الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (47)
قَالَ اللهُ عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
* * *
* قوْله تَعالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} اللام فِي قوْله تَعالَى: {وَلَقَدْ} مُوَطِّئَةٌ للقَسَمِ يعني أنَّها جواب لقسم محذوف، التّقدير والله لقد، وَبِهذَا نعرف أن الجملة هُنَا مُؤَكدة بثلاثة أمور وَهِيَ القسم واللام وقد.
قوْله تَعالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ} من المشهور المعروف عند أهل العِلْم أن الرَّسولَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بشرع وأُمِر بتبليغه لأَنَّهُ مرسل، وَهَذا الصّنف من النَّاس هُوَ أعلى أنواع الأصناف من بني آدم ويليهم الأنبياء ثمَّ الصّديقون ثمَّ الشّهداء ثمَّ الصّالحون، فأعلى أجناس البشر الرّسل - علَيْهِمُ الصّلاةُ والسّلامُ - لأنهم جمعوا بَيْنَ الاختصاص بالرّسالة والعبادة، والله أعلم حيْثُ يجعل رسالته، لا يعطي الرّسالة إِلَّا لمن هُوَ أهل لها، فأحق النَّاس بالرّسالة بلا شك هم هَؤُلاءِ الأعيان الَّذِين أرسلهم الله عز وجل ولا يمكن أنْ يكُونَ أحد من النَّاس أحق منهم بِهَا، وَبِهذَا نعرف ضلالَ بل وكُفْرَ من قَالُوا إن عِليَّ بنَ أبي طَالِبٍ أَحَقُّ بالرِّسالة من مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لأنهم بِذَلِكَ طعنوا فِي الله عز وجل ونسبوه إِلَى مَا لا يليق بِهِ، لأَنهُ إِذَا كَانَ أعطى الرّسالة محمدًا وعلى أولى بِهَا فَهُوَ إمَّا جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله هَذَا
الصّواب، وكلا الأمرين بالنّسبة إِلَى الله محُالٌ وممتنِعٌ، وأي أحد يصف الله بِهَذا أو بما يستلزم هَذَا فإِنَّهُ كافر بلا شك.
إِذَن: الرُّسل - علَيْهِمُ الصّلاةُ والسّلامُ - هم أشرفُ أصنافِ الخلقِ وهم أحق النَّاس بالرّسالة بلا شك ولا أحد أحق منهم، ويوجد - والعياذُ باللهِ - بعض النَّاس - الفلاسفة - يرون أن الرّسل من آخر مراتب الخلق ويقولون إن الولي أفضل من النّبي، والنّبي أفضل من الرَّسول لأَنَّ الولي خاص الخاصة، وليّ عَلَى اسمه، والنّبي لَهُ مَزِيَّةُ الوحي، والرَّسول بمنزلة الخادم الَّذي فِي البيت يُرْسَلُ ليشتريَ الحوائج، انظر كَيْفَ - والعياذُ باللهِ - الضّلالَ ويقولون فيما يقولون
(1)
:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ
…
فُويقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الوَلِي
أعوذ بالله، مقام النّبوة برزخ فويق الرَّسول، يعني فوق الرَّسول بقليل وبالنّسبة للولي دون منحط بعيد عن الولي، وَعَلَى هَذَا فتكون رتبة الولاية عِنْدَهُم أعلى شيء، وَهَذا لا شك أنَّه كُفْرٌ، بل نقول إن مقامَ الرِّسالة فوق كل شيء ثمَّ النّبوة ثم الولاية، لأَنَّ الرَّسول جامع بَيْنَ الرّسالة والنّبوة والولاية والنّبي لَهُ النّبوة والولاية والولي لَهُ الولاية دون النّبوة والرّسالة، ومعلوم أَنَّه كلما ازدادت صفة الكمال فِي شخص كَانَ أكمل من غيره.
