الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (39)
* قال اللهُ عز وجل: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)} [الروم: 39].
* * *
لمَّا أمرَ الله تَعالَى بإيتاءِ ذي القربى حقه فِي قوْله تَعالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ} إِلَى آخره، حذَّر من هَذَا الأمر {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} ، والرّبا فِي اللُّغَة الزّيادةُ كقوْله تَعالَى:{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5]، أي علت، ومنه الرَّبْوَةُ للمكانِ المرتفعِ، أمَّا فِي الشّرع فالرِّبا المحرَّمُ هُوَ زيادةٌ فِي أَشْيَاءَ أو نَسِيءٌ فِي أَشْيَاءَ، فَهُوَ إمَّا أَشْيَاءُ يزيدُ فِيهَا كما لو باعَ صاعًا من البُرِّ بصاعين مِنْهُ ولو يَدًا بِيَدٍ فَهُوَ ربًا: ربَا فَضْلٍ. أو باع دنانيرَ بدراهمَ مَعَ تأخيرِ القبْضِ فَهَذَا رِبَا نَسِيئَةٍ، وكلاهُما محُرَّمٌ.
وأما الرّبا هُنَا فِي الآية {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} فالمُرَادُ بِهِ الزّيادة فَهُوَ رِبًا لُغَوِيٌّ، هَذَا هُوَ الَّذي علَيْه جمهورُ المفسرين، فقوْله تَعالَى:{وَمَا آتَيْتُمْ} أي وما أعطيتُم من ربًا ليربوا فِي أموالِ النَّاسِ فلا يَرْبُو عندَ الله، وقولنا: وما أعطيتُم من ربًا؟ فسره المُفَسِّر رحمه الله بقوله: [بِأَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً ليَطْلُبَ أَكْثَرَ مِنْهُ]، تُهدِي لشخصٍ لأجلِ أنْ يعطيَك أكثرَ أو تَهِبُهُ من أجلِ أن يَرُدَّ عليكَ أكثرَ مما وهبتَ الآن آتيتَ شَيْئًا ليرد عليك أكثر منه، نقول آتيتَ ربًا.
لَكِنْ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أنا مَا أعطيتُ ربًا أنا أعطيتُ شَيْئًا حصل بِهِ الرِّبا؟
أجاب المُفَسِّر رحمه الله عن هَذَا: [فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَطْلُوبِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي المُعَامَلَةِ]، فيكونُ هَذَا الَّذي أعطى ليُعطى أكثرَ كأنَّه أعطى رِبًا لأنه أُعطِيه، هَذَا مَا علَيْه أكثر المفسرين.
وَعَلَى هَذَا فيكون الرِّبا هُنَا لُغَوِيًّا، وهنا قَالَ المُفَسِّر رحمه الله:[هِبَة أَوْ هَدِيَّة] الفرقُ بَيْنَ الهبةِ والهديةِ أن الهبةَ يقصد بِهَا مجردَ الإحسَانِ إِلَى المُعطَى فَقَطْ، والهديةُ يُقصدُ بِهَا التَّوددُ والإكرام؛ وَلهذا قَالَ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم:"تَهَادُوا تَحَابُّوا"
(1)
، يوجدُ شيءٌ ثالثٌ يُسَمَّى صدقةً يُقْصَدُ بِهِ ثوابُ الآخرةِ فما يُقصدُ بِهِ ثوابُ الآخرةِ فَهُوَ صدقةٌ، وما يُقْصَدُ بِهِ التَّوددُ والإكرامُ فَهُوَ هديةٌ، وما يُقْصَدُ بِهِ نفعُ المعطَى فَهُوَ رِبًا.
قوْله تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} كأنَّ الله عز وجل حذَّرَ مِنْ أن يؤتي الإنسانُ أحدًا من ذوي القربةِ أو المساكينِ أو ابنِ السّبيلِ لأجلِ أنْ يُعطى أكثرَ.
