المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيتان (4، 5) - تفسير العثيمين: الروم

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌الآيتان (4، 5)

‌الآيتان (4، 5)

قَالَ اللهُ عز وجل: {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4 - 5].

قال المُفَسِّر رحمه الله: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} هُوَ مَا بَيْن الثّلَاث إِلَى التّسْع أَوْ العشْر فَالتقَى الجيْشَانِ فِي السّنَة السّابِعَة مِنْ الالتقَاء الأوَّل وَغَلَبَتْ الرّوم فَارِس {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد} أَيْ مِنْ قَبْل غَلْب الرّوم وَمنْ بَعْده المعْنَى أَنَّ غَلَبَة فَارِس أَوَّلًا وَغَلَبَة الرّوم ثَانِيًا بِاَمْرِ الله أَيْ إرَادَته {وَيَوْمَئِذٍ} أَيْ يوم تغلب الرّوم {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} إيَّاهُمْ عَلَى فَارِس وَقَدْ فَرِحُوا بِذَلِكَ وَعَلِمُوا بِهِ يَوْم وُقُوعه أَيْ يَوْم بَدْر بِنزولِ جِبْرِيل بِذَلِكَ مَعَ فَرَحهمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ {يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب {الرَّحِيمُ} بِالمؤْمِنِينَ] اهـ.

قوْله تَعالَى: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} متعلِّق بقوْله تَعالَى: {سَيَغْلِبُونَ} أي في خِلالِ هَذا البضْع، والبضْعُ هُوَ مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى التّسْعِ، أَوْ مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى العشْر، يَعْني إمَّا خمْسُ سنَواتٍ وإمّا لِستّ سنواتٍ هَذا البضْعُ، فَإِذا قُلْنا إنَّه مَا بَيْن الثّلاثِ إِلَى العشْر، فهي:(أَرْبعٌ وخمْسٌ ولِستٌّ وسَبْع وثَمانٍ وتِسْعٌ)، فَهَذِه سِتٌّ، وإِذَا قُلنَا إنَّه مَا بَيْنَ الثّلاثِ إِلَى التّسْعِ يكونُ:(أَرْبَعٌ وخَمْسٌ ولِستٌّ وسَبْعٌ وثَمَانٍ) ،

ص: 18

فهذهِ خمْسُ سنَواتٍ، يَعْني الثّلاثُ غيْرُ داخِلَةٍ، لأَنَّ مَا بَيْن الشّيءِ والشّيْءِ لَا يدْخُلُ فِيه الجانِبَانِ.

قولُه رحمه الله: [فالتقى الجيْشَانِ فِي السّنَةِ السّابِعَةِ مِن الالتقَاء الأوَّل وغَلَبَتِ الرّوم فَارِس]: يعْنِي حَصَل بَيْنَهُما حَرْب أُخْرَى فغَلبَتِ الرّوم فارِسَ، فصَدَق بذَلِك خَبَرُ الله سبحانه وتعالى بأنَّهُمْ سيَغْلِبُونَ في بِضْع سِنينَ؛ لأَنَّ الأمْر لم يتَجَاوَزْ سبْعَ سَنَواتٍ حتَّى كانَتِ الغلبَةُ لِلرُّومِ عَلَى الفرْسِ، فَصدَقَ الله وَعْدَهُ.

قوْله تَعالَى: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} المعْنَى أنَّ الغلَبَةَ تتِمُّ في خِلَالِ بِضْع سِنِينَ، ولَيْس المعْنَى أنَّ الغلبَةَ تحْصُل بعْدَ سَبعْ سَنوَاتٍ.

قوْله تَعالَى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ} : هَذِهِ الجملة اسميَّة قُدِّم فِيها الخبَرُ لإفَادَةِ الاخْتِصَاصِ للهِ وحْدَه، و (أل) هُنَا للاسْتِغْرَاقِ، يَعْني كُلُّ الأمْرِ، أيْ لاسْتِغرَاق الجنْس، و (أل) التي للاسْتِغْراقِ هِي التي يحِلُّ محلَّها (كُلُّ) فَإِنْ كانَتْ لاسْتِغْراقِ المعْنَى فَهِي لاسْتِغْراقِ المعْنَى، وإِنْ كَانَت لاسْتِغْراقِ الأفْرادِ فَهِي لاسْتِغْراقِ الجِنْس، فَفِي قوْلِه تَعالَى:{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، (أل) لاسْتِغراق الجِنْس؛ لأَنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَحِلَّ محلَّها (كُلُّ)، فيُقَالُ: وَخُلِق كُلُّ إِنْسَانٍ ضَعيفًا، وَفي قوْلِه تَعالَى:{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1 - 2]، هَذِهِ أيضًا لاسْتِغْراقِ الجِنْس، أيْ كُلُّ إنسانٍ، وإِنْ كانَت لاسْتِغْراقِ المعْنَى فَهِي لاسْتِغْراقِ المعْنَى، ومثَّلوا لِذَلِكَ بقَوْلهِم:(زيدٌ نِعْم الرّجُلُ)، أَي: نِعْم الشّخْصُ الجامِعُ لِصِفَات الرّجُولَةِ.

