الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورغم اشتغاله بالتعليم فإنه لم يكن يتخذ منه حرفة. كان جولي مولعا بالتجوال وحب الاطلاع ومعرفة المجهول. والفرنسيون يسمون ذلك عندئذ حب الاستكشاف. وقد قضى جولي معظم وقته في التجوال بين المحيط غربا وطرابلس شرقا. واشتغل في توات ورافق بعثة فلامان سنة 1899، 1900، وكان عضوا في اللجنة العلمية الفرنسية لدراسة أحوال المغرب الأقصى عشية احتلاله. وتعاون مع مصالح الخرائط الجيولوجية، كما شارك في رسم الخريطة الأثرية (الأطلس) للجزائر سنوات 1899 - 1900. وكان ينشر ملاحظاته في وقائع المؤتمرات العلمية التي يقدم إليها نتائج بحوثه. وقال عنه أحد زملائه بأنه يعتبر جغرافيا، وجيولوجيا، ونباتيا، ولغويا، واجتماعيا وأثريا. ورغم صغر سنه فقد عين سنة 1904 عضوا مراسلا للمعهد الفرنسي. وكان عضوا في عدة جمعيات علمية. وكانت الحكومة الفرنسية قد كلفته بمهمة سنة 1903 لدراسة الطرق الصوفية في منطقة التيطري. وقد نشر بعد ذلك دراسات عن الحركة الصوفية ورجالها، وعن الشعر البدوي سنعرض إليها (1).
أعمال المستشرقين
قام المستشرقون بأعمال كثيرة في الجزائر خلال المرحلتين المذكورتين: 1830 - 1880، و 1880 - 1930. ومن الصعب الحديث عن كل أعمالهم هنا، بل إن غرض هذا الفصل ليس الحديث عن كل أعمالهم ولكن تصنيفها وذكر نماذج منها فقط. ومن البديهي أن يهتم المستشرقون الفرنسيون بالشعب المستعمر دينا ولغة وعادات وآثارا وتاريخا. كما أنه من البديهي أن يتطور هذا الاهتمام حسب حاجة الإدارة الاستعمار وحاجة الدولة الفرنسية نفسها في العالم. فالمستشرقون كانوا (جنودا في الميدان) ولكن بلباس مدني، بل إن بعضهم بدأ حياته في الترجمة في المجالات العسكرية.
وهل يمكن حصر أعمال المستشرقين الفرنسيين هنا؟ لقد قام السيد هنري ماصيه بذلك في بحثه (الدراسات العربية في الجزائر)، فكانت
(1) انظر عنه شارل سان كالبر، مجلة (روكاي)، 1913، ص 815 - 817.
المجالات عديدة. والواقع أنهم لم يتركوا جانبا يهم الاستشراق إلا طرقوه. ويبدو لنا أن أكثر المجالات المطروقة عندهم هي ترجمة النصوص الاسلامية، ودراسة العربية ولهجاتها والبربرية ولهجاتها، وتاريخ الجزائر والمغرب العربي عموما، والفولكلور. وقد اهتموا بالإسلام كدين وعقيدة وتعاليم، وكتصوف ومرابطين وممارسات طقوسية. وحظيت عندهم الآثار الاسلامية بنصيب غير قليل. واتصل عندهم التاريخ بالأنساب القبلية والجغرافيا السكانية. وكان اهتمامهم بالمصادر قد جعلهم يجمعون مخطوطات كثيرة ومكتبة عمومية. ولسوء الحظ فإن كثيرا من المخطوطات والوثائق قد أخذوها معهم بطريقة شخصية وضاعت معهم. وكانوا يستكتبون العلماء والقضاة ويستنسخون المخطوطات ثم يستولون عليها ويستفيدون منها، وأحيانا لا ترى النور بالمرة.
خلال الرحلة الأولى ركز المستشرقون على معرفة السكان والاتصال بهم عن طريق معرفة العامية. فظهرت من أجل ذلك عدة قواميس على يد جوني فرعون ودي بوسي ووينييه وماشويل. من ذلك كتاب فرعون المسمى النحو الابتدائي للعربية الدارجة، الموجه للفرنسيين، ثم بسطه ونشره تحت عنوان (موجز النحو العربي البسيط). وفي 1835 نشر دو لابورت مبادئ الأمثال العربية في الجزائر، ثم قصص لقمان. وكان دو لا بورت رئيسا للمكتب العربي ولم يكن مستشرقا. ثم نشر برينييه (الموجز) الذي حدد فيه خصائص اللهجة الجزائرية العربية وأعطى فيه تفاصيل عن حياة السكان (1). ثم كتابه (الدروس العملية والنظرية للغة العربية) وهو كتاب ظل فترة طويلة مقررا في المدارس حتى بعد وفاة صاحبه (2). واعتبر الكتاب مرحلة هامة في البحث اللغوي بالجزائر.
(1) عنوانه الكامل موجز اللغة العربية الدارجة في مدينة الجزائر وفي الإيالة الجزائرية سنة 1838.
(2)
ط. 1 1845، ط. 2 1855، ط. 3 1915. وهو الذي عنوانه بالعربية هكذا:(مفتاح كنوز النحو والأدب لفتح علوم العرب). بتارخ 1271 هـ. ومعه لوحة فنية جميلة من الزخرفة العربية.
وقد ترجم برينييه مقدمة ابن آجروم في النحو وعلق عليها تعاليق مفيدة. ومن مؤلفاته أيضا المختارات العربية الابتدائية - (أنطولوجيا)(1)، وكتاب (المكاتبات/ الكريستوماتية - العربية)(2)، وله مؤلفات بعناوين متأثرة بالطريقة العربية المسجعة، مثل:(تجريب القلم في خط العرب والعجم) و (تحفة الطلباء وبهجة الأدباء)، و (مفتاح النحو والأدب لفتح كنوز علوم العرب)، وأخيرا (مجموع المكاتيب في العربية والمعاني الغرائب). وقد عرفنا أن برينييه قد بقي سيد الاستشراق الفرنسي في الجزائر أكثر من ثلاثين سنة. وتخرج على يده معظم ضباط المكاتب العربية ومترجمي الإدارة والقضاء. وهو كمعلم لم يقم بالدراسات الاسلامية ولا بترجمة النصوص إلا ما يتصل منها بمهنة التعليم.