قوْله تَعالَى: {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} أي فلا يزيد عند الله عز وجل لأَنَّ هَذِهِ الحالةَ حالُ دُنْيَا نازلةٍ، وَلهذا نهى الله عنها رسوله صلى الله عليه وسلم فِي قوْله تَعالَى:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)} [المدثر: 6]، يعني لا تُعطِ لأجلِ أنْ تعطَى أكثرَ، ولما كانتْ هَذِهِ الحالة نازلةً، قَالَ هُنَا {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} قَالَ المُفَسّر رحمه الله:[{ليَربُوا فِىَ أَموَالِ الناسِ} المُعطينَ أي يزيدُ]، {فَلَا يَرْبُو} يعني فلا يزيدُ، قَالَ المُفَسِّر:[فلا يَزْكُو {عِنْدَ اللَّهِ} أي لا ثَوابَ فِيهِ للمُعطينَ]، وَذَلِكَ لأنَّهَا حالٌ لا تنبغي فلا يَكُون فِيهَا أجرٌ عند الله عز وجل هَذَا مَا ذكره المفسرون فِي تفسير هَذِهِ الآية ورَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاس وغيره.
(1)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/ 208، رقم 594).
وعندي أنه يحتملُ فِي الآية معنًى آخر يَكُون قوْله تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} الرِّبا الشَّرعي، ويخاطب الله عز وجل المعطين للرِّبَا يعني أن الرِّبا الَّذي تعطونه غيركم وإن كَانَ يزيد فِي أموالهم فإِنَّهُ لا يَرْبُو عند الله بل إنَّه عَلَى العكس يحصلُ بِهِ المَحْقُ والسُّحْتُ للمال الطَّيب، فلا خيرَ فِيهِ ويؤيد ذَلِك قوْله تَعالَى:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} فَفَرَّقَ بَيْنَ المُرابي وبين المتصَدِّقِ، كما أن الله عز وجل يقرن بَيْنَهُما فِي بعض الآيات مثل مَا ذكر فِي سورة البقرة ذكر الله الإنفاق وذكر بعده الرِّبا، وَكَذلِكَ أيضًا فِي سورة آل عمران {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 130 - 133]، وذكرَ من جملةِ أوصافهم أنهم يُنفِقونَ فِي السَّرَّاءِ والضَّراء، ولكنْ هَذَا الاحتمالُ حتى الآن مَا رأيتُ أحدًا قَالَ بِهِ، وَإنَّمَا يقُولونَ بالمَعْنَى الأول وَهُوَ أن يُعطي الإنسان شَيْئًا هِبَةً أو هديةً ليُعطَى أكثرَ فإنَّ هَذَا وإن زاد فِي أموال المعطين فليس فِيهِ زيادة عند الله لأنَّهُ خُلُقٌ مذمومٌ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فيما لو أهدينا إِلَى شخصٍ معروف بالمكافأة وأنا مَا قصدت فهل يجوز أم لا؟
قُلْنَا: مَا دام أنَّك مَا قصدتَ فإِنَّهُ لا يضرُّ.
وهل الإهداءُ للأمراء والملوك والوزراء وما أشبههم يدخل فِي هَذَا النّهي؟
غالِب الَّذِين يُهدون خصوصًا عَلَى الملوك والكبار من الأمراء إنما يريدون الزّيادة، يريدون أكثر؛ وَلهذا إِذَا عُرِفَ الإنسانُ بِأنَّهُ لا يعطي إِلَّا مثل القيمة أو دونها لا يُعطَى هدايا، فلا يعطى هدايا إِلَّا من عُرِفَ أنه يبذل أكثرَ ويردُّ أكثرَ.
قوْله تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ} يعني أعطيتم {مِنْ زَكَاةٍ} : (مِن) حرف جر وَهِيَ بيانية بَيان لـ (ما) فِي قوْله تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ} ، و (ما) هُنَا إعرابها شرطية بدليل قوْله تَعالَى:{فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} فارتبطت (الفاء) فِي الجواب يعني ومهما آتيتم من زكاة بِهَذا القيد تريدونَ وجهَ الله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} .