وَهِلِ المرَادُ بالأمْر هُنا الأمْرُ الكوْنِيُّ أو الأمْرُ الشّرْعِيُّ؟

والجوابُ: الأمْرُ الكوْنِيُّ، أَي أنَّ جَمِيعَ الأمورِ تَرْجِعُ إِلَى الله عز وجل، المتعَلِّقَة

ص: 19

بأفْعَالِ العبادِ والمتعَلِّقَة بأفْعَالِ الله سبحانه وتعالى فإِنَّها راجِعَةٌ إلَيْهِ، والأمْرُ الإلهيُّ ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَمْرٌ كَوْنِيٌّ وأَمْرٌ شَرْعِيٌّ.

مِثالُ الأمْرِ الكوْنِيِّ: قولُهُ تَعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].

ومثالُ الأمْرِ الشّرْعِيِّ: قوله تَعالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، أَي عَنْ أَمْرِه الشّرْعِيِّ، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، ومِثْلُ قوْلِه تَعالَى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ} [النساء: 58]، هَذا أَمْرٌ شَرْعِيٌّ.

وعَلَيْهِ فإنَّ قوْلَه تَعالَى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، مِنَ الأمْرِ الكوْنِيِّ، وهَذا هُوَ المتَعَيَّنُ، فَيَأمُرُهُم الله أمرًا كونِيّا بالفسْقِ فيَفْسُقُونَ، وأمَّا مَن قَال: إِنَّ المرادَ بِالأمْر في الآيَة هُو الأمْر الشّرْعِيُّ وأنَّ الله يأْمُرُهم بالطّاعَةِ فيَفْسُقونَ ثمَّ يأْخُذُهم بِالعذابِ، فَهذا القول بَاطِلٌ لأنَّهُ يقْتَضِي أنْ يكُونَ المعْنَى أنَّ الله يُرْسِلُ الرّسُلَ فيَأْمُرونَ النّاسَ بِطَاعَةِ الله؛ لأَجْلِ أنْ يَفْسُقوا فَيِحلَّ بِهم العقابُ، وَهَذا يَرْجعُ إِلَى أنَّ المعْنَى أنَّ الله بعَثَ الرّسُلَ نِقْمَة عَلَى العبَادِ، وهُوَ أَمْرٌ لا يُمْكِنُ، ثمَّ إنَّنا نقُوُل: إنَّ الأمرَ الشّرْعِيَّ لَا يخْتَصُّ بالمتْرَفِينَ، بَلْ هُوَ عامٌّ لهُمْ ولغَيْرهمْ.

المُهِمُّ: أنَّ هَذا القوْلَ ضعيفٌ وبَاطِلٌ ويُنافي حكْمةَ الله عز وجل بإرسالِ الرّسُلِ.

فقوْلُه تَعالَى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ} يُرَادُ بِه الأمرُ الكوْنِيُّ.

وقوْله تَعالَى: {قَبْلُ} : ضُمَّتْ مَع أنَّ قبْلَها حَرْفَ الجرّ {مِنْ} ؛ لأَنَّ {قَبْلُ} و {بَعْدُ} إِذَا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ ونُوِي مَعْنَاهُ بُنِيا عَلَى الضَّمِّ، هَذا السّبَبُ فَإِنْ

ص: 20

وُجِد المضَافُ صَارا مُعْرَبَيْنِ فتَقُول: (أَتيتُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِي زْيدٌ) فتَجُرَّها، وَكَذلِكَ إِذا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ ولم يُنْوَ لَا لفْظًا ولَا معْنًى، فإِنَّها تُعْرَبُ كَقَوْل الشّاعِر

(1)

:

فَسَاغَ لِي الشّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا

أَكَادُ أَغَصُّ بِالماءِ الفرَاتِ

وَكَذلِكَ إِذَا حُذِف المضَافُ إِلَيْهِ وَنُوِي لفْظُهُ فَإِنَّها تُعْرَبُ، لكِنَّها لا تُنَوَّنُ فيُقَالُ مَثلًا:(كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الدّرْسِ، فأَتَيْتُ مِنْ قَبْلِ)، أَي: مِنْ قَبْلِ ابْتِدَاءِ الدّرْس، فهُنا حُذِف المضَافُ ونُوِي لفْظُهُ، وَالَّذي دلَّنا عَلَى أنَّه نُوِي لفْظُه أَوْ نُوِي مَعْناهُ الإعْرَاب نفْسُه، فَإِذا كَانَتْ مبْنِيَّةً عَلَى الضّمِّ عَلِمْنا أنَّه قَدْ حُذِف وَأُرِيد المعْنَى، وَإِذا لَم يمُنْ كَذَلِكَ عَلِمنا أنَّهُ قدْ حُذِف وَأُرِيد اللَّفْظُ، فَإِنْ نُوِّنَتْ علِمْنا أنَّه ما أُرِيد اللَّفْظُ ولَا المعْنَى.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَو حُذِف المضاف إِلَيْهِ في كلام الله عز وجل فهل يصح أن نقول: أنَّه منوي؟

قُلْنَا: لا، لا نقول ذَلِك، لكن يصِحُّ أن نقولَ: هو المُراد، أي أنَّ الله أراد بالنّسبة للمضاف إِلَيْهِ؛ لأَنَّ الإرادَة في جنابِ الله عز وجل بمعنى النّية للخَلْق.

