الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التيفيناع ورسوم الطاسيلي (1). ولكن الاهتمام بالفنون الزخرفية التقليدية لم ينقطع، مثل الرسم على الخشب وأنواع الخزف.
وفي دراسة محمد خدة نعثر أيضا على تصنيف لجهود إيسياخم وباية وغيرهما. وبناء عليه فإن ايسياخم الذي ولد سنة 1929 قد مارس الفن التعبيري وتأثر بالمدرسة الغربية، بينما تابعت باية ما يسمى بالفن الساذج المتأثر بالفنون الإسلامية والمحيط الثقافي، وهي تميل إلى الأسلوب التجريدي - التشخيصي، ويعبر فنها عن حياة الشرق والمرأة الجزائرية. أما عن فن النحت فقد لاحظ خدة أنه غربي النزعة، وهكذا فإن نحت التماثيل ليس له أثر كبير في الجزائر (2)، وربما يرجع ذلك إلى تأثير المدرسة الإسلامية.
مؤلفات وآراء حول المسرح ورواد التمثيل
كنا تحدثنا عن تطور المسرح في الجزائر، بشقيه العربي والفرنسي، في الفصل الخاص بالمنشآت الثقافية (3). ونشير إلى أن بطل مسرح خيال الظل (الكراكوز- قرقوش) في الجزائر هو الحاج عيواز، وهو شخصية تاريخية، قيل إنه كان أحد وزراء السلطان مراد الثاني العثماني (4).
وقد عالج شؤون المسرح عدد من الكتاب العرب وغيرهم. فمن
(1) محمد خدة، مرجع سابق.
(2)
نفس المصدر.
(3)
انظر فصل المنشآت الثقافية - فقرة المسرح.
(4)
انظر مجلة الشرق R. De. L'orient سنة 1843، ص 247? 248. يشير هذا المصدر إلى كون مسرح الكراكوز له أصل بيزنطي حسب رواية المؤرخ (هامر). وكررت مجلة الشرق أن السلطات الفرنسية قد أوقفت مسرح الكراكوز واضطهدت أبطاله بدعوى الصعلكة والفضيحة. وهو ادعاء باطل، كان وراءه الخوف من تأثيره السياسي على الجمهور في وقت جند فيه المارشال بوجو كل إمكاناته للقضاء على المقاومة بقيادة الأمير عبد القادر، إذ كان حظره بين 1841 - 1843.
المصادر العربية أو الفرنسية التي كتبها جزائريون نذكر:
1 -
سعد الدين بن شنب (المسرح العربي في الجزائر) في المجلة الإفريقية، سنة 1935، وهو بحث من أشمل البحوث عن الموضوع.
2 -
رشيد بن شنب (رشيد القسنطيني: أبو المسرح العربي بالجزائر) في الوثائق الجزائرية Doc. Alg، سنة 1947.
3 -
رشيد بن شنب أيضا (علالو وجذور المسرح الجزائري)، في مجلة الغرب الإسلامي، 1977، رقم 24.
4 -
محيي الدين باش تارزي، المذكرات، في جزئين، ط. الجزائر 1968.
5 -
أبو العيد دودو (المسرح الجزائري)، في المجاهد الثقافي (المجلة)1969.
6 -
عبد القادر جغلول (عناصر من التاريخ الثقافي)، ط. الجزائر 1987؟.
7 -
عبد القادر العربي، وهو عبد القادر الحاج حمو (1)، (المسرح والموسيقى العربية)، في (لافريك) وهي مجلة كانت تنشرها جمعية الكتاب، رقم 51 - يونيو 1929.
8 -
رشيد بن شنب (كتاب المسرحيات العرب
…
) في مجلة الغرب الإسلامي 1974.
9 -
أرليت روت A. Roth (المسرح الجزائري باللهجة العامية)
(1) غير مطمئنين إلى صحة هذا الاسم، لأن عبد القادر فكري هو المعروف بأن اسمه الحقيقي عبد القادر الحاج حمو. أما عبد القادر العربي فلعله اسم آخر له أو هو اسم لغيره. وقد جاء في كتاب محمد ناصر عن الشيخ أبي اليقظان، الجزائر 1980، أن عبد القادر الحاج حمو كان موظفا بالجامع الكبير، وهو وظيف غير متناسب مع اختياره الأدبي.
