المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ندري إن كان الديوان قد ضم كل شعره أم جزءا - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٨

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثامن

- ‌الفصل الأولاللغة والنثر الأدبي

- ‌حالة الأدب والثقافة غداة الاحتلال

- ‌التعامل مع اللغة العربية

- ‌الدراسات البربرية

- ‌الدراسات النحوية والمعاجم

- ‌بلقاسم بن سديرة

- ‌عمر بن سعيد بوليفة

- ‌النثر الأدبي

- ‌المقالة الصحفية

- ‌الأسلوب من عاشور الخنقي إلى الإبراهيمي

- ‌الرسائل

- ‌التقاريظ

- ‌الخطابة

- ‌محمد الصالح بن مهنة وكتابه

- ‌خطب أبي يعلى الزواوي

- ‌الروايات والقصص والمسرحيات

- ‌ المقامات

- ‌أدب العرائض والنداءات والنصائح

- ‌مؤلفات وشروح أدبية والتحقيق

- ‌محمد بن أبي شنب

- ‌الأدب باللغة الفرنسية

- ‌الفصل الثانيالشعر

- ‌مدخل في تطور حركة الشعر

- ‌الدواوين والمجاميع

- ‌كتاب شعراء الجزائر في العصر الحاضر

- ‌الشعر الديني

- ‌الشعر السياسي

- ‌الشعر الإسلامي والإصلاحي

- ‌شعر المدح

- ‌شعر الرثاء

- ‌الشعر الإخواني

- ‌الشعر الذاتي

- ‌مبارك جلواح

- ‌الشعر التمثيلي والأناشيد

- ‌شعر الفخر والهجاء وغيرهما

- ‌الشعر الشعبي

- ‌ثورات وشعراء

- ‌في الشكوى وذم الزمان

- ‌أغراض أخرى للشعر الشعبي

- ‌الفصل الثالثالفنون

- ‌الفنون التقليدية - الشعبية

- ‌الجزائر والشرق عند الفنانين الفرنسيين

- ‌فيلا عبد اللطيف

- ‌معارض الفنون الإسلامية

- ‌الآثار الدينية

- ‌القصور والمباني الحضرية

- ‌المتاحف

- ‌الرسام ناصر الدين (إيتيان) ديني

- ‌النقش والرسم والخطاطة

- ‌مؤلفات في الخط

- ‌عمر راسم وأخوه محمد وآخرون

- ‌مؤلفات وآراء حول المسرح ورواد التمثيل

- ‌آراء ومؤلفات في الموسيقى

- ‌تطورات أخرى في مجال الموسيقى والغناء

- ‌ محمد ايقربوشن

- ‌المحتوى

الفصل: ندري إن كان الديوان قد ضم كل شعره أم جزءا

ندري إن كان الديوان قد ضم كل شعره أم جزءا منه فقط. ومهما كان الأمر فإن شاعرا فارسا مثل مصطفى بن إبراهيم سيختلف الناس حوله نظرا للظرف الحساس الذي ظهر فيه ونظرا، للتناقض بين الوظائف التي تولاها وبين السيرة الذاتية التي عرفها الناس ورووها عنه.

‌ثورات وشعراء

تكاد كل ثورة يكون لها شعراؤها الشعبيون الذين يتغنون بأبطالها ويسجلون مآثرها. وكانت ثورة الزعاطشة (1849) أبرز الثورات بعد نهاية المقاومة الكبيرة على يد الأمير عبد القادر، وربما يمكن اعتبارها امتدادا لها. وكان زعيمها المعروف هو بوزيان (رغم أن الحاج موسى الدرقاوي كان إلى جانبه) وكان هناك آخرون بالطبع ممن ضربوا المثل في الفروسية والدفاع عن الواحة المعروفة بالزعاطشة إلى أن خربها الفرنسيون عن آخرها وقطعوا نخيلها.

