الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل
خلال الستينات ظهرت على صفحات المبشر كتابات بتوقيع رجال العلم الجزائريين يدعون قومهم للتعلم باللغة الفرنسية وتحصيل العلوم الفرنسية. لم يكن هؤلاء من خريجي السوربون ولا من مدرسة سان سير ولا حتى الكوليج الامبريالي. كان بعضهم إماما للصلاة، وبعضهم مدرسا في المدرسة الشرعية - الفرنسية، قبل أن تدخلها اللغة الفرنسية. وبعضهم كان من المرابطين الذين تولوا وظائف إدارية مثل ابن علي الشريف الذي دعا إلى ذلك في رحلته إلى فرنسا سنة 1852 (1). ومع ذلك أخذوا على عاتقهم دعوة مواطنيهم إلى التعلم باللغة الفرنسية على صفحات الجريدة الرسمية الوحيدة.
لم يكن الجزائريون ضد العلم من حيث هو، كما عرفنا، ولكنهم كانوا يريدون حرية التعليم بلغتهم والمحافظة على دينهم وأخلاقهم وتراثهم. ومن جهة أخرى كانت المدارس المفتوحة لا تكفى حتى لأبناء المخلصين لفرنسا. ففي القطر الجزائري كله خلال الخمسينات والستينات لا توجد إلا 42 مدرسة ابتدائية، وكانت تسمى عربية - فرنسية. إذن فالدعوة إلى التعلم في مثل هذه المدارس هي دعوة مجانية يوم بها شيوخ أمثال مصطفى بن السادات، ومحمود بن الشيخ علي، ومحمد بن عبد الله الزقاي، يضاف إليهم حسن بن بريهمات الذي كان يعرف الفرنسية ولكن ثقافته العربية كانت تطغى عليه، كما عرفنا. وسليتحق عبد القادر المجاوي بالركب في آخر السبعينات أيضا.
(1) يعتبر من المبكرين في هذه الدعوة، وربما سبقه إلى ذلك أحمد بوضربة، رغم أننا لا نملك له نصا الآن في ذلك. أما ابن علي الشريف (زاوية شلاطة) فقد تعلم الفرنسية بسرعة خلال الأربعينات، وحصل على الوظيف المذكور (باشاغا)، ودعى إلى باريس ضمن وفد من الأعيان، ثم كتب رحلته ونشرها سنة 1852. وفي نظره أن الجزائري يحتاج الفرنسية في الحاضر والمستقبل (الحال والمآل). وقال إنه لا خوف على الأطفال. ولكنه وقف معارضا بشدة لسياسة لافيجري الدينية بعد ذلك.
من كتاب هذا العهد إذن شيوخ اعتقدوا أنهم يدعون إلى العلم - كما تدعو إليه المبشر - ولكنهم كانوا يجهلون ما وراء ذلك. وقد كتب أحدهم يحبذ إدخال ملكية الأرض فرديا طبقا لمرسوم 1863 ولم يدر أن في ذلك انتزاعا للأراضي من أصحابها عن طريق التحايل القانوني وتمليكها للكولون، وتحطيما لقواعد المجتمع. لا نستطيع أن نتهم أولئك المشائخ بأنهم كانوا (عملاء) للإدارة الاستعمارية، ولكن فقط نتهمهم بالجهل بخلفيات السياسة الاستعمارية وأبعادها. ألم يؤيد مشائخ: أمثالهم الحكومة العامة سنة 1933 حين أصدرت منشور ميشيل بغلق المدارس الاصلاحية؟ ألم يدعم مشائخ وآخرون فرنسا سنة 1914 ضد الدولة العثمانية؟ ألم يصفوا وفد المؤتمر الاسلامي سنة 1936 بأنه كان يتدخل في السياسة ويتحدث عن الوطنية (الممنوعة؟) إن السلطات الفرنسية كانت تجد أمثال هؤلاء المشائخ في كل وقت يختمون على قراراتها ويصدرون لها الفتوى المناسبة. ومع ذلك فلا نستطيع أن نسمي هؤلاء جميعا بأنصار الاستغراب والاندماج، لأن هؤلاء الدعاة كانوا من الجهلة بالسياسة، أما الأنصار الحقيقيون للاندماج فهم طائفة أخرى.