(1)

اخْتُلِفَ في نسبة البيت، كما اخْتُلِفَ في عجزه. فنسبه العيني في المقاصد النّحوية (3/ 435)، إلى عبد الله بن يعرب، وعجزه:(أكاد أغص بالماء الحميم). ووافقه في النّسبة والعجز: الجرجاوي في شرح شواهد ابن عقيل (ص: 166)، والعدوي في فتح الجليل (ص: 166). ووافقه في النسبة دون العجز: الشنقيطي في الدّرر اللوامع (3/ 112)، وعجزه:(أكاد أغص بالماء الفرات)، وابن حمدون في حاشيته على شرح المكودي (1/ 345)، وعجزه:(أكاد أغص بالماء الزّلال). ونسبه البغدادي في خزانة الأدب (1/ 204) ليزيد بن الضعق، وعجزه:(أغص بنقطة الماء الحميم). والرّواية المحفوظة: (الحميم)، ولكن رواية:(الفرات) هي المشهورة، كما قال ابن يعيش في شرح المفصل (4/ 88)، وهي الّتي رجحها العيني، والجرجاوي، والعدوي. ويرى ابن حمدون أن رواية:(بالماء الزّلال) مناسبة لمعناها.

ص: 21

قوْلهُ رحمه الله [بِأَمْرِ الله إرادته]: هَذا في الحقيقةِ تحرِيفٌ، بَلِ الصّوابُ أنَّه (بأمرِه)، أيْ بقَوْلِه، قَال تَعالَى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فإنَّ الله تَعالَى لَا يُقَدِّر شَيْئًا إلا بالقوْلِ، و {شَيْئًا} نَكِرَةٌ في سِيَاق الشّرطِ فتَعُمُّ كُلَّ شَئٍ أَرادَهُ الله، فإِنما {يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فالصّوابُ أنَّ المرادَ بالأمْرِ هُنا هُو القوْلُ.

وَالإرَادَةُ ليْسَت هِيَ القوْلُ فإنَّ الإرَادَةَ صِفَةٌ لا تسْتَلْزم القوْلَ إِذْ إِنَّ المرِيدَ قَدْ يفْعَلُ مَا أَرادَ، أَوْ قَدْ يقُولُهُ، وأمَّا القوْلُ فإِنَّهُ أخَصُّ مِنَ الإرَادَةِ، كُلُّ قَوْلٍ فهُوَ متضَمِّن لِلإرَادَةِ، وليْسَت كُلُّ إرادَةٍ متضمِّنَة للقوْلِ.

قوْله تَعالَى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ} : (يومَ) ظرفٌ متعلِّق بـ (يفرح)، وهِي مُضافَةٌ إِلَى (إِذْ)، ونُوِّنَت (إِذْ) تنْوِينَ عِوَضٍ عَن جُمْلَةٍ؛ وَلِهَذا قَال:(أَيْ يَوْمَ تَغْلِبُ الرّومُ) فالمحْذُوفُ جُمْلَةٌ، وَالفرَحُ لا يُمكن لِلإِنْسَانِ أن يُعَبِّر عنْهُ، لذا قد نقول: الفرح خِفَّةُ النّفْسِ وسُرُورُ النّفْسِ، أَوْ نَقُولُ: الفرَحُ معْلُومٌ؛ وَلِهَذا نَجِدُ صاحِبَ القامُوسِ إِذا عرَّف مثْلَ هَذِهِ الأشْيَاء قَال: (م)

(1)

، يعْنِي أنَّه مَعْرُوفٌ وَلا حاجَةَ لأنْ يُبَيَّن.

وقوْله تَعالَى: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} : المرَادُ بِهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحَابُهُ.

وقوْله تَعالَى: {بِنَصْرِ اللَّهِ} : متعلِّق بـ (يفْرَحُ) وهُو مصْدَر مُضَافٌ إِلَى فاعِلِه، أمَّا مفعولُه فمَحْذوفٌ، وتقْدِيرُه (بِنَصْر الله الرّوم عَلَى الفرْسِ)، وَلِهَذا قَال المُفَسِّر رحمه الله:[بِنَصْرِ الله إِيَّاهُمْ عَلَى فَارِسَ]، والنّصُر معْناهُ العوْنُ والظّهورُ، أَيْ أنَّ الله يُعِينُهُم حتَّى يَظْهَرُوا عَلَى أعْدَائِهم.

(1)

هو الفيروزآبادي في القاموس المحيط، ومن ذلك قوله في (ص: 37): "الحدَأَةُ، كَعِنَبَةِ: طَائِرٌ م، ج: حِدَأٌ وحِدَاءٌ وحِدْآنٌ بالكسْرِ".

ص: 22

وسُمِّي ذَلِك نَصْرًا مَع أنَّه لِكُفَّارٍ عَلَى كُفَّارٍ لأنَّ النّصْر هُو العوْنُ والظّهُورُ، وهُوَ لا فَرْق بَيْن أنْ يكُونَ بَيْن مُؤْمِنٍ وكَافِرٍ، أَوْ بَيْن كافِرٍ وكافِرٍ، ثمَّ إِنَّ أهْلَ الكتَابِ أقْرَبُ مِن الفرْسِ؛ وَلِهَذا لهمْ أحْكَامٌ خاصَّةٌ تُقرِّبُهم مِنَ المسْلِمِينَ.