وقد نظم الشاعر الشعبي محمد بن عمر، وهو من واحة ليشانة القريبة من الزعاطشة قصيدة في مدح بوزيان قبل نهاية المعركة. وبعد أن انتهت وعلقت القيادة الفرنسية رأس بوزيان (ورأس ابنه ورأس الحاج موسى) على مدخل المعسكر، أنشد محمد بن عمر القصيدة في حفل قروي سنة 1851، فاعتقله الفرنسيون وسجنوه في بسكرة بهمة تهديد الأمن العام، مما يدل على تأثير الشعر واتساع ملحمة الزعاطشة. وربما غضب الفرنسيون من كون الشاعر قد شبه بوزيان بالمهدي المنتظر وتلقيبه (باي الصحراء). وكان الشاعر يعتقد أن الثوار كانوا مسلحين جيدا، فكانت بنادقهم وخناجرهم مرصعة وطويلة، كما قال إن بارودهم كان من النوع الإنكليزي. ولا ندري كم دام سجن الشاعر ولا ما العقوبات الأخرى التي نزلت به (1). ولا ننسى أن سنة 1851 كانت أيضا سنة انطلاق ثورة الشريف محمد بن عبد الله في الصحراء

(1) جوليا كلنسي - سميث (ثائر وقديس)، بيركلي/ لندن، 1994، ص 120.

ص: 324

الشرقية (ورقلة، وتقرت، وسوف). وقد وصلت آثارها إلى منطقة الزيبان، كما كان بوبغلة ثائرا في زواوة. ولذلك فإن خوف الفرنسيين من تأثير هذا الشعر ربما كان في محله.

وهناك شاعر آخر تغنى ببطولة بوزيان أيضا، واسمه علي بن الشرقي. فقد وصف كثرة جيش العدو (ويسميهم النصارى) الذي كان كالجراد. كما وصف نوع بارودهم ودقات طبولهم، وغبار المعركة التي دامت أكثر من خمسين يوما. وبناء على هذا الشاعر فإن سمعة بوزيان قد وصلت إلى تونس، بل وسمع به السلطان العثماني (1).

وفي سنة 1864 حدثت ثورة أولاد سيدي الشيخ، فكان لها شعراؤها، ومن المعارك التي خلدها الشعر الشعبي معركة الشلالة في هذه السنة، وصاحب الشعر هو أحمد بن دالة العامري، وربما يكون من بني عامر الذين ساندوا الأمير عبد القادر. ولكن الشعر منظوم بعد عشرين سنة من الواقعة. فهل تأثر الشاعر بثورة بوعمامة التي كانت مرحلة أخرى فقط من مراحل ثورة أولاد سيدي الشيخ؟ ويعبر الشاعر عن المعركة بأنها (نهار الشلالة) المخلد في التاريخ (في الزمان معدود):

يالحاضرين عاودوا الأخبار واشته صار

على نهار الشلالة في الزمان معدود

سعد النهار الشلالة خرجت المحلة

جات ثم الخيالة ما بقي مجحود (2)

وحدثت ثورة بوخنتاش في الحضنة سنة 1864. وقد حظيت بشعر سجل وقائعها وسيرة بطلها. ولكن الشاعر ظل مجهولا، وإنما تناقل الناس شعره ورددوه في الذكريات. وكان المداحون هم نقلة هذا الشعر ورواته لأنهم كانوا يحيون ذكرى الواقعة في الأسواق وغيرها ويريدون من السامعين أن يمجدوا مثلهم بطولات وجهاد الثائر وأصحابه. وكان بعض الشعراء يتجد الماضي والبطل، ولكن آخرين كانوا يسخطون على ما حدث، لأنهم كانوا

(1) نفس المصدر، ص 121.

(2)

عمار أيزلي، جريدة (الوجه الآخر)، عدد 24 - 30، سبتمبر 1994، الحلقة 6.

