الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَلَا يَتَنَحْنَحَ وَلَا يَبْزُقَ وَلَا يَمْتَخِطَ وَيَسْكُتَ إذَا عَطَسَ وَيَقُولَ إذَا خَرَجَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَبْقَى مَا يَنْفَعُنِي، وَيُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى الْمُصْحَفِ وَإِلَى كُتُبِ الْفِقْهِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ. قَالَ رحمه الله (وَغَلْقُ بَابِ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: 114] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِالْغَلْقِ فِي زَمَانِنَا فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ صِيَانَةً لِمَتَاعِ الْمَسْجِدِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ كَمَا قُلْنَا فِي مَنْعِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فِي زَمَانِنَا لِفَسَادِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَقِيلَ إذَا تَقَارَبَ الْوَقْتَانِ لَا يُغْلَقُ كَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُغْلَقُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَمِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الظُّهْرِ. قَالَ رحمه الله (وَالْوَطْءُ فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَالْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي لِأَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ وَلِهَذَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ بِمِنْ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَوَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا يَحْنَثُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَحْرُمُ مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] وَلِأَنَّ تَطْهِيرَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ» الْحَدِيثَ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ الْمَسْجِدَ لَيَنْزَوِي مِنْ النُّخَامَةِ كَمَا يَنْزَوِي الْجِلْدُ مِنْ النَّارِ» فَإِذَا كُرِهَ التَّنَخُّمُ فِيهِ مَعَ طَهَارَتِهِ فَالْبَوْلُ أَحْرَى. قَالَ رحمه الله (لَا فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ) يَعْنِي لَا يُكْرَهُ الْوَطْءُ وَالْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ وَالْمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ نَدَبْنَا إلَيْهِ حَتَّى لَا يَصِحَّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ إلَّا لِلنِّسَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي مُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ كَالْمَسْجِدِ لِكَوْنِهِ مَكَانًا وَاحِدًا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الِاقْتِدَاءِ. قَالَ رحمه الله (وَلَا نَقْشُهُ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ) أَيْ لَا يُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ بِهِمَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ» الْحَدِيثُ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ حِين مَرَّ بِهِ رَسُولُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِتَزْيِينِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَسَاكِينُ أَحْوَجُ مِنْ الْأَسَاطِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ قُرْبَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِجْلَالِ الدِّينِ وَقَدْ زُخْرِفَتْ الْكَعْبَةُ بِمَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَسُتِرَتْ بِأَلْوَانِ الدِّيبَاجِ تَعْظِيمًا لَهَا وَعِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَصَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ أَحَبُّ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ لِدَقَائِقِ النَّقْشِ فِي الْمِحْرَابِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يُلْهِي الْمُصَلِّي وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ التَّزْيِينِ أَوْ عَلَى التَّزْيِينِ مَعَ تَرْكِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «وَقُلُوبُهُمْ خَاوِيَةٌ عَنْ الْإِيمَانِ» هَذَا إذَا فَعَلَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمُتَوَلِّي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فَإِنْ فَعَلَهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضِيعَ مَالَ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا يَرْجِعُ إلَى إحْكَامِ الْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ جَعَلَ الْبَيَاضَ فَوْقَ السَّوَادِ لِلْبَقَاءِ ضَمِنَ، ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَعَلَى هَذَا تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَكْرَهُونَ شَدَّ الْمَصَاحِفِ وَاِتِّخَاذَ الشَّدِّ لَهَا كَيْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمَنْعِ فَأَشْبَهَ غَلْقَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ)
قَالَ رحمه الله (الْوِتْرُ وَاجِبٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله رَوَاهُ عَنْهُ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ وَهُوَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ إلَى آخِرِهِ) هِيَ بِالْوَاوِ وَفِي خَطِّ الشَّارِحِ رحمه الله وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشُّرَّاحِ بِأَوْ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالتَّخَلِّي) أَيْ التَّغَوُّطُ اهـ بَاكِيرٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْمَسْجِدِ) أَيْ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ اهـ ع (قَوْلُهُ وَإِنْ نَدَبْنَا إلَيْهِ إلَى آخِرِهِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مَنْدُوبٌ لَأَنْ يَتَّخِذَ فِي بَيْتِهِ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ السُّنَنَ وَالنَّوَافِلَ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ. اهـ. خُلَاصَةٌ فِي الْفَصْلِ. (قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي مُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ) أَيْ مُصَلَّى الْعِيدِ وَالْجَنَائِزِ اهـ وَقَالَ قَاضِي خَانْ رحمه الله فِي فَتْوَاهُ فِي بَابِ الرَّجُلِ يَجْعَلُ دَارِهِ مَسْجِدًا مَا نَصُّهُ: مَسْجِدٌ اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ هَلْ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ مَسْجِدًا حَتَّى لَوْ مَاتَ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَهُوَ مَسْجِدٌ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَمَا اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لَا يَكُونُ مَسْجِدًا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الصُّفُوفِ أَمَّا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ حَالَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ وَهُوَ وَالْجَبَّانَةُ سَوَاءٌ وَيُجَنَّبُ هَذَا الْمَكَانُ كَمَا يُجَنَّبُ الْمُجَسَّدُ احْتِيَاطًا. اهـ. وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رحمه الله فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَقْفِ مَسْجِدٌ اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ يُجَنَّبُ كَمَا يُجَنَّبُ الْمَسَاجِدُ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ الْجَوَابُ فِيهِ يَجْرِي عَلَى الْإِطْلَاقِ وَاَلَّذِي اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ انْفَصَلَ الصُّفُوفُ أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ لَا رِفْقًا بِالنَّاسِ اهـ (قَوْلُهُ فَإِنْ فَعَلَهُ ضَمِنَ إلَى آخِرِهِ) إلَّا إذَا خَافَ طَمَعَ الظَّلَمَةِ فِيمَا اجْتَمَعَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ. اهـ. كُنُوزٌ.
[بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ]
(قَوْلُهُ بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ)
الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ وَرَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَقِيلَ بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ سُنَّةٌ طَرِيقَةً أَوْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ وَبِقَوْلِهِ فَرْضُ لُزُومِهِ عَمَلًا لَا عِلْمًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله هُوَ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ «قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُنَّ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَهَذَا يَنْفِي الْفَرْضِيَّةَ وَالْوُجُوبَ؛ وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «صَلَّى الْوِتْرَ عَلَى الرَّاحِلَةِ» . وَالْفَرْضُ لَا يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَفِي قَوْله تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] إشَارَةٌ إلَيْهِ لِأَنَّ الْوُسْطَى لَا تَتَحَقَّقُ فِي الشَّفْعِ وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَتْ الصَّلَوَاتُ وِتْرًا فَتَكُونُ الْوُسْطَى بَيْنَ شَفْعَيْنِ وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ وَلَا يُقَامُ وَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّهَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْحَاكِمُ هُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «اجْعَلُوا آخَرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَمْرُ وَكَلِمَةُ عَلَى وَحَقٌّ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ فَلَا تَتَحَقَّقُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ الْفَرْضُ لِكَوْنِهِ مَحْصُورًا وَهَذَا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» قَالَهُ ثَلَاثًا قَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ وَثَّقَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مِنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيَقْضِهِ إذَا ذَكَرَهُ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَقَدْ ظَهَرَ فِيهِ آثَارُ الْوُجُوبِ حَيْثُ يُقْضَى وَلَا يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا يَجُوزُ بِدُونِ نِيَّةِ الْوِتْرِ بِخِلَافِ التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ وَلَوْ كَانَ سُنَّةً تَبَعًا لِلْعِشَاءِ لَكُرِهَ تَأْخِيرُهُ كَمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُ سُنَّتِهَا تَبَعًا لَهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الْوِتْرِ وَفِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام زَادَكُمْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145] وَقَدْ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَكْلَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ «لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَجِّ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وُجُوبِ الْوِتْرِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] يَجُوزُ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الْوِتْرِ فَتَكُونُ وُسْطَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى الرَّاحِلَةِ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْوِتْرَ فَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ جَوَازَ هَذَا الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي حَقِّ إلْزَامِ خَصْمِهِمْ إنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمَا جَازَ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَهَذَا تَحَكُّمٌ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ بَيَانِ أَوْقَاتِهَا وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا وَالْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَالْقَاصِرِ فِيهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ صَلَاةٍ هِيَ دُونَ الْفَرَائِضِ وَفَوْقَ النَّوَافِلِ وَهِيَ صَلَاةُ الْوِتْرِ وَدَلَالَةُ أَنَّهَا قَصَدَتْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ إيرَادَ النَّوَافِلِ بَعْدَهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا هُوَ حَقُّهُ. اهـ. نِهَايَةٌ وَالنَّوَافِلُ جَمْعُ نَافِلَةٍ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّفَلُ لِلْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا وُضِعَ الْجِهَادُ لَهُ وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ سُمِّيَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةً وَسُمِّيَتْ صَلَاةُ النَّفْلِ نَفْلًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ (قَوْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ) أَيْ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ. اهـ. نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ سُنَّةٌ إلَى آخِرِهِ) وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ جَمِيعِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَا عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتُقْضَى، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. اهـ. اخْتِيَارٌ. (قَوْلُهُ وَفِي قَوْله تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] إشَارَةٌ إلَيْهِ) أَيْ إلَى نَفْيِ الْفَرِيضَةِ اهـ (قَوْلُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ وَلَا يُقَامُ إلَى آخِرِهِ) وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَيَخْتَصُّ بِالْفَرَائِضِ الْمُطْلَقَةِ وَلِهَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ اهـ قَارِئُ الْهِدَايَةِ وَمِنْ خَطِّهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً» إلَى آخِرِهِ) فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ وُجُوبَ الْوِتْرِ كَانَ بَعْدَ سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ زَادَكُمْ فَأَضَافَ إلَى اللَّهِ لَا إلَى نَفْسِهِ وَالسُّنَنُ تُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اهـ نِهَايَةٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا بِالزِّيَادَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عَلَى الشَّيْءِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ زَادَ فِي ثَمَنِهِ إذَا وَهَبَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً وَلَا يُقَالُ زَادَ عَلَى الْهِبَةِ إذَا بَاعَ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فَكَذَا الزِّيَادَةُ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَزِيَادَةُ التَّعْرِيفِ زِيَادَةُ وَصْفٍ لَا أَصْلٌ وَهُوَ الْوُجُوبُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ أَمَرَ بِأَدَائِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. اهـ. نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْعَجَبِ إلَى آخِره) وَقَدْ ادَّعَى النَّوَوِيُّ أَنَّ جَوَازَ فِعْلِ هَذَا الْوَاجِبِ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي هَذِهِ الدَّعْوَى تَوَقُّفٌ فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ خَاصٍّ وَلَمْ يُنْقَلْ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَمْ لَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعُذْرٍ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ
لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ فِعْلَهُ عليه الصلاة والسلام يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِ الْعُذْرِ فَلَا يُعَارِضُ الْقَوْلَ وَإِنَّمَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُعَرَّى عَنْ شُبْهَةٍ وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَيَكْتَفِي بِآذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ لِقُصُورِ دَلِيلِهِ فَتُرَاعَى جِهَةُ النَّفْلِيَّةِ فِيهِ احْتِيَاطًا قَالَ رحمه الله (وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ وَإِنْ شَاءَ بِثَلَاثٍ وَإِنْ شَاءَ بِخَمْسٍ إلَى إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمَةٍ» وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] وَفِي الثَّانِيَةِ بِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] وَفِي الثَّالِثَةِ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ» وَعَنْهَا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا» فَلَوْ كَانَ يَفْصِلُ لَقَالَتْ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ وَاحِدَةً وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الْوِتْرُ ثَلَاثٌ كَوِتْرِ النَّهَارِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَعَنْهُ مَا أَجْزَأَتْ رَكْعَةٌ قَطُّ وَحَكَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْوِتْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا تُوَتِّرُوا بِثَلَاثٍ أَوْتَرُوا بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ» الْحَدِيثَ. وَالْإِيتَارُ بِالثَّلَاثِ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَكَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي آخِرِهَا» وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ أَمْرِ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْمُسْتَقِرَّةَ لَا يُخَيَّرُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِهَا قَالَ رحمه الله (وَقَنَتَ فِي ثَالِثَتِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَبَدًا بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ) لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَذَا «قَالَ عليه الصلاة والسلام لِلْحَسَنِ حِينَ عَلَّمَهُ الْقُنُوتَ اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِك مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ يَعْنِي غَيْرَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَى آخِرِهِ اللَّهُمَّ أَهْدِنَا إلَى آخِرِهِ قَالَ رحمه الله (وَقَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) لِمَا رَوَيْنَا.
قَالَ رحمه الله: (وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» ، وَكَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَلَنَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ» أَخْرَجَاهُ فَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ يَجْعَلُ أَوَّلًا فِعْلَهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ الْخَصَائِصِ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ هُنَا دَلِيلًا لِلْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إلَى آخِرِهِ) النَّسَائِيّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى آخِرِهِ فَإِذَا فَرَغَ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها «وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَحَدِيثُ النَّسَائِيّ أَصَحُّ إسْنَادًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ بِثَلَاثِ يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ». اهـ. عَبْدُ الْحَقِّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَقَنَتَ فِي ثَالِثَتِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَبَدًا بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ) أَيْ رَافِعًا يَدَيْهِ اهـ ع وَهَذِهِ التَّكْبِيرَةُ وَاجِبَةٌ يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ فِي الْوِتْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رُبَّمَا يَكُونُ جَاهِلًا فَيَأْتِي بِدُعَاءٍ يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ فَيُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ التَّوْقِيتَ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ رِقَّةَ الْقَلْبِ مَحْمُولٌ عَلَى أَدْعِيَةِ الْمَنَاسِكِ دُونَ الصَّلَاةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُذْهِبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ) أَيْ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَكَذَا فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ. اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَقَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ إلَى آخِرِهِ) وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً مُعَيَّنَةً عَلَى الدَّوَامِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ مُطْلَقُ الْقِرَاءَةِ بِقَوْلِهِ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] وَالتَّعْيِينُ عَلَى الدَّوَامِ يُفْضِي إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ لَوْ قَرَأَ بِمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ أَحْيَانًا يَكُونُ حَسَنًا وَلَكِنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا كَذَا فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ. اهـ. نِهَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَقْنُتُ لِغَيْرِهِ إلَى آخِرِهِ)(فَرْعٌ) إنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا لَا يَقْنُتُ عِنْدَنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ فَإِنْ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَوْ بَلِيَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ صَاحِبُ النَّافِعِ فِي مَجْمُوعِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ سُنَّةٌ فِي الْفَجْرِ وَيَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الدُّعَاءِ قَالَ لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَزَلْ مُحَارِبًا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَقْنُتْ فِي الصَّلَوَاتِ قُلْت رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ وَرَوَى
قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتُوا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بِدْعَةٌ وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَنَتَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاتِبًا لَهُ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] فَتَرَكَ» وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الثِّقَاتِ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ. قَالَ رحمه الله (وَيَتْبَعُ الْمُؤْتَمُّ قَانِتَ الْوِتْرِ) أَيْ يَتْبَعُ الْمُقْتَدِي الْإِمَامَ الْقَانِتَ فِي الْوِتْرِ فِي قُنُوتِهِ وَيُخْفِي هُوَ وَالْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَقِيلَ يَجْهَرُ الْإِمَامُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُفِيدِ وَقِيلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْنُتُ الْإِمَامُ دُونَ الْمُؤْتَمِّ كَمَا لَا يَقْرَأُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْفَجْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِيَقِينِ فَصَارَ كَالثَّنَاءِ وَالتَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَهُ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ رَفْعُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ صَوْتَهُمَا فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ أَحَبُّ إلَيَّ. قَالَ رحمه الله (لَا الْفَجْرِ) أَيْ لَا يُتَابِعُ الْمُؤْتَمُّ الْإِمَامَ الْقَانِتَ فِي الْفَجْرِ فِي الْقُنُوتِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُتَابِعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَصَارَ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَهُمَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَبَّرَ خَمْسًا فِي الْجِنَازَةِ حَيْثُ لَا يُتَابِعُهُ فِي الْخَامِسَةِ لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا، ثُمَّ قِيلَ يَسْكُتُ وَاقِفًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا يَجِبُ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي بِدَلِيلِ مُشَارَكَتِهِ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ فِي غَيْرِ الْقُنُوتِ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيَّةِ إذَا كَانَ يُحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ بِأَنْ كَانَ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَيَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ وَلَا يَكُونُ شَاكًّا فِي إيمَانِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَا مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا يَقْطَعُ وِتْرَهُ بِالسَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ اقْتِدَاءَ الْحَنَفِيِّ بِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ يَجُوزُ وَيُصَلِّي مَعَهُ بَقِيَّةَ الْوِتْرِ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِسَلَامِهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ إذَا صَحَّتْ عَلَى زَعْمِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ عَلَى زَعْمِ الْمُقْتَدِي وَقِيلَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ قَامَ الْمُقْتَدِي وَأَتَمَّ الْوِتْرَ وَحْدَهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّافِعِيَّةِ فِي الْوِتْرِ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ وَلَوْ عَلِمَ الْمُقْتَدِي مِنْ الْإِمَامِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَلَى زَعْمِ الْإِمَامِ كَمَسِّ الْمَرْأَةِ وَالذَّكَرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالْإِمَامُ لَا يَدْرِي بِذَلِكَ تَجُوزُ صَلَاتُهُ عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ الْهِنْدُوَانِيُّ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَرَى بُطْلَانَ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي تَبَعًا لَهُ وَجْهُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَرَى جَوَازَ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ رَأْيُ نَفْسِهِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا.