قولُه رحمه الله: [فَرِحُوا بِذَلِكَ وعلِمُوا بِهِ يَوْمَ وُقوعِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِنُزولِ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ مَع فَرَحِهم بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ]، يعْنِي أنَّ الواقِعَة حصَلَتْ بَيْن فارِسَ والرّومِ في الزّمَن الَّذي حَصلَتْ فِيه الواقِعَةُ بيْنَ الكفَّار وَالمؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ في بَدْرٍ، وَعَلى هَذا فتكُونُ هَذِهِ الآيَة نَازِلَةً قبْلَ الهجْرَةِ بخَمْسِ سَنَواتٍ؛ لأنَّهُ إِذا كانَتِ المدَّةُ التي حصَلتْ فِيها الغلَبَة سبْعَ سنَواتٍ، وبَدْرٌ كانَتْ فِي السّنَةِ الثّانِيَةِ لَزِم أنْ يكُونَ نُزولُ الآيَة وغَلَبَةُ فَارِسَ لِلرُّومِ قبْلَ الهجْرَةِ بخَمْسِ سَنوَاتٍ.

وقولُهُ رحمه الله: [مَع فَرَحِهِمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَى المشْرِكِينَ فِيهِ]، فيَكُونُ فِي هَذا الزمَنِ اجْتَمعَ نصرُ أهْلِ الكتابِ عَلَى المجُوسِ ونَصْرُ المسْلِمينَ عَلَى المشْرِكِينَ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل قولُ المُفَسّر رحمه الله علَيْه دَليلٌ نقْلِيٌّ؟

فالظّاهِرُ أنَّه تابعٌ للتَّارِيخِ فقَطْ، أمَّا عَنِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام فَلا يُوجَدُ دَلِيلٌ، لكنَّ التّارِيخَ يقُولُ هَذا.

قوْله تَعالَى: {بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} : هَذِهِ عامَّةٌ تعُمُّ كلَّ منْصُورٍ، سواءٌ كانَ المنْصُورُ كافِرًا أوْ مؤمِنًا؛ لأَنَ الأمْرَ بيَدِ الله سبحانه وتعالى، وكُل شيْءٍ مقيَّدٌ بالمشِيئَةِ فإِنَّهُ يتضَمَّنُ الحكْمَةَ؛ لأَنَّ الله تَعالَى لا يَشَاءُ شيْئًا إلا لحِكْمَةٍ، فينْصُرُ مَنْ يشَاءُ نصْرَه لحكْمَةٍ اقتْضَتْ ذلِكَ.

قوْله رحمه الله: [{وَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب]: هَذا أحَدُ مَعانِي العزَّةِ؛ لأَنَّ العزَّةَ

ص: 23

تنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَة أقْسَامٍ: عِزَّةُ القدْر، وعِزَّةُ القهْر، وعِزَّةُ الامتِنَاعِ.

عِزَّةُ القدْر: بمعْنَى أنَّه سبحانه وتعالى عظِيمُ القدْر، وكُلَّما كانَ الشّيْءُ عظِيمَ القدْرِ كان عزيزًا، أيْ قَلِيلَ الوُجُودِ، وَاللهُ سبحانه وتعالى لَا مِثل لَهُ، عَظِيم لا نَظِيرَ لَهُ في قدْرِه وعظَمَتِهِ.

وعِزَّةُ القهْر: بمعْنَى الغلَبَةِ والظّهُورِ، بمعْنَى أنَّه قاهِرٌ وَغَالب لكُلِّ شيْء.

وعِزَّةُ الامتِنَاعِ: معْنَاها امْتِنَاعُ جَمِيع النّقْصِ علَيْه سبحانه وتعالى، أيْ أنَّه يمتَنِعُ علَيْه كُلُّ نقْصٍ، ومِنْ هَذا المعْنَى قولُهُم:(أَرْض عَزَازٌ)

(1)

، أي الصّلْبَةُ التي يمتَنِعُ أن يُؤثِّر فِيها شيْءٌ.

فالله عز وجل متَّصِفٌ بالعزَّةِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثّلَاثةِ.

وقوْله رحمه الله: [{الرَّحِيمُ} بالمؤمنين]: استدلَالٌ بقوْلِه تَعالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]، والصّوابُ أنَّ رحمَةَ الله تَعالَى تكُونُ عامَّةً وخاصَّةً، فإنَّ كُلَّ مَن في السّموَات وَالأرْض فَهُم في رَحْمَةِ الله العامَّةِ، ولَوْلا هذِهِ الرّحْمَةُ العامَّةُ لما بَقِي أحدٌ مِن الكفَّارِ، فكَوْنُ الله يُدِرُّ عليْهِمُ الأرْزَاقَ والعافِيةَ وَالنّشاطَ والعقْل ومَا أشْبَه ذَلِك لا شَكَّ أنَّه مِن رحْمَةِ الله، ولكِنَّ الرّحْمةَ التي تَكُونُ بِها رَحمَةُ الدّنيا والآخرةِ خَاصَة بالمؤمِنِينَ.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائدة الأولى: أنَّ كَلامَ الله عز وجل بالحروفِ، يَعْني {الم} حُرُوفٌ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الأشْعَرِيَّةِ الَّذِين يقُولونَ إِنَّ كَلامَ الله هُو المعْنَى القائِمُ بالنّفْسِ ولَيْسَ الحرُوفَ،

(1)

تاج العروس من جواهر القاموس (15/ 222)، ولسان العرب (5/ 374).