- مصطفى بن السادات: ابتداء من سنة 1864 بدأ يظهر اسم مصطفى بن السادات على صفحات جريدة المبشر. وهو إسم لا نعرف عن صاحبه أي شيء غدا ما كتبه بنفسه، وبعض الوظائف التي تولاها، أو تردد اسمه في بعض الوثائق الرسمية. إننا نعرف عنه أنه كان بالمدرسة الشرعية - الفرنسية (الكتانية) التي أسسها الفرنسيون في قسنطينة (1)، وكانت المدرسة بإدارة محمد الشاذلي، وكانت كتابة ابن السادات في المبشر تحث الجزائريين على تعلم العلم عموما والعلم الفرنسي خصوصا وباللغة الفرنسية بالذات. وكان يطلب منهم ألا يخافوا ولا يترددوا في إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية
(1) المدرسة الكتانية تأسست في عهد صالح باي في آخر القرن الثامن عشر. وقد تحدثنا عنها في غير هذا. وقد أبقى عليها الفرنسيون وجعلوها مقرا للمدرسة الشرعية سنة 1850.
القليلة التي نشأت بالبلاد. كان ذلك في الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية تقول إن (التعصب) ومعاداة الفرنسيين والخوف من تنصير الأطفال هى التى وقفت حائلا دون الإقبال على المدارس الفرنسية. بينما كان الجزائريون يطالبون بمدارس يشرفون عليها بأنفسهم.
ففي 22 فبراير 1864 نشرت المبشر مقالة لمصطفى بن السادات تحت عنوان (نصيحة وإرشاد لمن عطل عن مسابقة الأقلام وإهدار المداد) في المعنى الذي سقناه. وهو يبدو فيها أديبا وعالما من علماء الوقت، وكان أكثر معارف وأفضل قلما من محمد الشاذلي المعروف بأشعاره الضعيفة. ولعل ابن السادات كان من إخراج المستشرق شيربونو الذي كان يبث اللغة الفرنسية والتأثير الفرنسي في بعض المسلمين كما كان يلم اللغة العربية للفرنسيين. وقد حث ابن السادات في المقالة المذكورة على التعلم ونهض ضد الأمية ودعا إلى الكتابة والتدوين. وهو كلام لا يعارضه فيه مواطنوه. وعشية فتح فرع الكوليج الامبريالي (المدرسة السلطانية) في قسنطينة، كتب ابن السادات مقالة جيدة في محتواها ومبناها، ولكن دوافعها تظل محل شك.
عنوان المقالة الجديدة هو (النصيحة الدرية في تأديب الذرية)، وهي بقلم عربي سليم، وقد احتوت على آداب جمة. ووصف المدرسة الجديدة، وهي غير المدرسة الشرعية، معنويا وظاهريا، ومدى ما سيكون لها من تأثير مفيد على السكان في قسنطينة (المرعية)، وذكر أن البرنامج قد اشتمل على مواد عربية وأخرى فرنسية، وأنه سيكون للمدرسة إمام ومصلى ومصحة، وهو ما كانت سلطات نابليون حريصة عليه ظاهريا لترغيب الجزائريين وإزالة تخوفاتهم على أبنائهم. ومحتوى المقالة عموما كأنه صادر عن مصلحة الشؤون الأهلية، ففيه نفس التعابير والمعاني وأحيانا نفس الألفاظ. فالمدرسة مؤسسة هامة، والعلم مطلوب ومرغوب دنيا وأخرى. والدولة الفرنسية حريصة على تعليم الأهالي علومها وتمدينهم بلغتها، وهكذا. ويقول ابن السادات إن اللغة الفرنسية أصبحت ضرورية لكسب العلوم والوظائف. وأخبر قومه أن واحدا وثلاثين جزائريا (أي بعد عشر سنوات) قد تخرجوا من
المدرسة السلطانية (الكوليج) الأم بالعاصمة، وأصبح من بينهم المهندس والترجمان والضابط والأستاذ والقايد. وحذرهم من أن اللغة الفرنسية ستكون هي جواز السفر الوحيد إلى الوظائف، وأن الذي لا يعرفها لا مكان له في تولي الوظائف. إن اللغة الفرنسية في نظره هي (التي عليها المدار، ولصاحبها يحصل العز، والعاري منها يبقى في خمول الإدبار، ومن حصلها واستغنى عن التلبس بالتولية (الوظيف)، فهي له نعم التحلية، يتنزه في مراتع آدابها) (1). ومعنى هذا أن الذي يعرف الفرنسية سيكون دائما في المكانة اللائقة سواء دخل الوظيف أو لم يدخله. والغريب أن ابن السادات لم يقل شيئا عن لغة قومه ووضعها أمام هذه الدعوة إلى التحول. ولولا وجود الاسم تاريخيا لقلنا إن ابن السادات قد يكون اسما مستعارا لأحد كتاب المبشر، كما قلنا عن معاصره علي بن عمر.
