهالي) - الأندجين -، وأنهم هم فقط المتحضرون، أما الجزائريون فأجلاف. وإن أخلاقهم مهذبة وأخلاق الجزائريين غليظة، وأن حكامهم ديموقراطيون وحكام الأهالي طغاة ومستبدون، وإن لهم ذوقا رفيعا وللأهالي ذوقا منحطا، فلم يعجبهم لا دين الأهالي ولا لغتهم ولا موسيقاهم ولا معاملاتهم ولا منازلهم ولا نساءهم ولا أشكالهم. ومع ذلك اعتقدوا أن دراسة مجتمع الجزائريين وحضارتهم ستفيدهم في دراسة المجتمعات البدائية، كما اعتقدوا أن تلك الدراسة ستقدم إليهم صورة حية عن ماضيهم وأن دراسة المجتمعات المتدهورة يمكن أن تقدم درسا في التنمية المستقبلية وتكون إنذارا صارخا للفرنسيين يتعظون به (1).

وبالإضافة إلى التعالي والغطرسة وروح الانتقام، قام الاحتلال الفرنسي على عدة ركائز يحفظها الذين اطلعوا على أول صفحة من تاريخه في الجزائر. فالجيش قد وصل في عهد بوجو إلى ثمانين ألف جندي نظامي، ثم أضيفت إليه فرق مساعدة مؤلفة من المتطوعة الجزائريين [مرتزقة في أول

(1) آن تومسون (بلاد البربر وعصر التنوير)، ليدن، بريل Brill، 1987، ص 94.

ص: 273

أمرهم] واللفيف الأجنبي الذي تأسس أيضا في عهد الاحتلال المبكر، (حوالي 1834) وكان مقره الرسمي في الجزائر طيلة قرن وزيادة، ثم الرماة والقناصة والخيالة، وغير هؤلاء. وكان الجيش الفرنسي متسلحا بأسلحة متطورة ومتفوقة: أين منها بنادق الجزائريين وسهامهم وسيوفهم! كما كان الجيش الفرنسي حديث عهد بالحروب في القارة الأوروبية وله دربة على فنون الحرب العادية والاستثنائية.

ورغم أن هناك إدارة جزائرية ذات تقاليد قديمة وسجلات بالوثائق والمراسلات والسلالم الرسمية، فإن الفرنسيين لم يثقوا فيها وفككوها ونفوا بعض من كان فيها وعزلوا الآخرين. ثم ارتجلوا إدارة من عندهم قامت على ولاء بعض الجزائريين المدنيين الذين لا خبرة لهم (لأنهم كانوا خارج السلطة) ورئاسة إطارات فرنسية لا تعرف شيئا عن قوانين وتقاليد البلاد. وبدأ التخبط والتناقض في التسيير. وأنشئ على إثر ذلك الجهاز العسكري المعروف (بالمكتب العربي) الذي أخذ بالتدرج يدير المدن والمناطق المحتلة كبلديات عسكرية مزدوجة (فرنسية - جزائرية). ثم أنشئ لهذه المكاتب العربية المتفرقة مكتب مركزي في العاصمة تابعا لجهاز الحاكم العام. وفي الأربعينات تبني (بوجو) النظام الإداري الذي وضعه الأمير عبد القادر لدولته، سواء في توزيع المسؤوليات من الشيخ إلى الخليفة (أي من العرش إلى الإقليم) أو في إجراء الأحكام القضائية (1). فكل منطقة تغلب عليها الفرنسيون كانوا يعينون عليها حاكما جزائريا (أهليا) يحكم باسمهم ثم يحكمون هم من ورائه، ويدعمونه بالبرنس والتنصيب الرسمي والمال وبعض العسكر الخ. وكان بعض هؤلاء الحكام الجزائريين قد قبلوا الوظائف الفرنسية طمعا في الجاه، وبعضهم لم يقبلوها إلا بعد فشل المقاومة أو تحت الضغط، وقد حكم بهم الفرنسيون فترة - ما داموا في حاجة إليهم - ثم لفظوهم بالتدرج ابتداء من الستينات (عهد المملكة العربية)، فلم تأت

(1) مجلة الشرق، 1845.

ص: 274

تأت السبعينات حتى كاد الفرنسيون يستغنون عنهم تماما بتوظيف جيل آخر من غير الأكفاء الذين لا مؤهل لهم سوى الولاء لفرنسا وتقبيل اليد المتفضلة عليهم بالنعمة - إذا كانت نعمة!