ص: 24

وَأنَّ هَذِهِ الحرُوفَ مخلُوقَةٌ لِتعبِّر عَن هَذا المعنى القائِم بنفسِهِ، ثمَّ يقُولونَ أيضًا: إِنَّ هَذا المعْنَى القائِمَ بالنّفْسِ لا يتَغَيَّرُ ولَا يخْتَلِفُ، فهُوَ واحِدٌ سوَاءً كانَ اسْتِفْهامًا أوْ خبَرًا أو أمْرًا أو نَهْيًا أو قُرآنا أوْ زَبُورًا أو تَوْرَاةً أو إِنْجِيلًا، فالتوْارَةُ هِي الإنْجِيلُ وهِي القرآنُ وهِي الزّبُورُ وهِي صُحُفُ إِبْراهِيمَ وصُحُف مُوسَى، ويقُولونَ أنَّها اخْتَلفَتْ في التّعْبيرِ، فَإِن عَبَّر عَن هَذا الكلامِ بالعرَبِيَّةِ صارَ قُرآنًا، او بالعبْرَّيةِ صَار تَوْرَاةً، أوْ بالسُّرْيانِيَّة صارَ إِنجيلًا، أوْ بلُغَةِ داوُدَ صَار زَبُورًا

وهَكذا، وتصُوُّرُ هَذا غْيرُ ممكنٍ، وَهُو معْنًى غْيرُ معقولٍ، ثمَّ يقُولونَ أيضًا: إنَّ الاسْتِفْهام وَالخبْر معنَاهُما واحِدٌ، فإِذا جَاء اسْتِفْهام مِنَ الله عز وجل فَهُو كالخبَرِ عنْهُ ومعناهما واحدٌ، وَلا شك أن مجرَّد تصورِ هذَا القولِ كافٍ في رَدِّه وإبْطَاله.

الفائدة الثانية: إثْبَات عِلْمِ الله بِالغيْبِ؛ لقوْلِه تَعالَى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} .

الفائدة الثالثة: إثْبَات رِسالَةِ النبيّ عليه الصلاة والسلام؛ لأَنَّ الإخبارَ عَنِ الغيْبِ لَا يكُونُ إلا بِوَحْيٍ.

الفائدة الرابعة: أنَّ الله سبحانه وتعالى كَامِلُ السّلْطانِ والتّدْبيرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} .

الفائدة الخامسة: أنَّ كُل الأشْيَاء لَا تَكونُ إلا بِأَمْرِ الله؛ لأَنَّهُ لما قَالَ: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} ، قَال:{لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد} .

إِذَنْ: فكوْنُهُمْ غلِبوا فَبِأَمْرِ الله، وكَذِلك انْتِصارُهم بِأمْرِ الله، فكُلُّ الأمُورِ بتَقْديرِ الله تَعالَى وأمْرِه، فكُلُّ الأشْيَاء بِأَمْرِه سبحانه وتعالى.

ص: 25

الفائدة السّادسَة: الرّدُّ عَلَى القدَرِّيةِ الَّذِين يقُولونَ باسْتِقْلالِ العبْد بفِعْلِه، فَهُم يقُولونَ: إِنَّ العبْدَ مسْتَقِلٌّ بفعْلِه ولَيْس للهِ تَعالَى فِيه تقْدِيرٌ ولَا أَمْرٌ ولَا إِنْشاءٌ ولَا مَشِيئَةٌ.

الفائدة السابعة: جَوازُ التّعْبيرِ بمَا يُدْخِلُ الخوفَ وَالحزْنَ عَلَى العدُوِّ؛ لأَنَّ قوْلَه تَعالَى: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} وهِي مِن ثَلاثَةٍ إِلَى عَشْرٍ، أَو إِلَى تِسْعٍ، معْنَاه أنَّه سيَبْقَى هَؤُلاءِ الفرْسُ في ذُعْرٍ وخَوْفٍ، كُلَّ سنَةٍ تَأْتِي يقُولونَ: هَذِهِ سَنَةُ الغلَبَةِ، ولَا شَكَّ أنَّ هَذا مما يَزِيدُهم ذُعرٍ وخوفًا؛ لأنَّهُم لَو غُلِبوا في أوَّلِ سنَةٍ انْتَهى الأمْرُ، لكِنَّ كوْنَهُم يتوَعَّدُون بأَمْرٍ لا يُدْرَى في خِلالِ سَبع سِنِينَ لَا شكَّ أنَّهُ أشَدُّ علَيْهِم مِنْ أنْ يَأْتِي الأمْرُ وَيَنْتِهي.

الفائِدَةُ الثّامِنةُ: أنَّ مِن البلاغَةِ حذْفَ الفاعِلِ إِذْلالًا لَهُ وإِهانَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: {غُلِبَتِ الرُّومُ} ، فلَمْ يَذْكُر الغالب إِذلالًا لهم، وَرِفْقًا بِالرّومِ.