ولابن السادات مقالة أخرى بعد هذه يتحدث فيها عن الدخول المدرسي سنة 1867، ويصف المدرسة من جديد ومديرها السيد (أوبلان)(2). وكانت المدرسة السلطانية - فرع قسنطينة - قد افتتحت أوائل 1867، وكانت ناجحة فعلا حسب التقارير. ولكن الأميرال ديقيدون، الحاكم العام، ألغى الفرع والأصل لأنه كان لا يريد هو، ولا المستوطنون، أن يتعلم الجزائريون عموما، سيما التعليم المزدوج الذي جاءت به المدرسة السلطانية، لأن هذه المدرسة كانت عندهم رمزا لما كانوا يسمونه عهد المملكة العربية.
قلنا إن مصطفى بن السادات شخصية تاريخية وليس اسما مستعارا.
(1) المبشر 27 ديسمبر 1866. والمقالة (تتمة) لجزء منشور في عدد سابق لم نطلع عليه. فليراجع من يرغب أولها في العدد الذي قبل هذا.
(2)
نفس المصدر، أول يناير، 1867. تولاها أوبلان Aublain في التاريخ المذكور إلى إلغائها سنة 1870، وكان أوبلان عقيدا في الجيش، وقد عمل في المكتب السياسي والشؤون الأهلية، وزار المغرب. ولد في باريس سنة 1828. انظر عنه أيضا بيروني، مرجع سابق، ص 334.
ودليلنا أننا وجدنا في الأرشيف الفرنسي اسمه سنة 1896 بين قائمة أعيان قسنطينة. ولكن الوثيقة اكتفت بوصفه بأنه من الملاك. ولم تتحدث عن علمه ولا عن تأليفه ولا حتى عن تقاعده (1). ويبدو أنه كتب ما كتب في المبشر عندما كان عمره حوالي 35. ومن ثمة فهو من الجيل الأول للاحتلال، ويبدو كذلك أنه تأثر به أكثر من غيره. فكانت دعوته عندئذ (في الستينات) تشبه دعوات أنصار التفرنس اليوم مع نفس الحجج تقريبا. وقد ذكره أيضا عبد الحي الكتاني باسمه: مصطفى بن أحمد بن سادات، وقال إنه أخذ العلم عن الشيخ المكي البوطالبي بقسنطينة (2).
محمود بن الشيخ علي: هناك شيخ آخر ظهر اسمه في الستينات أيضا على صفحات المبشر من جهة وفي الحياة الدينية والعلمية من جهة أخرى، ونعني به الشيخ محمود بن الشيخ علي الجزائري، كما ظهر في المبشر، أو محمود بن علي بن الأمين، كما ترجم له أبو القاسم الحفناوي في تعريف الخلف. وهذا شيخ لا غبار على أصله وفصله. فهو ابن المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين، وكان (الأب) شيخ جيل كامل من علماء الجزائر عشية الاحتلال (3). وقد جاء ابنه كأبيه علما ولكنه ليس كأبيه عملا. فلم يصل إلى رتبة الفتوى رغم أنه من علماء الوقت، وكان ولوعا بالكتابة والنسخ وله مكتبة غنية. فهو إذن من رجال الدين الذين رضوا بأن يأكلوا الخبز بعلمهم مع الفرنسيين. وكانت الوظيفة المعروفة له هي الإمامة في المدارس التي أسسها الفرنسيون، أولا في المدرسة السلطانية (الكوليج) بالجزائر. والمعروف أن هذه المدرسة تأسست سنة 1857. فهل تولى الإمامة هناك عندئذ أو في وقت لاحق؟ وهذه الوظيفة لم يذكرها له الحفناوي، وإنما ذكر له الإمامة في الليسيه الفرنسي. ونحن نعرف أيضا أن المدرسة السلطانية قد ألغيت سنة
(1) ارشيف إيكس (فرنسا) رقم 81 H 10 .
(2)
عبد الحي الكتابي (فهرس الفهارس) 1/ 239. ويبدو أن الكتاني قد عرفه أو راسله إذ يقول إن ابن السادات كانت له كراسة أحمد زروق البوني يرويها بالإجازة.
(3)
انظر كتابنا تاريخ الجزائر الثقافي، ج 1، 2. وكذلك دراستنا عن ابن العنابي.
1871 وحول تلاميذها وإمامها إلى الليسيه. وبالإضافة إلى الإمامة تولى الشيخ محمود التدريس في الجامع الكبير أيضا. ويبدو أن ذلك كان في التسعينات فقط حين شيخ لبعض رجال الدين بإعطاء درس في التوحيد وآخر في الفقه للعامة. وقد توفي الشيخ في 17 فبراير 1897 (1). وله كما قلنا ولع بالنساخة، كما له تعليق في الطب سنتناوله في جزء آخر.