1926 -
1954، باريس 1967.
10 -
لاندو Landau (دراسات في المسرح والسينما العربية)، باريس 1965.
11 -
مجموعة أخرى من المقالات تعالج المسرح ورجاله كتبها: محمد ديب ومصطفى كاتب، ورشيد بن شنب، ومحمد فرحات، وحليمة خالدي، وسفير البودالي، ومحمد الرازي، الخ. (1).
وهناك غير هذه المراجع والمصادر، ومنها الذكريات والأحاديث الشفوية والمقالات الصحفية التي كانت تظهر من وقت لآخر، ومنها أيضا الأحاديث المسجلة بذكريات وتجارب الذين ساهموا في المسرح، رجالا ونساء. وقد لاحظ سعد الدين بن شنب أن الصحافة العربية المعاصرة كانت لا تحفل بالنشاط المسرحي، على خلاف الصحف الفرنسية. ولعل الصحف العربية كانت تترفع عن تغطية النشاط المسرحي لعلاقته بالحياة الاجتماعية الدنيا وظهور الاختلاط في الأدوار وتناول الممثلين الخمر وتقليدهم للأوروبيين. ولا نظن أن الأمر يتعلق بالترفع الطبقي كما رأى ذلك البعض. فقد كانت الصحف العربية تكتب عن قضايا الفقراء والمحرومين والبدو والمهمشين ما داموا على أصالتهم.
وكل المصادر متفقة على أن نشأة المسرح العربي في الجزائر كانت متأخرة، ولكن الكتاب غير متفقين في نقطتين: سبب تأخر ظهوره وتاريخ ظهوره بالضبط. والمسرح في ذاته ظاهرة حضارية، وكان موجودا في شكله البسيط في المدن ولكن الفرنسيين قضوا عليه لأنه كان وسيلة نقدية لاذعة لسياستهم لا سيما أن الشعب كان قد دخل عهد الظلام الثقافي ولم يبق له إلا الكلمة المسموعة والحركات الرمزية المعبرة. ونحن نشك في أن سبب إلغاء المسرح كان أخلاقيا أو اجتماعيا، لأن ما أحدثه الفرنسيون من فساد (كإشاعة الخمر والقمار وأماكن الدعارة وإهمال التعليم
…
) يفوق بكثير الأثر السلبي
(1) انظر عن ذلك البيبلوغرافية التي أعدها جان ديجو 1977، ط الجزائر.
للحاج عيواز وفرقته، ولاله سنباية ولهجتها.
أما تاريخ عودة المسرح (وليس ظهوره) فقد لاحظنا أن أحد الجزائريين (محمد بن علي الجباري) كان قد قام بتمثيل مسرحية شعرية ساخرة في وهران، خلال سنة 1880. ولا شك أن هذه التجربة لم تكن شاذة، بل إن المحاولات، سواء كانت امتدادا للأصالة أو تقليدا للمسرح الفرنسي، لم تنقطع، ولكنها كانت بأساليب تتفق مع التقاليد الشعبية، كما كان حدث في ورقلة، حسب رواية إسماعيل بوضربة والضابط فيليب. وليس بالضرورة أن يكون المسرح في هذه المرحلة مطابقا للمسرح الفرنسي المعروف، على أن غالبية الآراء ترجع البداية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.
لا نعتقد أن زيارة الفرقة المصرية بقيادة جورج أبيض سنة 1921 هي وحدها التي حركت في الجزائريين الاهتمام بالمسرح. فقد سبق لفرقة عربية أن زارت الجزائر قبل الحرب العالمية المذكورة، ومع ذلك لم تجعلهم يهتمون بتأليف الفرق الموسيقية والغنائية والمسرحية. فهناك ظروف جديدة تولدت عن سنة 1919 وما بعدها، ومنها تطور الأحداث السياسية وبداية الفكر الاصلاحي وظهور الصحافة ذات الاتجاهات المختلفة وشخصية الأمير خالد وشخصيات أخرى علمية عادت من الشرق مثل العقبي والإبراهيمي والزواوي. وربما كان من المتعذر على الفرقة المصرية أن تزور الجزائر وتمثل فيها ما مثلت لو جاءت قبل 1921. كما أن تطورات مصر والسعودية وسورية وغيرها بعد 1919 قد ساعدت على ميلاد الجو الجديد.