الفائدة التاسعة: جَوازُ فَرَحِ المؤْمِنينَ بانْتِصَارِ بعْضِ الكفَّار بعضِهم عَلَى بعْضٍ، إِذا كَان في ذَلِك مصلَحَة للإِسْلَامِ، لقوْلِه تَعالَى:{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} ، ما انْتَصر مُسلِمُون عَلَى كُفَّار، بَلِ انْتَصر كُفَّار عَلَى كُفَّارٍ، لكنَّ هَذا في مصلحَةِ الإسْلام؛ فلَا بأْسَ أنْ نفْرَح بانْتِصارِ بعضِهم عَلَى بعْضٍ إِذا كانَ المنتَصِرُ فِيه نفْعٌ للإسلامِ، ثمَّ يُساعِدُون المسْلِمينَ بِالمالِ والسّلاحِ، أَوْ عَلَى الأقَلِّ قدْ كَفَّ شرَّهُ مَع أنَّ الثّانِيَ فيه شرٌّ لكِنَّهُ أقَلُّ شرًّا مِن هؤُلاءِ.

فعَلى هَذا إذا اقتَتَلَتْ دوْلَتانِ مِنْ دُوَلِ الكفَّار وكانَتْ إِحْداهُما أَقْربَ إِلَى نفْعِ المسْلِمين مِنَ الأخرى، فهلْ فرَحُنا بانتصارِها جَائِزٌ، أم نقولُ: كيفَ نَفْرَح بانْتِصارِ كَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ، فهو حرامٌ؟

ص: 26

والجوابُ: هُو جَائِزٌ كَما فَرِح المؤْمِنُون بانْتِصار الرّوم عَلَى فارِسَ، مَع أنَّ كِلَيْهما مِن الكفَّار، لكِنَّ هَؤُلاءِ أهلُ كِتَابٍ، فَهُمْ أقْرَبُ مِن المؤْمِنينَ، وأقْرَبُ إِلَى الإسْلام ومُرَاعاةِ المسْلِمينَ مِنَ المجُوسِ.

الفائدة العاشرة: جَوَازُ تَسْمِيةِ غَلَبةِ الكفَّار نَصْرًا، لقوْلِه تَعالَى:{بِنَصْرِ اللَّهِ} .

فَإِذَا قَالَ قَائِل: كيْف تجْمَعُونَ بَيْن هَذِهِ الأيَة وبَيْنَ قوْلِه تَعالَى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 40 - 41]، مَع أنَّ الرّوم لا يتَّصِفُون بِهَذِه الصّفَةِ؟

فالجوابُ: أنَّ النّصر نَوْعانِ:

1 -

نَصْرٌ مُطْلَقٌ دَائِمٌ: فَهذَا لا يَكُونُ إلا لمَنْ يَنْصُر الله.

2 -

نَصْرٌ عارِضٌ مؤقَّتٌ: فهَذا يَكُونُ لهؤُلاءِ ولِغَيْرِهمْ.

ونَصْرُ الله لِلرُّومِ عَلَى الفرْسِ ليْسَ نَصْرًا دائمًا، والدّلِيلُ أنَّه بعْدَ ذَلِك نَصَرَ الله المؤْمِنينَ عَلَى الفرْسِ وعَلى الرّومِ، فافْتَتَحُوا ممالك كِسْرَى وممالك قَيْصَرَ، فَلَمْ يَكُن هَذا نصْرًا دائِمًا.

الفائدة الحادية عشرة: إثْبَات المشيئَةِ للهِ عز وجل، لقوْلِه تَعالَى:{يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} .

الفوائِدُ الثّانِيةَ عشْرةَ والثالِثةَ عشْرةَ والرّابِعةَ عشْرَةَ: إثْبَات العزَّةِ لله، لقوْلِه تَعالَى:{وَهُوَ الْعَزِيزُ} ، وإثْبَات الرّحمةِ في قوْله تَعالَى:{الرَّحِيمُ} ، وإثْبَات كَمَالِ عِزَّتِه حيْثُ قُرِنَتْ بالرّحمَةِ؛ فإنَّنا ينبَغِي أنْ نعرِفَ أنَّ الأسْماءَ الحسْنَى تدُلّ كُلُّ واحدةٍ منْهَا

ص: 27

عَلَى كمالٍ بانفِرادِه، ثمَّ باجْتماعِ الاسْمَيْن بعضِهما إِلَى بَعْضٍ يدُلَّان عَلَى كَمَالٍ مرَكَّبٍ، فالعزِيزُ يدُلُّ عَلَى الكَمالِ، والرّحِيمُ يدُلُّ عَلَى الكمَالِ فإِذا اجْتَمعَا أُخِذ مِن ذَلِك كَمالٌ آخَرُ فوْقَ الكمَالِ الَّذي يتضمَّنُه كُلّ اسْمٍ عَلَى انفرَادِهِ، وهُو أنْ تَكُونَ عِزَّتُه مقرونَةً بالرّحْمَةِ؛ لأَنَّ عِزَّةَ غيرِه قَدْ تكُونُ خاليَة مِنَ الرّحْمَةِ، فَإِذا صَار عزِيزًا أخَذ الَّذي هُو ظاهِر علَيْه أخْذَ عزِيزٍ مُقتَدِرٍ ولم يرْحَمْه، بِخَلافِ عِزَّة الله فَهِي مقرونَة بالرّحْمَةِ، وهِيَ أيضًا مقرونَةٌ بالحكْمَةِ.

