الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فصل) وأما أقوال التابعين في ذلك
فليست بحجة مع أنها قد اختلفت فروى عن غير واحد منهم الجهر وروى عن غير واحد منهم تركه وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة والواجب في مثل هذه المسألة الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال وقد نقل بعض من جمع في هذه المسألة الجهر عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم والمشهور عنهم تركه كما ثبت ذلك عنهم وذكر الترمذي تركه عن الخلفاء الأربعة وعن الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وكذلك قال ابن عبد البر لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر وهو الصحيح عن ابن عباس قال ولا أعلم أنه اختلف في الجهر بها عن شداد بن أوس وابن الزبير وقد ذكر الدارقطني والخطيب عن ابن عمر عدم الجهر وكذلك روى الطحاوي والخطيب وغيرهما عن ابن الزبير وقد ذكر الدارقطني والخطيب عن ابن عمر عدم الجهر وكذلك روى الطحاوي والخطيب وغيرهما عن ابن عباس عدم الجهر وكذلك ذكر ابن المنذر عن ابن الزبير عدم الجهر وذكر ابن عبد البر والخطيب عن عمار ابن ياسر الجهر وذكر ابن المنذر عنه عدم الجهر وذكر البيهقي والخطيب وابن عبد البر عن عكرمة الجهر وذكر الأثرم عنه عدمه وذكر الخطيب وغيره عن ابن المبارك وإسحاق الجهر وذكر الترمذي عنهما تركه وذكر الأثرم عن إبراهيم النخعي أنه قال: ما أدركت أحدا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والجهر بها بدعة وذكر الطحاوي عن عروة قال أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين وقال وكيع كان الأعمش وابن أبي خالد وابن أبي ليلى وسفيان والحسن بن صالح وعلي صالح ومن أدركنا من مشيختنا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا خالد عن حصين عن أبي وائل قال كانوا يسرون البسملة والتعوّذ في الصلاة حدثنا حماد ابن زيد عن كثير بن شنظير أن الحسن سئل عن الجهر بالبسملة فقال إنما يفعل ذلك الإعراب حدثنا عتاب بن بشير أخبرنا خصيف عن سعيد بن جبير قال إذا صليت فلا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واجهر بالحمد لله رب العالمين.
(فصل) ملخص ما قاله صاحب التنقيح ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية ثم قال: وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن
يعارض بها الأحاديث الصحيحة ولولا أن تعرض للمتفقه شبهة عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى ويكفي في ضعفها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها، وقد ذكر الدارقطني منها طرفاً في سننه فبين ضعف بعضها وسكت عن بعضها وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر فصنف فيه جزءاً فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك فقال كل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر فليس بصحيح وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف وقد بينا عللها وخللها ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين إما أن يكون جهر بها للتعليم أو جهر بها جهراً يسيراً أو جهر بها جهراً يسمعه من قرب منه والمأموم إذا قرب من الإمام أو حاذاه سمع منه ما يخافته ولا يسمى ذلك جهراً كما ورد أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحياناً والثاني أن يكون ذلك قبل الأمر بترك الجهر فقد روى أبو داود من مرسل سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان مسيلمة يدعى رحمان اليمامة فقال أهل مكة إنما يدعو إله اليمامة فأمر الله رسوله بإخفائها فما جهر بها حتى مات فهذا يدل على نسخ الجهر قال ومنهم من سلك في ذلك مسلك البحث والتأويل فقال: إن أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء أحدها بكثرة الرواة فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن مغفل وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابياً والثاني أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي وأحاديث الجهر شهادة على إثبات والإثبات مقدم على النفي قالوا وإن أنساً قد روى عنه إنكار ذلك في الجملة فروى أحمد والدارقطني من حديث سعيد بن يزيد أبي مسلمة قال سألت أنساً أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين قال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه أو ما سألني عنه أحد قبلك قال الدارقطني إسناده صحيح قلنا أما اعتراضهم بكثرة الرواة فالاعتماد عليها لا يكون إلا بعد صحة الدليلين وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح بخلاف حديث الإخفاء
فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحاح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو حديث ضعيف بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجاً بهم من الطرفين وأحاديث الجهر لم يروها إلا الحاكم والدارقطني فالحاكم عُرف تساهله في التصحيح والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة والشاذة والمعللة وأما الشهادة على النفي فهي وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات مع أن المسألة مختلف فيها على ثلاث أقوال فالأكثرون على تقديم الإثبات قالوا لأن المثبت معه زيادة علم وأيضاً فالنفي يزيد التأكيد لدليل الأصل والإثبات يفيد التأسيس والتأسيس أولى الثاني أنهما سواء قالوا لأن النافي موافق للأصل وأيضاً فالظاهر تأخير النافي عن المثبت إذ لو قدر مقدماً عليه لكانت فائدته التأكيد لدليل الأصل وعلى تقدير تأخيره يكون تأسيساً فالعمل به أولى القول الثالث إن النافي مقدم على المثبت وإليه ذهب الأمدي وغيره وأما جمعهم بين الأحاديث بأنه لم يسمعه لبعده وإنه كان صبياً يومئذ فمردود لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة ولأنس يومئذ عشر سنين ومات وله عشرون سنة فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوماً من الدهر يجهر هذا بعيد بل مستحيل ثم قد روي هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث وأما ما روي من إنكار أنس فلا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في الصحيح ويحتمل أن يكون نسى في تلك الحال لكبره وقد وقع مثل ذلك كثيراً كما سئل يوماً عن مسألة فقال عليكم بالحسن فاسألوه فإنه حفظ ونسينا وكم ممن حدث ونسى ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلاً لا عن الجهر بها وإخفائها والله أعلم اهـ. وقد طال بنا الكلام في هذه المسألة لأنها أكثر دوراناً في المناظرة وهي من أعلام المسائل وقد نبهت فيها على فوائد غفل عنها أكثر أئمتنا في كتبهم وسبق لي الكلام عليها في كتاب الجواهر المنيفة في أصول أدلة مذهب أبي حنيفة ولخصت هناك كلام الحافظ أبي بكر الحازمي رحمه الله تعالى وبالله التوفيق.