بالنسبة للأنطولوجيا لاحظ برينييه أن خط الكتابة في الجزائر له خصائصه الأساسية، ولكن لا يلاحظها المرء بسهولة بل بعد دراسة وممارسة. وقال إن الخط العربي في المشرق امتاز بالتدفق والسهولة، أما أهل الجزائر فلا يتفننون فيه، بل يكتبون بنسب غير متجانسة وبطريقة غير صحيحة، ويتصرف فيه كل شخص على هواه دون اتباع قواعد. ومع ذلك فإن لفن الكتابة في الجزائر خصائصه، كما ذكر. وقد احتوى هذا الكتاب على بعض الأمثال السهلة، والحكايات والقصص التاريخية، ولاحظ أن العربية غنية بأشكال الكلمات والمترادفات. وإنها بعيدة عن أن توفر الطاقة الذهنية الضرورية للتطور، تلك الطاقة التي تملكها في نظره، اللغات الأوروبية فقط، ولا سيما الفرنسية (3). وكان برينييه يكتب اسمه بالعربية هكذا (ابريني) ويلقب نفسه (بالشيخ النحوي المدرس). أما درسه فيسميه (حلقة
(1) ط. الجزائر وباريس 1852. ولعل هذا هو الذي اسمه (تجريب القلم في خط العرب والعجم).
(2)
ط. 2، باريس 1857. وهو الذي عنوانه بالعربية: جامع المكاتيب في العربية والمعاني الغرائب. والمكاتيب هنا هي الرسائل.
(3)
انظر المقدمة ص 5.
الجزائر). ومن رأيه أن اللغة العربية ليست وسيلة اتصال بالجزائريين فقط بل بالعالم الاسلامي والإفريقي أيضا. وهي التي ستجعل الأوروبيين يربطون علاقات بالشعوب الاسلامية، وهي علاقات لا تكفي فيها الكتب حسب نظرته.
وقد ظهرت عدة كتب تعليمية أخرى خلال هذه المرحلة، كانت كلها تبحث عن أفضل الطرق لتوصيل العامية الجزائرية للأوروبيين. وكان علماء ألمانا والانكليز قد سبقوا إلى وضع مناهج جديدة في تعليم اللغة، وقد تأثر بهم السيد ماشويل الذي كان متوليا كرسي اللغة العربية في وهران. فنشر ماشويل كتابا في قواعد اللغة العامية وبناه على المنهج الالماني والانكليزي الجديد ووجهه للشباب، قائلا بصراحة إنه استفاد من أعمال روبيرتسون، وأوطو، واولندروف أكثر مما استفاد من منهج زملائه الفرنسيين، أمثال برييه وشيربونو (1).
وقد عالج ماشويل أيضا موضوع اللغة والاستعمار، وحاول إقناع قومه بضرورة تعلم العربية (تنازلا) منهم لتعلم لغة المنهزم، من أجل المصلحة الاستعمارية فقط، وإلا فإن اللغة الفرنسية هي لغة السيادة ولغة المنتصر. وكان في ذلك يرد على من يقول: إن الواجب على (الأهالي) أن يتعلموا اللغة الفرنسية وليس العكس. وقال إن الوقت لم يحن بعد أن يأتي الأهالي أفواجا إلى الفرنسيين، ولذلك فإن على هؤلاء أن يعطوهم مبادئهم وأفكارهم بتعلم العامية والتقرب منهم. وكان ماشويل قبل التحاقه بوهران، أستاذا في ليسيه الجزائر للعربية الدارجة، وكان يطبق نظريته التعليمية على طلابه في الليسيه أولا. وقد ذكرنا أنه بعد وهران عين لإدارة التعليم في تونس.
كذلك نشر شيربونو أعمالا في اللغة معظمها حول دروسه العملية لطلابه. وكادت لا تخرج عن تمارين النحو والصرف، وقواعد تعلم الدارجة الموجه إلى الأوروبيين. وله عمل حول تصريف الأفعال في الدارجة وأصول وشكل اللهجة العربية الجزائرية وهي كلها تدخل في دراسة علم اللهجات.
(1) مقدمة ط. 2 من كتابه المطبوع في الجزائر سنة 1875 ثم طبع طبعات أخرى أيضا.
كما اهتم بالخطوط والكتابات. ولشيربونو. قاموسان: عربي - فرنسي وفرنسي - عربي.
واهتم شيربونو كذلك بالنصوص التطبيقية. فنشر سنة 1847 كتابا بعنوان (حكايات المسلمين)، وجاء فيها بالفرنسية انها حكايات إسلامية (من التراث): نص عربي أو دروس العربية الابتدائية، ويعقبها قاموس تحليلي، وهو مرتب حسب حروف المعجم العربي. وقد اهدى (حكايات المسلمين) إلى أستاذيه: رينو وبيرسوفال اعترافا بجميلهما، وكلاهما من أعيان الاستشراق في فرنسا. وأخذ شيربونو النصوص من التراث العربي مثل ابن القوطية والحريري، وهي نصوص كان قد نشرها رينو ودي ساسي (1).
ثم نشر شيربونو كتابا آخر سماه: تعليم القارئ في الخط العربي. وبالفرنسية أضاف إليه: تمارين للقراءة في المخطوطات العربية. ووصف نفسه على أنه أستاذ اللغة العربية في قسنطينة. والكتاب في ثلاثة أقسام، الأول عبارة عن نصوص رسمية كالأوامر والمنشورات، والثاني في فن الرسائل المكتوبة باللغة العامية، والثالث في القصص والحكايات المكتوبة باللغة العامية أيضا. ونلاحظ أن الذي خط الكتاب ونصوصه هو قورقوس، وهو الذي جعل لها العناوين. والخطوط كانت تقليدا استشراقيا لأنواع الخط الشائعة عندئذ في كتابة الرسائل والتأليف والنسخ (2).
وفي ميدان التاريخ والآثار ظهر في المرحلة الأولى ادريان بيربروجر وألبير دوفوكس. وكان الأول يعرف قليلا من العربية، فاهتم منذ البداية بالآثار الرومانية. أما الاسلامية فلم يكتب عنها إلا قليلا. ولكنه ساهم في مجموعة (اكتشاف الجزائر العلمي) التي كونتها الحكومة الفرنسية ونشر
(1) ط. باريس والجزائر، 1847. النص من ص 1 - 25. والقاموس من ص 29 - 149.
(2)
ط. باريس، 1850، 80 صفحة. وعن قورقوس انظر سابقا.
ضمن أعمالها ترجمة لرحلة العياشي ورحلة الدرعي في جنوب الجزائر. ومن أبرز كتاباته الأثرية (الجزائر التاريخية والمصورة والتذكارية). وكان بيربروجر قد قام بعدة مهام لصالح الحكومة الفرنسية في جنوب البلاد قبل احتلاله، من ذلك الرحلة التي أخذته إلى تونس ومنها عبر الجريد إلى سوف وتقرت سنة 1852. وأبرز أعماله في هذا الميدان جمعه المخطوطات من تلمسان وقسنطينة وغيرهما، وتأسيس نواة المكتبة الوطنية في عهد كولزيل 1835. وكان بيربروجر أيضا، مديرا لجريدة (المونيتور)، ومؤسسا للجمعية التاريخية الجزائرية، ورئيسا لتحرير المجلة الافريقية. ومع هذه الجهود فمن الصعب تسميته بالمستشرق المحترف. وقد مات في سنة واحدة مع زميله برينييه، أي سنة 1869، وليس بينهما سوى أحد عشر يوما فقط (1).