وقد ذكر البعض أن سبب فشل الفرقة المصرية يرجع إلى اللغة الفصحى التي استعملتها في التمثيل، لأن جمهور العاصمة لم (يفهمها). ويبدو لنا أن ذلك مبالغة قصد بها الفرنسيون عندئذ أن يؤكدوا مقولتهم: إن اللغة الفصحى (لغة القرآن الكريم) ليست لغة الجزائريين فهي (كلاسيكية) كاللاتينية، لا تستعمل إلا في العبادات وخطب الجمعة، وليس للمسرح والحياة العامة. ولعل بعض المثقفين الجزائريين قد انخدعوا بتلك المقولة
التي ظهرت لهم بريئة. ومن جانبنا نرى أن الأسباب ربما تكمن في نواحي أخرى، ومنها المكان الذي اختير للتمثيل، وقد لاحظ ذلك سعد الدين بن شنب. فقد مثلت المسرحيات العربية على مسرح بعيد على الجمهور الجزائري الذي أغلبه من الأحياء الشعبية. وهذا المسرح (المسرح الجديد) كان بعيدا حتى على الحي الأوروبي. فقد خطط المغرضون للفرقة المصرية أن تمثل في المنفى. كما أن الإعلانات عن الفرقة والمسرحيات لم تتم بالشكل المطلوب، وحتى الطريق المؤدي إلى المسرح كان غير معروف. وقد قلنا إن الصحافة العربية لم تهتم بالموضوع. ولكن ما هي الصحافة العربية سنة 1921؟ إنها فقط جريدة النجاح والإقدام الأسبوعيتان. وكانت الأولى تصدر في قسنطينة ولا نعرف مدى توزيعها في العاصمة، فعن أية صحافة عربية يتحدثون؟ على أن ابن شنب قد ذكر أسبابا أخرى أيضا لعدم نجاح الفرقة المصرية (1).
ومهما كان الأمر فقد مثلت الفرقة المصرية مسرحيتين: الأولى ثارات العرب، والثانية صلاح الدين الأيوبي. وكلتاهما من تأليف جورج حداد. ولنا أن نتساءل عن الموضوعات والمؤلف. وإذا كان اسم صلاح الدين معروفا في الذاكرة الشعبية وكذلك (العرب)، فإن العناوين لا توحي بجاذبية خاصة للجمهور، ولا اسم (جورج) يجعل المسرحيات (عربية) في الفطرة الجزائرية. وقد ورد اسم (جورج) كمؤلف وكممثل ورئيس للفرقة (2). وهذا الاسم في الفطرة الجزائرية مرتبط بالأسماء الفرنسية وليس العربية، والناس عندئذ لا يفرقون بين المسلم والعربي. ولسنا ندري من دعا الفرقة للحضور أصلا. ونحن نتساءل عن ذلك لنعرف الجهة التي كانت مسؤولة عن الإعلان والتعريف بالفرقة. فهل هي الحكومة أو الخواص؟ ولا نظن أن الفرقة
(1) سعد الدين بن شنب (المسرح العربي في الجزائر) المجلة الإفريقية، 1935، ص 74. أما صحافة الحركة الإصلاحية وصحافة الشيخ أبي اليقظان وغيرها فقد ظهرت بعد ذلك، أي منذ حوالي 1924.
(2)
نعني أن المؤلف هو جورج حداد ورئيس الفرقة هو جورج أبيض.
المصرية قد جاءت من تلقاء نفسها بدون إعداد وترخيص وإجراءات دقيقة، من مصلحة الشؤون الأهلية التي كانت بإدارة جان ميرانت. ثم لماذا اختيرت العاصمة التي يغلب عليها عندئذ الطابع الأوروبي، لتمثيل مسرحيات تاريخية باللغة العربية الفصحى؟.