قَالَ رحمه الله (وَالسُّنَّةُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ رَكْعَتَانِ وَقَبْلَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا أَرْبَعٌ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ ثِنْتَيْنِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حَنْبَلٍ وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتِ فَقُلْت مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَيْهَا فَقَالَ هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فِيهَا فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ فَقُلْت أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت أَبِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ فَقَالَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيِّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كُلُّ شَيْءٍ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُنُوتِ إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَا يَقْنُتُ فِي الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالْغَدَاةِ إذَا كَانَ يَسْتَنْصِرُ وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ وَعَنْ عُمَرَ فِي الْقُنُوتِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رَسُولَك وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَك الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك. اهـ. سَرُوجِيٌّ (قَوْلُهُ وَقِيلَ يَجْهَرُ الْإِمَامُ) أَيْ دُونَ الْمُقْتَدِي اهـ وَاخْتَارَ مَشَايِخُنَا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ الْإِخْفَاءَ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» . اهـ. بَدَائِعُ. (قَوْلُهُ وَفِي نَوَادِرِ إلَى آخِرِهِ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ رحمه الله (قَوْلُهُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيَّةِ إذَا كَانَ يُحْتَاطُ إلَى آخِرِهِ) لَا كَمَا قِيلَ إنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اهـ عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَا مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ) أَيْ انْحِرَافًا فَاحِشًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ الْمَغَارِبَ كَانَ فَاحِشًا. اهـ. قَاضِي خَانْ (قَوْلُهُ بِالسَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ رحمه الله (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ إلَى آخِرِهِ) وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِهِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ فِي فَصْلِ الرُّعَافِ وَالْحِجَامَةِ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ إلَّا إذَا رَآهُ احْتَجَمَ، ثُمَّ غَابَ عَنْهُ فَالْأَصَحُّ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ لِجَوَازِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ فَإِنْ شَهِدَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَسَّ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى قَبْلَ الْوُضُوءِ قَالَ مَشَايِخُنَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَجَمَاعَةٌ لَا يَجُوزُ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي جِهَةِ التَّحَرِّي بِمَنْعِ الِاقْتِدَاءِ. اهـ. قُنْيَةٌ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ) عِبَارَةُ بَاكِيرٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ اهـ. (فَرْعٌ) إذَا كَانَ عَلَى الرَّجُلِ فَائِتَةٌ حَدِيثَةٌ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَنَسِيَ الْفَائِتَةَ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَاقْتَدَى بِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً حَدِيثَةً فَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَامَّةٌ وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ. اهـ. وَلْوَالَجِيُّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ. اهـ. .
وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ فَيَكُونُ سُنَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعًا. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مِنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلِيُصَلِّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعُ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا عَنْ السُّنَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ وَرَوَى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا وَقَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ أَقْوَى السُّنَنِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، ثُمَّ سُنَّةُ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَدَعْهُمَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ فَإِنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَقِيلَ هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ وَذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ آكَدُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ أَدَاؤُهَا فِي الْمَنْزِلِ إلَّا التَّرَاوِيحَ وَقِيلَ: إنَّ الْفَضِيلَةَ لَا تَخْتَصُّ بِوَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَكِنْ كُلَّمَا كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاءِ وَأَجْمَعَ لِلْخُشُوعِ وَالْإِخْلَاصِ فَهُوَ أَفْضَلُ. قَالَ رحمه الله (وَنُدِبَ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَلَا يَعْتَدُّونَهَا مِنْ السُّنَّةِ قَالَ رحمه الله (وَالْعِشَاءُ وَبَعْدَهُ) أَيْ نَدَبَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ الْعِشَاءَ كَالظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَقِيلَ هُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا وَقِيلَ الْأَرْبَعُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالرَّكْعَتَانِ قَوْلُهُمَا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ. قَالَ رحمه الله (وَالسِّتُّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُتِبَ مِنْ الْأَوَّابِينَ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]» .
قَالَ: رحمه الله (وَكُرِهَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ فِي نَفْلِ النَّهَارِ وَعَلَى ثَمَانٍ لَيْلًا) أَيْ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَلَوْلَا الْكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ وَقَدْ جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ إلَى ثَمَانٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُصَلِّي خَمْسًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَبْعًا وَتِسْعًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ» وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي خَمْسًا رَكْعَتَانِ مِنْهَا قِيَامُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرٌ وَفِي السَّبْعِ أَرْبَعٌ قِيَامُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرٌ وَفِي التِّسْعِ سِتٌّ قِيَامُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرٌ وَفِي إحْدَى عَشْرَةَ ثَمَانٍ قِيَامُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ قِيلَ تَأْوِيلُهُ ثَمَانٍ مِنْهَا قِيَامُ اللَّيْلِ وَثَلَاثٌ وِتْرٌ وَرَكْعَتَانِ سُنَّةُ الْفَجْرِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ وَصْلِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ رحمه الله (وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا رُبَاعُ) أَيْ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى لِحَدِيثِ الْبَارِقِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلَهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ إنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ» وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةً فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةٍ وَأَزْيَدَ فَضِيلَةً وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَعَلَى الْعَكْسِ يَخْرُجُ وَحَدِيثُ الْبَارِقِيِّ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَلَئِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ شَفْعٌ لَا وِتْرٌ؛ وَلِأَنَّ رَاوِيَهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالرَّاوِي إذَا فَعَلَ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ لَا تَلْزَمُ رِوَايَتُهُ حُجَّةً، وَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ فَيُرَاعَى فِيهِ جِهَةُ التَّخْفِيفِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ أَقْوَى السُّنَنِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَالَ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . اهـ. زَاهِدِيٌّ قَوْلُهُ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ وَالْمُرَادُ بِالْخَيْلِ جَيْشُ الْعَدُوِّ. اهـ. كَاكِيٌّ فِي إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ) حَتَّى لَوْ أَنْكَرَهَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ. اهـ. مُسْتَصْفَى (قَوْلُهُ: ثُمَّ الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ) ثُمَّ التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْعِشَاءِ. اهـ. قُنْيَةٌ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْحَسَنُ) هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ رحمه الله. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَالنَّوَافِلِ اهـ كَمَا فِي وَعَزَى فِي الْغَايَةِ لِلْحَلْوَانِيِّ (قَوْلُهُ إلَّا التَّرَاوِيحَ)؛ لِأَنَّ فِي التَّرَاوِيحِ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ. اهـ. نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ وَنَدَبَ الْأَرْبَعَ) أَيْ اسْتَحَبَّ اهـ ع.
(قَوْلُهُ وَكُرِهَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ بِتَسْلِيمَةٍ) قَوْلُهُ بِتَسْلِيمَةٍ لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ اهـ (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا رُبَاعُ) أَيْ أَرْبَعَةٌ أَرْبَعَةٌ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْوَصْفِ وَالْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ أَرْبَعَةٍ أَرْبَعَةٍ كَثَلَاثٍ مَعْدُولٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ رحمه الله (قَوْلُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم مَثْنَى مَثْنَى مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَسَمَّاهُ مَثْنَى لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِتَشَهُّدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشَهُّدِ اهـ
تَيْسِيرًا. قَالَ رحمه الله (وَطُولُ الْقِيَامِ أَحَبُّ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» أَيْ الْقِيَامُ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَكْثُرُ بِطُولِ الْقِيَامِ وَبِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَكْثُرُ التَّسْبِيحَ وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فَكَانَ اجْتِمَاعُ أَجْزَائِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنْ اجْتِمَاعِ رُكْنٍ وَسُنَّةٍ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» وَأَدَاءُ الْفَرْضِ يَنُوبُ عَنْ التَّحِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِيبَ الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» وَصَلَاةُ الضُّحَى مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَصَاعِدًا لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» .