أما ديفوكس، فكان يعرف العربية بدرجة أفضل من زميله، ولم يهتم بالتعليم أو الاستشراق المباشر، ولكنه اهتم بالوثائق الادارية والدينية والوقفية. ومن خلال ذلك نشر أعمالا هامة عن المؤسسات أو البنايات الدينية في مدينة الجزائر، سيما أملاك الوقف والمساجد والزوايا والقباب. وقد ترك لنا وصفا. حيا للبنايات الدينية التي تهدم معظمها في مدينة الجزائر وضواحيها. وكان يساعده في عمله خلية من الجزائريين الذين يعرفون التركية أيضا فينقلون له من هذه اللغة إلى العربية وهو يترجم ذلك إلى الفرنسية. ولذلك نملك الآن وثائق مترجمة إلى الفرنسية عن العربية تعلق بالجهاد البحري ومالية الدولة الجزائرية السابقة، ورؤساء البحر وحياة الجنود، وبعض المعالم الأثرية. وكان ديفوكس موظفا بمصلحة الدومين (أملاك الدولة). وكثيرا ما مس الحياة الدينية أيضا ولكن كمترجم لا كمنظر (2).
(1) انظر عنه المجلة الافريقية، ط، 1869، وكذلك نفس المصدر 1894، ص 241. وله رحلة إلى معسكر الأمير في ونوغة شتاء 1837 - 1838. وقد ترجمناها وقدمناها للنشر.
(2)
انظر عنه فصل المعالم الإسلامية وقد رجعنا إلى بعض أعماله في فصل المعالم الإسلامية وغيره.
وشيربونو نفسه تناول التاريخ بوفرة في هذه المرحلة. وقد قام بعمل في قسنطينة شبيه بما قام به معاصره ديفوكس في الجزائر. فكتب عن الزوايا والمدارس والمساجد والأضرحة ليس في المدينة فحسب بل في عدة بلدان من الإقليم أيضا، مثل تقرت وبسكرة. وقال زملاؤه المستشرقون إن أفضل ما نشر شيربونو هو الأعمال التاريخية. فقد نشر وترجم وثائق تتعلق بمؤسس الدولة الفاطمية (عبيد الله المهدي)، وبحثا عن الأغالبة، وآخر عن بني جلاب سلاطين تقرت، ونشر كتاب الفارسية لابن القنفذ، وهو عن الدولة الحفصية، ومقالة عن الأدب العربي في السودان. إضافة إلى أعماله البيبلوغرافية والتراجم والجغرافية. وقد نشر أعماله في بعض المجلات أيضا مثل المجلة الآسيوية والمجلة الافريقية وروكاي التي كان من مؤسسيها (1).
ورغم أننا سنترجم لديسلان في مكان آخر، فإننا نذكر له في ميدان التاريخ والمخطوطات عدة أعمال تعلق بالجزائر. ومن ذلك ترجمته لمقدمة وتاريخ ابن خلدون التي طبعت على نفقة الدولة الفرنسية خلال الخمسينات. وهي الترجمة التي رحب بها المستشرقون وأدخلته عالمهم بعد أن جاء الجزائر كمترجم عسكري فقط.
وقام عدد من المترجمين العسكريين والمدنيين بنشر عدة أعمال مثل العقيد كاريت الذي بحث في الطرق التي سلكتها القبائل العربية، وروسو عن الحوليات، وبواسوني عن الدولة الحفصية (الفارسية) لابن القنفذ، وبارجيس عن مدينة تلمسان ودولة بني زيان، ودوقا ووقان عن أشراف غريس.
ووقع الاهتمام بالتاريخ المحلي والجهوي، فكتب ويلسون ايسترهازي عن إقليم وهران في عهد البايات، وفايسات عن إقليم قسنطينة
(1) عن مجموع أعماله انظر مجلة (روكاي)، 1882، ص 413 - 418. وكذلك ماصيه (الدراسات العربية ..). وعن حياته أنظر سابقا.
في نفس العهد، وسيروكا عن الزيان.
وفي المجال الديني ظهرت دراسات عن الجهاد. واهتم بروسلار والعقيد دونوفو بالطرق الصوفية فنشر الأول عن تلمسان وحياتها الدينية وآثارها. والثاني عن دور الطرق الصوفية والمرابطين في التاريخ والثورات. وكانت دراسة هانوتو ولوتورنو عن زواوة قد تضمنت فصولا عن الحياة الدينية فيها، سيما الزوايا والمرابطون والقضاء الاسلامي. وترجم الدكتور بيرون مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي، وكان المنتصر كتابا أساسيا في الجزائر.
وكرس المترجمون في هذه الفترة جهودهم على الدراسات الاجتماعية والإثنية (السلالية) والطوبوغرافية للمدن والمناطق، فكتب جوني فرعون وإسماعيل (توماس) اوربان عن التيطري، وكتب كاريت ووارنييه عن قسنطينة ونواحيها، وأصدر شارل فيرو دراسات مونوغرافية عن عدة مدن في الشرق الجزائري منها بجاية وجيجل وعنابة وتبسة (1). كما اهتم آخرون بالمرأة ومسألة تعدد الزوجات،. وقضية الرق في الاسلام، والتعصب الديني.
أما في الميدان اللغوي فالتركيز كان على التأليف المدرسي الموجه للأوروبيين الذين كانوا يتعلمون اللغة العربية أو الدارجة. كما صدرت عدة قواميس في هذا النطاق، وقد ذكرنا بعضها (2). كما بدأ الاهتمام باللهجات البربرية في الأوراس وجرجرة وميزاب والهقار. وقد أصدر هانوتو معجمه عن لهجة جرجرة (زواوة)، وذكر دوفيرييه نماذج من لهجة الهقار وغيره من المناطق الصحراوية. وأورد نماذج من الخطوط والكتابات (3).
(1) انظر بحث ماصيه (الدراسات العربية)، مرجع سابق.
(2)
انظر سابقا.
(3)
انظر كتابه (اكتشاف الصحراء)، باريس، 1864.