قوْله تَعالَى: {إِلَى قَوْمِهِمْ} القوم هم الطّائفة الَّذِين ينتسب إليهم الإنسان لأَنَّ
(1)
نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عربي في منهاج السنة (5/ 336)، وفي كتاب لطائف الأسرار لابن عربي، ط. دار الفكر العربي (ص: 49):
سماء النبوة في برزخ
…
دوين الولي وفوق الرسول
وفي الفتوحات المكية (2/ 252) يقول:
بين الولاية والرسالة برزخ
…
فيه النبوة حكمها لا يجهل
بهم قوامه فَهُوَ يقوم بهم، وهم بِهِ يقومون.
وقوْله تَعالَى: {إِلَى قَوْمِهِمْ} لأَنَّهُ مَا من رسول أُرسل سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا ورسالته خاصة كما ثبت فِي الحديث الصّحيح: حديث جَابِرٍ "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّة وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة"
(1)
.
قوْله تَعالَى: {فَجَاءُوهُمْ} الفاعل للرسل والمفعول للقوم.
قوْله تَعالَى: {بِالْبَيِّنَاتِ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [بالحُجَجِ الوَاضِحَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي رِسَالَتِهِمْ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُمْ].
قوْله تَعالَى: {بِالْبَيِّنَاتِ} معلوم أنَّ البينات تعني الواضحات لكن هل المُرَاد بالبينات هُنَا مَا يبين صدق رسالتهم فيكون المُرَاد بِهَا المعجزات الَّتِي أُيِّدوا بِهَا، أو المُرَاد بالبينات أي بالشّرائع البينات الظّاهرة الَّتِي كل من استَقْرَأَها عَرَفَ أنَّها من عند الله، أو المُرَاد الأمران؟ المُرَاد الأمران فالرُّسل أتوا بالآيات البينات الَّتِي تؤيدهم وتدل عَلَى صدقهم وأتوا أيضًا {بِالْبَيِّنَاتِ} بالشّرائع البينة الظّاهرة الَّتِي يعلم أنَّها من عند الله عز وجل فالباء فِي قَوْلِهِ {بِالْبَيِّنَاتِ} تكون للمصاحبة، يعني أُرسلوا رسالةً مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص عَلَى القول بأن المُرَاد بالبينات الشّرائع، وَهَذا من حكمة الله عز وجل ورحمته أن الله مَا أرسل رسولًا إِلَّا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأَنَّهُ لو جاء الرَّسولُ بدون آية إِلَى النَّاس وقال أنا رسول الله بدون آية هل يقبلونه؟ من طبيعة البشر أن لا يقبلوا حتَّى يعرفوا، كما أنَّه لو جاء واحد من النَّاس وقَالَ: أنا عالِم عندي علم بالشّرع استفتوني فِي أي شيء أفتكم، فلا يطيعونه حتَّى يمتحنوه
(1)
أخرجه البخاري: كتاب التيمم، رقم (335)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم (521).
ويسألوه، فكيف إِذَنْ بالَّذي يدعي أنَّه يُوحَى إِلَيْهِ، لا يقبل إِلَّا إِذَا جاء بآية فَهَذَا من حكمة الله.
من رحمته أيضًا أَلَّا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة لأنَّهُ لو أرسل الرّسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب لعدم وجود الآية، وقد لا يُعذرون لأنهم يجب عَلَيْهِم أن يستسلموا، لكن من رحمته أن جعل معهم آيات بينات ليطمئن النَّاس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناعٍ.
وقوْله تَعالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ} ربما يُستفاد من كلمة {مِنْ قَبْلِكَ} لا رسول بعده كما سنذكره إن شاء الله تَعالَى فِي الفوائد ونناقش هَذِهِ الفائدة.
قوْله تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا} الانْتِقام هُوَ الأخذ بالعقوبة، وَهَذا من فعل الله وليس من أسمائه؛ وَلِهَذا الحديث الَّذي فِيهِ سياق الأسماء الحسنى وَهِيَ مدرجة مَا صحت عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم فِيهَا أن من أسمائه المنتقم وليس كَذَلِكَ، لَيْسَ من أسمائه بل هُوَ من أوصافه وأفعالِه وَلِهَذا مَا جاء مطلقا قَالَ:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} فَهُوَ فِعْلٌ.