ص: 325

يتوقعون النصر ولهم ثقة في البطل، فخاب ظنهم فيه. وقصيدة (يا راعي الملجوم) من الصنف الأول، ذلك الذي يمجد البطل وينعش الذكريات. وأولها:

يا راعي الملجوم رضى امهل لي

وعودك من الأبعاد جاء عرقه يقطر

تعلمني ما صار في الحضنية

فيما بين الناصرة وأولاد عمر

خبر جاني مع النجوم الحق لي

وحرمة الأبطال عامت على البر

فتنة خفق أم حمام قعدت محكية

يا معتاه نهار في جرام عمر (1)

وفي سنة 1871 وقعت ثورة أخرى ابتدأت في البرج ثم عمت زواوة والبابور ومعظم الشرق والوسط. وقد درسناها في غير هذا. وكان من أبرز قادتها الحاج محمد المقراني وأخوه أحمد، ثم الشيخ محمد الحداد وابنه عبد العزيز. وقد تحالف خلالها رجال السيف ورجال الدين. فالمقراني كان يمثل الأجواد، والحداد كان يمثل المرابطين، وقد استجاب العامة لنداء الجهاد الذي أعلنه الشيخ الحداد باسم الطريقة الرحمانية. وكان الناس يعتقدون في التحرر الوشيك من الفرنسيين على أيدي هؤلاء القادة، ولكن حين فشلت الثورة وواجهوا القمع والاضطهاد تغيرت الأمزجة ووقعت خيبة الأمل. وقد ركز الرواة الفرنسيون على الجانب السلبي من هذا الشعر. وقدموا الشعراء على أنهم غضبوا من قادة الثورة لأنهم كانوا سيجعلون الحكم دينيا لو نجحوا، بينما الحكم الفرنسي غير الديني أقرب إلى طبيعتهم وأحب إلى نفوسهم!.

هكذا زعم لويس رين الذي كتب عن تاريخ ثورة 1871، وكان أثناء نشره لهذا الشعر يشغل وظيفة خطيرة هي إدارة الشؤون الأهلية. وكان يقول لقومه إن شعراء زواوة يفضلون الحكم الفرنسي على الحكم (الثيوقراطي)

(1) شارل فيرو (بنو جلاب) في (المجلة الإفريقية، 1886، ص 114 - 118. وهي قصيدة طويلة جاء فيها على ذكر محمد بوخنتاش الذي قتل مع مساعده المنصوري في هذه الثورة. انظر كتابنا الحركة الوطنية، ج 1. وكان أولاد عمر يقطنون الحضنة.

ص: 326

الذي كان سيبدأ من زاوية صدوق لو نجحت الثورة. ونحن نشك في هوية الشاعر الذي أورد له رين القصيدتين، أولا لأنه مجهول، ولم يذكر رين نفسه اسم الشاعر، وثانيا لأنه يقول إن القصيدتين قد أرسلتا إلى الحاكم العام الجديد عندئذ (وهو الأميرال ديقيدون) سنة 1872، أي عندما كانت الثورة في آخر نفسها. وذكر رين أيضا أن القصيدتين قريبتان مما نشره الجنرال هانوتو سنة 1867 في كتابه (قصائد شعبية لقبائل جرجرة). وكل ذلك يجعلنا نشك في صدق المعنى السياسي الذي أراد رين إضفاءه على القصيدتين.

وما دام غرضنا هو الشعر نفسه وليس موضوعاته وصدقه أو كذبه، فلنذكر هنا بداية النص الذي أورده رين:

أون يغران دت لجدول

القوليو يد اعقر

ابيغ جاحن لقبايل

أروح ومل أذثا لكسر

وبناء على رين فإن الشاعر وقف ضد أحمد بومزراق المقراني لأنه خدع الشعب، لذلك اعتبره الشاعر رجله مجنونا، واعتبر الشيخ الحداد قد ارتكب جريمة بدعوته للجهاد، فهو أيضا مفسد للدين بدل إصلاحه. وتحدث الشاعر كذلك عن حالة زواوة مع الفرنسيين وكيف كان خضوع الشيخ الحداد سببا في خضوع أهل الجبال (1).