ولنسلم الآن أن فرقة جورج أبيض قد فشلت في تمثيل مسرحيات جورج حداد، لأنها باللغة الفصحى، فهل كانت زيارة الفرقة ضرورية لإحياء روح المسرح في الجزائريين؟ وهل كان الجزائريون سيظلون بدون مسرح لو لم تزرهم وتفشل معهم الفرقة المصرية؟ لا نعتقد ذلك، لأن الجزائر قد دخلت مرحلة عبر عنها الكتاب والملاحظون بمرحلة (النهضة) في ميادين مختلفة. فالمسرح كان سيظهر لا محالة كما ظهر النادي والصحيفة والمسجد الحر والمدرسة الحرة والأحزاب والجمعيات والتأليف، وغير ذلك من مظاهر النهضة.
وهكذا مثلت بين 1921 - 1926 عدة مسرحيات على يد الفرق الطلابية، وهي الفرق التي أعادت موضوع المسرح والتمثيل إلى روح الجمهور، كما أعاد إليه الأمير خالد روح النضال السياسي وابن باديس روح النضال الديني والقومي. والغريب أن يقول سعد الدين بن شنب الذي كان صدى لتيار فرنسي شائع في الثلاثينات (وهو ليس منه في الأساس) إن الطلبة قد أنشأوا فرقا للتمثيل (كرد فعل على فشل) فرقة جورج أبيض لأنها مثلت بالفصحى. وهذه المسرحيات الطلابية كانت من إنتاج فرقة (المهذبية)، وهي جمعية للآداب والتمثيل العربي، تأسست بتاريخ إبريل 1921. وكان رئيسها هو الطاهر علي الشريف الذي ربما كان أحد أقارب علي الشريف الذي أسره الفرنسيون صبيا سنة 1843 وحملوه إلى باريس رهينة وعلموه الفرنسية وأدخلوه فى مجتمعهم (1). ومثلت (المهذبية) ثلاث مسرحيات كلها من
(1) عن علي الشريف وزملائه، انظر فصل الترجمة. وقد أصبح من المترجمين الاحتياطيين. ويكتبه ابن شنب علي الشريف الطاهر بتقديم اللقب على الاسم.
تأليف رئيس الجمعية نفسه (الطاهر علي الشريف). وهي:
1 -
الشفاء بعد العناء.
2 -
خديعة الغرام.
3 -
بديع (1).
وهناك جمعية أخرى حاولت أن تشق طريقها في اتجاه آخر، يبدو أنه سياسي - إسلامي، وقبل أن تعطى لها الرخصة ويعرف اسمها، قامت بتمثيل مسرحية ذات عنوان جذاب وخطير على الاستعمار وهو (في سبيل الوطن) في 29 ديسمبر 1922، وكان ذلك بدون شك زمن الراحة السنوية بمناسبة عيد الميلاد، وأثناء اضطهاد حركة الأمير خالد الذي حكم عليه الفرنسيون بالنفي بعد أقل من سنة. ولم يذكر مؤرخو المسرح مؤلفا لهذه المسرحية، فهل هو الأمير خالد أو أحد أنصار فكرته أو حزبه؟ إن المسرحية كانت ناجحة رغم أنها مثلت على المسرح الجديد الذي قلنا إنه كان بعيدا عن وسط المدينة. وهي مسرحية من فصلين فقط. ولو أن فرقة جورج أبيض أو غيرها حاولت تمثيل مسرحيات من هذا النوع بالفصحى لكان الإقبال ربما غير ما كان، رغم بعد المسرح وقلة الإعلان (2).
وفي سنة 1923 قامت جمعية أخرى لا نعرف اسمها الآن، وهي بدون شك من الهواة، بتمثيل مسرحية اجتماعية عنوانها أيضا جذاب، وهو (المصلح)، وهي من تأليف أحمد (علي؟) فارس، باللغة الفصحى. وتسير المسرحية في خط النهضة الذي تحدثنا عنه لأن الأربع سنوات التالية للحرب قد أحدثت هزة في المجتمع. وقد أعلن أن ريع المسرحية سيجمع لفائدة ودادية طلبة أفريقية الشمالية. ولا نعرف الآن أين مثلت ولا عدد فصولها ومدى نجاحها (3).