وقوْله تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} الإجرام فعل الجرم، وكل مَا يَكُون سببًا فِي الإثم فَهُوَ جُرْمٌ، والمُرَاد بالإجرام هُنَا الكفر، وفُهِمَ من الآية الكريمة {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أن من لم يجرم لم يُنتقم منه؛ وَلِهَذا قَالَ:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} الله أكبر، {نَصْرُ} إعرابها اسم (كان)، وخبرها {حَقًّا} ، هَذَا أحسن مَا يَكُون فِي إعراب الآية، وأوجه مَا يَكُون وأسهل مَا يكون، وإلَّا ففيها أوجهٌ أُخْرَى.
وقوْله تَعالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا} الحق بمعنى الشّيء الثّابت اللازم {نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} : المؤْمِنينَ بما يجب الإِيمَان بِهِ من الإِيمَان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل عَلَى نفسه أن ينصرَ المُؤْمِنِينَ، أوجب {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا} التِزامٌ من الله عز وجل {نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} نَصْرُهم أي منعُهم من أعدائهم، وَذَلِكَ بأن يجعل لَهُم من النّصر الحسي والمعنوي مَا تكون العاقبة لَهُم، وَهَذا كقوْله تَعالَى:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51].
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الحق الَّذي التَزم الله بِهِ قد يشكل علينا أن الله تَعالَى يخذل المؤْمِنينَ أحيانًا كما فِي أُحُدٍ مثلًا، فإن النّصر فِي أُحُدٍ كَانَ لقريش وأتباعها فما هُوَ الجواب عن هَذِهِ الآية؟
نَقُول: إن الجواب إن نصر قريش عَلَى الرَّسول صلى الله عليه وسلم لَيْسَ نصرًا دَائِمًا كانت العاقبة فِيهِ لَهُم، بل إن هَذَا فِي الحقيقة من نصر المؤْمِنينَ عَلَيْهِم، وَإِذَا شئت أن يتبين لك ذَلِك فاقرأ مَا عَلَّلَ الله بِهِ هَذِهِ الغزوة فِي سورة آل عمران من جملة مَا ذكر من الحكم {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141].
إِذَنْ: فَهُوَ نصر لجلبهم لأنهم لو هُزِموا فِي كل مقام مَا قاموا ولا حاربوا، لكن إِذَا صَارَ لَهُم شيء من النّصر فإن ذَلِك يُغرِيهم بالقتال حتَّى تكون العاقبةُ للمؤمنين، ويبيدهم الله عز وجل ومنها أيضًا نصر المؤْمِنينَ عَلَى أنفسهم لأنهم مَا أتاهم مَا أتاهم فِي أحد إِلَّا بسببِ مخالَفتهم كما قَالَ سبحانه وتعالى:{وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بِهَا من المحبوب مَا لا يخطر عَلَى بالٍ.
فالحاصِلُ: أن هَذِهِ الآية عَلَى بابها أن الله تَعالَى ينصر المؤْمِنينَ حقًّا علَيْه أوجبه
هُوَ بنفسه عَلَى نفسه كما فِي قوْله سبحانه وتعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54].
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: تسليةُ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم وتحذيرُ المخالِفين لَهُ، تسليته بمن سبقه من الرّسل فقد كُذِّبوا وأُوذوا، فإذا علم أن أَحَذا شاركه فِي ذَلِك وإن علَيْه الأمر لأَنَّ كل إِنْسَان يتسلى بما أُصيب بِهِ غيره بمثله؛ وَلِهَذا قالَ الله تَعالَى:{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف: 39].
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: تحذيرُ المخالِفين لَهُ لقوْلِه تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} .
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرّسل إذ لولا هَذِهِ الرّسالة مَا عرف النَّاس كَيْفَ يَعْبُدُونَ الله عز وجل بل ولا عرفوا مَا عرفوا من تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق فِي درس التّوحيد، فالرّسل رحمة عظيمة للخلق كما قَالَ تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107].
الفائِدَةُ الرابعةُ: أن الانْتِقامَ من المكذبين كَانَ بسبب فعلهم لقوْلِه تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي لإجرامهم.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرِّسالاتِ السَّابقةَ خاصةٌ لقوْلِه تَعالَى: {إِلَى قَوْمِهِمْ} ويبيِّنه الحديث الثّابت فِي الصّحيحين: "وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"
(1)
.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أن الله تَعالَى مَا أرسل الرّسل إِلَّا ببينات تشهد بصدقهم
(1)
التخريج السابق.