أما بالنسبة لإسماعيل الزيكي (أزيكيو)(2)، فإنا نجد أنفسنا أمام شاعر يتحدث عن ثورة 1871 بأسلوب آخر. فهو شاعر يمثل روح الزواويين حقا، في ثورتهم الآملة، وفي نهايتها الفاشلة، وفي تطلعاتهم الآجلة. لقد تقمص روح قومه. فذكر الأولياء والصالحين، والرسول وعبد القادر الجيلاني،

(1) لويس رين (قصيدتان قبائليتان عن حرب 1871) في (المجلة الإفريقية) 1887، ص 55 - 71. ونحن نجد صدى هذه الفكرة عند الشيخ محمد السعد بن زكري، وكذلك عند الشيخ أبي يعلي الزواوي في أول أمره، إذ ذكر أنه عاتب أباه على ثورة 1871. انظر دراستنا عنه وعن مشروعه لتاريخ زواوة في أبحاث وآراء، ج 2.

(2)

من قبيلة بني زيكي ZIKKl، بمنطقة سباو الأعلى، بين بجاية وتيزي وزو.

ص: 327

وتمنى عليهم إنقاذ روحه يوم القيامة. وذكر أبطال الثورة من آل المقراني وآل الحداد وآل أوقاسي. ونحن نعرف أن الحاج محمد المقراني استشهد وهو يصلي، وأن أخاه أحمد قد قبض عليه في الصحراء وحوكم ونفي إلى كاليدونيا، وأن مصير الشيخ الحداد كان السجن حيث توفي، بينما مصير ابنه كان الأسر والمحاكمة ثم النفي إلى كاليدونيا. وكذلك حوكم ونفى كل من محمد أمقران أوقاسي (بن بلقاسم أو قاسي) باشاغا عمراوة، وابن عمه علي أوقاسي، نفي محمد أمقران أوقاسي إلى كاليودنيا أشباه ثم سمح له بالرجوع سنة 1879، وتوفي في الجزائر، وأما علي أوقاسي فبعد نفيه أيضا سنوات طويلة، سمح له سنة 1893 بالرجوع إلى الجزائر وكان ما يزال على قيد الحياة سنة 1899. وكان محمد السعيد من الشخصيات التي مجدها الشاعر، وهو ابن عم القايد علي أوقاسي. فقد شبهه بحصان الإمام علي، وكانت وفاة محمد السعيد محل شبهة عند الشاعر، فقد توفي في ثامدة سنة 1878، واتهم الشاعر الفرنسيين بوضع السم له. وبذلك غابت الشمس عن زواوة، حسب تعبير الشاعر. أما المقراني فقد نوه به الشاعر ومجده واعتبر قاتله من الجنود السكارى.

واعتبر الشاعر إسماعيل الزيكي ثورة 1871 ثورة ضد الفرنسيين (النصارى)، وقد أدى فشلها إلى قمع شديد واضطهاد مثالي. وعوقب الأشخاص بالضرائب والغرائم والإعدام والنفي والسجن، وانتزعت الأراضي من أيدي العائلات سيما عائلات المقراني وأوقاسي، وأعطيت إلى مهاجري الألزاس من الفرنسيين. وشملت، حسب الشاعر، الأراضي الواقعة بين واد عايسي (بني عايسي) في تيزي وزو وزاوية ابن إدريس، وقد نزل على إثر ذلك الفقر بالناس. وحدثت أشياء غريبة، ومنها المجاعات، واستيلاء قضاة الصلح الفرنسيين على المحاكم الشرعية الإسلامية. وكان الشاعر مترددا أزاء موقف محمد السعيد بن علي الشريف من الثورة. وقد توفي ابن علي الشريف سنة 1897. وهكذا يكون الشاعر إسماعيل قد عاش ثورة 1871 بكل أبعادها. وإليك هذا النموذج من شعره:

ص: 328

إن ثورة 1871 قد أدت إلى إفلاسنا

بل إنها قد هدت كياننا

فيالساني لا تتوقف عن الإنشاد

ترى ما أسباب التنازع؟

ولم يذكر لوسياني متى توفي الشاعر، وإنما قال إنه توفي منذ سنوات. ويبدو أن إسماعيل شاعر مكثر، وهو ما أكده لوسياني أيضا رواية عن الشيخ ابن زكري. ولكن أين شعره أو بالأحرى ديوانه؟ وهل كان موقفه السياسي سببا في إهمال شعره الكثير؟ (خلافا للشاعر محمد بن محمد). ولا ندري إن كان بوليفة قد أضاف أشعار إسماعيل إلى مجموعته من الشعر القبائلي سنة 1904. ومهما كان الأمر فإن لوسياني قد أخذ النصوص عن الشيخ محمد السعيد بن زكري كما ذكرنا، وكان ابن زكري إماما بمسجد سيدي رمضان بالعاصمة وأستاذا في مدرسة الجزائر الرسمية. ويقول لوسياني إن الشيخ ابن زكري قدم له النص الأصلي بالحروف العربية، وأكد له أصالة الشعر، وترجم له حياة الشاعر، وأعانه على الترجمة من الأصل إلى اللغة الفرنسية (1).

وإذا كانت ثورة 1871 قد وجدت شاعرها في إسماعيل الزيكي، فإن ثورة 1881 قد وجدت شاعرها في محمد بلخير. وهذه هي المعروفة بثورة بوعمامة، حسب المصطلح التاريخي. وكان بوعمامة من ناحية البيض، ولد حوالي 1835 في قبيلة الرزيقات. وكانت ثقافته محلية وشفوية، ولعله عرف مدرسة الخيمة حيث القرآن وعلوم الدين. ولكنه تثقف من الحياة نفسها واستمد طاقته من التراث والتقاليد التي حوله. ومنطقة البيض عاشت عهد الرخاء والنعومة على عهد الخليفة حمزة، ثم عهد التقشف والثورات والمجاعات منذ الستينات حين جاء قانون الأرض 1863 ليقضي على (الارستقراطية العربية) ويحل محلها فئة اجتماعية صغيرة موالية للسلطة

(1) دومينك لوسياني (قصائد قبائلية) في (المجلة الإفريقية)، 1899، القسم الأول، ص 17 - 33، والقسم الثاني، ص 142 - 171.

ص: 329

الفرنسية. وكان ذلك سببا من أسباب ثورة أولاد سيدي الشيخ سنة 1864. وما كان بوعمامة إلا واحدا منهم. وقد حافظ بلخير على ولائه للقبيلة رغم ذلك وظل يتغنى بالبداوة والحرية والفروسية، كما كان يتغنى بها ثوار أولاد سيدي الشيخ الذين يسميهم الفرنسيون أحيانا (أولاد حمزة). وقد مجد الشاعر بلخير بطولات الثوار واستغاث بعبد القادر بوسماحة (سيدي الشيخ) ليخلصه من محنته.

ومن سوء حظ محمد بلخير أنه وقع في أسر العدو الذي نفاه إلى جزيرة كورسيكا حيث بقي حوالي عشر سنوات (1884 - 1894) غريبا عن الأهل والوطن. وطالما روض السجن الأسود. وكم قتلت قلعة (كالفي) وقلاع (سان مرغريت) وكاليدونيا وغيرها من أرواح جزائرية كانت متفائلة مبتسمة. وكم كان الفرنسيون يخشون من الشعراء ومن الثوار! ثم سمح له بالرجوع إلى وطنه والموت بين أهله سنة 1905 ولكن بعد أن تغير الحال به وببلاده (1). فقد احتل الفرنسيون مناطق الجنوب ومدوا السكة الحديدية وأسكنوا الكولون على أراضي أولاد سيدي الشيخ واستعملوا المحراث الآلي، فأصبح يشق صدر الأرض أمام أعين مالكيها السابقين. ولكن أشعار بلخير ظلت في فم المنشدين لأنها محفورة في الذاكرة الشعبية التي تتأتى على المحراث والقطار وغيرهما من المخترعات والمستوردات.