ومن الوسائل التي حكم بها الفرنسيون وجود عدد كبير من المستوطنين (الكولون) الذين تقاطروا على الجزائر عبر العقود المختلفة، آخرها كان عقد السبعينات، بعد حرب 1870. فقد أعلن الجيش الفرنسي منذ أول وهلة عن قناعته بالاستعمار، ثم ساندته حكومة باريس ومختلف الوزارات المتعاقبة سواء في عهد مملكة يوليو، أو الجمهورية الثانية أو الامبراطورية الثانية أو الجمهورية الثالثة. وكلهم أعلنوا عن إغراءات مفرطة لتحويل أنظار المهاجرين الفرنسيين والأوروبيين من الاتجاه إلى أمريكا إلى الاتجاه نحو الجزائر، بلاد الشمس والبحر، كما يسميها ألبير كامو، وهي البلاد القريبة من أوروبا بحيث لا يحتاج المهاجر إلى قطع البحار، والتعرض للأخطار، وهي بلاد الفرص الذهبية حيث الأرض الخصبة بالمجان والمساعدات المالية وحماية الجيش لهم من (اعتداءات العرب). لقد أصبح المستوطنون الذين جاؤوا من كل فج والذين كان نصفهم تقريبا فرنسيا أصلا ونصفهم أوروبيا متفرنسا - هم العمود الفقري في إدارة الاحتلال وفي اقتصاد الجزائر وتجارتها وتعميرها لصالحهم. كما أصبحوا هم أداة الحضارة أو إنجاز ما سمي بالمهمة الحضارية الفرنسية. وكان لهم نواب ابتداء من عهد الجمهورية الثانية، في الجزائر وفي فرنسا، ولهم صحافة ومسارح وكنائس، ولهم نمط عيشهم الخامس، فقد نقلوا معهم النموذج الفرنسي - الأوروبي إلى الجزائر، وأصبحت كل مدينة تعيش بوجهين وجه عربي مسلم يعبر في نظر الفرنسيين عن القدم والخمول والتخلف، ووجه فرنسي - أوروبي يعبر عن الجدة والنشاط والحياة، أو حي ميت وحي حي (1). فالتفوق الفرنسي يظهر في العمران وتخطيط المدينة قبل أن يظهر في اللغة والجيش والنظام الاقتصادي

(1) انظر ما كتبه جيمس مالركي عن قسنطينة في مجلة (روكاي) في كتاب (معرفة المغرب العربي)، إشراف كلود فاتان 1984.

ص: 275

أو في الدم الآري، كما يحلو لبعضهم أن يقول.

وهناك وسائل أخرى عديدة للهيمنة الاستعمارية في الجزائر. فالاحتلال استتب بالتدرج وأخذ يبحث عن وسائل الدوام. ومنها إبعاد العرب والمسلمين عن ديارهم وأراضيهم والرمي بهم في مجاهل الصحراء، أو في شواهق الجبال الجرداء، ثم أخذ الفرنسيون يتحدون الجزائريين بأنهم غير محتلين وإنما هم في بلادهم، بلاد أجدادهم الرومان القدماء، وكانوا يواجهون الجزائريين بهذه المقولة المتكررة: إننا نحن أصحاب السيادة، والسيادة يجب أن تكون كاملة، في اللغة والسياسة والاقتصاد والمنازل والمطاعم والحكم الخ. وعندما رفض الجزائريون هذا المنطق أصدر الفرنسيون لهم قوانين (الأندجينا)، أو قانون الأهالي الخاص بأنواع العقوبات الصارمة على مجموعة من الجنايات (الجرائم؟)، بما في ذلك العقوبة الجماعية. وواضح أن التسمية نفسها آتية من (الأندجينا) التي تترجم إلى أهلي، وهي ترجمة متسامحة، لأن غرض الفرنسيين من تسمية الجزائريين (بالأندجين) هو الحط الشنيع من قيمتهم، فهم دون الرعية (1) ودون المواطنين. فمعنى الأندجين هو (الساكن الأصلي المتخلف) ومعنى (الأندجينا) حينئذ هو مجموعة القوانين والإجراءات التعسفية الاستثنائية الموجهة ضد السكان الأصليين المتخلفين (2). وكان هذا (الكود) يضم 41 مخالفة أو جناية لا تطبق إلا على الجزائريين. وكانت هذه الإجراءات مطبقة عشوائيا عليهم منذ الاحتلال، ولكن ابتداء من 1881 صدرت في شكل إجراءات استثنائية.