مثالُ ذَلِك: لَوْ أنَّ رجُلًا غلَب عَلَى قوْمٍ وصَار عزِيزًا وهُمْ أَذِلَّاءُ فإِنَّ هَذا الرّجُلَ قدْ تأخُذُه العزَّةُ بالإثْمِ، فيَبْطِشُ بِهم ولَا يرحمُهُم، لكِنَّ عِزَّةَ الله عز وجل ليْسَتْ كَذَلِكَ، بِل أنَّها مقرونَةٌ بالرّحْمَةِ كَما أنَّها مقرونَةٌ بالحكْمَةِ؛ وَلِهَذا دَائِمًا يَقْرِنُ الله العزَّةَ بالحكْمَةِ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْماءِ الله عز وجل يتضمَّنُ صِفة، فهَلْ كُل صِفَةٍ يُشتَقُّ منْهَا اسْمٌ؟

فالجوابُ: لَا يجُوزُ، فمثلًا المشِيئةُ لَا نقُولُ إِنَّ مِن أسْمَاءِ الله:(الشّائي)، أَو المرِيد أو المتكَلِّم، فلَا نقُولُ أنَّ هَذه من أسْمَاءِ الله، فالصّفَاتُ أوْسَعُ بِلا شَكٍّ، فيُخْبَر عَنِ الله بأشْيَاءَ ولَا يُسَمَّى بِها، ولكِنْ لَا يُخْبَرُ عنْهُ بصِفَةٍ إلا حيْثُ ورَدَتْ، فلَيْس كُلُّ صِفَةٍ يجُوزُ أن يُخْبَر بِها عَنِ الله، فَلا يجوزُ أنْ نُسمِّيَ الله مَثَلا بالحزِين، ولا نُسَمِّيه بالعاشِقِ، ولا نُسَمّيه بالهمَّام، ومَا أشْبَه ذَلِك، فالصّفَاتُ تَكُون توقِيفيَّةً، لا نَخْتَرعُ مِن أنفُسِنا صِفَةً لَهُ، لكِن الصّفاتِ أوْسَعُ مِن الأسْماءِ.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل (المنْعِم) مِنْ أسماءِ الله عز وجل؟

ص: 28

قُلْنَا: ليْسَ مِن أسْمَاءِ الله، لكنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يُنْعِمُ، فَهِي صِفَة، قَال الله تَعالَى:{اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [المائدة: 11]، ولا تَكُونُ نِعْمَة بِدُون مُنْعِمٍ، وَكَذلِكَ قوْله عز وجل:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، يُؤْخَذُ منْهَا (المنْعِم).

أمَّا (المحْسِنُ) فوَرَدَ أنَّه مِن أسْمَاءِ الله عز وجل في قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله مُحْسِنٌ، كَتَبَ الإحسَان عَلَى كُلِّ شَيْ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القتْلَةَ"

(1)

، وَبِهذَا يَزُولُ الإشْكال الَّذي يَرِدُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، في التّسْمِيَةِ بـ (عَبْد المحْسِنِ).

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يَجُوز التّسمِّي بعبْدِ المنْعِم؟

قُلْنَا: إِنْ ثَبَت أنَّه مِن أسْمَاءِ الله عز وجل، وإلا فَقَدْ يقُولُ قَائِلٌ: إنَّه يجُوزُ؛ لأَنَّ المنْعِم عَلَى الإطْلَاقِ هُوَ الله عز وجل، وكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ نعْمَة فهِي مقيَّدَةٌ، وإلا فقَوْلُنا:(أنْعَمْتَ علَيْهِ) تكُونُ حتَّى للإنْسَانِ، قَال تَعالَى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37].

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ابْنُ حزمٍ رحمه الله يقولُ بجوازِ التّسْمِيَةِ بـ (عبْدِ المطَّلبِ)

(2)

؟

قُلْنَا: هَذا غلطٌ مِنه رحمه الله، والتّسمِيَةُ بهِ ليْسَتْ سلِيمَةً.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يجُوز التّسمِّي بـ (حَمِيد) و (مُحْسِن)؟

قُلْنَا: هَذا لَيْس بالأحْسَنِ، لكِنْ إِذا لم تُقْصَد الصّفةُ فَلا بَأْسَ، فقَدْ وَردَتِ التّسمِيَةُ بِـ (حَكِيم) في عهْدِ الرّسولِ عليه الصلاة والسلام ولم يُغَيِّرْه، معَ أنَّ الحكِيمَ مِنْ أسْمَاءِ الله؛ لأنَّهُ ما أُرِيد بِه الصّفَة، فأسْمَاء الله عز وجل يُرادُ بِها إثْبَات الصّفَة مَع الاسْمِ،

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الصّيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الأمر بإحسان الذّبح والقتل وتحديد الشّفرة، رقم (1955).

(2)

مراتب الإجماع (ص: 154).