وعرفت الجزائر شعراء ثورات آخرين، منهم بوديسة، شاعر وقائد

(1) جغلول (عناصر ثقافية) مرجع سابق، ص 175 - 178. وذكر هذا المصدر أن بوعلام بالسائح نشر شعر محمد بلخير تحت عنوان (الراية الممنوعة)، باريس 1976 (هل ذلك قصيدة أو مجموعة شعرية؟). وذكر عمار إيزلي أن البشير ولد حمو كتب شعرا عن ثورة بوعمامة أيضا، ولكننا لا نعرف متى كان ذلك. وذكر له نموذجا يبدأ هكذا:

لله أرجاني يا الفارس نسأل

منى لا تجمد لا تدس كلمه

اشتد اليوم إطراد لبطال

رياس القوم أولاد بوعمامه

انظر جريدة (الوجه الآخر)، سبتمبر 1994، الحلقة 6.

ص: 330

أولاد مختار، وهو أيضا فارس فخور بقومه الذين طالما دوخوا العدو في معارك مشهودة أيام الأمير عبد القادر، ثم أيام أولاد سيدي الشيخ، بنواحي قصر البخاري وجنوب المدية. ولكننا لا نعرف الآن الكثير عن الشاعر بوديسة، لأن شعره لم يجمع، حسب علمنا، من أفواه الحفاظ ولم ينشر (1).

وفي الوقت الذي فشلت فيه الثورات ظهر صعاليك الأنفة والشرف من شعراء ومغامرين لكي يرفعوا التحدي ويأخذوا بالثأر في أشكال مختلفة. ونكاد نعد ناصر بن شهرة واحدا منهم، وكذلك بوشوشة. وكلاهما ملأ الصحراء دويا قرابة ثلاثة عقود. الأول منذ الخمسينات، والثاني منذ الستينات. ثم ظهرت بعدهما جماعة (المدقانات) التي برز فيها صعاليك من سوف والشعانبة والتوارق وأولاد سيدي الشيخ وغيرهم. وتصادف ظهورهم مع ثورة بوعمامة ومحاولات الفرنسيين التوغل في الصحراء عن طريق ما أسموه بالبعثات العلمية والاستكشافية. وهي بعثات كانت في الحقيقة للتجسس على الأهالي وجمع المعلومات قام بها ضباط وعلماء ورهبان.

وقد درس الضابط ألفريد لوشاتلييه نشاط المدقانات لأنه كان عارفا بهم إذ كان مسؤول المكتب العربي في ورقلة في وقت نشاطهم. ثم درسهم لويس رين، وهو أيضا من الضباط المستعربين والعارفين بالحياة الجزائرية، كما أشرنا. وقد قال رين إن الشعانبة المتمردين الذين كانوا مخلصين لبوشوشة، شكلوا فرقا (عصابات) من النهابة - حسب وصفه - وأطلقوا عليها اسم المدقانات، وحصلوا بذلك على غنائم خيالية. وظلوا خلال عشر سنوات (1874 نهاية زعامة بوشوشة إلى 1883) يقطعون الطرق ويجوبون الصحراء من وادي درعة غربا إلى فزان شرقا. ويدعى رين أنه قد قضي على هذه الفرق نتيجة الحملة التي قادها ضدهم الضابط (ايقنيدي). ويقول رين نفسه إن المدقانات تعتبر ذيللا لحركة بوشوشة (2). ولا شك أن الصحراء والمغامرات

(1) انظر مقالة قندوز (الصحراء لها شاعرها)

مرجع سابق، ص 65 - 78. وكذلك كتابنا الحركة الوطنية ج 1.

(2)

لويس رين (تاريخ انتفاضة 1871)، آخر الكتاب. وأيضا لوشاتلييه (المجلة الإفريقية) =

ص: 331

والشعر قد التقت في هذه الفرق، وتولد على ذلك شعر الحماسة والفخر باللهجات الشعبية، ومنه أنشودة (أنا التارقي ولد التارقية). ولعل بعضهم قد جمع من الأفواه بعض هذا الشعر.