وبشرائع بينة لا توجب لَبْسًا عَلَى المتبعين تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: {فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالآيات البينات الدّالة عَلَى صدقهم وبالشّرائع البينات الواضحة الَّتِي لا تقتضي لَبْسًا عَلَى المتبع، قَالَ أهل العِلْم: وآياتُ الأنبياء عَلَى حسب عصرهم ففي عهد موسى انتشر السّحر وكثر فأعطاه الله تَعالَى من الآيات مَا تبطل السّحر وليست بسحر، أعطاه الله تَعالَى اليد، وأعطاه العصا.
قَالُوا وفي عهد عيسى تقدم الطِّبُّ فأعطاه الله من الآيات مَا لا يمكن للطب أن يقوم بِهِ وَهُوَ إبراءُ الأكمَهِ والأَبْرَصِ وإحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم، هذَا لا يمكن أن يقوم بِهِ الطِّبُّ أبدًا، فالميت لا يمكن أن يحيا بالطّب، وقَالُوا أيضًا إن الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطّب، والأكمه قَالُوا أنَّه الَّذي خُلق بلا عين، هذَا فيما سبق من العصور لا يمكن أن يوضع لَهُ عين لكن الآن إِذَا وجد مكان العين يمكن أن يوضع لَهُ عين فِي الطّب، لكن إِذَا لم يوجد مثلا خلقه الله عز وجل بدون أن يخلق لَهُ مكانًا للعين لا يمكن أن يوضع لَهُ عين.
في عهد الرَّسول صلى الله عليه وسلم قَالُوا: إن البلاغة بلغت أعلى ذروتها فكان من أعظم آيات الرَّسول صلى الله عليه وسلم هذَا القرآن الَّذي أعجز البُلَغَاءَ والفُصَحاءَ بل تحدى الله بِهِ كل الجن والإنس {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88]، لا انفرادًا ولا تعاونًا، وَلهذا قَالَ:{وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
لَوْ قَالَ قَائِل: الَّذِين يقُولونَ بالإعجاز العلمي فِي القرآن يقولون: الآن زالتِ البلاغة فالنَّاس لا يستطيعون أن يميزوا أوجه البلاغة والفصاحة ولكن الإعجاز العلمي فِيهِ إشارات علمية لكي يصدق أهل هذَا العصر؟
فأقوُل: هذَا لَيْسَ ببعيد، يمكن أنْ يكُونَ صحيحًا يعني أن القرآن فِي كل عصر يَكُون معجزةً بما تناسب العصر لأنَّهُ نزل إِلَى جميع الخلق إِلَى يَوْم القِيَامَة فلا يبعد هذا، القرآن لكل معنى لكِنَّهُ فِي ذَلِك الوقت أشد مَا فِيهِ البلاغة.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: إثْبَات فعل الانْتِقام لله عز وجل لقوْلِه تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا} .
الفائِدَةُ الثّامِنةُ: إثْبَات العظمة لقوْلِه تَعالَى: {فَانْتَقَمْنَا} و {أَرْسَلْنَا} فإن هذَا للتعظيم وليس للتعدد بإجماع المسلمين إنما هُوَ للتعظيم.
الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: أن عَلَى الله حقًّا أوجبه عَلَى نفسه لقوْلِه تَعالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا} .
فإذا سُئلنا: هل يجب عَلَى الله شيء؟
قُلْنَا: أمَّا بعقولنا فلا يجب عَلَى الله شيء، وأما أن يوجب عَلَى نفسه شَيْئًا فَهذَا أمر واقع.
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: أن الله أوجب عَلَى نفسه نصر المؤْمِنينَ لقوْلِه تَعالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عشْرَةَ: أن هذَا النَّصر لا بُدَّ أن يكون؛ لأنَّهُ أتى بصيغة التَّعظيم {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا} ، ولم يقل عليَّ بل قَالَ:{عَلَيْنَا} إشارة إِلَى أن هذَا الحق لا بُدَّ أنْ يكُونَ لأَنَّ الله تَعالَى أعظم من كل شيء.