إن أعمال المستشرقين خلال المرحلة الأولى قد شملت تقريبا مختلف الميادين، ولكنها كانت تتميز بميزتين، الأولى كونها استكشافية لمعرفة المجتمع الجزائري ومصادره ولهجاته وعقائده وعلاقاته وتاريخه. والثانية قلة المستشرقين المحترفين والاعتماد على المستشرقين المترجمين. وكان معظم هؤلاء من العسكريين الذين يؤدون مهمات عسكرية وإدارية أكثر مما كانوا يؤلفون ويبحثون. وقد يكون هذا راجعا أيضا إلى عدم وجود المؤسسات الفرنسية العلمية في الجزائر. فالمدارس كانت ابتدائية أو متوسطة (كوليجات) فقط، ولم تظهر أول ثانوية إلا خلال الستينات من القرن الماضي. وكانت مدرسة الطب قد فتحت سنة 1857 فقط، ولم يكن لها عندئذ إمكانات الانطلاق أيضا. كما أن الجهود الفرنسية كانت منصبة على الاحتلال العسكري ومواجهة المقاومة والثورات من جهة، وتثبيت الاستيطان المدني وإحداث مراكز الهجرة الأوروبية من جهة أخرى. فالاهتمام بالبحث العلمي، والاستشراق جزء منه، كان ما يزال في مرحلته الأولى، كما قلنا.
ومن الجهود الجماعية العلمية خلال المرحلة الأولى مشروع اكتشاف الجزائر الذي أشرنا إليه والذي بدأ منذ 1839. فقد تكونت له لجنة برئاسة العقيد دي سان فانسان. وضمت اللجنة عددا من المستشرقين والمترجمين والعلماء الآخرين الذين ليس لهم علاقة بالاستشراق والترجمة، وفيها العسكريون والمدنيون. وكانت الدولة قد خصصت للمشروع ميزانية لجمع المادة والتنقلات ونشر النتائج. وقد صدر من هذا المشروع عدة مجلدات. ومن الذين شاركوا في اللجنة من المستشرقين والمترجمين: بيربروجر، وكاريت، وبيليسييه دي رينو، ووارنييه، واونفنتان. وقد ذكرنا بعض المؤلفات التي صدرت من المشروع، وهي ذات صلة بالاستشراق، مثل رحلة العياشي والدرعي (1).
وكانت العناية بالقضاء وتنفيذه على الجزائريين قد أدت بالإدارة
(1) سنتحدث عن لجنة اكتشاف الجزائر لاحقا.
الفرنسية إلى القيام بعدة دراسات في التعليم والشريعة الاسلامية والعادات والأعراف واللغة. وقد بدأت هذه الجهود خلال الأربعينات 1845 واستمرت إلى حوالي 1850. ومنذئذ صدرت عدة تقارير ودراسات عن وضع التعليم الاسلامي، والقضاء الاسلامي، والمساجد، ووضع الأئمة، ونحو ذلك. وكان وراء هذه المشاريع ضباط ومدنيون عملوا في الجزائر منهم الجنرال بيدو، وبارو، ودو نوفو، وإسماعيل عربان (اوربان).
وخلال الستينات شهدت الجزائر معركة ساخنة بين أنصار ما سمي بالمملكة العربية وخصومها، وهي فكرة كانت مبنية على ما فهم من مشروع نابليون الثالث من أنه يريد جعل الجزائر بالنسبة لفرنسا كوضع مصر بالنسبة للدولة العثمانية، وأنه يريد أن ينصب الأمير عبد القادر نائبا عنه في الجزائر. وأشيع أن وضع الجزائر سيكون أيضا كوضع المجر بالنسبة للدولة النمساوية. وقد أيد هذه الفكرة بعض المتحمسين لها، ومنهم المترجم توماس (إسماعيل) عربان (1). أما خصم فكرة المملكة العربية وخصم العرق العربي على العموم فهو المستعرب الدكتور وارنييه الذي صب جام حقده على العرب والاسلام لأنهما يقفان حجر عثرة في وجه مخطط الاندماج المذكور. وكانت هذه المعركة الساخنة خلال الستينات من القرن الماضي قد مهدت الطريق للسبعينات، أي بعد سقوط نابليون الثالث وظهور الجمهورية الثالثة. وأخذت حركة الاستشراق الفرنسي دورة جديدة منذ عشرية السبعينات في فرنسا وفي الجزائر معا.
بقي علينا أن نقول إن اعتبار الجزائر جزء من المشرق الذي تتحدث عنه ألف ليلة وليلة قد ظل سائدا خلال فترة طويلة بعد الاحتلال. وقد ظهر ذلك في أعمال الفنانين الفرنسيين الذين حلوا بالجزائر بصفة فردية أو على نفقة الحكومة الفرنسية. فقد اهتموا في لوحاتهم بالجزائر (الشرقية) - القصبة وأسرارها، والبازارات وبخوراتها، وألوانها الزاهية، والمرأة وسحرها
(1) تناولناه في فصل مذاهب وتيارات.
وفنونها، والإنسان العربي في بداوته (المتوحشة)، والطبيعة الخلابة، والاسلام ومساجده ومناراته. وسوف نتعرض إلى هذا الجانب في فصل الفنون.
في الدوريات والمجلات التي ظهرت خلال هذا العهد أيضا بدأ الاهتمام بالجزائر الشرقية. (فالمحلة الآسيوية) فتحت صدرها للدراسات القادمة من الجزائر: شيربونو، فانسان. و (مجلة الشرق والجزائر والمستعمرات) جمعت بين حياة الشرق والجزائر في عدة مقالات ومذكرات وأخبار. وكذلك فعلت (المجلة الشرقية والجزائرية) التي كانت تضم معلومات عن الجزائر ومصر وتركيا. ومن الذين ظهروا على صفحاتها الدكتور بيرون وليكليرك. ثم كانت (المجلة الافريقية) ومجلة (روكاي) ميدانا فسيحا ركض فيه المستشرقون والمترجمون على السواء. وتطول بنا القائمة لو أننا حاولنا ذكر هؤلاء وأعمالهم (1).
…
أما خلال المرحلة الثانية (ابتداء من 1880) فقد أنتجت مدرسة الاستشراق أعمالا ضخمة في نفس الموضوعات تقريبا، ولكن في شكل أكثر تنظيما. وتخطيطا. كذلك شهدت المرحلة ظهور المستشرقين المحترفين الذين تخرجوا في العادة من مدرسة اللغات الشرقية بباريس أو تكونوا في مدرسة الآداب بالجزائر. وهذا لا يعني ضعف دور المترجمين، وإنما أصبح دور هؤلاء مكملا فقط لدور زملائهم. كما ظهر إلى جانب المستشرقين مجموعة من الجزائريين الذين تكونوا في المدرسة الشرعية - الفرنسية أو في الليسيه
(1) عن ذلك انظر الدراسة المنهجية المفصلة التي نشرها ماصيه في المجلة الافريقية، 1931، بعنوان (الدراسات العربية في الجزائر) .. وكذلك بحثنا عن مدارس الثقافة العربية في الجزائر، في كتابنا (أفكار جامحة)، الجزائر، 1988. أما (مجلة الشرق) فقد أصدرتها الجمعية الشرقية الفرنسية، سنة 1841، ثم أصبحت تسمى (مجلة الشرق والجزائر والمستعمرات). انظر لاحقا.