ثم كانت المدرسة من أهم وسائل الهيمنة الاستعمارية. وقد تحدثنا عن

(1) كلمة (الرعية) في الحضارة الإسلامية لها معنى شريف، فهي تستعمل فقط في مقابلة الراعي أو المسؤول، فالرعية تعني المواطن.

(2)

أول القوانين الخاصة بذلك صدرت في 28 جوان 1881 ثم استمر المشرع الفرنسي يضيف إليها حتى وصلت إلى 41 جناية، كما ذكرنا، وقد استمر العمل بها إلى ما بعد 1930 في أشكال أخرى.

ص: 276

ذلك في فصل التعليم، وعرفنا أن الفرنسيين اتخذوا منها أداة لدمج الجزائريين في البوتقة الفرنسية. وكانوا قد بدأوا ذلك منذ الشهور الأولى للاحتلال، ولكن الجزائريين كانوا لهم بالمرصاد، فقاطعوا في البداية المدرسة الفرنسية، وتمسكوا بمدرستهم. فرد عليهم الفرنسيون بقطع جميع الموارد على المدرسة العربية - الإسلامية ومصادرة أوقافها وتشريد معلميها وهدم مؤسساتها. ولم يكن غرض الفرنسيين هو (نشر التعليم) كما قد يتخيل البسطاء، وإنما إنشاء مراكز تدريبية على الأفكار الفرنسية والعادات والمدخل إلى اللغة الفرنسية، أي إحداث زعزعة في الذهنية الجزائرية، وفصل الأطفال عن ذويهم عقليا، وتكوين جيل لخدمة المصالح الفرنسية، عن طريق التثاقف. ثم لعبت المدرسة الفرنسية دورا، غير نزيه لا يليق بالعلم والحضارة، وهو إعطاء بعض الجزائريين كميات من العلم وحرمان الآخرين منه، وكان ذلك من باب التفريق بين المواطنين وإشعار البعض منهم بأنهم أكثر تفوقا على جيرانهم وأنهم أصبحوا يشبهون الفرنسيين نشاطا وأصولا، ومعيشة. ولكن عندما وصل هؤلاء المتعلمون الجزائريون إلى درجة المطالبة بحقوقهم أجابهم الفرنسيون بأنهم (أندجين) كالآخرين. وقد نجحت المدرسة الفرنسية، مع ذلك، في تكوين أقلية اندماجية (نخبة) أصبحت بالتدرج مفصولة عن المجتمع، ودون أن تصعد إلى مصاف الفرنسيين في المعاملة.

ويتصل بهذه الوسيلة الخطيرة وسيلة أخرى لا تقل خطورة في التحكم في مصير الجزائريين والسيطرة الاستعمارية على مقاليدهم، ونعني بها الهيمنة على الشؤون الإسلامية. ذلك أن الفرنسيين قد وضعوا أيديهم على كل المعالم والمؤسسات الإسلامية من مساجد وزوايا ومكتبات وأوقاف وحج، بل حتى رؤية هلال رمضان والإعلان عن عيد الأضحى. ثم أنشأوا إدارة سموها (إدارة الشؤون الأهلية)، أصبحت هي التي تختار الأيمة والمدرسين وقراء القرآن على الموتى، وهي التي توظف وترتب الرتب وتكافئ وتعزل رجال الدين. وهي التي ترفع وتخفض رجال الطرق الصوفية بالسماح لهم (بالزيارات) أو منعها عنهم. وهي التي تفتح أو تغلق الزوايا. كما أن هذه

ص: 277

الإدارة ومن يمثلها في المقاطعات البعيدة كانت هي التي تمنح رخصة التعليم (الحر) أو ترفضها، أي رخصة فتح المدارس القرآنية. وكانت أيضا هي التي تشرف على شؤون الحج. فمن شاءت حججته ومن شاءت حرمته.

