الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه اللوحات مهمة كتعبير عما وصل إليه فن الخط والرسم والألوان في آخر القرن الماضي. فالخطوط جزائرية متشابكة. وهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود رسم الطرق الصوفية والتعبير عن الروح الدينية. كما أن استخدام الألوان والإطار التقليدي للرسم الإسلامي - العربي يعبر عن استمرارية هذا الفن. والألوان ليست صارخة بل منسجمة رغم تعددها، وهي تعبر عن الهدوء الديني والحضري. ووجود أشكال عديدة من النباتات: أوراق، زهور، أغصان، سيقان، الخ. تدل على التزام الفنان بالتعاليم الدينية. ونلاحظ أن ثقافة الفنان هنا عميقة في معرفة الطرق الصوفية وفروعها، ومعرفة أساس المذهب المالكي والأصول والرجوع إلى أهل السنة. وهناك ما يلفت النظر عن معرفة الفنان بكون الطريقة السنوسية هي آخر الطرق التي استوعبت ما سبقها في وقته، ولا بد من لفت النظر إلى وجود الهلال والنجمة كرمزين أيضا. ومهما كان الأمر فنحن أمام اللوحات الأربع نجد أنفسنا أمام فن إسلامي جمع بين الأصالة في الإطار، والروح في الأفكار الدينية، والتقاليد في الألوان والخطوط.
مؤلفات في الخط
وفن الخط كان ضحية أخرى للاستعمار في الجزائر. فقد تدهور بتدهور الثقافة العربية نفسها. فأصبحت الكتابة بالحروف العربية قليلة. وانتشرت الأمية، ولذلك فإن الفنانين إذا أرادوا الكتابة الفنية بالحرف العربي - التخطيط - فإنهم يلجأون إلى النقل والتقليد لأنهم لم يتعلموا غالبا فن الخط ولم يتثقفوا بالعربية، وربما لا تزيد معرفتهم في العربية عن حفظ القرآن
= أرقام. واسم عمر بن سمايا (كذا) لا يوجد إلا على اللوحة الثانية. ونعتقد أن البقية من اللوحات له أيضا لأنها بنفس الروح والأسلوب تقريبا، وكذلك الألوان والخطوط. انظر أيضا جريدة (المبشر) عدد 9 مايو، 1896 (عن الميدالية التي فاز بها عمر بن سماية).
الكريم أو أجزاء منه. والذي يتأمل في بعض أسماء الشوارع في الأحياء العربية القديمة التي تسامح الفرنسيون في كتابتها بحروف عربية فإنه قد يرى عجبا، سيرى كيف تحول الحرف المنساب الجميل إلى قطعة حجر أو حديد لا ذوق فيها ولا انسياب. ولقد أصبحت الحروف نفسها ممسوخة، متأثرة بالأصابع الغريبة التي خطتها. ولا شك أنها كانت من عمل النقاشين الفرنسيين واليهود. وليست من عمل الفنانين الجزائريين. وفي غياب التطبيق لفن الخط العربي المعتاد، كادت تنعدم أيضا المؤلفات الخاصة بالخط، تلك التي ترسم القواعد وتعلم حذاق التلاميذ كيف يرسمون ويخطون على بينة. ونشير هنا إلى:
1 -
منية الكتاب: نذكر هذا العمل بكل تحفظ لأننا لا نعرف هوية مؤلفه، والعمل يتمثل في قصيدة طويلة مجهولة الناظم، والتاريخ، ولها بعض الشروح، وهي مبتورة الأول والآخر. وتحتوي على 136 بيتا. وذكر ناظمها عنوانها ومحتواها فقال:
سميته بمنية الكتاب
…
في صفة التخطيط للكتاب
ومن هذه الصفة نفهم أنها قد تكون في رسم المصحف وليس في فن الخط (1).
2 -
رسالة في الخط العربي: ذكرها المترجمون لحياة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وهي ليست في فن الخط، بل في رسم المصحف (2).
3 -
رسالة في الخط كتبها أبو يعلى الزواوي: وقد وجهها إلى الشيخ محمد الحسن فضلاء، مدير التعليم في مدرسة الشبيبة سنة 1947. وكان الشيخ الزواوي من مجودي الخط، وعرف عنه أنه كان ينسخ المصاحف ويخطها بيده. وقد جمع خطه بين الروح الجزائرية والتعريقة الشرقية، رغم
(1) أفادنا بهذه المعلومة الأستاذ محمد شريفي صاحب المصحف المعروف باسمه. وقد استفاد منها في بحوثه. وتوجد منها نسخة في المكتبة الوطنية - الجزائر. وربما هي بخط الناظم. مراسلة منه 14 إبريل، 1995.
(2)
انظر عنها فصل العلوم الدينية.