الفائِدَةُ الثّانِيةَ عَشْرَةَ: فضيلة الإِيمَان وأنه سبب للنصر لقوْلِه تَعالَى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
الفائِدَةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: أن غير المؤْمِنينَ لا ينصرون؛ لقوْلِه تَعالَى: {حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
فإذا أورد إِنْسَان علينا مَا حصل من الانتصارات الخاطفة للكفار فما هُوَ الجواب؟
الجوابُ: أن هذَا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتم النّصر للمؤمنين فِي النّهاية، وقد يَكُون من مصلحة المؤْمِنينَ لانهُ نصر لأنفسهم عَلَى أنفسهم ثمَّ أنَّه لا يدوم هذَا النّصر أبدًا، فالعاقبة لا بُدَّ أن تكون للمؤمنين، وقال بعض أهل العِلْم إن النّصر نوعان:
- نصرٌ بالحُجَّةِ والبُرهان.
- ونصر بالسَّيف والسِّنان.
فأما النّصر بالحجة والبرهان فَهُوَ مضمون وثابت وليس فِيهِ استثناء لأَنَّ الحجة والبرهان مَعَ المؤْمِنينَ عَلَى كل حَالٍ حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإن الحجة والبرهان معهم، غالِبون بحجتهم وبرهانهم وَهذا لا استثناء فيه.
الثّاني: النّصر العسكري يعني بالسّيف والسِّنان ونحن نقول الآن بالطّائرة والقنابل وما أشبهها، فقد يحصل نصر لغير المؤْمِنينَ امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هذه الآية تدُلّ عَلَى ختم الرّسالة بالرَّسول صلى الله عليه وسلم لقوْلِه تَعالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ} أو لا تدل؟
فالجوابُ: قد تدُلُّ من حيْثُ إن الرَّسول مرسل إِلَى النَّاس عامة، والعُمُوم هذَا يشمل العُمُوم فِي الوقت والمكان والأمم وهذا يستلزم أن لا يوجد رسول بعد،
لو وجد رسول بعد انتفى العُمُومُ إِلَى النَّاس كافة، وصار معناه أن الرَّسول الَّذي بعده يَكُون رسولا إِلَى هؤُلاءِ النَّاس دون محمد صلى الله عليه وسلم.
لَوْ قَالَ قَائِل: كون الرَّسول أرسل إِلَى النَّاس كافة، لَيْسَ فِيهِ دليل عَلَى أنَّه آخر الرّسل؟
قُلْنَا: لأَّنهُ إِذَا لم يكن آخرهم فالَّذي يأتي من بعده يَكُون أرسل إِلَى بعض النَّاس وهم الَذِين تأخروا.
عَلَى كُلِّ حَالٍ: أخذها فِيهِ شيء من الغموض والأمر فِي هذَا واضح.
والغريب أن بعض النَّاس - على سبيل الاستطراد - أنكر نزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وقَالَ: إننا لو قلنا بنزوله لكان ذَلِك تكذيبًا للقرآن {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
وهل استدلالهُم بالآية صحيح أو لا؟
الجوابُ: غير صحيح؛ لأَنَّ عيسى لا ينزل مشرعًا وَإنَّمَا ينزل تابعًا للرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينشئ شَيْئًا من الشَّريعة حتى كسر الصَّليب وقتل الخِنزير
(1)
، هذَا أخبر بِهِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم فأقره يعني يُقَال أنَّه يأتي ويحكم بِذَلِكَ ولا يقبل إِلَّا الإسْلام لا توجد جزية بعد نزول عيسى، لا يوجد أخذ جزية ولا عهد، لا يوجد إِلَّا الإسْلام فيقال إن هذَا لَيْسَ شرعًا جديدًا ناسخًا لشرع الرَّسول صلى الله عليه وسلم بل هُوَ شرع مُقَرَّرٌ من الرَّسول صلى الله عليه وسلم، الرَّسولُ أخبرَ بِأنهُ سيفعل هذَا مقررا لَهُ، فَهُوَ لم ينزل عَلَى أنَّه رسول
(1)
أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، رقم (2222)، ومسلم: كتاب الإِيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، رقم (155).