ومن ذلك نفهم أن الشيخ محمود بن الأمين كان من أعيان مدينة الجزائر، وكان من رجال الدين والعلم. فإذا كتب يدعو إلى فكرة ما فإن كلمته ستكون مسموعة عند من يعرفون قيمة أسرته، على الأقل. هذا هو الدافع في نظرنا الذي جعل الفرنسيين يلجأون إلى هذا الإمام الموظف عندهم ليستخرجوا منه رأيا في تأييد دعوتهم بأن يترك الجزانريون (تعصبهم) ويقبلوا على تعلم الفرنسية وعلى العلوم التي تعرضها عليهم فرنسا. فقد كتب الشيخ محمود مقالة مطولة استغرقت صفحة كاملة وعمودا من المبشر وكتبت بحرف رقيق، وعنوانها (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية). وفاتحتها عبارة عن خطبة من خطب الجمعة، ولعله كان يخطب بذلك أيضا وبنفس الأفكار في المساجد أو في المدرسة السلطانية. وقال إن دافعه إلى كتابتها هو ما رآه من بخل الناس بأنفسهم عن التعلم ولجوئهم إلى الكسل، فجاء ليوقظهم من سباتهم وينبههم إلى ضرورة التعلم وإلى فضل العلم وشرفه وذم الجهل وغوائله، لكي يرقوا إلى أعلى الدرجات الإنسانية. وبعد أن عرف العلم في اللغة والقرآن الكريم والحديث الشريف والآثار والشعر، وهو يورد النصوص والأشعار المؤيدة لذلك، مما يدل على اتساع معارفه في الأدب والتراث والتاريخ، رجع بعد ذلك إلى مقصوده وأخبر أن العلم صالح للدنيا والآخرة وهو مطلوب شرعا.
أما عن اللغة والعلوم الفرنسية فقد تجول فيها الشيخ محمود جولة
(1) الحفناوي، تعريف الخلف، 2/ 474. عن دوره في النساخة انظر فصل المنشآت الثقافية.
كبيرة، ودعا قومه بكل صراحة إلى ضرورة الأخذ بها لأن اللغة العربية لا تتسع في نظره لكل المصطلحات كما كانت في الماضي. واعتبر الفرنسيين متفوقين ليس فقط على الجزائريين ولكن على الأجناس الأخرى أيضا. ونبه الجزائريين إلى أن المصريين استفادوا من اللغة والعلوم الفرنسية بقيادة حاكمهم محمد علي باشا. وأما كون الجزائر ليس لها حاكم مثل محمد علي باشا فهذا لا يهم الشيخ محمود (1). وقال إنه من الحماقة والبلادة عدم تعلم الفرنسية وعلومها. فهو يقول:(صارت اللغة الفرانسوية وكتابتها في هذه الأعصر وسيلة لا غنى عنها في العلوم على اختلافها وسائر الصنائع وفنونها، خصوصا الطب والهندسة والحساب والتنجيم والجغرافية والطبيعيات والرياضيات، وما يتفرع عنها). ثم مدح أهل فرنسا على داعتهم في هذه العلوم والصنائع، وقال إنه لا يمكن الوصول إلى ما ذكره إلا باللغة الفرنسية وكتابتها (لعدم وجود اللفظ العربي لمسمياتها). ونلاحظ أنه يلح على (كتابتها) لأن المقصود ليس مجرد التعلم الشفوي لها، أو الحديث بها. وفي نظره أن العلم قد ازدهر عند العرب في العصور السالفة ونشطت حركة الترجمة، ولكن حان الوقت الذي انتقلت فيه العلوم إلى فرنسا (وبلغت أوجها بمدينة باريس، ولا يوجد من حكماء الإفرنج من يضاهي حكماءها).
وإذا كان الأبعدون يذهبون إلى فرنسا لطلب العلم فيها (كيف نحن المقيمون معهم (أي الفرنسيين) والمحتاجون لمخالطتهم
…
حيث أننا تحت حمايتهم، ولا نفقه لسانهم؟ فهذا هو غاية الحماقة وشدة البلادة) إن فرنسا (لحنانتها) على الجزائريين قد فتحت المدارس لتعليم لغتها والكتابة بها في كل ولاية، وأنشأت كذلك مراكز لتعليم الصنائع. فالواجب على أولياء التلاميذ عدم ترك أولادهم نهبا للإهمال والضياع، لأن إرسالهم إلى المدارس الفرنسية وتعلم العلوم بها سيضمن لهم حياة سعيدة. ومما قاله إن عندنا
(1) كان الشيخ محمود يسمى الاحتلال (حماية)، ويقول إن فرنسا تحن على الجزائريين. ويسمي سياستها (حنانة) وإحسانا. وهي تعابير استعملها غيره أيضا وتدل على تأثير مدرسة المبشر في هذه الفئة.
