المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (29) * قَالَ اللهُ عز وجل: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا - تفسير العثيمين: الروم

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (29) * قَالَ اللهُ عز وجل: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا

‌الآية (29)

* قَالَ اللهُ عز وجل: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الرّوم: 29].

* * *

قوْله تَعالَى: {بَلِ اتَّبَعَ} : للإضْرابِ، والإِضراب هُنا انْتِقالِيٌّ وليْسَ إِبْطالِيًّا؛ ووَجْه ذَلِك أنَّ الله سبحانه وتعالى لما بَيَّنَ هَذِهِ الآيَاتِ الدّالَّةَ عَلَى قُدْرَته عَلَى أنَّه واحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ بضَرْب المَثل الأَخِيرِ، المثَلُ الّذِي لا يُنَاِزع فِيه إِلَّا مكابِرٌ، المَثَل الأَخِيرُ هُو أنَّه كيْفَ تجْعَلُون للهِ شرِيكًا هو يمْلِكُه، أيْ الله يمْلِكُه فهَل لكُمْ أنْتُم شركاءُ في أموالِكُم وممَالِيكِكُم؟

والجوابُ: لَا، إِذَنْ فإنَّهُ يدُلُّ عَلَى أنَّ الله لا شَرِيكَ لَهُ.

بعْدَ هَذا بَيَّنَ سبحانه وتعالى أنَّ الَّذِين خرَجُوا عَن ذَلِك وَأنْكَرُوا البَعْث وأنْكَروا الوَحْدانِيَّةَ أنَّهُم ليْسُوا عَلَى حَقٍّ، وَإنَّما هُم ظَالِمُونَ؛ وَلهِذَا قَال:{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ} .

قوْله تَعالَى: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} : قالَ المُفَسِّر رحمه الله: [بالإِشْرَاكِ]، وَهَذا تخْصِيصٌ في غيْرِ محَلِّه، وَالظّاهِرُ لي أنَّ المُفَسّر رحمه الله خصَّصه مُراعَاةً للمَثَل الَّذي قبْلَه؛ لأَنَّ المَثَل الَّذي قبْلَه واضِحٌ في أنَّ الغَرضَ مِنْهُ إبْطَالُ الشّركِ، ولكِنْ لَو قِيلَ: إنَّه يشْمَلُ هَذا وغيْرَه مِن الظُّلمِ كإنْكَارِ البَعْث مثَلًا، فَإنْكَارُ البَعْثِ لا شَكَّ أنَّه ظُلْمٌ؛

ص: 165

لأَنهُ يسْتَلْزِمُ تكْذِيبَ الله عز وجل، كَما ثَبَتَ في الحدِيثِ القُدسيِّ أنَّ تَكْذِيبَ الله: أنَّ الله تَعالَى لَنْ يُعِيدَه كَما بَدَأَه

(1)

، وقَدْ سَبق ذِكْرُه فيَكُون المُرادُ بالظُّلمِ هُنا الإشْراكُ وغيْرُه ممَّا ظلَمُوا فِيه أنْفُسَهُم.

وقوْله تَعالَى: {أَهْوَاءَهُمْ} : جَمْعُ هوًى، والهَوَى في الأصْلِ المَيْلُ، ثمَّ أنَّه لا يُطْلَقُ في الغالِب إِلَّا عَلَى الهَوى المَذْمُومِ، فيُقالُ: اتَّبع هَواهُ دُون هُدَاه، وقَدْ يأْتِي لِلْهَوى المحْمُودِ كَما في الحدِيث، وَإِن كَان فِيه ضعْفٌ:"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لمَا جِئْتُ بِهِ"

(2)

، فهُنا الهَوى التَّابع لما جَاءَ بِه الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام لا شكَّ أنَّه هوًى محْمُودٌ.

وقوْله تَعالَى: {أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} : يعْنِي أنَّ هَذا الاتِّباعَ ليْس مبْنِيًّا عَلَى علْمٍ، بَل هُو مبْنِيٌّ عَلَى الجهْل والضَّلالِ فيمَنْ كَانُوا جاهِلِينَ، وعلى الاسْتِهتارِ والعِنَادِ فيمَنْ كَانُوا مُعانِدِينَ، فالَّذِين اتَّبعُوا أهْواءَهم اتَّبَعُوها بِغَيْر علْمٍ إِذا كانُوا جَاهِلِينَ، فالأَمْر ظَاهِرٌ أنَّه لا علْمِ لهُمْ باتِّباعِ أهْوَائِهم.