بشرع جديد، بل عَلَى أنَّه تابع للرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل هذَا والله أعلم ليتحقق مَا أخبر الله بِهِ بالفعل، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران: 81]، هذَا خبر من الله عز وجل.
وهل نحن علِمنا بأن نبيًّا من الأنبياء تَابَعَ الرَّسول فعلًا؟
الجوابُ: لا، لكن نزول عيسى ومتابعته ولرسالة الرَّسول صلى الله عليه وسلم تكون هذه حق اليقين لأَنَّ آية آل عمران فِيها علم التقِينِ، فإذا وجد ذَلِك بالفعل صَارَ حَقَّ اليقين، فَهَذَا من الحكمة فِي نزوله صلى الله عليه وسلم فِي آخر الزّمان، وأيضًا عندنا أحاديث واضحة صحيحة صريحة متلقاة بالقبول عند أهل العِلْم فكيف ينكر ذَلِك؟ لكن - والعياذُ باللهِ - بعض النَّاس يأتي بقاعدة من أفسدِ القواعد وأبطلِ القواعد، وَهِيَ أن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد ولو كَانَ الخبر صحيحًا، وَهذا فِي الحقيقة مزلة ممن قاله لأننا نقول لَهُ أنتَ تثبت من الأحكام العملية: تثبت الحكم العملي بدليل لا يصل إِلَى درجة الصّحة تثبته بدليل يصل إِلَى درجة الحسن وربما يَكُون إِلَى درجة الحسن عندك أنْتَ وعند غيرك لا يصل إِلَى درجة الحسن، وإثْبَات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأَنَّ تنفيذه مقتضى الإِيمَان ولأن الإنسان لا يعمل بِهذا إِلَّا بعد أن يعتقد أنَّه من شريعة الله وإلا لما عمل بِهِ فهناك عقيدة سابقة أن هذَا من حكم الله ومن شريعة الله وأنه مقرب إِلَى الله وأنه عبادة لله ثمَّ العمل به، ثم إِذَا أخذنا بِذَلِكَ لزم أن ننكر أَشْيَاء كثيرة مما يتعلق بالأمور العلمية لأَنَّ الشّرع كما هُوَ معلوم إمَّا أمور علمية أو أمور عملية، والصّواب بلا شك أنَّه لا فرق بَيْنَهُما وأن مَا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -
فإِنَّهُ يجب الإِيمَان بِهِ عقيدةً وعملًا وإِذَا شئت مزيد إيضاح فاقرأ مَا كتبه ابن القيم رحمه الله فِي آخر الصّواعق المرسلة فإِنَّهُ تكلم عَلَى هذه المَسْأَلة كلامًا شافيًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: عند نزول عيسى عليه السلام هل الله سبحانه وتعالى يلهمه الصّواب فِي مسائل الشّريعة أم ماذا؟
قُلْنَا: الظّاهر - والله أعلم - أن القرآن والسّنة محفوظان إِلَى ذَلِك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذكر من شُبَهِ إنكار نزوله أن لغة عيسى سريانية ولغة الرَّسول صلى الله عليه وسلم عربية، قَالَ: كَيْفَ ينزل ويحكم بالشّريعة وَهُوَ سرياني؟ !
نَقُول: نعم الجواب بالتّسليم وبالمنع:
أولًا: الآن يوجد أناس يتكلمون بِغَيْر اللُّغَة العرَبِيَّة وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسْلام قائمون بِهِ عَلَى أتم وجه ولغتهم غير عربية.
الثَّاني: أن الله جَلَّ وَعَلَا عَلَى كل شيء قدير يمكن أنْ يكُونَ لسانه عربيًّا إِذَا كَانَ بالممارسة والمخالطة ينقلب لسان الإنسان من سرياني إِلَى عربي فكيف بقدرة الله، لكن سبحان الله العظيم الإنسان إِذَا اشتهى شَيْئًا أتى بشبهٍ لا تنطلي عَلَى أحد.