(1) ابن شنب (سعد الدين)، مرجع سابق، ص 74. هامش 1 عن المسرحيات الثلاث المذكورة انظر فصل اللغة والنثر الأدبي.
(2)
ابن شنب (سعد الدين)، مرجع سابق، ص 75. عن هذه المسرحية انظر أيضا فصل اللغة.
(3)
نفس المصدر. انظر أيضا حولية ودادية الطلبة المسلمين، الجزائر، ديسمبر 1928، =
يذهب سعد الدين بن شنب إلى أن ما ذكرناه من تجارب لسنوات (1921 - 1925) كان مرحلة فاشلة للمسرح الجزائري. فبالإضافة إلى فشل فرقة جورج أبيض، فشلت أيضا، في نظره، تجربة الطاهر علي الشريف وأحمد (علي؟) فارس، ومسرحية في سبيل الوطن. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها اللغة الفصحى التي لم يتعود عليها الجمهور (وقد ناقشنا ذلك)، ومنها الضعف المادي والمعنوي للمثلين الذين وجدوا أن حماسهم وإخلاصهم لفكرة المسرح لا يكفيان. ومن جهة أخرى واجهوا صعوبة من نوع مختلف، وهي العثور على امرأة تقوم بالدور النسائي في المسرحيات. ثم أن المسرح نفسه (المكان) لم يكن في متناولهم، إذ كان عليهم دائما انتظار الفراغ الموسمي الأوروبي، أو التمثيل في أي مكان يعثرون عليه (1). هذه مجموعة من الأسباب التي أدت إلى فشل المرحلة الأولى من عودة المسرح.
وبعد توقف دام سنتين (1924 - 1926) ظهر رواد جدد للمسرح. فكانت السنتان المذكورتان فترة تأمل ومراجعة للنفس والإمكانات الأدبية واللغوية والاجتماعية. ومن الصعب أن نقول إن المسرح قد (توقف) تماما، فربما كانت جهات أخرى من الوطن تجرب حظها بأساليب متواضعة، لا نعلمها. ولكن دعنا نذهب مذهب الذين قالوا رجوع المحاولة المسرحية الثانية (المرحلة الثانية) على يد علالو ودحمون بمسرحية (جحا) في إبريل 1926. فقد مثلت هذه المسرحية ثلاث مرات متوالية. فكانت تجربة ناجحة لأنها بلغة مفهومة وموضوعها بسيط، بسطه المؤلفان ليتماشى مع
= رقم 1، ص 23. نقلا عن ابن شنب. وفارس ذكره جغلول على أنه (علي). انظر (تكوين المثقفين
…
) في (مظاهر الثقافة الجزائرية)، باريس، 1986، ص 81. انظر أيضا فصل اللغة والنثر.
(1)
سعد الدين بن شنب (المسرح
…
) مرجع سابق، ص 75. لنفس المؤلف مقالة بالعربية بعنوان (التمثيل وكيف يكون مستقبله) في مجلة (التلميذ) رقم 7 - 8، عدد مايو - يونيو، 1932. وهي لسان حال الطلبة المسلمين عندئذ.
المستوى الثقافي للجمهور، مع استخدامها للتاريخ كمادة أساسية، ولكن تحويله إلى حكايات ساخرة وأسماء معاصرة تثير الضحك أحيانا. ويبدو أن رسالة المسرحية هي التسلية والضحك وليس الثقافة العامة والتوعية التاريخية (1).