وإِذا كانُوا مُعانِدِينَ، فهَلْ نقُولُ: إنَّهم اتَّبَعُوا أهواءَهُم بِغَيْر علْمٍ؟

الجوابُ: نعَمْ، نقُولُ إنَّهُم اتَّبعُوا أهواءَهُم بِغَيْر علْمٍ، لأَنَّ مَن اسْتكبر وعَانَد الحقَّ فإِنَّهُ كالجاهِل بِما يسْتَحِقُّ الرّبُّ عز وجل، فهُو في الحَقِيقَةِ غيْرُ عَالمٍ، بَل الجاهِلُ خيْرٌ منْهُ.

فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيْفَ يصِحُّ نفْيُ العِلْم مَع وُجودِه؟

قُلْنَا: كَما يصِحُّ نفْيُ السَّمْع مَع وُجودِه، ونَفْيُ البَصر مَع وُجودِهِ لمَنْ لَمْ ينتفِعْ بِه،

(1)

أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب يقال: لا ينون (أحد) أي واحد، رقم (4974).

(2)

ذكره الحكيم (4/ 164)، وأخرجه الخطيب (4/ 368).

ص: 166

ألَيْس الله يقُولُ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]، وقَالَ:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، أَوْ {لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 170].

المُهِمُّ: أنَّ نفْيَ العِلْم لمَنْ لم ينتفِعْ بِه صَحِيحٌ كنَفْي السَّمْع عمَّنْ لم ينتفِعْ بِه، والحاصِلُ أنَّ المُتَّبعِينَ لأهْوَائِهم ينْقَسِمونَ إِلَى قِسْمَيْنِ:

* قسْمٌ جاهِلٌ حقًّا، بَنى هَواهُ عَلَى الضَّلالِ، وَيُمْكن أنْ نُمَثّل لهَوُلاءِ بالنَّصارَى؛ فإِنَّ النَّصارَى ضالُّون.

* وقِسْمٌ آخَر مُسْتكْبِرٌ مُعانِدٌ، فهَذا في الحقِيقَةِ لا عِلْم عنْدَهُ، وإن كَان لَهُ علْمٌ فإِنَّهُ لَا ينْفَعُه، بلْ ضرَّه كاليَهُودِ.

قوْله تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي} : (مَن) اسمُ اسْتِفْهامٍ، والمُرادُ بالاسْتِفْهامِ هُنا النّفْيُ، والقَاعِدَةُ أنَّ الاسْتِفْهامَ إِذا جَاء بمَعْنى النَّفْي صارَ مُشَرَّبًا بالتَّحدّي؛ لأنَّك إِذا قُلْت: مَنْ يفْعَلُ كذَا، أعظْمُ مَما إِذا قُلْت: لَا أحَدَ يفْعَلُه، كأَنَّك تقُولُ: هَذَا أمْرٌ لا يُمْكِنُ، فإِنْ كُنْت صادِقًا فَأَرِني مَنْ يفْعَلُه، فإِذا جَاء الاسْتِفْهامُ بمَعْنى النَّفي صَار أبْلَغ مِن النَّفْي المُجَرَّدِ؛ لأَنَّ الاسْتِفْهامَ بمَعْنى النَّفْي مُشرَّبٌ مَعْنى التَّحدِّي.

وقوْله تَعالَى: {مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} : {اللَّهُ} فاعِلٌ، والمَفْعُول محذُوفٌ، والتَّقدِيرُ: مَنْ أضَلَّهُ الله، وَهَذا المفْعُول هو عائِدُ المَوصُولِ الَّذِي يعُودُ إِلَيْهِ.

قوْله تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} : قال المُفَسِّر: [أَيْ لَا هَادِيَ لَهُ]، فسَّر الاسْتِفْهامَ بالنَّفْي، وهُو حَقٌّ لكِنَّهُ أبْلَغُ مِن النَّفي المُجرَّدِ.

قالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} مَانِعِينَ مِنْ عَذَابِ الله]: الظَّاهِرُ أنَّ (الوَاو) هُنا للاسْتِئْنافِ؛ لأَنَّ الجمْلَةَ خبِريَّةٌ، والتي قبْلَها إنْشائِيَّةٌ، لأَنَّ الاسْتِفْهامَ

ص: 167

مِن قِسْم الإنْشاءِ في البَلاغَةِ.

قوْله تَعالَى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} : يعْنِي أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبعُوا أهْواءَهُم بِغَيْر علْمٍ مُستَحِقُّونَ للعْذَابِ، ولَنْ يَجِدُوا أحَدًا ينْصُرهُمْ مِنْه، أيْ يمنَعُه مِنَ العَذابِ.

قوْله تَعالَى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} : النَّفْي هُنا مؤكَّدٌ بِـ (مِن) الزّائدَةِ الدَّاخلَةِ عَلَى قوْلِه تَعالَى: {نَاصِرِينَ} ، وأصلُ الكَلامِ: ومَا لهُمْ نَاصِرُونَ.

وهَل (مَا) هُنا حِجازِّيةٌ أوْ عرَبِيَّةٌ؟

الجوابُ: عرَبِيَّةٌ لاخْتِلافِ التَّرتيبِ؛ لأَنَّ خبَرها قُدِّمَ، ولَا تكُونُ حجازِيَّةً إِلا إِذا كانَتْ مُرتَّبةً، الاسمُ قبْلَ الخَبَرِ، والحجَازِيُّ معْنَاه الَّذي يخْتَصُّ بِه الحجَازِيُّونَ، والعَرَبِيُّ الَّذي يكُون للحِجَازِيِّين والتَّمِيميِّينَ.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائِدَةُ الأولَى: : أنَّ المشْرِكينَ وغيْرَهُم مِن الَّذِين ظلَمُوا أنْفُسَهُم إنَّما اتَّبعُوا أهواءَهُم، أمَّا العَقْلُ مَا استَعْمَلُوه، ولكِن مجرَّدُ هَوًى، ولَوِ اتَّبعُوا العُقُولَ مَا خالَفُوا المنْقُول.

الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: جَوازُ نفْيِ الصِّفَةِ عمَّن لا ينتفِعُ بِها؛ لقوْلِه تَعالَى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} .

الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الأُمُورَ كلَّها - الهدايَةَ والضَّلالَ والصَّلاحَ والفَسادَ - بيَدِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} .

الفائِدَةُ الرابعةُ: لفْتُ انْتِبَاهِ الإِنْسانِ إِلَى سُؤالِ الهدَايَةِ مِن رَبِّه دَائِمًا؛ لقوْلِه تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ، إِذا عَلِمْت أنَّه لَا أحَدَ يهْدِي مَنْ أضَلَّ الله فَإِلى مَنْ تلْجَأُ

ص: 168

في طلَبِ الهِدَايَةِ؟ إِلَى الله عز وجل، حتَّى نفسُك لا تعْتَمِدْ علَيْها، اعْتَمِدْ عَلَى الله عز وجل في الهدَايَةِ واسأَلْه دَائِمًا الثّباتَ، وَلِهَذا يقُولُ الله عز وجل:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النّساء: 136]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، هُم آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِه، لكِنَّ المُرادَ اثْبُتُوا عَلَى هَذَا الشّيْءِ، اثْبُتوا عَلَيْه وحقِّقُوه، وَهَذا كُلُّه لا يُنَال إِلَّا باللهِ.

الفائِدَةُ الخامسةُ: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالمِينَ لَا يَجِدُون مَن يَنْصُرهم مِن عذَابِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} .

الفائِدَةُ السادسةُ: أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُضلُّ أحدًا إلَاّ لظُلْمِه إِذْ هُو الَّذِي بَدَأ وانْحَرفَ في إرادَةٍ سيِّئَةٍ، فظَلم فأضَلَّهُ الله؛ لقوْلِه تَعالَى:{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ، هَذا مُفرَّعٌ عَلَى الَّذِي قبْلَهُ؛ وَلِهَذا أُتِي بِـ (الفَاءِ)، {فَمَنْ يَهْدِي} إشارَةً إِلَى أنَّ إِضْلالهُم إِنَّما كانَ بِسَبَبِ ظُلْمِهم، هُمُ الَّذِين ظَلَمُوا فأُضِلُّوا والعِيَاذُ بِاللهِ.

