المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (38) * * *   * قال اللهُ عز وجل: {فَآتِ ذَا - تفسير العثيمين: الروم

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (38) * * *   * قال اللهُ عز وجل: {فَآتِ ذَا

‌الآية (38)

* * *

* قال اللهُ عز وجل: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

* * *

قوْله تَعالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} إِلَى آخره (آتِ) بمعنى أَعْطِ لأنَّهَا من الرُّباعي، لو كانت من الثُّلاثي لكانت بمعنى جِئْ، لكنها من الرّباعي الَّذي بمعنى أَعْطَى.

وقوْله تَعالَى: {فَآتِ} الخطابُ مفردٌ، فهل هُوَ للرسول صلى الله عليه وسلم شخصيًا أو لكل مَنْ يتوجَّهُ إِلَيْهِ الخطابُ؟ للعُلَمَاء فِي هَذَا رأيانِ، إِلَّا مَا دل الدّليلُ عَلَى أنَّه خاصٌّ بالرَّسول صلى الله عليه وسلم فَهَذَا يختص بِهِ مثل قوْله تَعالَى:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)} [الشرح: 1]، هَذَا خاصٌّ بالرَّسول صلى الله عليه وسلم، وقوْله تَعالَى:{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} [الضحى: 8]، (وجدك) أي الرَّسول لكِنَّهُ أغنى بك جميعَ من انتفع بهذا، ومثل قوْله تَعالَى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67].

وقوْله تَعالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى} صاحِبَ القرابةِ، وَلهذا قَالَ المُفَسِّر رحمه الله:[القرابة]، فالقُرْبى بمعنى القرابةِ {حَقَّهُ}؛ قَالَ المُفَسِّر رحمه الله:[مِنَ البِر وَالصلَةِ]، وأَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ الأُمُّ والأَبُ وإنْ عَلَوَا، وصلتُهما تُسمى بِرًّا؛ لأَنَّهُ يجب أن تكونَ أعلى من صلة غيرهما، و (البِرُّ) كثرةُ الخير، وصلة غيرهما تسمى صلة؛ لأَنَّ المقصود

ص: 223

الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ {حَقَّهُ} هُنَا مُجْمَلٌ ولَكِنَّهُ مُبيَّنٌ بنصوصٍ أُخْرَى من القرآنِ، والسُّنةِ وَهُوَ أن حقَّ الأبوين البرُّ، وحقَّ غيرهِما الصِّلةُ فيمكنُ أنْ يكُونَ قولُ المُفَسِّر رحمه الله من البر والصّلةِ عَلَى سبيلِ التّوزيعِ من البر بالأبوين والصّلة بغيرهما من ذوي الأرحامِ.

وقوْله تَعالَى: {ذَا الْقُرْبَى} يَعُمُّ كلَّ قريبٍ ولو كَانَ كافرًا لأَنَّ العِلَّةَ القرابةُ ليست الإسْلامَ، لو قَالَ آتِ المُؤْمِنَ حقَّه قلنا العلةُ الإيمانُ فيختصُّ الحكمُ به.

قوْله تَعالَى: {وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} المِسْكِينُ هُوَ الفقيرُ وهنا أُطْلِقَ المِسْكِينُ والمُرَادُ بِهِ الفَقِيرُ والمِسْكِينُ فِي آيه الصَّدقةِ، وقد مر أنَّ المِسْكِينَ إِذَا أُطْلِقَ يشملُ الفَقِيرَ، والفَقِيرَ إِذَا أُطْلِقَ يشملُ المِسْكِينَ، وَإِذَا قُرِنَا جَمِيعًا افترقَا، المِسْكِينُ له حقٌّ، مَا حقُّه؟ حقُّه دَفْعُ حاجتِه لأنَّهُ فقيرٌ، قَالَ أهل العِلْم: وإطعامُ الجائعِ وكِسْوَةُ العَاري فَرْضُ كفايةٍ إِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يكفي سقطَ عَنِ الباقِينَ.

قوْله تَعالَى: {وَابْنَ السَّبِيلِ} ؛ قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [المُسَافِرُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأُمَّةُ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم تبَع لَهُ فِي ذَلِكَ]، وسُمِّيَ ابن سَبِيل لِمُلازمتِه لَهُ، والسّبيلُ الطّريقُ، وكل مَنْ لازمَ شَيْئًا يُسمى ابنًا لَهُ، قَالُوا كما يُقَال ابن الماءِ لطيره، طَيْرُ الماء يُسَمَّى ابنَ الماءِ، ويُقَال للرجل الَّذي يُكْثِرُ السَّفر فِي الليل ابن الليالي وما أشبهَ ذلك، فالابنُ لكل مَنْ لازمَ الشّيء، وقول المُفَسِّر رحمه الله:[من الصّدقة]، هَذَا تفسير لحق المِسْكِين وابن السّبيل، وقيل المُرَادُ بابن السّبيل الضّيفُ لأَنَّهُ عابرُ سبيلٍ، ولكن الصّحيح أنه المسافر ويشمل الضّيف لأَنَّ الضّيف مسافر.

وقول المُفَسِّر رحمه الله: [وأمة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم تبع لَهُ فِي ذلك] أفادنا المُفَسِّر رحمه الله بهذه الجملة أنَّ الخطابَ فِي قوْله تَعالَى: {فَآتِ} موجَّه للرسول صلى الله عليه وسلم شخصيًا والأمة

ص: 224

تبعٌ لَهُ، وقد سبق أن وجه ذَلِك أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم هُوَ زعيمُ أمته فَوُجِّه الخطاب إِلَيْهِ وإن كَانَ شاملًا أو أنَّه خاصٌّ بِهِ وتكون أمته تبع لَهُ عَلَى سبيل التّأسِّي به.

قوْله تَعالَى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} : {ذَلِكَ} المُشارُ إِلَيْهِ إيتاء ذي القربى حقه والمِسْكِين وابن السّبيل.

قوْله تَعالَى: {خَيْرٌ} كلمة خير هُنَا هل يراد بِهَا التّفضيلُ أو أنَّها اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق أن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمَيْ تفضيل وتستعملان اسمًا مجردًا عن التّفضيل كما فِي قوْله تَعالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]، هُنَا لَيْسَ المُرَادُ بِهَا التّفضيلَ كَذَلِكَ هُنَا قَالَ {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} الظّاهر أنَّه لا يراد بِهَا التّفضيل وأن المُرَاد أن هَذَا خير ضد الشّر، لكِنَّهُ قُيِّدَ بقوْله تَعالَى:{لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} وَهَذا دليل عَلَى الإِخْلاص يعني خيرًا للمخلصين الَّذِين يريدون وجه الله، أمَّا غيرُ المخلص فإِنَّهُ لَيْسَ خيرًا لَهُ لكن هل هُوَ خير للمخلص؟ قَالَ الله تعالى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]، فجعل الله تَعالَى ذَلِك خيرًا مطلقًا ثمَّ قَالَ:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]، فجعل هَذَا الشّيء خيرًا مطلقًا لما فِيهِ من النّفع المتعدي ولَكِنَّهُ لا يَكُون خيرًا للفاعل إِلَّا بالنّية؛ بنيةِ الإِخْلاصِ وأظنُّ أن هَذَا ظاهرٌ، لو أنَّك تصدقْتَ عَلَى شخصٍ بدراهمَ أو بثوب يلبَسُه انتفعَ، أما أنت فقد تنتفعُ وقد تنضرُّ وقد لا تنتفع ولا تنضر، فإن فعلتَ ذَلِك رياءً انضرَرْتَ، وإن فعلته إخلاصًا انتفعتَ وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع وَلهذا قَالَ هُنَا {لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} فنقول: لا يَكُون خيرًا إِلَّا للذين يريدون وجه الله هَذَا بالنّسبة للمعطي، أمَّا بالنّسبة للمُعطى فَهُوَ خير لَهُ حتى لو يعطي كافرٌ شخصًا مالًا

ص: 225

انتفع بِهِ وصار خيرًا لَهُ فلا يَكُون خيرًا للمعطي إِلَّا بالنّية، أمَّا بالنّسبة للمعطى فَهُوَ خيرٌ لَهُ عَلَى كل حَالٍ.

ولم يذكر الله فِي الآية هُنَا الخير للمعطي إِلَّا بهذه النّية أمَّا المعطى فلا شك أنَّه خير لَهُ عَلَى كل حَالٍ كما تفسره آياتٌ أُخْرَى، قَالَ المُفَسِّر رحمه الله:[أي ثَوَابُهُ بِمَا يَعْمَلُونَ]، قول المُفَسِّر رحمه الله:[أي ثوابه] هَذَا تفسير لَيْسَ بصحيح وَإنَّمَا هُوَ عَلَى طريق أهل التّأويل الَّذِين لا يؤمنون بالصّفات الخبرية الَّتِي أخبر بِهَا الله عن نفسهِ كالوجهِ واليدين والقدم وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثّواب خطأ وليس عَلَى طريق أهل السّنة والجماعة، بل هُوَ عَلَى طريق أهل البدع المؤوِّلينَ الَّذِين يُسمونَ أنفسهم مُؤَوِّلينَ وهم فِي الحقيقةِ محُرِّفُونَ.