ص: 29

وَقَدْ يُسمي أحدُهم وَلده بـ (حكيم) وهُوَ مِن أسْفَهِ النّاس، وَكَذلِكَ قدْ يُسمِّيه بـ (محُسن) وهُوَ مِن أشَدِّ النّاس جَوْرًا فضْلًا عَن الإحسَان، أمَّا (عبْدُ الحكِيم) فيَجُوزُ، ولَيْس فِيه شَيْءٌ، وَكَذلِكَ (عَبْد الحمِيدِ)، لأَنَّ الحمِيدَ مِنْ أسْمَاءِ الله عز وجل، قَال تَعالَى:{هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْله تَعالَى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} إِلَى آخِرِه، هَل نقِفُ عَلَى الآيَات ولو تعَلَّق بِها ما بَعْدَها، أو نَصِلُ ونُرَاعِي المعْنَى؟

قُلْنَا: في هَذا قَوْلانِ لأَهْلِ العلْمِ:

فمِنْهم مَن يَرَى أنْ نَقِف عَلَى الآيَات، وَيقُولُ هَذا هُوَ الوَارِدُ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ كَان يقْرَأُ القرآنَ آيَةً آيَةً

(1)

، والدّليلُ عَلَى ذَلِك أنَّ الله عز وجل جعلَها آيَةً فتَقِفُ علَيْها ولَوْ تعلَّقَ بِها مَا بعْدَها، وَهَذا كثِيرٌ فِي القرآنِ، كَما فِي قوْلِه سبحانه وتعالى:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4]، هَذِهِ آيَةٌ فيَجوُز أنْ نقِفَ، وقوْلُه سبحانه وتعالى:{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 219]، فيَجُوزُ أنْ نَقِفَ عَلى:{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} ، وقوله تَعالَى:{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} آيَةٌ، وقوله تَعالَى:{بِنَصْرِ اللَّهِ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

وبعْضُ أهلِ العلْم يَرى أنْ تراعِي المعْنَى فتقِفَ عنْدَ انتِهَاءِ المعْنَى، ولَا تفصِلَ الآيَة عَنْ آيَةٍ تتعلَّقُ بِها.

وَلو قِيل بالتَّفْصيل، فَإِذا كانَ يَسْرِدُ وهُوَ يقْرَأُ فإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ؛ لأَنَّ الكلامَ لَنْ ينْقَطِع بَلْ سيَتَّصِل ويتَّضِحُ المعْنَى، وَإِذا كنْتَ تُريد أنْ تتكَلَّم عَلَى معَانِي

(1)

أخرجه أبو داود: كتاب الحروف والقراءات، رقم (4001).

ص: 30

الآيَات فإنَّك تُرَاعِي المعْنَى، لكَانَ لَهُ وجْهٌ، لكنْ لَا أعْلَمُ هَلْ قالَ بِذَلك أحدٌ مِن أهلِ العلْمِ، إِنّما القولُ بِه عَلَى حسَبِ قواعَدِ أهْلِ العلْم لَا بأْسَ بِه؛ لأَنَّ إِحْدَاثَ قولٍ ثالِث يتكوَّنُ مِن القوْلَيْنِ قبْلَه لَا بَأْسَ بِهِ.

وهَذِه مسألَةٌ محَلُّ بحثِها أصولُ الفقْهِ، وهِي هَلْ يجوزُ إِذا أجْمَع العلَماء عَلَى قوْلَيْنِ إِحْداثُ قولٍ ثالِث؟

والصّوابُ: أنَّه إِذا كانَ القولُ الثالِث لا يخْرُجُ عنْهُما فَغايَةُ مَا هُنالك أنَّه يُفَصَّل فِيه، فهُوَ جائِزٌ لأَنَّهُ لا يَكُونُ قدْ خرَج عنِ الخلَافِ، أمَّا إِذا كَانَ يخْرُجُ عنْهُما فَلا يَجُوزُ.

فإِذَا قُلْنا بالتَّفْصيل هُنا مَا خرَج عنِ القوْلَيْنِ، لكِنَّهُ يقَفِ في شيْءٍ، ولَا يقِفُ في شيْءٍ آخَرَ، ومِثْلُ هذَا الوِتْرُ، فمِنَ العلَماء مَنْ قَال بأنَّ الوترَ واجِبٌ، وقالَ آخرُونَ: إِنَّ الوِتْرَ ليْسَ بواجِبٍ، فإِذا قُلْنا إنَّه واجِبٌ عَلَى مَن كَان كَذا، وغيرُ واجبٍ عَلَى مَن كَان كَذا، كَما اخْتَار شيخُ الإسْلام أنَّه واجِبٌ عَلَى مَن لَهُ وِرْدٌ مِن الليلِ يقُومُ بِهِ، وغَيْرُ واجِبٍ عَلَى مَن سِوَاه

(1)

، صار هَذا القولُ الثالِث لا يخرُج عَنِ الإجْمَاعِ؛ لأنَّهُ يُوافِقُ أحَدَ القوْلَيْنِ في حالٍ، ويُوافِقُ القولَ الآخر في حالٍ أُخْرَى، فيَكُون قولًا ثالِثًا لكِنَّهُ لا يَخْرُج عنْهُما، أمَّا إِذا كانَ واحِدٌ يَقُولُ بالتّحْرِيم وَوَاحِدٌ يقُول بالحلِّ، ثمَّ جاءَ قولٌ ثالِث يقُولُ بالوُجُوبِ فهَذا لَا يمْكِنُ؛ لأنَّهُ في هذِهِ الحالِ لَا يُوافِقُ القوْلَيْنِ.

(1)

مجموع الفتاوى (23/ 88).

ص: 31