ومن الملاحظ أن الموضوعات التاريخية واللغة الفصحى قد رجعت خلال الثلاثينات واستقطبت جمهورا كبيرا، ولا ندري إن كان ذلك راجعا إلى انتشار فكرة النهضة بين الناس وشيوع التعليم العربي على يد الحركة الإصلاحية، ومن ثمة شيوع الثقافة التاريخية نفسها. أو كان راجعا إلى الموضوعات وطريقة علاجها. فمسرحية (بلال) مثلا كانت ناجحة جدا. رغم أنها كانت بالفصحى (شعر) وتناولت موضوعا دينيا - تاريخيا. وقد حلت فرقة مصرية أخرى سنة 1932 بقيادة فاطمة رشدي. وقد مثلت بعض المسرحيات التاريخية وبالفصحى. ومع ذلك أحرزت على نجاح أكثر من السابق. وإذا قيل إنها لم تنجح في تمثيل (موت كليوباطرة) لأحمد شوقي في العاصمة، فذلك راجع، ربما إلى غرابة الموضوع على الجمهور، اللهم إلا بعض المثقفين الملمين بالأحداث التاريخية (2). وقد انتقلت الممثلة المصرية إلى قسنطينة واحتفل بها المثقفون وألقوا أمامها خطبا بالفصحى، وكان التفاعل كبيرا، لأن البيئة الثقافية في الجزائر ليست على درجة واحدة. والعاصمة في العهد الفرنسي كانت (أوروبية) أكثر منها عربية، وذوقها لم يكن حجة على ذوق كل الجزائريين.
ومخالطة المثقفين، سيما الممثلون، في العاصمة للجمهور الفرنسي وحضورهم حفلاته وتتبع مسرحياته جعلهم يتأثرون بالمسرح الفرنسي وأسلوبه في الحركة وسرعة الحوار وانتزاع الضحك من الجمهور. ولكن هذا الحكم يجعل المسرح مكرسا فقط لتوفير التسلية والضحك بينما الفرنسيون قد
(1) نفس المصدر، ص 76.
(2)
مثلت بالعاصمة في 2 مايو 1932.
مثلوا أيضا الموضوعات الجادة والتراجيديات والمآسي الاجتماعية والتاريخية. وسنلاحظ أن الممثلين والمؤلفين الجزائريين، رغم بدايتهم المستقلة مالوا إلى الاقتباس من الأدب الفرنسي، ولكنهم وظفوا الاقتباس في مهمتهم المسرحية وتصرفوا في المعاني بما يتلاءم والذوق الجزائري العام. ومن الملاحظ كذلك أن معظم المؤلفين المسرحيين لم يكونوا مثقفين في البداية، فكانوا يعتمدون على الذاكرة والحكايات الشعبية الشفوية. ولم يكونوا يعتمدون على النصوص المكتوبة، سواء كانت بالعربية أو بالفرنسية، ونجد مثالا لذلك بعض مسرحيات رشيد القسنطيني (1).
أما الموضوعات التي عالجتها المسرحيات فهي متنوعة، ولكن معظمها اجتماعي. وقد جاءت شخصيات دينية في المسرحيات مثل القاضي والمفتي والإمام، ولكنها لا تتعرض للوظيفة الدينية التي يتولاها، وكان استخدام السخرية يجعل رجل الدين يظهر ساذجا وقصير النظر. ومن الموضوعات أيضا غمز رجال الطرق الصوفية، سيما في المسرحيات التي أنتجها أصحاب الاتجاه الإصلاحي. وبعض المسرحيات تعرضت أيضا لتاريخ الإسلام والحج وعدالة الخلفاء الراشدين. واحتلت الخمر ومضارها، والجهل، وتأثر المرأة بالحياة الأوروبية، والمخدرات، مكانة بارزة في عدد من المسرحيات. كما أن الإصلاح والتعليم العربي والوطنية قد ظهرت في بعضها الآخر.
وتظهر المبالغات أحيانا في اختيار الألفاظ والعناوين. فرشيد القسنطيني غير عنوان مسرحية (ابن عمتي في فارسوفيا) إلى (ابن عمي الاسطانبولي)، وقد مثلت على مسرح الأوبرا سنة 1929، وفيلم (ثقبة في الحائط) حول نفس الممثل عنوانه إلى (حفرة في الأرض) ومثلها على مسرح الحمراء سنة 1931 وقد أخذ علالو ودحمون قصة عنتر الحشائشي وقصة الصياد والجن من ألف ليلة وليلة. وقد مثلت الأخيرة عام 1928 على مسرح
(1) مثل مسرحية (لونجا الأندلسية) التي مثلت على مسرح الأوبرا، في 28 فبراير 1928. انظر ابن شنب، مرجع سابق، ص 78 - 79. انظر فصل اللغة.