والصّوابُ: أن المُرَادَ بِهِ وجهُ الله: وجهُه الَّذي هُوَ صفتُه، وأنَّ فِي الآية إشارةً إِلَى أن من فعل مثل هَذِهِ الأمورِ لله فإِنَّهُ سَوْفَ يرى الله عز وجل ويلقاهُ كما ثَبَتَ ذَلِك فِي الكتابِ والسّنةِ وإجماعِ السّلفِ أَنَّ المُؤْمِنينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَما يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ

(1)

، قَالَ تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، الأولى {نَاضِرَةٌ} بالضَّادِ بمعنى حَسَنَةٍ وَبَهِيَّةٍ، والثّانية بالظّاء لأنَّهَا من النَّظَرِ بالعَيْنِ.

قوْله تَعالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : (أولاءِ) مبتدأٌ و (هم) ضميرُ فصل والمفلحونَ خبرُه، المُفْلِحُ هُوَ الَّذي فازَ بالمطلوب وَنَجا مِنْ المرهوب مَنْ أَفْلَحَ إِذَا فَازَ، والفلاحُ أصلُه البقاءُ، كما قَالَ الشّاعر

(2)

:

................. وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَه

(1)

أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم (554)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، رقم (633).

(2)

البيت للأضبط بن قريع، البيان والتبيين (3/ 223).

ص: 226

يعني لا بقاءَ، ولَكِنَّهُ صار شاملًا لكل مَا حصلَ بِهِ المطلوبُ ونجا بِهِ من المرهوبِ، وقوْله تَعالَى:{هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الجملة اسمية تدُلّ عَلَى أنَّ الفلاحَ لازمٌ له.

وضمير الفصل هل هُوَ اسمٌ أو حرفٌ؟

الصّحيح أنَّه حرفٌ لا محل لَهُ من الإعرابِ ولا يُعرب.

إِذَنْ: مَا الفائدة من ضمير الفصل؟

له ثلاثُ فوائدَ: الأولى الحصر، والثّانية التّوكيد، والثَّالثة الفرق بَيْنَ الصّفة والخبر، مثال ذَلِك إذَا قُلْتَ:(زيدٌ العَاقِلُ)، فـ (زيد) مبتدأ و (العاقل) خبره، لكن يحتمل أن تكون (العاقل) صفة لـ (زيد)، وأن الخبر لم يأتِ بعد، مثل:(زَيْدٌ العَاقِلُ مَحْمُودٌ) مثلًا، لكن إذَا قُلْتَ:(زيد هُوَ العاقل) تعيّن أن تكون (العاقل) خبرًا، وَلهذا قيل له: ضمير فصل؛ لأنَّهُ يفصل ويميز بَيْنَ التّابع الَّذي هُوَ النّعت وبين الخبر، أمَّا إفادتُه للتوكيد فواضحةٌ، فإن قولك:(زيد هُوَ العاقل) أقوى فِي الدّلالة عَلَى الحصر من قولك: (زيد العاقل)، أمَّا كَونُه لا محل لَهُ من الإعراب فظاهر، فِي القرآن {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40)} [الشعراء: 40]، لو كَانَ لَهُ محلٌّ من الإعراب لقَالَ: إن كانوا هم الغالبونَ، ونقول (هم) مبتدأ والغالِبونَ خبرٌ، والجملة خبر (كان)، فدل هَذَا عَلَى أنه لا محل لَهُ من الإعراب، وَهُوَ - عَلَى المشهور عند النّحويين - حرف جِيء بِهِ للفَصلِ، فصورته صورة الضَّمير، لكن معناهُ لَيْسَ معنى الضّمير الَّذي يَكُون اسمًا.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائِدَةُ الأولَى: أن لهؤُلاءِ الأصناف الثّلاثة حقَّ القريبِ والمِسْكِينِ وابنِ السّبيلِ.

ص: 227

الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: وجوب إيتاء هَؤُلاءِ حقهم؛ تؤخذ من الأمرِ فِي قوْله تَعالَى: {فَآتِ} والأصلُ فِي الأمرِ الوجوبُ.

الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الأقربَ فالأقربَ أحقُّ؛ تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: {ذَا الْقُرْبَى} .