الفرنسي أو في مدرسة الآداب، وقد أصبح هؤلاء الجزائريون معاونين ومتعاونين مع المستشرقين يخدمونهم في مختلف التخصصات والمناسبات.
وسيكون من الصعب تصنيف المادة التي درسها المستشرقون خلال هذه المرحلة، لكثرتها وتنوعها وطول مرحلتها. وحسبنا ذكر بعض النماذج داخل كل صنف من أصناف الدراسة. لقد ظهر خلال هذه المرحلة الاهتمام بما سمي (بالاسلام الجزائري)، أي الممارسات الدينية والشعائر الاسلامية، كما أصبحت عليه بعد سبعين سنة من الاحتلال. وهي ممارسات بعيدة كل البعد عن روح الاسلام وتعاليمه. فهي تعني التخلف العقلي والتزمت وضيق الأفق والشعوذة، وهي السحر والدجل والتخريف، وهي الزردات والوعدات والذبائح عند قبور الأولياء والصالحين، وهي عقائد النفع والضر في مشائخ الطرق الصوفية، وفي الأحجار والأشجار والآثار. هذا هو الاسلام الجزائري في نظر الفرنسيين ومستشرقيهم، إنه الاسلام الذي يموت لكي يترك الطريق لمرور حركة التنصير والاندماج والرسالة الحضارية الفرنسية.
وقد غطى ذلك ألفريد بيل خريخ مدرسة الآداب بالجزائر ومدير مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية وتوجه بكتابه: الفرق الاسلامية في شمال افريقية. وكان قد سبقه إلى ذلك لويس رين في كتابه مرابطون وإخوان 1884، وديبون وكوبولاني 1897 في كتابيهما (الطرق الدينية الاسلامية). ودرس ادمون دوتيه الحياة الدينية في الجزائر أوائل هذا القرن في كتابه (الاسلام الجزائري). ودرس زميله هنري قارو كذلك الحركة الاسلامية في مدار القرن. كما أصدر ايرنست ميرسييه كتابه عن المرأة والشريعة. ونشر الاسكندر جولي عدة دراسات عن (الأولياء وأساطير الاسلام) في المجلة الافريقية ومجلة العالم الاسلامي. وكان مهتما بالدراويش الذين يسميهم أولياء طبقا لعقائد العامة (1). كما أصدر دراسة مفصلة عن الطريقة الشاذلية
(1) انظر المجلة الافريقية 1913، ص 7 - 26. ومنهم سيدي نائل، وسيدي عيسى الأغواطي وسيدي يحيى مولى الهدبة، وسيدي محمد بن الحمريش، وسيدي ابن عالية، وسيدي =
في منطقة التيطري وجنوب مدينة الجزائر، كانت الحكومة الفرنسية قد كلفته بها.
وفي نطاق المذاهب نشر زيس zeys مجلدين عن الفقه الأباضي، ونشر موتيلانسكي مدونة ابن غانم في الفقه الأباضي أيضا. وكانت نسخة المدونة في ملك الضابط ريلييه Relillet كما نشر غير ذلك عن هذا المذهب، ومنه كتاب سير الأئمة لابن الصغير.
وكان دومينيك لوسياني وراء عدد من الأنشطة التي قام بها المستشرقون ومدرسة الآداب، لأنه كان مديرا للشؤون الأهلية ومستشارا للحكومة العامة أكثر من عشرين سنة من الفترة التي نغطيها. ورغم نشاطه الإداري فإنه قام بترجمة أعمال تتصل بالعقائد والفقه، منها عقيدة السنوسي في التوحيد، والرحبية في الفرائض. وقد أصبحتا من الكتب المدرسية المتداولة في المدارس العربية - الفرنسية الرسمية. كما ترجم فانيان أبواب الجهاد والطلاق والزواج من مختصر خليل، والأحكام السلطانية للماوردي، ورسالة القيرواني في الفقه، وكتاب الخراج لأبي يوسف.
أما أبرز نشاط لغوي قام به المستشرقون فهو الذي قام به رينيه باصيه وتلاميذه في هذه الفترة. ويكفي الإحالة على أعمال باصيه في (الميلانج) الذي يحمل اسمه لتعرف كم كتب عن اللغتين العربية والبربرية وآدابهما. وهذه الفترة هي التي عرفت انطلاقة كبيرة لدراسة اللهجات العربية والبربرية. لأنه كان عصر الاهتمام باللهجات عامة في المغرب العربي وافريقية. وفي هذا النطاق قدم باصيه بحثين في مناسبتين مختلفتين عن الدراسات البربرية والهوسة، وكلاهما لمؤتمر المستشرقين، الأول في هامبورغ (المانيا)، سنة 1902، وعنوان البحث هو (الدراسات البربرية والهوسة 1897 - 1902 وهو منشور في باريس 1902، والبحث الثاني قدمه لمؤتمر كوبنهاغن الذي انعقد سنة 1908، وعنوان البحث هو العنوان الأول عدا التاريخ فهو من 1902 إلى
= محمد مولى الكاف الأخضر الذي منه بنو عايس بجرجرة وبنو محمد بام دوكال، الخ.
1908.
وهما بحثان طويلان وأغلبهما عن الدراسات البربرية التي تمت في مدرسة الآداب بالجزائر وفي غيرها من المدارس الجزائرية على يد المستشرقين الفرنسيين.
وقد استعان باصيه وماسكري منذ أول وهلة بالجزائريين الذين يعرفون البربرية. فوظفا منهم في مدرسة الآداب اثنين ليكونا إلى جانبهما، وهما بلقاسم بن سديرة والهاشمي بن الونيس، ورغم أن ابن سديرة كان يعرف البربرية فقد وظفاه للعربية الدارجة بينما وظفا ابن الونيس للهجات البربرية. وكان ابن الونيس يشتغل معاونا في محكمة الجزائر. ولا نعرف له تأليفا في البربرية. أما الذي وضع قاموسا لتعليمها فهو ابن سديرة. ولكن ابن سديرة توفي سنة 1901. ومنذ حوالي هذا التاريخ ظهر اسم عمر (سعيد) بوليفة ليكون المعاون الرئيسي لباصيه في اللهجات البربرية، وخاصة القبائلية. وقد ظهر اسمه في عالم النشر سنة 1904 حين أصدر مجموعة شعرية قبائلية. كما أرسلته الحكومة الفرنسية في مهمة خاصة إلى المغرب الأقصى عندئذ إذ نشر بعض أعماله عن زيارته للمغرب سنة 1905. وكان بوليفة عندئذ معيدا في مدرسة الآداب مكلفا بتدريس القبائلية (1).