الأوبرا. والملاحظ أن المسرحيات كان يمثلها مؤلفوها في هذه المرحلة. ولا تكاد المسرحية الواحدة تعاد مرة أخرى. وكانت قصة جحا استثناء. ورغم ظهور عدد من أسماء الشباب في العشرينات فلم تظهر أخرى في الثلاثينات غير محيي الدين باش تارزي، بينما برز مؤلفون لمسرحيات تعليمية خلال الثلاثينات، أمثال محمد العيد ومحمد بن العابد ومحمد النجار. وأفضل أوقات العرض هي شهر رمضان لأن الناس يسهرون ويتسلون أثناء أوقات الفراغ.
والجمهور كان يختلف باختلاف الموضوعات والممثلين. فالمسرحيات العامة كان يحضرها جمهور المتعلمين المتنورين (وهم عادة ممن لهم علاقة بالمدرسة الفرنسية والثقافة الغربة)، وفئة العمال والخدم والطلبة في المدارس الفرنسية. ويقول ابن شنب إن العلماء وأصحاب العمائم (أي طبقة رجال الدين والعلم التقليدي) كانوا معارضين للمسرح وخروج المرأة كممثلة، وكان المسرح في نظرهم ضد الأخلاق الحسنة والعادات الكريمة. وربما كان ذلك أثناء كتابة مقاله (1935). ولكن الأمر قد تغير بعد ذلك، فقد كان أصحاب العمائم من رجال الإصلاح يحضرون التمثيليات وسط الجمهور، بل كان بعضهم هم الذين ألفوا المسرحيات للطلبة لكي يمثلوها. وأصبح التمثيل وسيلة للنهضة ونشر الأفكار والتربية. ولكن بشرط ألا ينحط الممثل إلى درجة سفلى، فيقلد لمجرد التقليد، ويبالغ في التقعر من أجل إحداث الضحك وانتزاع الإثارة. والمسرح على العموم مشروع اجتماعي، له تقنياته ولغته وإشاراته وديكوره وملابسه وهواته (1). ومهما كان الأمر فإنه مع الحرب التحررية (1954) كان المسرح الجزائري قد بنى لنفسه تقاليد وأصبح له أمجاد وتراث، وعرف طريقه إلى قلب الشعب.
لم يكن المسرح مقتصرا على العاصمة، كما نفهم من بحث سعد الدين بن شنب. فقد كانت جهات أخرى أيضا. تحاول جهدها، كما أشرنا
(1) ابن شنب (المسرح
…
)، مرجع سابق، ص 84 - 85.
سابقا. وهذا أحد الرواد قد أسس (فرقة المزهر البوني) سنة 1928، أي في الوقت الذي كان فيه علالو ودحمون ورشيد القسنطيني يحاولون جهدهم في العاصمة. وكان مؤسس هذه الفرقة يدعى الجندي، وهو من خريجي المدارس الرسمية، وكان يعمل وكيلا قضائيا. تأسس (المزهر البوني) في عنابة، وشعت آثاره على الناحية الشرقية فدخل قسنطينة، وكذلك تبسة، وربما غيرهما من المدن المجاورة. ويقول مالك بن نبي إن (مرور هذه الفرقة في المدينة - تبسة - كان حدثا ثقافيا
…
لكنه حدث سياسي كذلك (1). ويؤكد ابن نبي أن المسرح قد ساعد على إحياء اللغة العربية وبعث أمجاد الماضي. بل إن بعض الشباب أخذوا يفكرون في تأسيس فرقة مسرحية في تبسة أيضا على غرار المزهر البوني (2).