إِذَا قَالَ قَائِلٌ: قوْله تَعالَى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} هَل يُشْكِل علَيْه مَا وقَع مِن نصْرِ المُشْرِكين في أُحُدٍ، حيثُ حصَلَتْ هَزِيمةٌ عَلَى المُسْلِمينَ، ومعْلُومٌ أنَّه انْتِصارٌ للكَافِرِينَ؛ لأَنَّ الهزيمةَ لخَصْمٍ انْتِصارٌ للخَصْم الآخَرِ، وَلِهَذا قالَ أَبُو سُفيانَ:"أُعْلُ هُبَل"

(1)

في ذَلِكَ اليَوْم، فهَلْ يُنافي الآيَةَ الكَرِيمةَ؟

قُلْنَا: كأنَّ نصْرَهم ليْسَ لأَجْلِ أنْ ينتصِروا، ولكِنْ لأَجْل ابْتِلاءِ الآخَرِينَ؛ وَلِهَذا كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤمنينَ، بلْ قَال الله عز وجل مُشيرًا إِلَى الحِكْمَةِ مِنَ انْتِصارِهم:

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، رقم (3039).

ص: 169

{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 127]، قَالَ أهْلُ العِلْم: إنَّ انْتِصارَهُم هَذَا يُؤدّي إِلَى أنْ يتشَجَّعُوا عَلَى مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، حتَّى تكُونَ نهايَتُهم أنْ يُقْطَع طرَفٌ منْهُم.

وعَلَى كُلِّ حَالٍ: حقيقَةُ هَذا الظُّهورِ عَلَى المُسْلِمينَ ليْسَ نصْرًا لهَؤُلاءِ، ولكِنْ مِن أجْلِ الاسْتِدْراجِ بالنِّسبَةِ لهم، والابْتِلاءُ والامْتِحانُ بالنِّسبَةِ للمُؤْمِنينِ لمخَالفَتِهم؛ لقَوْلِه تَعالَى:{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152]، يعْنِي: بعْدَ مَا أَراكُم مَا تُحِبّون حصَل مَا تكْرَهُونَ.

الفائِدَةُ السابعةُ: الحثّ عَلَى طلَبِ العِلْم والعَمَلِ بِه؛ لقوْلِه تَعالَى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} .

وهَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ما ذَهَبت إِلَيْهِ الجبرَّيةُ؛ لقوْلِه تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ؟

قُلْنَا: ليْس فِيه دَلِيلٌ؛ لأَنَّ إضْلَالَ الله لَهُم كانَ بِسَبَبِهم، فيكُونونَ هُم السَّبب بِدَليل أنَّه قَال:{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ} ، فكَانُوا هُم الظَّالمِينَ أوَّلًا، فأُضِلّوا والعِيَاذُ بِاللهِ.

الفائِدَةُ الثّامِنةُ: الرّدُّ عَلَى القدَرِّيةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} ، فنَسَب الله تَعالَى الإِضْلالَ إِلَيْهِ، والَّذي يضِلّ هُم هَؤُلاءِ الَّذِين حقَّتْ علَيْهِم الضّلالةُ، فدَلَّ هَذَا عَلَى أنَّ فِعْل العَبْد بتقْدِير الله وخَلْقِه.

فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذا مُشْكِلٌ أنْ تَقُولوا أنَّه هُو بِخَلْق الله وهُو فعْلُ الإِنْسَانِ، وهَل يُمْكِنُ أنْ يكُونَ الشّيءُ الواحِدُ مفْعُولًا لفاعِلَيْن؟

ص: 170

قُلْنَا: الشّيْءُ الواحِدُ لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ مفعولًا لِفاعِلَيْن إِلا إِذا اخْتلَفَتِ الجِهَةُ، وإلّا فأَنا إِذا قُمْتُ لا يُمكِنُ أنْ يكُونَ قِيامِي قِيامًا لشَخْصٍ آخَر، ولَا يُمكِنُ أنْ يكُونَ فِعْلي فِعْلًا لفَاعِلٍ آخَر، هَذا مُستَحِيلٌ، لكِن إِذا اختلَفَتِ الجِهَةُ صحَّ ذَلك، فأقُولُ: إِنَّ فعْلَ العَبْدِ بالنِّسبَةِ للعَبْدِ فِعْلٌ مباشِرٌ لَه.