ويهمنا أن نعرف أيضا أن مدرسة الآداب قد وظفت ابن أبي شنب في اللغة العربية. وعلى يده ويد غيره من هؤلاء الجزائريين تخرج أمثال ديستان وبيل وديبارمي. وكان باصيه هو الرأس المدبر بالتنسيق مع الإدارة الاستعمارية، وخصوصا لوسياني الذي كان يوظف مواهبه الادارية وسلطته الردعية لتنفيذ مخططات فرنسا والاستشراق. ولوسياني هو الذي نشر في آخر القرن الماضي كتاب (الحوض) مع ترجمة فرنسية، وهو كتاب بالبربرية المكتوبة بالحروف العربية، وموضوعه هو الفقه بأبوابه المعروفة. وهو من تأليف محمد بن علي بن إبراهيم السوسي، من أهل القرن 18 م (2).
(1) سنترجم لكل من ابن سديرة وبوليفة في فصل اللغة.
(2)
نشره لوسياني في المجلة الافريقية سة 1896 - 1897 في أعداد مختلفة. وقد نشرنا عنه تعريفا في كتابا (أبحاث وآراء) ج 4.
وانتشر الاهتمام بالدراسات البربرية على يد آخرين. فقد نشر موتيلانسكي عن لهجة ميزاب وغدامس. وعرف بكتاب مخطوط بالبربرية عن لهجة قبيلة زواغة. وكتب ايميل ماسكري قاموسا فرنسيا- تارقيا، وبحوثا عن لهجات ميزاب والشاوية والزواوية. وقام هويغ بنشر قاموس فرنسي - شاوي، وفرنسي - قبائلي. ومن جهته بحث غوستاف ميرسييه في أسماء الأماكن (توبونيم) البربرية بالأوراس، وواصل دراسة أسماء النباتات في الشاوية (1). وفي هذا العهد أيضا كان الراهب شارل دوفوكو، صديق المارشال ليوتي وباصيه، يدرس شؤون المغرب والصحراء إلى الهقار، ويؤلف قاموسا عن اللهجة البربرية في المناطق المختلفة من الصحراء، سيما منطقة الطوارق أو التوارق. ومدرسة الآداب بالجزائر هي التي وجهت جهودها إلى المغرب الأقصى عشية احتلاله لدراسة لهجاته وتاريخه، وكانت لجنة افريقية الفرنسية في باريس التي يشترك فيها أبرز علماء الاستعماريات والضباط والحكام السابقون، توجه عنايتها لإنشاء معهد الدراسات المغربية، وهي فكرة المارشال ليوتي، كما أنشئ معهد الدراسات البربرية في المغرب الأقصى أيضا. وقد عينت السلطات الفرنسية محمد نهليل لتدريس البربرية بالمعهد الأخير. وكان نهليل قد اشتغل مترجما في المكاتب العربية بمنطقة بشار وغيرها قبل ذلك. وهو جزائري من زواوة (2).
وفي نطاق الدراسات البربرية أيضا شهد هذا العهد إنشاء كرسي (حلقة) البربرية في مدرسة الآداب، وتوسع ذلك ليشمل المدرسة الشرعية أيضا فكان في هذه المدرسة قسم خاص بالبربرية. وكذلك في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال)، فأصبح المتخرج يحمل في شهادته ملاحظة تقول إنه من قسم اللغة العربية أو من قسم اللغة البربرية مع التركيز على القبائلية. وكلا القسمين لا يهتم إلا باللهجات والعاميات المنطوقة، ولكن المستشرقين وضعوا للعاميات
(1) عن ذلك انظر باصيه، المجلة الافريقية، 1903، ص 258.
(2)
ادمون بورك (أزمة الاستشراق
…
)، مرجع سابق، ص 224.
قواعد وكتبا وتمارين. وأخذ هذا التقسيم اللغوي يتوسع ليشمل التقسيم العرقي والسياسي، فكان في المجلس النيابي المعروف (بالوفود المالية) أيضا قسمان، قسم عربي وقسم قبائلي، بينما القسم الفرنسي في المجلس نفسه كان واحدا رغم اختلاف الفرنسيين بين مسيحيين ويهود، ومن هو من أصل فرنسي ومن هو متجنس من أصل مالطي أو إسباني أو إيطالي، ومن ثمة قلنا ان الاستشراق كان يخدم الادارة الاستعمارية، وكانت هذه تخدم الاستشراق أيضا.
أما اللغة العربية فعاميتها قد تكفل بها هوداس منذ البداية 1880 ثم أخذ مكانه باصيه، كما سبق. وظلت العربية تدرس من خلال لهجاتها أيضا. وظهر الاهتمام بهذه اللهجات بشكل ملفت للنظر. فقد درسوا لهجة كل مدينة وكل جهة تقريبا، تلمسان، ندرومة، بسكرة، جيجل، والعاصمة، الخ. فكانت عبارة (لوبارلي أراب) أي الدارجة أو العامية، على كل قلم استشراقي عندئذ. وقد اتبعهم في ذلك بعض الجزائريين غفلة منهم ربما، فأخذوا يقدمون المادة لهؤلاء المستشرقين، ومنهم ابن أبي شنب وأبو بكر عبد السلام بن القاضي شعيب التلمساني، وابن علي فخار التلمساني أيضا، ومحمد صوالح، الخ. كما قام هؤلاء الجزائريون بتأليف قواميس عربية - فرنسية عن لهجة قبيلتهم أو جهتهم. ويقصدون هنا العربية الدارجة. ولعلهم كانوا ينظرون إلى الموضوع نظرة جارية أيضا لأن هذه القواميس المدرسية كانت من وسائل توفير المال، لأن النشر الأدبي أو البحوث العلمية المستقلة لا توفر ذلك. وكانت هذه المؤلفات بالإضافة إلى العامية تكتب أيضا من اليسار إلى اليمين. ومهما كان الأمر فإن أولئك المثقفين الجزائريين عندئذ لم يتفطنوا ربما إلى مخططات الاستشراق السياسية والحضارية فساروا في ركابه. وقد أضاف ابن أبي شنب عملا مهما في حد ذاته، لو لم يكن في نطاق هذه المدرسة الاستعمارية، وهو دراسة بقايا اللغتين الفارسية والتركية في مدينة الجزائر (1). وفي هذا النطاق نذكر أيضا دراسات ونصوص
(1) كثر الحديث عندئذ عن تجديد المناهج لتعليم العربية، وشارك في ذلك بعض يهود الجزائر الفرنسيين، لأن دراسة العامية أصبحت أيضا تجارة رابحة، وهكذا أصدر =
جولي عن الشعر الشعبي في عدد من المناطق الصحراوية (1).