وكنا قد تعرضنا باختصار إلى حياة رشيد القسنطيني في فصل آخر. واسمه الحقيقي هو رشيد بن الأخضر، وهو من مواليد العاصمة سنة 1887. وقد تعلم في مدرسة محمد البليدي بالقصبة، ومال إلى التجارة فمارسها في الواقع بباب الواد ثم شارك في البحرية التجارية فحملته السفن إلى بلدان أخرى ابتداء من سنة 1914، أي أثناء الحرب الكبرى. وكانت جولاته هذه فرصة له تعرف منها على أخلاق الشعوب ولغاتها وتجاربها. وربما بقي في هذه الخدمة مدة الحرب. وكان رشيد محبا للموسيقى وحفلات الطرب، ومشاركا في نشاط الأوبرا بالعاصمة، وكان من الضاربين على القيتارة. وكان مع علالو وباش تارزي ودحمون وجلول باش جراح يمثلون كوكبة (الفن الأهلي) من تمثيل وموسيقى وغناء ابتداء من العشرينات. عاش رشيد حياة
(1) مالك بن نبي (مذكرات شاهد القرن) ط. 2، دمشق، 1984، ص 186.
(2)
عن نشاط المزهر البوني خلال الثلاثينات والمسرحيات التي مثلها انظر فصل المنشآت الثقافية. ذكر ابن نبي في مذكراته، ص 248، أن مصالي الحاج كتب سنة 1932 مسرحية في باريس وتركها بدون عنوان، وسلمها إلى ابن نبي فصاغها واختار لها عنوانا وهو (الحاكم الطيب) ويعني الحاكم الجائر. وقد مثلت المسرحية في باريس من قبل بعض الطلبة الجزائريين والتونسيين.
الحرمان التي كان عليها الشعب، مثل البطالة والفقر والقهر والجهل، فتأثر بكل ذلك وعالج في موضوعاته هذه القضايا بأسلوب ساخر دون أن يهاجم الاستعمار مباشرة. وقد ذكرنا في فصل آخر أنه كان يساير تيار النهضة والإصلاح دون أن يكون ملتزما بتيار سياسي معين (1). وكانت وفاته مبكرة نسبيا.
وقد عاش زميله باش تارزي حياة أطول من حياته. بدأ باش تارزي حياته منذ 1915 أيضا حزابا في الجامع الجديد، وقد ساعده حفظ القرآن الكريم على طلاقة لسانه وصفاء صوته خلافا لزميله. وقيل إن باش تارزي سجل قراءة للقرآن (تجويد؟) سنة 1919 كما سجل الأذان. وفي سنة 1927 دعي لأداء الأذان عند افتتاح جامع باريس. أما نشاطه المسرحي فقد قيل إنه ترك أكثر من مائة مسرحية مثلت كلها على خشبة المسرح أو في الإذاعة. وقد عمل باش تارزي في مجال الغناء والطرب أيضا، وفي الإذاعة ثم في التلفزة. ومن الجمعيات التي عمل فيها جمعية (المطربية) التي أدارها أكثر من عشرين سنة وطاف بها عددا من البلدان. كما نشط في الجمعية (الفخارجية) للموسيقى. وجمع بين الأغاني الدينية والوطنية. وعاصر الأحداث العالمية، وثورة نوفمبر وعهد الاستقلال. وعاش إلى أن كتب مذكراته. وهو ربما الوحيد الذي فعل ذلك من بين زملائه، فكانت عملا حافلا سجل فيه نشاطه ونشاط جيله منذ الحرب العالمية الأولى (2).
وتجدر الإشارة أيضا إلى رائد آخر من رواد المسرح الهزلي الهادف إلى خدمة الأغراض الاجتماعية، وهو محمد التوري. وهو من مواليد البليدة سنة 1918، وقيل إن اسمه الحقيقي بسناسي. وكان من الشباب الذي تأثر بالنهضة والإصلاح والوطنية، فدخل مدارس جمعية العلماء، ومدرسة الكشافة الإسلامية، ووصل في تعليمه إلى المرحلة الثانوية، ومارس بعض
(1) انظر حشلاف (مجموعة الموسيقى العربية)، باريس، 1993، ص 269? 270.
(2)
حشلاف (مجموعة الموسيقى
…
) مرجع سابق، ص 183 - 184. ومذكرات باش تارزي، سيما الجزء الأول، 1968. وقد توفي سنة 1986. وترك تلاميذ.