قَالَ رحمه الله (وَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ) لِمَا لَمْ يُعَيِّنْ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْفَرْضِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا غَيْرَ مُتَعَيِّنَتَيْنِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ أَوْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ مِنْهَا لَا غَيْرُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْأُولَيَيْنِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ فَرْضٌ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ» . وَقَالَ مَالِكٌ فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا إقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا وَقَالَ زُفَرَ فِي رَكْعَةٍ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ إنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ فِي السَّفَرِ وَفِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْرِهَا فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا وَفِيهِ أَثَرُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالَا اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَكَفَى بِهِمَا قُدْوَةً وَالصَّلَاةُ فِيمَا رُوِيَ مَذْكُورَةٌ صَرِيحًا فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلَةِ مِنْهَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ عَادَةً كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إنْ شَاءَ سَبَّحَ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ قَدْرَهَا وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا وَلِهَذَا لَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ رحمه الله (وَكُلِّ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ) أَيْ الْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الْوِتْرِ أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ قَعْدَةٍ مِنْهُ وَيَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ وَلَا يُؤَثِّرُ فَسَادُ الشَّفْعِ الثَّانِي فِي فَسَادِ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِتَرْكِ الْقُعُودِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَصَارَ كُلُّ شَفْعٍ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِيمَا إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَقْعُدْ إلَّا فِي آخِرِهَا حَيْثُ قَالَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَكَذَا السِّتُّ وَالثَّمَانِي فِي الصَّحِيحِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَطُولُ الْقِيَامِ أَحَبُّ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ طُولُ الْقِيَامِ أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ أَحْمَزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا عَلَى الْبَدَنِ قُلْت ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ السُّجُودَ أَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِيَامَ وَسِيلَةٌ لِأَجْلِ الْخُرُورِ لِلسُّجُودِ مِنْ الْقِيَامِ حَتَّى قَالُوا إذَا عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ يَسْقُطُ الْقِيَامُ فَيَقْعُدُ وَيُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذْ السُّجُودُ غَايَةُ إظْهَارِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَلِهَذَا لَوْ سَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَكْفُرُ وَلَوْ قَامَ أَوْ رَكَعَ لَا يَكْفُرُ وَكَيْفَ يَكُونُ الْوَسِيلَةُ أَفْضَلَ مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ بِالْأَشَقِّ كَمَا عَلَّلَ بِهِ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ فَالرُّكُوعُ الطَّوِيلُ أَشَقُّ مِنْ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ. اهـ. غَايَةٌ. وَأَمَّا كَوْنُ تَطْوِيلِ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا رَجَّحَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ وَهُمَا الْقِيَامُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. اهـ. غَايَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنْ الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ فِي الصَّلَاةِ فَكَثْرَةُ السُّجُودِ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَفْضَلُ، وَإِلَّا فَطُولُ الْقِيَامِ. اهـ. غَايَةٌ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ طُولَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَثْرَتِهِمَا، ثُمَّ إطَالَةُ السُّجُودِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ تَطْوِيلُ السُّجُودِ وَتَكْثِيرُ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَقَوْمٌ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَتَوَقَّفَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِيهِمَا. اهـ. غَايَةٌ مَعَ حَذْفٍ (قَوْلُهُ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ سُنَّةٌ إلَى آخِرِهِ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي الْفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَقَالَ زُفَرُ فِي رَكْعَةٍ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إلَى آخِرِهِ) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ أَصْلًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِوُرُودِ الْأَمْرِ. اهـ. عَيْنِيٌّ قَوْلُهُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إلَى آخِرِهِ أَيْ وَإِنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ؛ وَلِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَقْوَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْأَفْعَالِ كَلَا وَالْقَادِرُ عَلَى الْأَقْوَالِ لَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا لَا يُؤْتَى بِهَا فِي الصَّلَاةِ. اهـ. نِهَايَةٌ (قَوْلُهُ لَكِنْ إنَّمَا أَوْجَبْنَاهَا) لَفْظَةً إنَّمَا لَيْسَتْ فِي خَطِّ الشَّارِحِ اهـ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِي التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ هَذَا إذَا نَوَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَشْهُورِ فَأَمَّا إذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. اهـ. نِهَايَةٌ وَمِثْلُهُ فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ اهـ قَوْلُهُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَشْهُورِ احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْبَعٌ وَقَدْ جَعَلَهُ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ غَيْرَ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ اهـ
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَعْدَةَ صَارَتْ فَرْضًا لَغَيْرهَا وَهُوَ الْخَتْمُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ فَرْضًا فِي الْفَرَائِضِ إلَّا فِي آخِرِهَا فَإِذَا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَبْلَهَا لَمْ يَكُنْ أَوَانَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَبْقَ الْقَعْدَةُ فَرِيضَةً بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهَا رُكْنٌ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ فَإِذَا تَرَكَهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. قَالَ رحمه الله (وَلَزِمَ النَّفَلُ بِالشُّرُوعِ وَلَوْ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَالطُّلُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى قُرْبَةٌ فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْبُطْلَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِلُزُومِ الْمُضِيِّ فِيهِ فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِذَا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ عَلَى مَا يَأْتِي تَمَامُهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ وَلَوْ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَالطُّلُوعِ أَيْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ وَلَوْ كَانَ الشُّرُوعُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اعْتِبَارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ وَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُسَمَّى صَائِمًا بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ حَتَّى يَحْنَثَ بِهِ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ أَنْ لَا يَصُومَ فَيَصِيرَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِهِ فَيَجِبُ إبْطَالُهُ وَلَا يَصِيرُ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا حَتَّى يُتِمَّ رَكْعَةً وَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الصَّلَاةُ وَلَمْ تُوجَدْ قَبْلَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ أَوْ يُصَلِّيَ فِيهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِي الِالْتِزَامِ قَوْلًا فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ.
قَالَ رحمه الله (وَقَضَى رَكْعَتَيْنِ لَوْ نَوَى أَرْبَعًا وَأَفْسَدَهُ بَعْدَ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَلْزَمُهُ بِهِ فَفَسَادُهُ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِالْقُعُودِ وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الشَّفْعِ الثَّانِي لِصِحَّةِ شُرُوعِهِ فِيهِ وَإِنْ أَفْسَدَهُ قَبْلَ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لِصِحَّةِ شُرُوعِهِ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الثَّانِي لِعَدَمِ شُرُوعِهِ فِيهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ وَلَوْ قَعَدَ فِي الْأَوَّلِ وَسَلَّمَ أَوْ تَكَلَّمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ بِالْقُعُودِ وَالثَّانِي لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ قَارَنَتْ سَبَبَ الْوُجُوبِ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى اعْتِبَارًا بِالنَّذْرِ فَإِنْ مِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَلَاةٌ وَنَوَى الْأَرْبَعَ يَلْزَمُهُ مَا نَوَى لِاقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِالسَّبَبِ وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ مَا شَرَعَ فِيهِ وَمَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِهِ وَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِ الشَّفْعَيْنِ بِالْآخِرِ وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الشُّرُوعُ وَلَمْ يُوجَدْ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي مَا لَمْ يَقُمْ إلَى الثَّالِثَةِ فَلَمْ تَقْتَرِنْ النِّيَّةُ بِالسَّبَبِ وَإِنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ وَهِيَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْإِيجَابِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ النَّذْرِ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ النَّذْرُ فَاقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ مُؤَثِّرٌ وَسُنَّةُ الظُّهْرِ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَقِيلَ يَقْضِي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلِهَذَا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَلَا يَسْتَفْتِحُ فِي الثَّالِثَةِ وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ بِهِ، وَكَذَا الْخَلْوَةُ لَا تَصِحُّ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْأَرْبَعَ حَتَّى لَوْ دَخَلَتْ امْرَأَتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ فَانْتَقَلَ إلَى الشَّفْعِ الثَّانِي بَعْدَ دُخُولِهَا لَا يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ كَالظُّهْرِ. قَالَ رحمه الله (أَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ الْأُخْرَيَيْنِ) أَيْ قَضَى رَكْعَتَيْنِ إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَوْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ أَمَّا إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا فَلِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَيَقْضِيه وَلَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِفَسَادِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقْضِيه، وَأَمَّا إذَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَلَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَلِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ وَصَحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ فَيَقْضِيه، وَأَمَّا إذَا قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَقَطْ فَلِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ فَسَدَ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ فَيَقْضِيه وَلَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا فَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الْكُلِّ نَظَرًا إلَيْهِ وَبِالنَّظَرِ إلَى مَذْهَبِهِ لَا يَجِبُ فَتَجِبُ احْتِيَاطًا. اهـ. رَازِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَزِمَ النَّفَلُ بِالشُّرُوعِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا اهـ ع (قَوْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ رحمه الله وَقَالَ زُفَرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ اعْتِبَارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَقَضَى رَكْعَتَيْنِ لَوْ نَوَى أَرْبَعًا وَأَفْسَدَهُ) أَيْ الْأَرْبَعَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ اهـ ع (قَوْلُهُ بَعْدَ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ) أَيْ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الشَّفْعِ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ قَدْ تَمَّ بِالْقُعُودِ وَكُلُّ شَفْعٍ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ إلَى آخِرِهِ اهـ قَوْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ خِلَافًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا تَرَى إذْ لَا وَجْهَ لَهُ وَسَاقَ الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا أَفْسَدَهُ قَبْلَ الْقُعُودِ وَوَجْهُ الْخِلَافِ ظَاهِرٌ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ فِيمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ يَنْوِي أَرْبَعًا، ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْأَزْهَرِيِّ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ افْتَتَحَ النَّافِلَةَ يَنْوِي عَدَدًا يَلْزَمُهُ بِالِافْتِتَاحِ ذَلِكَ الْعَدَدُ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ رَكْعَةٍ وَرَوَى غَسَّانُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إنْ نَوَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَزِمَهُ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ مَا تَنَاوَلَهُ وَإِنْ كَثُرَ. اهـ. (قَوْلُهُ أَيْ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) هَكَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ وَاَلَّذِي فِي غَالِبِ نُسَخِ هَذَا الشَّرْحِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ أَيْ إذَا صَلَّى إلَى آخِرِهِ وَهُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ النُّسَّاخِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا وَقَضَى رَكْعَتَيْنِ شَامِلٌ لِخَمْسِ مَسَائِلَ. اهـ
عِنْدَهُمَا. قَالَ رحمه الله (وَأَرْبَعًا لَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ) أَيْ قَضَى أَرْبَعًا إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَرَأَ فِي رَكْعَةٍ مِنْ كُلِّ شَفْعٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْقَسِمُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ وَالْأَصْلُ فِيهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ إذَا قَيَّدَ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ بِدَلِيلِ وُجُودِ الصَّلَاةِ بِدُونِهَا فِي الْجُمْلَةِ كَصَلَاةِ الْأُمِّيِّ وَالْأَخْرَسِ وَالْمُقْتَدِي وَلِهَذَا مِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ دُونَ الْأَفْعَالِ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا تَلْزَمُهُ لَكِنْ يُوجِبُ فَسَادَ الْأَدَاءِ وَهُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ فَلَا تَبْطُلُ التَّحْرِيمَةُ فَيَصِحُّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَفِي إحْدَاهُمَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَحَكَمْنَا بِبُطْلَانِهَا فِي حَقِّ لُزُومِ الْقَضَاءِ وَبِبَقَائِهَا فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الْأَرْبَعِ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَطَلَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ فَصَحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَيَقْضِي الْكُلَّ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِصِحَّةِ الْأُولَيَيْنِ وَفَسَادِ الْأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُف يَصِحُّ شُرُوعُهُ فِيهِ لَكِنْ لَمَّا قَرَأَ فِيهِمَا صَحَّتَا وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ. وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا رَوَاهَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ مُحَمَّدٌ عَنْهَا وَاعْتَمَدَ الْمَشَايِخُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي الْأُولَيَيْنِ فِيهِمَا لِمَا قُلْنَا وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا وَلَوْ نَوَى أَنْ يَكُونَ الشَّفْعُ الثَّانِي قَضَاءً عَنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ وَقَرَأَ فِيهِ لَا يَكُونُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْكُلَّ بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكُونُ الْبَعْضُ قَضَاءً عَنْ الْبَعْضِ.
قَالَ رحمه الله: (وَلَا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلَهَا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلُهَا» وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يُصَلِّي رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ وَرَكْعَتَانِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَيَكُونُ بَيَانًا لِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا وَقِيلَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْفَرِيضَةَ، ثُمَّ يُصَلُّونَ بَعْدَهَا مِثْلَهَا يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ زِيَادَةَ الْأَجْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ هُوَ نَهْيٌ عَنْ إعَادَةِ الْمَكْتُوبَةِ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْلِيطِ الْوَسْوَسَةِ عَلَى الْقَلْبِ.
قَالَ رحمه الله (وَيَتَنَفَّلُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ابْتِدَاءً وَبِنَاءً) أَمَّا الِابْتِدَاءُ فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ»
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ) يَشْمَلُ صُورَتَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ) يَشْمَلُ صُورَتَيْنِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ) يَشْمَلُ أَرْبَعَ صُوَرٍ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ) يَشْمَلُ صُورَتَيْنِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ. اهـ (قَوْلُهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ عِنْدَهُمَا)؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِتَرْكِهِ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي أَرْبَعًا) أَيْ لِعَدَمِ بُطْلَانِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَا يُصَلِّي إلَى آخِرِهِ) هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ. اهـ. عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِمَا فِيهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ اهـ ع.
(قَوْلُهُ وَيَتَنَفَّلُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ مَعَ قُدْرَةِ الْقِيَامِ. اهـ. (قَوْلُهُ ابْتِدَاءً وَبِنَاءً) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَالَيْنِ بِمَعْنَى مُبْتَدِئًا وَبَانِيًا وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ وَحَالَةِ الْبِنَاءِ اهـ ع وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ، وَكَذَا فِي النَّذْرِ إذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى صِفَةِ الْقِيَامِ فِي الصَّحِيحِ. اهـ. كُنُوزٌ (قَوْلُهُ «وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا فِي النَّافِلَةِ أَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلَا يَجُوزُ الْقُعُودُ فَإِنْ عَجَزَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ أَجْرِهِ اهـ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، ثُمَّ هُوَ صلى الله عليه وسلم مَخْصُوصٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ حُدِّثْت أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ صَلَاةِ الْقَائِمِ فَأَتَيْته فَوَجَدْته يُصَلِّي جَالِسًا قَالَ حُدِّثْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّك قُلْت صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا قَالَ أَجَلْ وَلَكِنْ لَسْت كَأَحَدِكُمْ». هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ صَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ وَلَا نَعْلَمُ الصَّلَاةَ نَائِمًا تَسُوغُ إلَّا فِي الْفَرْضِ حَالَةَ الْعَجْزِ عَنْ الْقُعُودِ وَهَذَا حِينَئِذٍ يُعَكِّرُ عَلَى حَمْلِهِمْ الْحَدِيثَ عَلَى النَّفْلِ وَعَلَى كَوْنِهِ فِي الْفَرْضِ لَا يَسْقُطُ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ شَيْءٌ وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ إنَّمَا يُفِيدُ كِتَابَةَ مِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ مُقِيمًا صَحِيحًا وَإِنَّمَا عَاقَهُ الْمَرَضُ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا أَصْلًا وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ احْتِسَابَ مَا صَلَّى قَاعِدًا بِالصَّلَاةِ قَائِمًا لِجَوَازِ احْتِسَابِهِ نِصْفًا، ثُمَّ يُكْمِلُ لَهُ كُلَّ عَمَلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ فَضْلًا، وَإِلَّا فَالْمُعَارَضَةُ قَائِمَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِتَجْوِيزِ النَّافِلَةِ نَائِمًا وَلَا أَعْلَمُهُ فِي فِقْهِنَا. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ «فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ») قَالَ فِي الْمُنْتَقَى رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا. اهـ. غَايَةٌ