علوما دون أن نستفيد منها، وهي عند الفرنسيين قد بلغت حظا كبيرا، ويعني بذلك علم الزراعة والنباتات وسبك المعادن والكيمياء
…
و (فن ترجمة الكتب العلمية، وهو من الفنون الصعبة، لأنه يحتاج إلى معرفة اصطلاحات أصول العلوم المراد ترجمتها)(1).
ونلاحظ على كتابة الشيخ محمود عدم استعمال السجع، وبساطة الأسلوب، ووضوح الأفكار، وغزارة المعارف، وقوة الحجة. غير أن شواهده كثيرة وطويلة. ولعله كان يسعى إلى إقناع المترددين أو الخائفين على مصير أولادهم إذا دخلوا المدارس الفرنسية. ولكن الشيخ لم يتفطن إلى خلفيات هذه الحملة التي تنظمها المبشر ومن ورائها إدارة الشؤون الأهلية والمكاتب العربية التي كانت تصور فرنسا بلادا متحضرة من جهة وحاملة لواء الحضارة والتمدين من جهة أخرى. وكان ذلك يحدث أيام انتزاع الأراضي من الجزائريين عن طريق المرسوم المشيخي وإغراق البلاد بالمستوطنين الفرنسيين الذين كانوا يأتون من كل الأنحاء الأوروبية، كما كان يحدث أيام ثورة أولاد سيدي الشيخ التي كان فيها الجيش الفرنسي (الإفريقي) يرتكب الفظائع بقيادة اللقيط يوسف وأمثاله. وصدر سنة 1865 قانون يعتبر الجزائريين (رعايا) لا مواطنين فرنسيين إلا إذا تخلوا عن الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية. هذه الخلفيات لم كن يعرفها الشيخ محمود، ولكن الشعب كان يعرفها جيدا ويعيشها يوميا. ولذلك كان لا يؤمن بالبهرجة ولا بالحملة التي تصور فرنسا (حانة) وذات قلب رحيم على الجزائريين المساكين.
وقد وظفت السلطات الفرنسية الشيخ محمود أيضا في مناسبة أخرى ليحبذ إجراء الانتخابات في الجزائر على عهد الحاكم العام المارشال ماكماهون. إن كلمة رجال الدين في مثل هذه الأمور (لجديدة) على
(1) المبشر، 25 يوليو، 1867. قارن دعوته هذه بما جاء في كتيب المجاوي (إرشاد المتعلمين) المنشور سنة 1877.
الجزائريين كانت تزكي مشاريع الفرنسيين. فالشيخ محمود وإن لم يكن مفتيا فهو من عائلة تولت الفتوى. ولم يكتب الشيخ محمود رأيه في الانتخاب كوسيلة من وسائل العمران والتحضر في جريدة المبشر بالأصالة وإنما نشرها في جريدة مشرقية ذات صيت ذائع، وهي (الجوائب) التي كان يديرها أحمد فارس الشدياق من اسطانبول. وقد نقلتها المبشر عن الجوائب (1). وإذا علمنا أن السلطات الفرنسية في الجزائر كانت على علم بكل صغيرة وكبيرة تصدر عن الجزائريين، وأن الشيخ محمود كان موظفا (إماما) في المدرسة السلطانية، علمنا أن مقالته في جريدة (الجوائب) قد مرت قبل كل شيء بإدارة الشؤون الأهلية، وأن نشرها في الجريدة المذكورة كان له هدف في السياسة الفرنسية في المشرق أيام أزمة جبل لبنان وتدخل فرنسا في الشؤون العثمانية. ولكن أين للشيخ محمود معرفة كل ذلك (2)؟.
والانتخابات المشار إليها تتعلق بانتخابات أعضاء من الجزائريين إلى المجالس البلدية بدل التعيين. وهو مبدأ له مكانته في النظم السياسية الحرة، ولم يكن الجزائريون أحرارا ولا كانت النظم الخاضعين لها كذلك. وقد أصدر ماكماهون ذلك في فترة كانت الجزائر تعالي فيها من الجوائح المزمنة التي ضربت منذ 1867، كما كانت تعاني من إطلاق ماكماهون نفسه اليد للكاردينال لافيجري، زعيم الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، الذي أنشأ الملاجئ لجمع الأيتام وتنصيرهم في خضم الجوائح المشار إليها. وهل كان الشيخ محمود على علم بكل ذلك؟ لقد قال عن قانون الانتخابات أنه ذو
(1) المبشر 21 يناير 1869. ولم يكن يغيب عن السلطات الفرنسية أن الشيخ محمود أرسل مقالته إلى جريدة (الجوائب) العثمانية. ولا ندري لماذا أخرت نشرها إلى ما بعد ظهورها في المشرق؟.