لكن كَيْفَ الأخذ؟

الأخذ: هُوَ أن لدينا قاعدة سبق أنْ قَرَّرناها وَهِيَ أن الحكمَ إِذَا عُلِّقَ عَلَى وَصْفٍ فكلما كَانَ أكثر فِي هَذَا الوصف فَهُوَ أحقُّ إِذَا عُلِّقَ الحكمُ عَلَى وصف فكلما كَانَ هَذَا الوصفُ أشدَّ تمَكُّنًا فِي شيءٍ فَهُوَ أَحَقُّ به، فمثلًا إذَا قُلْتَ:(أَدِّبِ العَاصِي)، عُلِّقَ التّأديبُ بالعصيانِ، فيقتضي هذا أن كل من كَانَ أشَدَّ معصيةً كَانَ أَشَدَّ تأديبًا، وَإِذَا قلنا:(أَكْرِمِ المُؤْمِنَ) صَارَ معنى ذَلِكَ: أنَّ كلَّ من كَانَ أقوى إيمانًا صَارَ أحقَّ بالإكرامِ، قوْله تَعالَى:{ذَا الْقُرْبَى} عُلِّقَ الحقُّ بالقرابةِ، فكلما كَانَ أقربَ كَانَ أحقَّ بالإيتاءِ، وهذهِ القاعدةُ مفيدةٌ لطالبِ العِلْمِ أنه إِذَا عُلِّقَ الحُكْمُ عَلَى وصفٍ، قَوِيَ ذَلِك الحكم بقوة ذَلِك الوصف؛ نظرًا لأَنَّ تعليقَه بالوصف يفيد علِّيته وهذه أيضًا قاعدة ثانية:(أَنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ يُفيدُ أَنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ عِلَّةٌ)، فمثلًا تقول أكرمِ المُؤْمِنَ لماذا؟ لإيمانِه، أدِّبِ الفاسقَ لفسقِه {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، معناه لإفسادِهم وهكذا.

فنَقُول: إن تعليقَ الحكمِ بالوصفِ يدلُّ عَلَى عِلِّية ذَلِك الوصف، وأنه عِلَّةُ الحُكْمِ، وبناء عَلَى هَذِهِ القاعدةِ تأتي القاعدةُ الأولى أيضًا.

الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ كل من كَانَ أحقَّ بالإحسَانِ فَهُوَ أولى به؛ لأَنَّ المِسْكِينَ أحقُّ بالإحسَانِ من الغني، وابنَ السّبيل المسافر المنقطع بِهِ سفره أحقُّ من غيره.

ص: 228

الفائدتان الخامسة والسّادسة: أن النَّفْعَ المتعدي خيرٌ فِي نفسه.

وهل هُوَ خير للفاعل؟

نعم، هُوَ خير للفاعل بشرط، فَهُوَ خير فِي نفسه وإن لم ينتفع بِهِ الفاعل.

ويتفرع عَلَى هَذَا أن مَا يبذله الكفَّار من منافع للمسلمين هِيَ خير للمسلمين، لا نقول هَذِهِ صدرت من كافرٍ فليست بخير وليس فيها خيرٌ.

مثلًا لو أن أحدًا من الكفَّار أصلحَ طريقًا من الطّرق، من هَذِهِ الشّركات الكافرة فيكونُ فِي هَذَا الإصلاح خيرٌ لا شك، لكن لَيْسَ خيرا لهم إنما هُوَ خير لغيرهم.

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: التّنبيهُ عَلَى أهمية الإِخْلاصِ؛ لقوْلِه تَعالَى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} .

الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنه كلما كَانَ العمل أخْلَصَ للهِ كَانَ أكثرَ خيرًا للفاعل نأخذ هَذَا الحكم من القاعدة الَّتِي مرت بأن هَذَا الحكم عُلِّق بعلة {لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ} ؛ لأن اسم الموصول مَعَ صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون.

إِذَنْ: فكلما كَانَ الإنسانُ أخلصَ فِي إرادة وجه الله كَانَ أكثرَ خيرًا له.

الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثْبَات الوجه لله؛ لقوْلِه تَعالَى: {وَجْهَ اللَّهِ} ووجه الله عز وجل قَالَ أهل العِلْم: أنه من الصّفات الخبرية لأَنَّ عِنْدَهُم من الصّفاتِ مَا هِيَ خبرية محضةٌ، فيعبرونَ عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا فِي المحذور فلا يقُولونَ إِنَّها بعضيَّة مثلًا أو جزئيَّة لأَنَّ التّبعُّض والتّجزئة فِي ذات الله عز وجل محرمٌ إطلاقًا، فالوجهُ واليدُ والعين والسّاق والقدم كل هَذِهِ يُعَبَّرُ عنها بالصّفاتِ الخبريةِ، لكنَّ السّمعَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والحياة تُسمى صفاتٍ معنويةً: صفات معانٍ، والفرقُ بَيْنَ الصّفات المعنوية والخبرية

ص: 229

أن الصّفات المعنوية تدُلُّ عَلَى معانٍ كالسَّمعِ والبصر والعِلْم والقُدْرَة وما أشبهها، وأما الصّفات الخبرية فهي تدُلُّ عَلَى صفاتٍ هِيَ بالنّسبة لنا أبعاض، فَيَدُ الإنسانِ ووجه الإنسان وساق الإنسان وقدم الإنسان وعينُه مثلًا هَذه أبعاض لَهُ ولكن لا نسميها بالنّسبة لله أبعاضًا بل سماها أهل العِلْم الصّفات الخبرية.

الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: الإِشارةُ إِلَى رؤية الله عز وجل لقوْلِه تَعالَى: {يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ولا شك أن رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسّنة وإجماع السّلف، ففي القرآنِ قَالَ الله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، معنى {نَاضِرَةٌ} الأولى من النَّضارة وَهِيَ الحُسْنُ {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} بالظَّاءِ من النّظر وَهُوَ الرّؤية بالعين وهذه الآية من أَصْرَحِ مَا فِي القرآن وتوجد آية أُخْرَى وَهِيَ قوْله تَعالَى:{عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23)} [المطففين: 23]، وتوجد آية ثالِثة وَهِيَ قوْله تَعالَى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، فسرها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بأنها النّظر إِلَى وجه الله، وتوجد آية رابعة وَهِيَ قوْله تَعالَى:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)} [ق: 35]، وتوجد آية خامسةٌ وَهِيَ قوله تَعالَى فِي الأنعام:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، لأَنَّ هَذِهِ الآيةَ تدلُّ عَلَى الرّؤية لأَنَّ الله تَعالَى قَالَ:{لَا تُدْرِكُهُ} ونَفْيُ الإدراك يدل عَلَى ثبوتِ الأصل، ولو كَانَ لا يُرى لقَالَ:(لا ترَاهُ الأبصَارُ)، فنفي الأخَصِّ يقتضي وجود الأعمِّ؛ وَلهذا كانت هَذِهِ الآيةُ الَّتِي يُستدل بِهَا أهل التّعطيل عَلَى نفي رؤية الله دليلًا عَلَيْهِم لا دليلًا لهم.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ورد فِي الحديث أن يَوْمَ القِيَامَة يقول الله سبحانه وتعالى: من كَانَ يعبدُ الطّواغيتَ فليعبد الطّواغيتَ، ومن كَانَ يعبدُ الشَّمسَ فليعبدِ الشّمسَ فيأتيهم الله سبحانه وتعالى فِي صورة غير صورته الَّتِي يعرفونها فيقولُ أنا ربكم فيقولونَ نعوذُ

ص: 230

بالله منكَ هَذَا مكانُنا حتى يأتينا ربنا، قَالَ ثمَّ يأتيهِمْ فِي صورتِه الَّتِي يعرفونَ فيقولُ أنا ربكم، فيقولونَ أنْتَ ربُّنا، فينطلقُ ثمَّ يتبعونَه

(1)

، والإشكال هو: مَا معنى قوله: فينطلق ثمَّ يتبعونه؟

فالجوابُ: أن هذه اللفظةَ غيرُ ورادةٍ، فلا أدري معناها، ولا نبحثُ فيها حتى تؤكَّدَ، وَإنَّمَا ورد أن الأممَ تتبعُ مَنْ كانتْ تعبدُ حتى تُلقى فِي النَّارِ

(2)

.

وفي الحديث: "فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ له كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ تَعالَى فِي الدُّنْيَا"

(3)

.

الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: أنَّ الفلاحَ يَكُونُ بأمرين: بالإِخْلاصِ وفعلِ المأمورِ بِهِ نأخذُها مِنْ قوْلِه تَعالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهَؤُلاءِ المُشارُ إليهم أتوْا بالفعلِ والثّاني الإِخْلاصُ.

* * *

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، رقم (6573)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم (182). ولفظ:"فينطلق بهم ويتبعونه" أخرجه أحمد (3/ 383).

(2)

أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، رقم (4581)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم (183).

(3)

أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ، رقم (4919).

ص: 231