كما كان التحكم في القضاء من أبرز وسائل الهيمنة الاستعمارية. والحقيقة أن التدخل في القضاء الإسلامي بدأ منذ الاحتلال، ثم جرت عدة تدخلات أخرى سنوات الأربعينات والستينات أدت إلى تقليص دور القضاة المسلمين وإعطاء صلاحياتهم للقضاة الفرنسيين، أو إذا شئت إحلال الأحكام والقوانين الفرنسية محل الشريعة الإسلامية في بلاد إسلامية تعهدت فرنسا على لسان ممثلها سنة 1830 باحترام دين أهل البلاد وتقاليدهم. ولم تحل سنة 1886 حتى رمى الفرنسيون بكل مواثيقهم وعهودهم في الهواء وأعلنوا تجريد القضاة المسلمين من كل صلاحياتهم تقريبا، فأنشأوا نظام المحلفين (الجوري)، وهو نظام لا تعرفه الشريعة الإسلامية، وجعلوا المحلفين من الفرنسيين فقط، في كل القضايا الجنائية. ولم يبق للقضاة المسلمين إلا تسجيل شؤون الزواج والطلاق والتركات. وفي 1890 ألغيت المحاكم الإسلامية ولم يبق منها سوى 61 من مجموع 184 محكمة. كل ذلك تطبيقا لمبدإ السيادة الفرنسية، فقد قال الحاكم العام (ديقيدون) ذات مرة بأن على القاضي المسلم أن يتوارى أمام القاضي الفرنسي لأن هذا هو الذي يمثل الاحتلال والسيادة.

وفي سنة 1882 سن الفرنسيون سنة غير حميدة للجزائريين عندما فرضوا عليهم تغيير الحالة المدنية التي كانوا عليها وتطبيق نظام الحالة المدنية الفرنسي عليهم فرضا. فكل (أندجين) كان عليه أن يحمل بطاقة تعريف وأن يختار لقبا عائليا، وأن يصرح جبرا بالزواج والطلاق. وكان الهدف، كما صرح بذلك المشرعون لهذا النظام الجديد أنفسهم، هو فصل الجزائريين عن إطار قوميتهم وانتمائهم الحضاري الذي عاشوا داخله منذ قرون. فالعرش (القبيلة) انقسم إلى عائلات، وكل عائلة أصبح لها لقب خاص بها بقطع النظر عن كونها تشترك أو لا تشترك مع مجموع عائلات العرش في الانتماء للجد

ص: 278

الواحد (أولاد فلان، بنو فلان). وكانت هذه الخطوة، التي جاءت بعد مرسوم 1863 الخاص بنزع الملكية العرشية وتمليكها للأفراد من العرش نفسه، من أخطر الخطوات التي اتخذت لمحق الهوية الجزائرية ودمج أهلها في البوتقة الفرنسية. وقد أعلن كاميل صاباتييه أمام لجنة 18 (1891) أن الهدف من إنشاء الحالة المدنية هو تحضير الأهالي للاندماج.

أما الضرائب والقوانين المالية فقد استعملها الاحتلال كوسيلة غير رحيمة للسيطرة والقبضة الحديدية. إن احتلال أية قرية أو مدينة كان يعقبه فرض ضرائب حربية وضرائب استسلام. لقد فهم الفرنسيون أن الطاعة أو الخضوع يستلزم دفع الضرائب أو الجزية بكميات لا تتناسب مع القدرة على الدفع. وإذا عجز البعض عن الدفع أجبر الفرنسيون باقي المواطنين على الدفع الجماعي. اسأل عن البليدة والقليعة والمدية وتلمسان ومليانة وقسنطينة، اسأل أي عرش أو قبيلة، اسأل ثوار الأوراس والظهرة وجرجرة والصحراء، عن معاناتهم وبكائهم أمام جباة الإدارة الجديدة وهم ينتقمون منهم دون مراعاة لأي حال أو مآل. وكان العاجز عن الدفع يحمل إلى السجن وبذلك يحرم أولاده وأهله من خدمته. فتتشرد الأسر وتترمل النساء ويتيتم الأطفال. وهناك أيضا ضريبة شاذة تسمى (الضريبة العربية)، لا يدفعها إلا العربي (الجزائري) بالإضافة إلى زكاة العشر. وفي 1873 زيد على ذلك ما سمي بالسانتيم الإضافي لخدمة الممتلكات الأهلية، وبعد ذلك بسنة زيذ 1% من الضرائب، وبعدها بسنة ضوعفت مدفوعات الأهالي الضرائبية. وبالإضافة إلى دفعهم الضرائب المباشرة كالفرنسيين، كانوا (الأهالي) يدفعون ضرائب أخرى غير مباشرة بلغت 46% من مجموع الضرائب كلها. ومع ذلك فهناك قوانين تمنع الأعراش من الرعي في الغابات، وتحمل الجزائريين مسؤولية حرائق الغابات وتعاقبهم بالعقوبة الجماعية عليها. ومن ذلك قانون 1881 (1).

(1) كولونا، (المعلمون)، مرجع سابق، ص 24 - 25.

ص: 279