وقد ظهر أيضا الشاعر الشعبي بوزيان القلعي في نواحي معسكر خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وكان بوزيان من بقايا المقاومة التي لم تخمد نارها منذ عهد الأمير ومنذ أحرق كلوزيل مدينة معسكر (سنة 1835) وكانت جبال بني شقران تستقبل الثوار دائما، شعراء وغيرهم، كما كانت تفعل جبال الأوراس وجرجرة وعمور. وقيل إن بوزيان كان من الساخطين على تغيير البنية الاجتماعية التي جاء بها قانون 1863 والذي قصد من ورائه انتزاع الأراضي من أهلها ومنحها للكولون. فكان بوزيان القلعي (قلعة هوارة - الراشدية) يهاجم المزارع التي أقامها الفرنسيون على أنقاض الأراضي المغتصبة من أصحابها. وثار بوزيان أيضا على الظلم والجبروت المتمثل في القايد. وكان هذا موظفا رمزا للسلطة الفرنسية. وعندما أهانه القائد لم يتحمل بوزيان الإهانة وعزم على الانتقام منه، ثم نفذ إرادته وأخذ سلاحه واختفى عن الأنظار، وكانت الحادثة مصدرا للشعر الشعبي والتغني ببطلها، رغم أن السلطة الفرنسية قد قبضت على بوزيان وحاكمته وأعدمته في معسكر خلال يوليو 1876، أي بعد إعدام بوشوشة بسنة واحدة. فالبطل هنا ليس هو الشاعر، ولكنه الفارس الذي أصبح رمزا ومصدر إيحاء للشعر الشعبي (1).

وحوالي نفس الوقت (1873) جرى في صحراء سوف - بسكرة اغتيال العربي المملوك، قائد سوف، على يد ثلاثة أفراد، على رأسهم (حميد) الذي أصبح أسطورة. وكان العربي المملوك متجبرا، على ما قيل، فأساء استخدام سلطته وأهان شرف البعض، فترصد له حميد وزميلاه وقتلاه وهو في طريقه

= 1886 - 1887. وقد نشر لوشاتلييه مقالاته عن المدقانات في كتاب.

(1)

قدمت نادية بن دروش بحثا عن بوزيان القلعي، في العلوم السياسية، الجزائر 1976، حسبما جاء في جغلول (عناصر ثقافية) مرجع سابق، ص 183.

ص: 332

إلى بسكرة لقضاء بعض مآربه في قسنطينة. وانتشرت الحادثة بين الأهالي ووصلت إلى الجريد التونسي، وتناقل النسوة والشعراء خبرها، فاخذوا يؤلفون الأغاني فيها ويمجدون الفعلة لأنها في نظرهم تغسل العار وتطهر الشرف وتعطي درسا للفرنسيين وعملائهم. وقد سجلت المصادر الفرنسية أن حميد قد دخل التاريخ في الشعر الشعبي، ولكننا لا نملك نماذج من ذلك الآن. ولعل بعضهم في الجزائر أو تونس قد قام بتسجيل قصائد في هذا الصدد (1).

وبعد ثورة 1871 وطغيان الكولون والإدارة الفرنسية في زواوة والمناطق التي جرت فيها الثورة، ظهر أيضا صعاليك الشرف واستمروا يأخذون بالثأر ويحدثون الرعب في أوساط الكولون سنوات. واشتهر من بينهم أرزقي بن البشير الذي كان يتحرك هو وجماعته في منطقة تيزي وزو. ودام نشاطه ثلاث سنوات، حسب رواية الحاكم العام جول كامبون (سنة 1892). وقد جند هذا الحاكم رئيسي دائرة تيزي وزو، ليفيبور، فتمكن من القبض على البعض وسجنهم. ولكننا لا ندري مصير أرزقي الآن. وقد كان الأهالي يرون في فعله انتقاما لشرفهم، فأدخلوه في الأغاني الشعبية ومجدوه، غير أن الشعر الذي مجدوه به غير متوفر لدينا (2).