(2)
وظفت السلطات الفرنسية أيضا الشيخ محمد بن عبدالله الزقاي، خريج الأزهر، وشيخ مدرسة تلمسان، في عدة وظائف تتصل بالقضاء، ومن هذه الوظائف كتابة مقالة في مدح المرسوم المشيخي 1863 حول تحويل ملكية الأرض من جماعية قبلية إلى فردية. وشرح القانون الذي سماه (التحديد) أي تحديد الأراضي. وعنوان مقالته:(تنبيه أكيد لمن عساه يغفل عن فائدة التحديد). المبشر، 28 نوفمبر، 1867.
فائدة من الناحية العمرانية والاجتماعية والخيرية (؟)، وقد سبق به الأوروبيون، وأن المسلمين سيستفيدون منه تقليد الأوروبيين فيه. ومن هذه العبارة نفهم أن المقصود الأول من كلامه هم (المسلمون) عامة وليس الجزائريين فقط. (تأملت ما احتوى عليه (القانون)، وجدته في غاية التحكيم والنفع العميم، وبأن منه طريق التمدن والعمران، والتعاون على البر والإحسان، وسد ذريعة الجور والعدوان، مع ما يسري لسكان الوطن من التطبع والتأسي بقواعد الأوروباويين الفائزين عمن سواهم في طريق الإحسان). ومقالة الشيخ محمود طويلة الذيل، وهي تسير على هذا المنوال في تحبيذ التجربة الأوروبية في الانتخابات وطلب الاقتداء بها من المسلمين. ولعل ذلك هو مقصوده من عبارتي (التطبع) و (التأسي)، فالأولى يقصد بها التمرن والتعود، والثانية يقصد بها الاقتداء والاحتذاء. ولذلك ختم مقالته بقوله:(هذا الذي اتضح لي على وجه العموم، من ضابط هذا القانون المنظوم، ولا يمكن الإحاطة بذكر سر جميعه، لكن القصد إذاعة طيب نشره).
يظهر الشيخ محمود إذن من المنبهرين بالرسالة الفرنسية في الجزائر. ولا ندري إن كان لوظيفته دخل في ذلك. وقامت دعوته على عدة عناصر، وهي: ضرورة تعلم الجزائريين اللغة الفرنسية وعلوم الفرنسيين والاقتداء بهم في نظمهم السياسية كالانتخابات. ومن ثمة فإن ترك الأطفال مهملين دون تعلم اللسان الفرنسي يعتبر في نظره حماقة وبلادة. وهو في هذه الدعوى يلتقي مع معاصره مصطفى بن السادات، وكذلك حسن بن بريهمات ومحمد بن الحاج حمو وأضرابهم.
محمد بن الحاج حمو وحسن بن بريهمات: كان الشيخ محمد بن الحاج حمو أيضا يدعو الجزائريين إلى ما دعاهم إليه الشيخ محمود بن علي، وكانا متعاصرين، ولكن الشيخ حمو أكبر منه سنا، وقد تولى الفتوى والقضاء للفرنسيين بعد أن خدم في دولة الأمير (1). والحاج حمو لم يكتب ذلك في
(1) انظر ترجمته في فصل السلك الديني والقضائي.
جريدة أو كتاب، وإنما طبقه على ابنه عبد الحق. فقد أدخله المدرسة السلطانية حيث بقي ثلاث سنوات ونيفا ثم أخرج منها لكبر سنه. ومع ذلك فقد حصل منها على ما يجعله مرتبطا بالفرنسيين. ويخبرنا حسن بن بريهمات أن الشيخ حمو كان يدعو الجزائريين إلى تقليد الفرنسيين في علومهم، وينعى على المغالين (المتعصبين) ضدهم (1).