وقوْله تَعالَى: {مِنْ زَكَاةٍ} ، قَالَ المُفَسِّر:[صَدَقَة]، وفي هَذَا القيد نظر إن قصد بِهَا صدقة التّطوع أمَّا إن قصد بِهَا الصّدقة مطلقًا فنعَمْ لأَنَّ الصّدقة تُطلق عَلَى الواجب والمستحب والدّليل عَلَى إطلاقها عَلَى الواجب قوْله تَعالَى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60]، فَهَذَا للواجبِ والمستحب.
إِذَنْ نَقُول: {مِنْ زَكَاةٍ} المُرَاد بِهَا الزّكاة الواجبة.
فبالمَعْنَى الأول كَيْفَ نحوِّلها إِلَى صدقةٍ عَلَى أن المُرَاد بِهَا التَّطوعُ؟
والصّواب: أن المُرَاد بالزّكاة هِيَ الزّكاة الواجبة لأنَّهَا مرادة عند الإطلاق، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، المُرَاد الواجب، إِذَنْ:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ} أي من صدقة واجبة.
لَوْ قَالَ قَائِل: الزّكاةُ فُرِضَتْ بالمدينة وهذه السُّورة مكِّية؟
قُلْنَا: هَذِهِ لا تدُلُّ عَلَى الفرض، وَإنَّمَا تدُلُّ عَلَى الأجر فقط، مَعَ أن الصّحيح أن الزّكاة مفروضةٌ بمكةَ لكن تقديرها وتقدير أنصِبَائِها هُوَ الَّذي كَانَ فِي المدينة هَذَا هُوَ الصّحيح.
قوْله تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} يعني تريدونَ بهذه الزّكاة الَّتِي آتيتم، تريدون وجهَ الله، هَذِهِ جملة شرط للثواب والأجر أن يريد الإنسان
وجه الله؛ لأَنَّ مَنْ لا يريدُ وجه الله إمَّا أن يريد وجه غيره أو أن لا يريد شَيْئًا، إِذَا أراد وجهَ غيره فليس لَهُ أجر بل علَيْه وِزْرٌ لأَنهُ مُراءٍ مشْرِكٌ فلا تقبل مِنْهُ، وإن لم يُرِدْ وجه الله ولا غيره لكِنَّهُ أراد إبْراءَ ذِمته فقط كما هُوَ حال غالب من يؤدي الزّكاة بل - الله يعاملنا بعفوه - غالِب من يؤدي حتى الصّلاة، أكثر النَّاس عندما يأتي إِلَى الصّلاة تجده يريد إبراء ذمته لا يشعر بأن هَذِهِ الصّلاة تقربه إِلَى الله عز وجل ويريد القرب بِهَا إِلَى الله هَذا، فغالب النَّاس - إلا من وفق وصار ينتبه عند فعل الطّاعات بإرادة وجه الله وَهُوَ الإِخْلاص واتباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ العبادة لا يُراد وجهُ الله ولا يراد وجه غيره، وَإنَّمَا أراد بِهَا إبراء ذمته تنفعه بلا شك وتبرأ بِهَا ذِمتُه وربما يُؤجر لقيامه بركن من أركان الإسْلام، بل يقينًا يُؤجر لكن ربما يُؤجر أيضًا بكونه يشعر أن هَذِهِ مما أوجب الله علَيْه فيؤديه؛ لأَنَّ هَذَا لا شك أنه تَعَبُّدٌ لله يعني فَعَلَه تَعَبُّدًا لكنْ كونُه يريد بِذَلِكَ وجه الله والتّقرب إِلَيْهِ هَذِهِ حالة أعلى من كونه يريد مجرَّد إبراء ذمته.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [قوْله تَعالَى: {تُرِيدُونَ} بِهَا {وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} ثَوابَهُمْ بِمَا أَرَادُوهُ].