وَالْمُرَادُ بِهِ النَّفَلُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعُذْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» وَالْفَرْضُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِدَلِيلِ «قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» الْحَدِيثَ، فَتَعَيَّنَ النَّفَلُ مُرَادًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَجَازَ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَتْرُكَهُ أَصْلًا وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّشَهُّدِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ احْتَبَى وَإِنْ شَاءَ تَرَبَّعَ وَإِنْ شَاءَ قَعَدَ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَبِي لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصَلِّي فِي آخِرِ عُمْرِهِ مُحْتَبِيًا» وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَأَمَّا الْبِنَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ قَائِمًا فَلِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي النَّفْلِ فَجَازَ تَرْكُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ عِنْدَنَا فَأَشْبَهَ النَّذْرَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالتَّحْرِيمَةِ صِيَانَةُ مَا مَضَى فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا يُصَحِّحُ التَّحْرِيمَةَ وَتَحْرِيمَةُ التَّطَوُّعِ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ إذْ هُوَ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِيهِ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ فَالْبَقَاءُ أَسْهَلُ كَمَا فِي كَثِيرِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْعُدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ دَلَّ عَلَيْهِ إطْلَاقُهُ فِي الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّذْرِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي النَّذْرِ بِاسْمِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا وَفِي الشُّرُوعِ وَجَبَ بِالتَّحْرِيمَةِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ الْقِيَامَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ رحمه الله (وَرَاكِبًا خَارِجَ الْمِصْرِ مُومِيًا إلَى أَيْ جِهَةِ تَوَجَّهَتْ دَابَّتُهُ) أَيْ وَيَتَنَفَّلُ رَاكِبًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ النَّوَافِلَ فِي كُلِّ جِهَةٍ» لَكِنْ يَخْفِضُ السُّجُودَ مِنْ الرُّكُوعِ وَيُومِئُ إيمَاءً وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعُذْرِ) أَيْ إذْ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ تُسَاوِي صَلَاةُ الْقَاعِدِ صَلَاةَ الْقَائِمِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ») رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي سُنَنِهِ اهـ غَايَةٌ قَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّشَهُّدِ إلَخْ) أَمَّا فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ فَيَقْعُدُ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إجْمَاعًا نَقَلَهُ فِي الْغَايَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ عَنْ الذَّخِيرَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ قَائِمًا حَيْثُ لَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ قِيَامٌ حَيْثُ جَوَّزْنَا اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِهِ بِخِلَافِ الْمُومِئِ. اهـ. غَايَةٌ قَوْلُهُ إنْ شَاءَ احْتَبَى وَإِنْ شَاءَ تَرَبَّعَ إلَى آخِرِهِ وَوَجْهُ التَّرَبُّعِ وَالِاحْتِبَاءِ فِي حَالَةِ الْقِرَاءَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ حَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَحَالَةِ التَّشَهُّدِ. اهـ. غَايَةٌ وَوَجْهُ مَنْ قَالَ يَجْلِسُ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْقِيَامُ سَقَطَتْ هَيْئَتُهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ) دُونَ غَيْرِهَا فَكَانَتْ أَوْلَى. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ قَائِمًا إلَى آخِرِهِ) أَيْ يَشْرَعَ قَائِمًا وَصَلَّى بَعْضَهَا، ثُمَّ كَمَّلَهَا قَاعِدًا اهـ ع وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا وَأَتَمَّهُ قَاعِدًا بِعُذْرٍ جَازَ وَكَذَا بِغَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَهُ وَلَوْ تَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ قَالَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ كَالتَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَهُوَ رَاكِبٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاؤُهَا رَاكِبًا وَفِي الْأَصْلِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فَصَلَّى رَاكِبًا وَفِي الْأَصْلِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فَصَلَّى رَاكِبًا لَمْ يُجْزِهِ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ النَّاذِرُ رَاكِبًا عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ إذْ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ الْكَامِلَةِ وَالصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ نَاقِصَةٌ وَهَذَا دَلِيلٌ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِ الْإِيمَاءِ بِخِلَافِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَوْ السَّمَاعِ وَقَدْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُ رَاكِبًا فَيَلْزَمُهُ كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ سَبَبُ وُجُوبِ الْمَنْذُورِ أَيْضًا النَّذْرَ وَقَدْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ كَالتِّلَاوَةِ قُلْت النَّذْرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَأَدَّاهُ فِيهَا لَا يُجْزِيه كَقَضَاءِ الْعَصْرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ. اهـ. غَايَةٌ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَدْ مَنَعَ فِي النَّوَادِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى جَنْبِهِ قُلْت وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَلَا يَتَنَفَّلُ قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ ذَكَرَهُمَا فِي الزِّيَادَاتِ. اهـ. غَايَةٌ وَلَوْ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ يَجُوزُ اتِّفَاقًا لِمَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَفْتَتِحُ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا فَيَقْرَأُ وِرْدَهُ حَتَّى إذَا بَقِيَ عَشْرُ آيَاتٍ وَنَحْوُهَا قَامَ» الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَمُحَمَّدٌ وَإِنْ قَالَ إنَّ التَّحْرِيمَةَ الْمُنْعَقِدَةَ لِلْقُعُودِ لَا تَكُونُ مُنْعَقِدَةً لِلْقِيَامِ حَتَّى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَسَدَتْ عِنْدَهُ فَلَا يُتِمُّهَا قَائِمًا لَمْ يُخَالِفْ فِي الْجَوَازِ هُنَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْمُتَطَوِّعِ لَمْ تَنْعَقِدْ لِلْقُعُودِ أَلْبَتَّةَ بَلْ لِلْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَازَ لَهُ شَرْعًا تَرْكُهُ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ فَمَا انْعَقَدَتْ إلَّا لِلْمَقْدُورِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ. (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّذْرِ إلَى آخِرِهِ) إذَا نَصَّ عَلَى صِفَةِ الْقِيَامِ أَمَّا إذَا لَمْ يَنُصَّ فَهُوَ كَالنَّفْلِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْكُنُوزِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْكَافِي. اهـ. (قَوْلُهُ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَظِرُونَهُ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ) أَيْ فَيَنْزِلُونَ كُلَّهُمْ إذَا جَاءَ الْوَقْتُ. اهـ. غَايَةٌ
فَلَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ عَلَى مَا مَرَّ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَكَذَا الْوَاجِبَاتُ مِنْ الْوِتْرِ وَالْمَنْذُورِ وَمَا شَرَعَ فِيهِ فَأَفْسَدَهُ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالسَّجْدَةِ الَّتِي تُلِيَتْ عَلَى الْأَرْضِ. وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَنَوَافِلُ حَتَّى تَجُوزَ عَلَى الدَّابَّةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَدَاؤُهَا قَاعِدًا وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَالْجَوَازَ فِي الْمِصْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِصْرِ فَقِيلَ إذَا خَرَجَ قَدْرَ فَرْسَخَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ يَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إذَا خَرَجَ قَدْرَ الْمِيلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِيهِ إلَى الرُّكُوبِ أَغْلَبُ وَلَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ عَلَى الدَّابَّةِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ عَلَى السَّرْجِ أَوْ الرِّكَابَيْنِ تَمْنَعُ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ عَلَى الرِّكَابَيْنِ لَا تَمْنَعُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ تَمْنَعُ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ فِيهَا ضَرُورَةً فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا كَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْعَجَلَةِ فَإِنْ كَانَ طَرَفُهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَهِيَ تَسِيرُ أَوْ لَا تَسِيرُ فَهِيَ صَلَاةٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّرِيرِ، وَكَذَا لَوْ رَكَّزَ تَحْتَ الْمَحْمَلِ خَشَبَةً حَتَّى بَقِيَ قَرَارُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى الدَّابَّةِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ قَالَ رحمه الله (وَبَنَى بِنُزُولِهِ لَا بِعَكْسِهِ) أَيْ إذَا افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَلَا يَبْنِي
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فَلَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ إلَى آخِرِهِ) وَهِيَ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نُزُولِهِ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ كَانَ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ قَالَ فِي الْمُحِيطِ يَغِيبُ وَجْهُهُ فِيهَا لَا يَجِدُ مَكَانًا جَافًّا أَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ جُمُوحًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ رُكُوبُهَا إلَّا بِعَنَاءٍ أَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَوْ نَزَلَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْكَبَ فَلَا يَجِدُ مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الرُّكُوبِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ فَكَمَا تَسْقُطُ الْأَرْكَانُ عَنْ الرَّاكِبِ يَسْقُطُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ قُلْت الْأَرْكَانُ تَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ بِخِلَافِ الِاسْتِقْبَالِ وَلِهَذَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْبَدَلِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَدَاءُ. اهـ. غَايَةٌ. قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَيْ إذَا كَانَتْ وَاقِفَةً لَا سَائِرَةً. اهـ. (قَوْلُهُ وَمَا شَرَعَ فِيهِ فَأَفْسَدَهُ) الْمُرَادُ مِنْ نَفْيِ الْجَوَازِ فِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالشُّرُوعِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ الصِّيَانَةِ وَلِذَا لَا يُشْتَرَطُ الْكَمَالُ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. اهـ. يَحْيَى وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَمَا شَرَعَ أَيْ عَلَى الْأَرْضِ اهـ (فَرْعٌ) ذَكَرَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ لَوْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمِصْرِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا ذَكَرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ قِيلَ يُتِمُّهَا قَاعِدًا عَلَى الدَّابَّةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَهُ وَقِيلَ يُتِمُّهَا بِالنُّزُولِ عَلَى الْأَرْضِ. اهـ. غَايَةٌ. (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ حَتَّى يَجُوزَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَتْرُكَ سَائِرَ السُّنَنِ لِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ دُونَ سُنَّةِ الْفَجْرِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَدَاؤُهَا قَاعِدًا) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَاعِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ) أَيْ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْغَايَةِ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَجْهُ الظَّاهِرِ يَدُلَّانِ أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ صَاحِب الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ لَا يُوَافِقُ ذَلِكَ اهـ وَفِي الْهَارُونِيَّاتِ قَالَ مَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمِصْرِ وَجَوَّزَهَا أَبُو يُوسُفَ وَكَرِهَهَا مُحَمَّدٌ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مُحْتَسِبُ بَغْدَادَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ يُصَلِّي فِي بَغْدَادَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي أَزِقَّتِهَا يُومِئُ إيمَاءً وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام صَلَّى عَلَى حِمَارٍ فِي أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ يُومِئُ إيمَاءً» وَفِي الْمَبْسُوطِ رَوَى أَبُو يُوسُفَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَكِبَ حِمَارًا فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ رَاكِبٌ» فَلَمْ يَرْفَعْ أَبُو حَنِيفَةَ رَأْسَهُ قِيلَ إنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ لِلْحَدِيثِ وَقِيلَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فَتَرَكَهُ وَأَبُو يُوسُفَ أَخَذَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مُحَمَّدٌ لِكَثْرَةِ اللَّغَطِ وَالشَّغَبِ فِي الْمِصْرِ فَرُبَّمَا اُبْتُلِيَ بِالْغَلَطِ فِي قِرَاءَتِهِ. اهـ. غَايَةٌ. وَذَكَرَ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ لَوْ حَرَّكَ رِجْلَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا مُتَدَارِكًا أَوْ ضَرَبَهَا بِخَشَبَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ النَّخْسِ إذَا لَمْ تَسِرْ، وَفِي الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَتْ تَنْسَاقُ بِنَفْسِهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْسَاقُ فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَهَيَّبَهَا بِهِ وَنَخَسَهَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. اهـ. غَايَةٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ لِخَوْفِ الْعَدُوِّ وَكَيْفَمَا كَانَتْ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى السَّيْرِ فَأَمَّا لِعُذْرِ الطِّينِ وَالرَّدْغَةِ فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ سَائِرَةً؛ لِأَنَّ السَّيْرَ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إلَّا لِضَرُورَةِ وَلَمْ تُوجَدْ وَلَوْ اسْتَطَاعَ النُّزُولَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ لِلطِّينِ وَالرَّدْغَةِ يَنْزِلُ وَيُومِئُ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ يَنْزِلُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رحمه الله قَوْمٌ يُصِيبُهُمْ الْمَطَرُ فَيَكْثُرُ الْمَطَرُ إنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْزِلُوا أَوْمَئُوا عَلَى الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ خَلَفٌ، وَالْمَصِيرُ إلَى الْخَلَفِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ جَائِزٌ وَإِنْ أَوْمَئُوا وَالدَّوَابُّ تَسِيرُ لَمْ يُجْزِهِمْ إنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى إيقَافِ الدَّابَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا جَازَ وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى النُّزُولِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الِانْحِرَافِ إلَى الْقِبْلَةِ أَجْزَأَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. اهـ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ رحمه الله فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْخَائِفُ يُصَلِّي إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ. (قَوْلُهُ وَهُوَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) أَيْ مَعَ إمْكَانِ النُّزُولِ وَالْأَدَاءِ عَلَى الْأَرْضِ لِلضَّرُورَةِ وَالْأَرْكَانُ أَقْوَى مِنْ الشَّرَائِطِ فَإِذَا سَقَطَتْ فَشَرْطُ طَهَارَةِ الْمَكَانِ أَوْلَى. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي) أَيْ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ عَمَلٌ يَسِيرٌ اهـ ع
بِعَكْسِهِ وَهُوَ مَا إذَا افْتَتَحَ نَازِلًا، ثُمَّ رَكِبَ وَالْفَرْقُ أَنَّ إحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِوَاسِطَةِ النُّزُولِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْإِيمَاءِ رُخْصَةً أَوْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَزِيمَةً، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ انْعَقَدَ مُوجِبًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا لَزِمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ صَلَاتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَآخِرَهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ فَصَارَ كَالْمَرِيضِ إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً اسْتَقْبَلَ لِأَنَّ قَبْلَ أَدَاءِ الرَّكْعَةِ مُجَرَّدَ تَحْرِيمَةٍ، وَهِيَ شَرْطٌ فَالشَّرْطُ الْمُنْعَقِدُ لِلضَّعِيفِ كَانَ شَرْطًا لِلْقَوِيِّ كَالطَّهَارَةِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَدْ تَأَكَّدَ فِعْلُ الضَّعِيفِ فَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ الْقَوِيَّ كَمَا فِي الِاقْتِدَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الرَّاكِبَ إذَا نَزَلَ اسْتَقْبَلَ وَالنَّازِلَ إذَا رَكِبَ يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ رَاكِبًا كَانَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالْإِيمَاءِ فَإِذَا نَزَلَ لَزِمَهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَإِذَا افْتَتَحَ نَازِلًا صَارَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِذَا رَكِبَ صَارَتْ بِالْإِيمَاءِ وَهُوَ أَضْعَفُ فَيَجُوزُ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ.
قَالَ رحمه الله (وَسُنَّ فِي رَمَضَانَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ بِجَمَاعَةٍ وَالْخَتْمُ مَرَّةً وَبِجِلْسَةٍ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ بِقَدْرِهَا) أَيْ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِقَدْرِ الْأَرْبَعَةِ الْكَلَامُ فِي التَّرَاوِيحِ فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهَا وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَصًّا وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا وَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالثَّانِي فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَعِنْدَ مَالِكٍ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَنَا مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رضي الله عنه بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَعَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِثْلَهُ فَصَارَ إجْمَاعًا وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ فُرَادَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ فِي وَقْتِهَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ إنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَقْتٌ لَهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِ بُخَارَى وَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَقْتَهَا مَا ذُكِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ حَتَّى لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِشَاءَ صَلَّوْهَا بِلَا طَهَارَةٍ دُونَ التَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ أَعَادُوا التَّرَاوِيحَ مَعَ الْعِشَاءِ دُونَ الْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَدَائِهَا بَعْدَ النِّصْفِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ فَصَارَ كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْأَفْضَلُ فِيهَا آخِرُهُ وَالرَّابِعُ فِي أَدَائِهَا بِجَمَاعَةٍ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ وَهُوَ مَا إذَا افْتَتَحَ نَازِلًا، ثُمَّ رَكِبَ) أَيْ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَعَنْ زُفَرَ يَبْنِي أَيْضًا اهـ ع.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ اهـ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْ سُنَنِهَا أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ تَرْوِيحَتَيْنِ إمَامٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، وَعَمَلُ السَّلَفِ وَلَا يُصَلِّي التَّرْوِيحَةَ الْوَاحِدَةَ إمَامَانِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ السَّلَفِ وَلَا يُصَلِّي إمَامٌ وَاحِدٌ التَّرَاوِيحَ فِي مَسْجِدَيْنِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ عَلَى الْكَمَالِ وَلَوْ فَعَلَ لَا يُحْتَسَبُ الثَّانِي مِنْ التَّرَاوِيحِ وَعَلَى الْقَوْمِ أَنْ يُعِيدُوا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ إمَامِهِمْ نَافِلَةً وَصَلَاتُهُمْ سُنَّةٌ وَالسُّنَّةُ أَقْوَى فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَكَرَّرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَمَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ مَحْسُوبٌ وَلَا بَأْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُتَطَوِّعِ بِمَنْ يُصَلِّي السُّنَّةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. اهـ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَبَعْدَهُ بِجَمَاعَةٍ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ سُنَّ اهـ ع (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْخَتْمِ إلَخْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى بِجَمَاعَةٍ أَيْ يُسَنُّ بِخَتْمِ الْقُرْآنِ فِيهَا اهـ ع (قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: وَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ إلَخْ) هُوَ تَغْلِيبٌ إذَا لَمْ يَرِدْ كُلُّهُمْ بَلْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيًّا وَهَذَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَنْقُولِ أَنَّ مَبْدَأَهَا مِنْ زَمَنِ عُمَرَ. اهـ. فَتْحٌ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الْقِيَامُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا. اهـ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا وَاظَبَ عَلَيْهَا بَلْ أَقَامَهَا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي رُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّاهَا لَيْلَتَيْنِ بِجَمَاعَةٍ، ثُمَّ تَرَكَ وَقَالَ أَخْشَى أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ» لَكِنَّ الصَّحَابَةَ وَاظَبُوا عَلَيْهَا فَكَانَتْ سُنَّةَ الصَّحَابَةِ اهـ وَفِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا اقْتَدَى مَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِمَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَوْ النَّافِلَةَ قِيلَ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلتَّرَاوِيحِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِعَمَلِ السَّلَفِ وَلَوْ اقْتَدَى مَنْ يُصَلِّي التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى بِمَنْ يُصَلِّي التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ قِيلَ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ فَكَانَ نِيَّةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لَغْوًا وَلِهَذَا صَحَّ اقْتِدَاءُ مُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بِمُصَلِّي الْأَرْبَعِ قَبْلَهُ فَهَذَا أَوْلَى. اهـ. (قَوْلُهُ وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً) أَيْ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. اهـ. غَايَةٌ وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي التَّقْدِيرِ بِعِشْرِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيُوَافِقَ الْفَرَائِضَ الِاعْتِقَادِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ كَالْوِتْرِ فَإِنَّهَا عِشْرُونَ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى آخِرِهِ) الظَّرْفُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ دُونَ الْوِتْرِ اهـ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ حَتَّى أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ يَتْبَعُ إمَامَهُ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَتْرُكَ السُّنَّةَ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ فِعْلُهَا. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ فِيهَا آخِرُهُ إلَى آخِرِهِ) قُلْت لَوْ كَانَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ مُسْتَحَبًّا. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالرَّابِعُ فِي أَدَائِهَا بِجَمَاعَةٍ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الدِّرَايَةِ نَقْلًا عَنْ الْبَدْرِيَّةِ أَنَّ نَفْسَ التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَأَدَاؤُهَا بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبٌّ اهـ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إذَا صَلَّوْا التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوهَا ثَانِيًا يُصَلُّونَ
وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا فِي بَيْتِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَأَشْبَاهِهَا فَلْيُصَلِّهَا فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا كَبِيرًا يُقْتَدَى بِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . وَجْهُ الظَّاهِرِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا بِالْجَمَاعَةِ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلِهَذَا يُرْوَى التَّخَلُّفُ عَنْ بَعْضِهِمْ كَابْنِ عُمَرَ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ وَإِبْرَاهِيمَ وَنَافِعٍ وَنَفْسُ الصَّلَاةِ سُنَّةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَالْخَامِسُ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ تَخْفِيفًا لِأَنَّ النَّوَافِلَ تُبْنَى عَلَى التَّخْفِيفِ فَيَكُونُ مِثْلُ أَخَفِّ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقْرَأُ فِيهَا مِقْدَارُ مَا يُقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثِينَ آيَةً لِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِذَلِكَ فَيَقَعُ عِنْدَ قَائِلِ هَذَا فِيهَا ثَلَاثُ خَتْمٍ وَلِأَنَّ كُلَّ عُشْرٍ مَخْصُوصٍ بِفَضِيلَةٍ عَلَى حِدَةٍ كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَنَّهُ «شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنْ النَّارِ» وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّ الْخَتْمَ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَضَافَرَتْ عَلَيْهَا وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ وَنَحْوِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْخَتْمُ مَرَّةً وَهُوَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَعَ التَّخْفِيفِ لِأَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ فِي الشَّهْرِ سِتُّمِائَةِ رَكْعَةٍ وَعَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَشَيْءٌ فَإِذَا قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرًا يَحْصُلُ الْخَتْمُ وَلَا يَتْرُكُ الْخَتْمَ مَرَّةً لِكَسَلِ الْقَوْمِ بِخِلَافِ الدَّعَوَاتِ فِي التَّشَهُّدِ حَيْثُ يَتْرُكُ إذَا عَرَفَ مِنْهُمْ الْمَلَلَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَخْتِمُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ فَقِيلَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاوِيحَ وَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ حَصَلَ مَرَّةً وَقِيلَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا يَشَاءُ. وَالسَّادِسُ فِي الْجِلْسَةِ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، وَكَذَا بَيْنَ الْخَامِسَةِ وَالْوِتْرِ وَقَوْلُهُ وَبِجِلْسَةٍ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَشْمَلُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً حَيْثُ عَطَفَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلتَّوَارُثِ عَنْ السَّلَفِ وَلِأَنَّ اسْمَ التَّرَاوِيحِ يُنْبِئُ عَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
فُرَادَى لَا بِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَطَوُّعٌ مُطْلَقٌ وَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهٌ. وَيَجُوزُ التَّرَاوِيحُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُتَوَارَثَةِ. اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا فَاتَتْ عَنْ وَقْتِهَا لَا تُقْضَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ آكَدُ مِنْ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَتِلْكَ لَا تُقْضَى فَكَذَا هَذِهِ. اهـ. بَدَائِعُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا كَبِيرًا يُقْتَدَى بِهِ) أَيْ فَيَكُونُ فِي حُضُورِهِ الْمَسْجِدَ تَرْغِيبُ النَّاسِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا) أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ هُنَا إشْكَالًا فَقَالَ كَيْفَ يَخْشَى أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا وَهُوَ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمِنَ مِنْ الزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ؟. وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ زِيَادَةُ الْأَوْقَاتِ وَنُقْصَانِهَا لَا زِيَادَةُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَنُقْصَانِهَا، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ وَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ» (قَوْلُهُ فَيَكُونُ مِثْلُ أَخَفِّ الْفَرَائِضِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هَذَا غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ وَقَالَ الشَّهِيدُ هَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْخَتْمِ وَهُوَ سُنَّةٌ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقْرَأُ فِيهَا مِقْدَارُ مَا يُقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ إلَى آخِرِهِ) وَقِيلَ ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٌ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ أَوْ آيَتَانِ مُتَوَسِّطَتَانِ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ آيَتَانِ قُلْت وَالْمُتَأَخِّرُونَ كَانُوا يُفْتُونَ فِي زَمَانِنَا بِثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى لَا يَمَلَّ الْقَوْمُ وَلَا يَلْزَمُ تَعْطِيلُهَا، وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُسِئْ فَهَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ فَمَا ظَنُّك فِي غَيْرِهَا. اهـ. زَاهِدِي (قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ إلَى آخِرِهِ). قَالَ فِي الْبَدَائِعِ هَذَا فِي زَمَانِهِمْ فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ الْإِمَامُ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْقَوْمِ مِنْ الرَّغْبَةِ وَالْكَسَلِ فَيَقْرَأُ قَدْرَ مَا لَا يُوجِبُ تَنْفِيرَ الْقَوْمِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَفْضَلُ تَعْدِيلُ الْقِرَاءَةِ فِي التَّرْوِيحَاتِ كُلِّهَا فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ فَلَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْخَتْمُ فِيهَا مَرَّةً إلَى آخِرِهِ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ إحْدَى وَسِتِّينَ خَتْمَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ خَتْمَةً وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ خَتْمَةً وَفِي كُلِّ التَّرَاوِيحِ خَتْمَةً. اهـ. فَتْحٌ وَكَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَعَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَشَيْءٍ) قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ جَمِيعُ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ آيَةً أَلْفٌ وَعْدٌ وَأَلْفٌ وَعِيدٌ وَأَلْفٌ أَمْرٌ وَأَلْفٌ نَهْيٌ وَأَلْفٌ قَصَصٌ وَأَلْفٌ خَبَرٌ وَخَمْسُمِائَةٍ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَمِائَةٌ دُعَاءٌ وَتَسْبِيحٌ وَسِتَّةُ وَسِتُّونَ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ اهـ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الدَّعَوَاتِ فِي التَّشَهُّدِ) حَيْثُ يَتْرُكُ إذَا عَرَفَ مِنْهُمْ الْمَلَلَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لَا يَتْرُكُهَا؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ وَلَا يَتْرُكُ السُّنَنَ لِلْجَمَاعَاتِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالثَّنَاءِ. اهـ. فَتْحٌ. (قَوْلُهُ وَالسَّادِسُ فِي الْجِلْسَةِ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ إلَى آخِرِهِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْ سُنَنِهَا أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةِ عَلَى حِدَةٍ وَلَوْ صَلَّى تَرْوِيحَةً بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ عُلَمَائِنَا أَنَّ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً تَتَأَدَّى بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَةَ شَرْطٌ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَكِنْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ هَلْ يَجُوزُ عَنْ تَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ الْمُتَوَارَثَةَ بِتَرْكِ التَّسْلِيمَةِ وَالتَّحْرِيمَةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعَوُّذِ وَالتَّسْمِيَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ عَامَّتُهُمْ إنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ كُلَّهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطِهَا؛ لِأَنَّ تَجْدِيدَ التَّحْرِيمَةِ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا هَذَا إذَا قَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