وقد سال حبر كثير عن قصة اغتيال الماركيز الفرنسي دي موريس، سنة 1898. ولا تعنينا هنا القصة في حد ذاتها وما أثارته من ردود في الصحف الفرنسية وبين ضباط الجيش الفرنسي في الجزائر، وعلاقتها بمعاداة السامية، بل ولا تعنينا قصة الفتاة الروسية? الألمانية، إيزابيل ابيرهارد التي جاءت الجزائر في أعقاب ذلك الاغتيال لتبحث عن (الحقيقة). إنما يعنينا جانب آخر

(1) عن قصة العربي المملوك (وهو إيطالي دخل الخيالة الفرنسية، وقيل إنه اعتنق الإسلام، وقد عينه الفرنسيون قايدا على سوف لمدة قصيرة)، انظر الحركة الوطنية، ج 1.

(2)

جول كامبون (حكومة الجزائر) 1918، ص 63، وكذلك موريس كولان (بعض المسائل الجزائرية)، ص 21 - 33.

ص: 333

من القصة، وهو صلتها بالجزائريين. فقد تمكن الشيخ محمد الطيب بن إبراهيم من القبض على قاتل دي موريس، ويدعى الخير عبد القادر، وحين وصل الخير إلى نواحي تماسين أمرت السلطات الفرنسية قايد تقرت بالقبض عليه، ولكن الخير علم بذلك، بالتواطئ أو بالحدس، فهرب. وبدل أن يطارده القايد، فضل أخذ أفراد عائلته رهائن (زوجته وأولاده وأمه، وحتى مهاريه ونياقه)، وأخذ كل ذلك إلى ورقلة. وكان الحاكم العام نفسه، ليبين، هو الذي أمر قايد تقرت بالقبض على الخير (1). إن الحادثة قد تكون من نوع الأساطير المعروفة في الصحراء بين القبائل، ولكنها مع ذلك، كانت مصدرا للأدب الشعبي. وكم من شاعر تغنى بالفارس الذي قتل دي موريس والصعلوك الذي أخذ بالثأ، ولم يتمكن العدو منه. وكما استولى الفرنسيون، عن طريق قيادهم، على زوجة بوشوشة سنة 1874 (وهي من أولاد سيدي الشيخ) وقادوها هي ووصيفتها إلى قسنطينة، ثم إلى ورقلة، ثم إلى أهلها في البيض، كذلك استولوا على زوجة وأولاد الخير عبد القادر، وقادوهم إلى ورقلة. وكم في الصحراء من أسرار، وفي الشعر من ألغاز!.

ومن هؤلاء الصعاليك الذين يأخذون بالثأر ويوحون بالشعر، مسعود بن أحمد بن زلماط. فقد ولد بدوار زلاطو بالأوراس، حوالي 1894، وتوفي عنه أبوه فتربى عصاميا. وعندما شب في حضن والدته، حدثت فاجعة غيرت مجرى حياته، وهي مقتل أخيه. وكان الأخذ بالثأر من عادة العرب القديمة، وهي أيضا عادة شائعة لدى شعوب أخرى. ويبدو أن مسعود لم يقتنع بالعدالة القائمة عندئذ، فعزم على الثأر لأخيه بنفسه، فقتل أحدهم، وهدد آخر، ثم اختفى وكون جماعة أصبح هو على رأسهم. وأخذوا يرهبون السلطات الفرنسية وممثليها في الناحية. ولم يكتفوا بما فعلوا بل أخذوا يثأرون من كل ظالم في نظرهم. فكانوا يهاجمون القيادة والوشاة والعملاء، أولئك الذين كانت السلطات الفرنسية

(1) افريقية الفرنسية، يناير، 1988، ص - 33. عن تفاصيل القصة انظر فصل التصوف (القادرية)، وفصل مذاهب وتيارات.

ص: 334