قوْله تَعالَى: {وَجْهَ اللَّهِ} المُفَسِّر لم يفسِّرْها هنا، لكِنَّهُ فسرها فِي الآية الَّتِي قبلها بأنها ثوابه والصّواب أن المُرَادَ بوجه الله ذات وجه الله لا ثوابه وفيه إشارة كما سبق إِلَى رؤية المؤْمِنينَ ربهم.
وقوْله تَعالَى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} جوابُ الشَّرط، {وهُمُ} ضمير فصل، {الْمُضْعِفُونَ} خبر (أولئك) ومعنى {الْمُضْعِفُونَ} أي الحاصلونَ عَلَى التَّضعيفِ لأَنَّ الفعلَ الثُّلاثي إِذَا دخلت علَيْه الهمزة فقد يراد بِهِ الدُّخول فِي الشّيء مثل قولهم:(أنجد) أي دخل نجدًا فمعنى (أضعف) هُنَا أي صَارَ من ذوي الأضعافِ، والأضعافُ
معناه الزّيادةُ يعني أولئك هم المضعفون الَّذِين حصلوا عَلَى مضاعفة الأجر والثّواب بخلاف الأولين الَّذِين آتوُا الرِّبَا ليربوا فِي أموالِ النَّاس، فهَؤُلاءِ لَيْسَ لهم زيادةٌ، فالزّيادةُ للذين آتوا الزَّكاة يريدونَ وجهَ الله، هَؤُلاءِ هم المضعفون أي الدَّاخلونَ فِي المضاعفةِ.
قوْله تَعالَى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} قول المُفَسِّر: {الْمُضْعِفُونَ} ثوابهم] يعني الَّذِين ضاعفوه وزادوه بما أرادوه.
ثمَّ قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [فيهِ التفاتٌ عن الخِطابِ إِلَى الغَيبه]، والخطاب هُوَ قوله تعالى:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} ، هَذَا خطاب، وكان مقتضى السّياق إِذَا كَانَ عَلَى نسق واحد أن يُقَال لَأنتُم المضعفون، لكن قَالَ:{فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} وفائدة الالتِفات التّنبيه وفيه تَعْلِيَةٌ للشأن مثل التّعبير بقوْله تَعالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} [غافر: 60]، لم يقل وقلت لكم أو أقول لكم، تعظيمًا لشأنه تَعالَى فيكون المُرَاد بِذَلِكَ تعظيم شأن هَؤُلاءِ الَّذِين أردوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا عَلَى مضاعفة الأجر والثّواب بخلاف الأولين.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: أن من بذل مالَه من أجل الحصول عَلَى أمر الدّنيا فإِنَّهُ لا أجْرَ لَهُ فِي ذَلِك تؤخذ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: {فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} وَهَذا عكس الأولين الَّذِين سبقوا فِي الآية السّابقة، الَّذِين أعطوا فِي الآية السّابقة يريدون وجه الله هَؤُلاءِ بالعكس يريدون الازدياد بما أعطوا.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: التّنبيه عَلَى أهمية الإِخْلاص لقوْلِه تَعالَى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} تؤخذ من قوله: {تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} .
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ مضاعفةَ الأعمال تكون بحسب الإِخْلاص لقوْلِه تَعالَى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} فقد رتب الله تَعالَى الأضعاف عَلَى إرادة وجه الله، وَعَلَى مَا قررنا فِي القاعدة قبل قليل يَكُون كل من كَانَ أخلص لله فعمله أكثرُ مضاعفةً، وَهَذا أمر لا شك فِيهِ، فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة منْهَا شرفُ الزَّمانِ، ومنها شرفُ المكانِ ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإِخْلاص، ومنها الاتِّباع، كل هَذِهِ الأسباب السّتة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزّمان كرمضان والعشر الأُوَلِ من ذي الحجة هَذَا لشرف الزّمان.
