المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (52) قَالَ اللهُ عز وجل: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا - تفسير العثيمين: الروم

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (52) قَالَ اللهُ عز وجل: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا

‌الآية (52)

قَالَ اللهُ عز وجل: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)} [الروم: 52].

قوْله تَعالَى: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أنْ يكُونَ الخطابُ عامًّا لكل من يَتَأتّى خِطَابه {لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، يعني لا تُسْمِعُهم سماعًا ينتفعون بِهِ أو لا تسمعهم حين الدّعوة، والأقرب الأول لأَنهُ لَيْسَ من المعقول أن أحدًا يقف عَلَى الأموات ويقول يا أيها النَّاس اعبدوا الله واتقوه، هذَا لَيْسَ بمعقول لكن لو فرض أنَّه دعا فهل يسمعون سماعًا ينتفعون به؟

الجوابُ: لا يسمعون سماعًا ينتفعون به.

فَإِذَا قَالَ قَائِل: هذَا تقييدٌ للآية، الآيَة مطلقة {لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} فكيف ساغَ لكم أن تقيدوها بقولكم:(سماعًا) ينتفعون به؟

قُلْنَا: إن نفي السَّماع يطلق عَلَى نفي السَّماع النَّافع كما فِي قوْله تَعالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)} [الأنفال: 21]، هم يسمعون بآذانهم لكن لا يسمعون سماعًا ينتفعون به، ولا نحمله عَلَى الإطلاق لأَنَّ سماع الموتى قد وردت بِهِ الآثَار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنَّه وقف عَلَى أصحاب قَلِيبِ بَدرٍ من المشرِكِينَ وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فُلان بن فُلان، يا فلان بن فلان،

ص: 328

هل وَجَدتُم مَا وَعَدَ ربكم حَقًّا؟ فَإنَّا قَدْ وَجَدنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنا حَقًّا" فقال عمر: يا رسول الله مَا تخاطب من قوم قد جَيَّفُوا يعني كَيْفَ تخاطب الجِيَفَ، موتى، فقَالَ: "مَا أنتُم بِأَسْمَعَ لمَا أقولُ مِنْهُم"

(1)

، يعني هم يسمعون أشد من سماعكم، فإذًا ثبت أن الموتى يسمعون، وَكَذلِكَ صحيح ابن عبد البَرِّ رحمه الله حديثًا ورد عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام "أنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَى مَيِّتٍ كَانَ يَعرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ الله عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عليه السلام"

(2)

، وَهذا ذَكَرهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي كتاب الرُّوح

(3)

، وذكر تصحيح ابن عبد البَرِّ لَهُ ولم يتعقبْه، وَعَلَى هذَا فهم يسمعون لكنهم لا ينتفعون بِهذا السّماع، ووردت آثار أيضًا عن الصّحابة فِي هذَا الأمر ذكرها ابن كَثِيرٍ عند هذَا الآية، وثبت أيضًا فِي الصّحيح:"أنَّ الإِنْسَانَ إِذَا انْصَرَفَ عَنْهُ أصْحَابُهُ بَعدَ الدَّفْنِ حَتَّى إِنَّه لَيَسْمَعُ قرعَ نِعَالهم أتاهُ مَلَكَانِ يَسْمَعُ قرعَ نِعَالهِم"

(4)

، عَلَى الأرض كما يمشي الإنسان عَلَى السّقف فيسمع مشيه عَلَى السّقف وَهذا أيضًا يقول يسمع قرع النّعال، ولكن الله تَعالَى يجعلهم يسمعون ذَلِك.

فالحاصِلُ: أننا نقول كل هذَا يؤيد أن المَعنَى {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} يعني سماعًا ينتفعون بِهِ ومعلوم أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم مَا دعا الموتى، مَا ذهب إِلَى القبور يدعوهم،

(1)

أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم (3976)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، رقم (2875).

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (10/ 380، رقم 2592).

(3)

كتاب الروح لابن القيم (ص: 5)، ط. دار الكتب العلمية.

(4)

أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، رقم (1374)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، رقم (2870).

ص: 329

ولكن الَّذِين يدعوهم من الأحياء كالموتى لا يستجيبون ولا ينتفعون بالدّعوة.

قوْله تَعالَى: {الصُّمَّ} مفعولٌ أول، و {الدُّعَاءَ} مفعولٌ ثانٍ أمَّا {لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، الأولى فقد حذف المفعول الثّاني لأَنَّ هذَا فَضْلَةٌ وقد سبق أنَّه يجوز حذف الفَضْلَةِ ولو بلا دليل.

قوْله تَعالَى: {الصُّمَّ} جمع أصم وَهُوَ الَّذي لا يسمع، الَّذي لا يسمع لا تستطيع أن تسمعه لا سِيَّما إِذَا اقترن بِهِ الإدبار {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} وَهذا أشد مَا يَكُون انتفاء السّماع عن الأصم، فَهُوَ لا يسمع ولو كَانَ مقابلًا لك، فيكف إِذَا أدبر؟ ! يَكُون أعظم وأعظم، وَبهذا فالأصم إِذَا كَانَ أمامك ودعوته بصوتٍ ربما يسمع لكن إِذَا ولى مهما دعوته لا يسمع إِلَّا إِذَا أدركته فمسكته، فالصّم إِذَا ولوا مدبرين لا يسمعون وَإنَّمَا قَيَّدَ الله عز وجل الصّم بهذه الحال لأنَّها هِيَ الحال الَّتِي لا يسمعون بِها مطلقًا بخلاف مَا إِذَا كانوا أمامك فإنهم قد يسمعون ويستدلون عَلَى مَا تقول بحركات شفتيك.

قوْله تَعالَى: {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [بِتَحقِيقِ الهمزَتَيْنِ وَتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ اليَاءِ]، {الدُّعَاءَ إِذَا} هذَا تحقيقٌ. وتسهيلُ الثَّانية بينها أي بَيْنَ الهمزة المحققة وبين الياء، أي:{وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا} تجعلها بَيْنَ الهمزة وبين الياء والقراءتان سَبْعِيّتَانِ

(1)

.

(1)

النشر في القراءات العشر (1/ 386).

ص: 330