فإذا جلسْتُ وأنَا لا أُريدُ القِيامَ فأَنا جالِسٌ لأَنِّي ما أرَدْتُ، لكِنِّي مرَّةً أردْتُ القِيام ولكِنِّي عاجِزٌ لَا أسْتَطِيعُ أنْ أقُومَ، أيْضًا لا يَحْصُل القِيامُ الأوَّلُ لانْتِفَاءِ الإِرادَةِ، والثَّاني لانْتِفاءِ القُدْرَة.

فمَن الَّذِي خَلق هَذِهِ الإِرادةَ والقُدْرَةَ؟

الله عز وجل هُو الَّذي خلَق هَذِهِ الإرادَةَ والقُدْرَةَ، فصَارَت نسبَةُ الفِعْلِ إِلَى الله واضِحةً، نسبَةُ السَّببِ إِلَى مُسبِّبِه، أمَّا المُباشِرُ فهُو الإِنْسانُ نفْسُه، وَبِهذَا نرُدُّ عَلَى القدَرِيَّةِ الَّذِين قالُوا: لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ الفِعلُ الواحِدُ مفعولًا لفاعِلَيْن، فنَقُول: هَذا حق، ولكنَّهُ يصِحُّ أنْ يكُونَ مفعولًا لفاعِلَيْن باعْتِبَارِ اختِلافِ الجِهَةِ، وَهَذا هُو الَّذي علَيْه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، أَنَّ فِعْل الإنْسَانِ يُنسَب إِلَيْهِ حقيقَةً.

أما الأَشاعِرَةُ فَقَالوا قولًا غيْرَ معْقُولٍ في هَذا البابِ، قالُوا أنَّه لا يُنسَبُ لِلإِنْسَانِ حقيقةً، بل هُو كَسْبٌ له، ولكنَّه ليْسَ له حقِيقَةً، حتى إنَّهُم يقُولونَ: إذَا قُمْت فإِنَّ القيامَ لم يحْصُل بِك، لكِن حصَل عنْدَك، ويقُولونَ: الإنْسانُ إِذا أخَذ السِّكِّينَ وذَبح الشَّاةَ فإنَّها لا تموتُ بذَبْحِه، ولكِنْ عنْدَ ذَبْحِه، ويقُولونَ أيْضًا: إِذا أخذْتَ الحَجر ورَمَيْت الزُّجاجَةَ وانْكَسَرَتْ، مَا انكَسَرتْ بالحَجَر، بلِ انكَسَرتْ عنْدَه؛ لأنَّهم يقُولونَ: لو أنَّك أثبَتَّ أنَّ هَذِهِ الأشْيَاء تحْصُل بهَذِه الأشْيَاءِ أثبَتَّ خالِقَيْن، يعْنِي: هَذا الكَسْرُ إِذا قُلْت أنَّه مِن الحجر الَّذِي ضَرب الزُّجاجَةَ معْنَاه أنَّك أثبَتَّ خالِقًا،

ص: 171

وهُو هَذا الحجَرُ الَّذِي خلَق الكَسْر، وهَذا ليْس معْقُولًا، ولذلِك يقُولونَ: إنَّ مسألَةَ الكَسْر عنْدَ الأشَاعِرَةِ هي مَن الأُمُور الَّتي لا تُعقَلُ، ولا حقِيقةَ لَها، وكُلُّ إِنْسَانٍ يعْرِفُ أن المسَبَّب يحْصُل بالسَّببِ مبَاشرَةً.

ومَن الَّذِي جَعل هَذا السَّبب مُؤثِّرًا في المسَبَّب؟

الله عز وجل هُو الَّذِي جَعل النَّار مُحْرِقَةً، فيقولونَ: إِذا أدخَلْتَ وَرَقةً في النَّار واحْتَرقَتْ مَا احتَرَقَتْ بِالنَّارِ، لكِنْ عنْدَ النَّارِ، أمَّا المُحْرِقُ فهُو الله.

وهَذا لو تحدِّثُ بِه الصّبيانَ قالُوا هَذا كَلامٌ غيْرُ معْقُولٍ.

* * *

ص: 172