أما الأدب العربي فلم يكن يدرس في الجزائر إلا نادرا، على يد بعض شيوخ المدارس الشرعية - الفرنسية أمثال ابن الموهوب في قسنطينة وعبد الحليم بن سماية في العاصمة والغوثي بن علي في تلمسان. أما مدرسة الآداب (كلية الآداب) فأول من ولى بها كرسي الأدب العربي هو باصيه، ثم فانيان، كما أشرنا. وقد ظل فانيان إلى وفاته سنة 1931 أستاذا للأدب العربي. وقد عرفنا أنه كان مهتما بالتاريخ الاسلامي والمخطوطات أكثر من اهتمامه بالأدب الصرف. ومن المستشرقين (الأدباء) أوغست كور الذي كتب أطروحته عن شعر ابن زيدون. ولكن كور لم يدخل مدرسة الآداب وإنما كان أستاذا للغة العربية في مدرسة تلمسان ثم قسنطينة، أي المدارس الشرعية وليس الجامعة. وكان وجود ابن أبي شنب في مدرسة الآداب ضمانة قوية لدعم الأدب العربي، ولكنه كان، كما نعرف، أستاذا إحتياطيا فقط، شأن الجزائريين الآخرين، وكان تلاميذه هم المستشرقين، وقلما دخل الجزائريون هذه المدرسة (الكلية). ومن جهة أخرى فإن اهتمام ابن أبي شنب كان بالمخطوطات واللغة والتحقيق أكثر منه بالأدب الصرف أيضا. فهو بحق أقرب إلى أن يكون باحثا استشراقيا من أن يكون أديبا عربيا.
وبالإضافة إلى ذلك ظهرت في المرحلة الثانية للاستشراق دراسات عن المدن والمجتمع (الأهلي) في عهوده المختلفة. فكتب ماسكري أطروحته عن السكان الحضريين في الأوراس وجرجرة وميزاب وطريقة تشكل المدن في هذه المناطق. ونشر موتيلانسكي دراسة عن مدينة القرارة، وملاحظات عن سوف وغدامس. وقام جولي بدراسة اجتماعية عن منطقة التيطري. وظهرت مونوغرافات أو كتب متخصصة عن مختلف السكان والمدن على يد مترجمين وإداريين يطول ذكرها هنا. ذلك أن كل متصرف إداري كان يجمع
= ديدنشانت وكوهين سولال (كلاهما من وهران) كتابا سنة 1897 سمياه (الكلمات المستعملة في اللغة العربية الدارجة).
(1)
انظر فصل الشعر.
التقارير والاحصاءات والملاحظات والانطباعات أثناء عهده في الخدمة، فإذا تقاعد نشر كتابا عن المنطقة أو البلدة التي عمل فيها. وكان هؤلاء غالبا متأثرين بجو الاستشراق والنظريات الاجتماعية والانثروبولوجية الجديدة.
أما التاريخ والجغرافيا والآثار وما يتصل بها فقد برز فيها عدد من المستشرقين أيضا. ولعل أكثرهم قيمة واعتدالا هو جورج مارسيه. وكانت جهوده في ميدان الآثار الاسلامية تشهد على ما قلناه سيما كتابه عن الآثار العربية في تلمسان، والآثار الاسلامية في العصور الوسطى. وله بحوث حول بعض المساجد والقصور ذات أهمية علمية (1) خاصة. وقد نشر فانيان أعمالا تاريخية عديدة منها القليل المتصل بالجزائر والآخر عن المغرب الاسلامي والأندلس والمشرق العربي. من ذلك تاريخ الموحدين للمراكشي، وتاريخ الدولتين للزركشي، وحوليات المغرب والأندلس لابن الأثير، وتاريخ افريقية والأندلس لابن عذاري، وفي هذه الأثناء ظهر أيضا كتاب أوغسطين بيرنار عن البداوة.
واهتم المستشرقون بالمخطوطات العربية والبربرية فحققوا منها البعض وكلفوا الجزائريين بتحقيق الآخر، كما اشتركوا في الترجمة والتحقيق معا أحيانا. ومن رجع إلى تأليف هنري ماصيه (الدراسات العربية في الجزائر) سيدرك كثرة ما نشر من المخطوطات في شكل كتب ووثائق. ولعل أبرز من فعل ذلك رينيه باصيه وتلميذه ابن أبي شنب. ونحن نحيل على دراسة ماصيه المذكورة، وما نشر بعد ذلك على يد كور وغوستاف ميرسييه، وما نشر أيضا في (الحوليات الشرقية) التي كان يصدرها معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة الجزائر. وننبه إلى أن بعض المخطوطات قد اشترك في تحقيقها جزائري ومستشرق مثل (روضة النسرين) في تاريخ بني مرين التي حققها جورج مارسيه والغوثي بو علي (2)، وهنري جاهير ونور الدين عبد القادر في
(1) الجهود الفنية التي ظهرت في مشروع فيلا عبد اللطيف منذ فاتح هذا القرن سنتعرض إليها في فصل الفنون.
(2)
باريس، 1917. وحول نفس الموضوع (تاريخ بني مرين) نشر ليفي بروفنصال في =
نشر (روضة السلوان) للفجيجي (1). وقد كان محمود كحول قد نشر قصيدة الصيد (روضة السلوان) في التقويم الجزائري الذي كان يشرف عليه، سنة 1911، صں 71 - 94 (2). وكان نور الدين عبد القادر قد اشترك مع غبريال كولان في تسليط الضوء على أعمال عبد الرزاق بن حمادوش. وكان ليكليرك قد اهتم بابن حمادوش وترجم بعض أعماله إلى الفرنسية (3).
وقد نشر شيربونو وثائق ونصوصا من كتاب (النبذة المحتاجة في أخبار ملوك صنهاجة)، وهو من تأليف محمد ابن حماد الصنهاجي، من أهل القرن الخامس الهجري، نشر ذلك في (المجلة الآسيوية). ولكن الكتاب قد ضاع فيما يبدو، وقد يكون شيربونو حصل على النسخة الوحيدة فأخذ منها ولم يرجعها لأصحابها. ذلك أن الباحثين لم يعثروا حتى الآن على نسخة كاملة من (النبذة) المذكورة. وعندما درس عثمان الكعاك العهد الحمادي اعتمد على ما نشره شيربونو. ويذكر الكعاك أيضا أن السيد أماري قد نقل من النبذة في المكتبة الصقلية (4).