أما حسن بن بريهمات فكان يعرف الفرنسية. وقد تولى إدارة المدرسة الشرعية، فإذا دعا إلى تعلم اللغة والعلوم الفرنسية فلا يعتبر ذلك منه خروجا عن المنطق. فمنذ أوائل الستينات، وهو يدعو تلاميذه إلى الأخذ من الفرنسيين علومهم ولغتهم. وكان ينوه بما وصل إليه العرب والمسلمون في الماضي من مجد علمي باذخ (كانوا يهاجرون في طلب العلم من بخاري ومصر وفارس والأندلس حتى حصلوا من العلوم ما به فازوا على أقرانهم). وكان ابن بريهمات ينوه في كل مناسبة بنابليون الثالث، وبالدكتور بيرون مدير المدرسة السلطانية (الكوليج) بالجزائر، على تشجيع التعليم للجزائريين. وطبق حسن بن بريهمات ذلك على نفسه حين أرسل أولاده الثلاثة إلى المدارس الفرنسية أو المزدوجة (2).
…
انتهى عقد الستينات إذن بدعوة المتعلمين من الجيل الأول في العهد الفرنسي إلى الأخذ بلوم الفرنسيين وتعلم لغتهم وإلى تقليدهم في الحياة العامة والانتخابات وما إلى ذلك. وكان هذا الجيل مع ذلك ما يزال محصنا إلى حد كبير لصلته بآبائه ومحيطه، ولثقافته التراثية القوية، رغم تأثره بآثار ودعاية الاحتلال. كما أن المحيط الفرنسي كان مشجعا على إعلان ذلك
(1) انظر كلمة التأبين الطويلة التي ألقاها حسن بن بريهمات إثر وفاة الشيخ حمو في المبشر، 31 ديسمبر 1868.
(2)
المبشر 12 يوليو، 1861. عن حياة حسن بن بريهمات وأولاده انظر فصل السلك الديني والقضائي.
الرأي، فسياسة نابليون الثالث، رغم قوانينها التعسفية في الأرض والتجنس والتغطية على الكنيسة، وما إلى ذلك، فإنها فتحت باب التعليم المزدوج ولم تصادم مشاعر المسلمين مباشرة، وكان نابليون يعلن رسميا على الأقل أنه حاكم العرب والفرنسيين. وقد أمر المارشاليين الحاكمين: بيليسييه ثم ماكماهون، باتباع هذه السياسة، رغم تناقضها مع الواقع.
لكن سياسة القمع الثقافي والعجرفة التي سلكها الحكام العامون في عهد الجمهورية الثالثة، سيما ديقيدون، وشانزي، وتيرمان، نحو الجزائريين جعلت صوت الجيل الأول يكاد يخفت ويتلاشى. ولم يظهر صوت الجيل الثاني من دعاة تقليد الفرنسيين وتعلم علومهم إلا أواخر القرن. ذلك أن السياسة المذكورة قد جعلت الجزائريين يتقوقعون على أنفسهم ويحسون أنهم مستهدفون بالانقراض والذوبان في غيرهم، فتمسكوا بما عندهم وطالبوا باحترام عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم ودينهم. وذلك في سلسلة من العرائض ابتداء من الثمانينات.
عبد القادر المجاوي وجيله: وقبل أن نذكر ذلك نشير إلى الكتيب الذي أصدره الشيخ عبد القادر المجاوي سنة 1877 وسماه (إرشاد المتعلمين). وهو كتيب طبع في مصر ولم يدخل الجزائر منه إلا نسخ قليلة، ولا نظن أنه حظي بعد ذلك بتوزيع يشبه توزيع جريدة المبشر. وكان بإمكان المجاوي أن ينشر أفكاره في هذه الجريدة لو أراد. ولكنه فضل أن يدعو إلى العلم والأخذ بأسباب الحضارة بطريقة محايدة وغير مرتبطة بالتمدن الفرنسي، كما فعل زملاؤه السابقون، فقد استوحى التراث الإسلامي. وكان يعرف أسباب نهوض وسقوط الأمم، وتقدم العلوم في الأمة الإسلامية في عصورها الذهبية، فدعا قومه إلى النهضة العامة متأثرا، ربما بالنهضة العربية - الإسلامية في المشرق على يد الأفغاني وخير الدين التونسي. ثم إن المجاوي كان قد عاش في المغرب الأقصى وتلقى علومه هناك، فكان تازه الأول تأثرا إسلاميا عربيا لا فرنسيا. وقد جاء إلى قسنطينة مدرسا حرا، ثم أصبح أستاذا في مدرستها الشرعية - الفرنسية. وكانت أفكاره في الكتيب
المذكور تلقى على تلاميذه أيضا، وقد كان من بينهم من كان يتجسس على أقواله وأفعاله. ولم يسلم مع دعوته للنهضة والتقدم، من هجوم الصحافة الاستعمارية على أفكاره لأنها ليست كأفكار الشيخ محمود ولا مصطفى بن السادات نابعة من المحيط الفرنسي، وصدى لما تنشره المبشر وإدارة الشؤون الأهلية والمكاتب العربية.