قوله إنه تأثر بالخط الفاسي الموروث عن الأندلس. وقد ورث جودة الخط عن أبيه حتى قال إن من يعرف سر الخطوط لا يكاد يميز بين خطه وخط والده، وقد برع الزواوي في الخط منذ أولياته، وقال إنه وجد أهل زواوة قد ابتعدوا عن الخط الجميل شأنهم شأن أهل المغرب العربي الآخرين، ولذلك مال هو إلى الخط الفاسي (المغربي) قائلا:(إذ قد ملت كثيرا إلى الفاسي المنتقل من الأندلسي). ونال وهو (في أولياته أيضا الجائزة الأولى في الخط بمدرسة قسنطينة، فقال إنه أثناء إجراء امتحان القضاء في قصر العدالة بالمدينة المذكورة (الرسمية - الكتانية عندئذ) (وهو من المستشرقين الكبراء، فقال ما حاصله: ما ظننت أن يوجد خطاط متل هذا وهو قادم من البادية. وعير طلبة المدرسة
…
).
ونلاحظ هنا عدة ملاحظات على رسالة الزواوي. فهي تتحدث عن كون (الخط من الفنون الجميلة)، وعن كونه هو وغيره من العارفين، أصبحوا يتعجبون (أن قد صار طلبة الخط لا يكادون يفرقون بين الخطوط الجميلة). وأشار إلى رأي ابن خلدون في مقدمته من كون الخط صناعة، وأن خطوط أهل افريقية صارت رديئة صعبة القراءة بينما كان الخط الأندلسي قد امتاز بالجمال والذوق اللطيف. ولكن طلبة زواوة، كما قال الزواوي، قد انصرفوا جملة عن الخط الأندلسي، واهتموا بالرسم بدلا منه. ويرجع جمال وشهرة الخط الأندلسي إلى كونه قائما على الصنعة والتفنن والتنافس في الاتقان والجودة. وعاب الزواوي على خطاطي العصر بأنهم لا يتنافسون في ذلك، وإنما يسرعون في كتابة المصاحف مثالا، ويكتبونها بدون توسع ولا مراعاة للفن لأن هدفهم من ذلك هو الحصول على الأجرة.
وقد فهمنا من رسالة الزواوي أنه حصل على مدح كثير على خطه. فبالإضافة إلى من ذكرنا، مدحه البشير الرابحي أحد أهل العلم والدين والأدب في هذا القرن، بقصيدة. وكذلك نوه به إمام جامع بئر خادم، وطلبة الزواوة، وطلبة العاصمة. ولكن بعضهم كان يتحداه ويقول:(نستطيع أن نكتب بخط مثل هذا). عندما اطلعوا على خط مصحفه، ولكن الزواوي
اعتبرهم من (القاصرين)، لأنه (عارف وجازم أنهم غير قادرين، بل هم قصر بالكلية)(1).
والشيخ الزواوي كان أيضا من كتاب المصاحف. وله مصحف بخطه الذي اشتهر به. وقد نبهنا الزواوي إلى وجود عدة مصاحف بخطوط أهلها في الجزائر. وأنهم اختلفوا في ذلك من حيث الاتقان والتجميل. وقدم ما يمكن أن يكون نقدا في هذا الباب. فانتقد أولا المصحف الذي كتبه الشيخ السعيد أبهلول - والد محمد الحسن فضلاء - وكان هذا (فضلاء) قد أرسل مصحف والده إلى الشيخ الزواوي. فعلق عليه الزواوي بما يلي: أعجبني (المصحف المرسل) وتذكرت مصاحف أهل الوطن
…
وإن خط والدكم في غاية الجودة لولا صغر حجم المصحف وعدم تمكنه
…
من إطلاق عنان القلم بالقالب الذي ينبغي. وتلك طريقة غالب، بل جميع نساخ الوطن. وصرفهم عن العناية بالتجمل والتوسع في الخط حرصهم على إتمام المصحف في مدة قليلة لأخذ الأجرة) (2). ولم يذكر الزواوي في رسالته الشيخ السفطي الذي كتب مصحف رودوسي الشهير، رغم أنه تعرض له في مناسبة أخرى (3).
ويبدو أنه بعد اختفاء مجالات الخط الفنية، كالصحف، والنقش، واللوحات، استقر فنانو الجزائر على نسخ المصاحف. وهم في ذلك، كما قال الزواوي، بين متسرع لأخذ الأجرة، وبين متقن لفنه، وهؤلاء قليلون.
(1) رسالة من أربع صفحات موجهة من الشيخ الزواوي إلى محمد الحسن (فضلاء) بتاريخ 23 محرم 1346 (18 ديسمبر 1947). وقد بعث لنا بصورة منها الشيخ محمد الحسن عليلي في غضون نوفمبر 1994. وربما كان المستشرق الذي أشار إليه الزواوي هو موتيلانسكي الذي أدار مدرسة قسنطينة في أول هذا القرن، ثم تولاها بعده شارل سان كالبر. انظر فصل المستشرقين.
(2)
رسالة الزواوي في الخط، مرجع سابق.
(3)
أفادني الشيخ محمد عليلي أن الزواوي قد تحدث عن الشيخ السفطي في إحدى مقالاته في جريدة (الإصلاح) وقال إنه كان قيما في جامع سيدي رمضان، وهو الجامع الذي تولى فيه الزواوي الخطابة. رسالة من عليلي سبتمبر 1995.