وكانت رحلة الورتلاني قد أثارت اهتمام المستشرقين أيضا. وقد نشرها بالعربية محمد بن أبي شنب، ولكن ذلك لم يلب حاجة المستشرقين. كانت إحدى النسخ المخطوطة في حوزة المولود بن الموهوب، وثلاث نسخ أخرى عند جان ميرانت سنة 1899. وكان ميرانت يسعى إلى ترجمتها (وهو
= المجلة الآسيوية، 4، 1923، نفس الكتاب مع تعاليق إضافية معتمدا على مخطوطتين جديدتين، كما نشر بروفنصال أيضا كتاب ابن مرزوق (المسند الصحيح) في تاريخ بني مرين في مجلة هيسبريس، 5، 1925، وظهر في شكل منفصل في 32 صفحة، باريس، 1925. وأيضا شارك ابن أبي شنب في ذلك بنشر كتاب مجهول المؤلف في تاريخ بني مرين عنوانه (الذخيرة السنية)، الجزائر، 1921.
(1)
الجزائر، 1959. النص 28 والترجمة 69 + 16.
(2)
انظر المجلة الافريقية، 1959، مراجعة علي مراد، ص 409 - 410.
(3)
انظر تحقيقنا لرحلة ابن حمادوش، وكذلك دراستنا عنه بعنوان (الطبيب الرحالة).
(4)
شيربونو، المجلة الآسيوية، 22، 1852، ص 510 - 570. والكعاك (بلاغة العرب)، تونس، دون تاريخ، ص 18 - 28.
مترجم عسكري كان يعمل في إدارة الشؤون الأهلية)، ولعل كثرة أشغاله وضخامة حجم الرحلة قد أخراه على إنجاز مشروعه. ولذلك قام زميله موتيلانسكي أستاذ العربية ومدير مدرسة قسنطينة الشرعية بترجمة الجزء الخاص بالرحلة من طرابلس إلى القاهرة (1). ثم وجدنا محمد الحاج صادق، في عهد متأخر، يقوم بترجمة خاصة للرحلة الورتلانية.
وفي سنة 1911 نشر ألفريد بيل بالتعاون مع الغوثي بوعلي (كان المدرس الرئيسي في جامع تلمسان الأعظم) القسم الأول من الجزء الثاني من كتاب (بغية الرواد) ليحيى بن خلدون، وهو في تاريخ بني عبد الواد. وهو عمل يشتمل على النص العربي والترجمة. وكان الجزء الأول قد نشر حوالي 1903. واعتمد المحققان على عدة مخطوطات. والقسم الثاني المذكور يشمل عهد أبي حمو موسى الثاني إلى حوالي أربع سنوات فقط قبل اغتيال المؤلف يحيى بن خلدون الذي كان كاتبا للسلطان أبي حمو. وهكذا كان التعاون وثيقا بين الجزائريين والمستشرقين ولكن الفائدة كانت لصالح هؤلاء دائما (2).
أما الأعمال الجماعية للاستشراق فقد ظهرت في عدة حالات. نذكر منها الجمعيات العلمية التي أنشئت منذ أواخر القرن. وكانت جمعيات الجزائر والمغرب العربي عموما تتجاوب مع مثيلاتها في فرنسا. وكانت الجمعيات العلمية في الجزائر وتونس والمغرب تعقد اجتماعات دورية في إحدى المدن الرئيسية بمنطقة المغرب العربي. ويصدر عن ذلك مجموعة الأعمال والبحوث التي تقدم في كل اجتماع، وهو مجهود يدل على البرمجة والتخطيط حيث يتوزع المشاركون - وليس جميعهم من المستشرقين - موضوعات تدخل في أغلبها في نطاق العلوم الاجتماعية. وهناك مناسبة أخرى أظهرت فيها مدرسة الآداب قوتها وهي انعقاد مؤتمر المستشرقين 14
(1) انظر المجلة الجغرافية الجزائرية SGAAN 1899 - 1900، ص 136 - 140.
(2)
راجعته (مجلة العالم الاسلامي) مارس 1912، 252، وابن أبي شنب في (المجلة الافريقية)، 1914، ص 150? 152.
سنة 1905، الذي صدرت عنه مجموعة وقائع وبحوث أيضا في عدة مجلدات، وحضره حوالي 500 مشارك معظمهم من فرنسا وأوروبا. أما المناسبة الأخيرة فهي الاحتفال المئوي بالاحتلال سنة 1930. وقد تألفت له (لجنة علمية)، منذ 1927. وكانت مكلفة بكتابة بحوث وإعداد نشرات وإقامة معارض، الخ. لتعريف العلماء الزائرين إنجازات فرنسا في الجزائر. ولعبت في هذه المناسبة كلية الآداب الدور الرئيسي. وظهر الارتباط الدقيق بينها وبين إدارة الاستعمار من جديد، أو بالأحرى بين هذه الإدارة والاستشراق.
يقول هنري ماصيه، المستشرق الذي نشر عمله من وحي الاحتفال المئوي أيضا، عن جهوده وجهود زملائه، ما يلي: إن المجالات التي عالجها المستشرقون (يسميهم المستعربين) في الجزائر خلال رحلتهم هي: المعاجم، واللسانيات، والخطوط (الكتابات)، والتاريخ الديني، وتحقيق وترجمة النصوص الأدبية والتاريخية والجغرافية والفقهية والعلمية، ثم الدراسات الأثنوغرافية والفلكلورية، وأخيرا، الكتب المدرسية.
أما ما يزال ينتظرهم فهو في نظره تدريس تاريخ الأدب (العربي؟) وذلك بالخروج من العموميات بعد أن يملك الطلبة مجموعة عربية من المؤلفين والتراجم ثم ترجمات كثيرة من النصوص التاريخية المتعلقة بالجزائر، ولكن بقيت أعمال أخرى تتعلق بالتاريخ والفقه في المغرب العربي عامة، وهي مجموعة الأحاديث الدينية لمالك بن أنس (1) ومسلم، بالإضافة إلى نصوص إباضية. كما أن بعض النصوص الجغرافية المتعلقة بالجزائر ما تزال غير مترجمة. ومن جهة البحث اللغوي والاثنوغرافي فما يزال هناك مجال واسع أمام الباحثين نظرا لتطور المجتمع الأهلي السريع. والواجب، في نظره إجراء تحقيقات عميقة ومنهجية في مختلف المناطق عن عادات وتقاليد ولهجات السكان. ودعا إلى ضرورة إنشاء (معجم العربية الجزائرية).
(1) كذا، ولعله يقصد موطأ الامام مالك، وصحيح مسلم.