نحن مع المجاوي في السبعينات أمام دعوة للتعلم والنهوض، على الطريقة العربية الإسلامية وليس على الطريقة الفرنسية. دعا إلى تعلم اللغات وليس اللغة الفرنسية، كما فعل زملاؤه، ودعا إلى تقليد الغربيين في العلوم الجديدة وليس في كل شيء. لم يكن المجاوي منبهرا كبعض زملائه ولا مسلوب الفكر، بل كان معتزا بماضيه وحضارته. ولم يكن حسب علمنا قد زار فرنسا، كما أنه لم يكن يتكلم الفرنسية. ولكنه رأى أن من سنن الله والتاريخ والحياة التداول على العلم والحكم والقوة. فدعا قومه إلى أن يعرفوا مكانتهم بين الشعوب. ومن ثمة جاءه النقد الشديد من غلاة المستعمرين بعد اطلاعهم على كتيبه، حتى اعتبروه أجنبيا عن الجزائر (1).
…
قيل عن لويس تيرمان، الحاكم العام للجزائر خلال عشر سنوات تقريبا، إنه هو صاحب المقولة الشهيرة: أن أعداء فرنسا ليس هم العرب ساكني الخيام، بل هم الذين علمناهم لغتنا ورفعناهم إلى درجتنا. وكان تيرمان حاكما خلال عقد الثمانينات. فمن هم الجزائريون الذين علمهم الفرنسيون عندئذ لغتهم ورفعوهم إلى درجتهم؟ لو كان الأمر يتعلق بعقود لاحقة لوجدنا مبررا لما قاله بالنسبة للأمير خالد وأحمد مصالي والأمين العمودي مثار. ولكن من هم المتعلمون أعداء فرنسا خلال الثمانينات؟ لا
(1) انظر دراستنا (مدارس الثقافة العربية في الجزائر) في كتابنا (أفكار جامحة)، 1988. وكذلك دراسة آلان كريستلو عن المجاوي في مجلة (الثقافة)، 1978.
انظر دراستنا (مدارس الثقافة العربية في الجزائر) في كتابنا (أفكار جامحة)، 1988. وكذلك دراسة آلان كريستلو عن المجاوي في مجلة (الثقافة)، 1978.
شك أنه يعني بعض أصحاب العرائض الذين رفضوا التعسف نحو القضاء الإسلامي واللغة العربية وسياسة التجهيل التي كانت تتبعها حكومة الجمهورية الثالثة، ونحو الحالة المدنية التي أنشأها تيرمان نفسه، وقانون الأهالي البغيض. إن سادة الجمهورية الثالثة قد حسبوا أن الطريق قد أصبح ممهدا أمامهم ليفعلوا بالجزائريين ما يشاؤون فإذا بأمثال حميدة بن باديس وبوشناق، ومحمد بن رحال والطبيب ابن العربي وأضرابهم يكتبون المقالات المضادة للإجراءات المذكورة ويدبجون العرائض الموقعة من مختلف الفئات دفاعا عن المحرومين من (العرب ساكي الخيام) كما يقول تيرمان، وكذلك ساكني المدن.
إن جيل الثمانينات والتسعينات لم يتجاوز في دعوته إلى التقدمية الخطوط الحمراء. كان جيلي ما يزال مرتبطا بالماضي وبالأرض ومعتزا بلغته ودينه، رغم ابتعاده عنهما بالتدرج. تقول عريضة ترجع إلى سنة 1891، وهي ترد على من يقول إن الجزائريين هم الذين لا يرسلون أولادهم إلى المدارس وأنهم متعصبون: أننا لا نستحي من القول بأن الدافع للبعض منا عدم إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية هو تأكدهم من عدم تدريس اللغة العربية بها وخوفهم على إفساد عقولهم وأخلاقهم فيها، ونسيانهم لماضيهم وأصولهم ودينهم. ولا يرجع ذلك، كما تقول العريضة إلى التعصب الديني لأن (شعائرنا هي الكبرى والرائعة لكل جنس يروم تغطيتها). وقالوا إنهم على استعداد لإرسال أولادهم إلى المدارس إذا تحققوا أنها تدرس لهم بالعربية (1).
وقد ظلت الخطوط الحمراء قائمة أمام المتعلمين خلال التسعينات أيضا. كانوا في الغالب مزدوجي التعليم ولكن ثقافتهم العربية الإسلامية تجذبهم إلى اتخاذ مواقف ضد الاندماج. كانوا ما يزالون محافظين على
(1) العريضة المسماة (مقالة غريق) ط. قسنطينة. انظرها في قنان أيضا (نصوص سياسية) صو، 230 - 246.