ومنها: المكان كالحرمين والأقصى فإِنَّهُ العمل فِيهَا أشرف من غيرها فالصّلاة فِي المساجد الثّلاثة أشرف من غيرها.
المضاعفة أيضًا بحسبِ العملِ، أي بحسب جِنس العملِ وليس بكثرتها، فالصّلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نَفْلِهِ وأشرفُ، والجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله ذُرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلَامِ
(1)
، وهكذا كما يتبين لنا كثيرًا.
ومنها: المضاعفَةُ بحسب الفاعل، كالصّحابة الَّذِين قَالَ فيهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم:"لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ "
(2)
، ويلحق بِهَذا العاملون فِي آخر الزّمان فِي أيام الصّبر الَّذِين يتمسكون بسنة الرَّسول صلى الله عليه وسلم
(1)
أخرجه الترمذي: أبواب الإِيمَان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم (2616)، وابن ماجه: كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم (3973).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذًا خليلًا"، رقم (3673)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، رقم (2541).
مَعَ تباعد النَّاس عنها، فإن هَؤُلاءِ يُضاعَف لهم الأجرُ وإن كانوا لا ينالون من مرتبة الصّحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب مَا يجدونه من الغرابة ومخالَفة النَّاس لهم؛ لأنهُ لا أحد يشك أن الإنسان الَّذي يعمل فِي محيط يعملون كما يعمل أن العمل يَكُون علَيْه هيِّن، بل مخالَفة النَّاس هِيَ الصّعبة، فعمل الإنسان فِي محيط لا يعملونه هَذَا هُوَ الصّعب والشّاق لا سِيَّما أن المعارضة ستكون عنيفة لأَنَّ هَذَا متمسك بطاعة الله والمخالَفون لَهُ عَلَى العكس، وأعنف صراع يَكُون بَيْنَ المتخالَفين هُوَ مَا يَكُون بَيْنَ المتمسكين بدين الله والمتحللين منه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "العَامِلُ فِي أيامِ الصَّبْرِ له أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ"
(1)
؟
قُلْنَا: المَعْنَى لَهُ أجر خمسين فِي هَذِهِ الخصلة الَّتِي عانى جِهَا وتعب، فأصل العمل مثلًا الصّدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر الأمثال موجودة فِي الصّحابة وموجودة فِي هَذَا الزّمن المتأخر لكِنَّهُ يضاعف ذَلِك فيكون أجر هَذَا مثل أجر خمسين من الصّحابة لما يجده من المعاناة، لكن الكمية الَّتِي تحصل للصحابة التي: لو أنفق أحدنا مثل أُحد ذهبًا مَا بلغ مد أحدهم ولا نصيفه
(2)
، هَذِه خاصة بهم، فعندنا ثواب عَلَى أصل العمل وثواب مضاعف بحسب العامل، فالَّذي فِي أصل العمل كالصّدقة مثلًا يَكُون لهؤُلاءِ المتأخرين أجر خمسين من عمل الصّحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنَّه وقع من الصّحابة رضي الله عنهم.
(1)
أخرجه أبو داود: كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، رقم (4341)، والترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم (3058)، وابن ماجه: كتاب الفتن، باب قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ، رقم (4014).
(2)
سبق تخريجه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يردُّ عَلَى هَذَا قولهم: منا أو منهم؟ قَالَ: "بَلْ مِنْكُمْ"؟
فالجوابُ: لا يردُّ عَلَى هَذَا لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًا بالنّسبة لأصل العمل، الصّحابي لولا الصّحبة لكان لَهُ أجر أصل العمل فَقَطْ، فبالصّحبة يزداد فيكون معنى قول الرَّسول صلى الله عليه وسلم:"أجر خمسين منكم"، يعني: باعتبار أصل العمل ويجب الرّجوع إِلَى هَذَا لأنهُ لا يمكن الجمع بينه وبين هَذَا الحديث إِلَّا عَلَى هَذَا الوجه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا قَالَ فِي الحديث أجر خمسين عاملًا ولم يقل أجر خمسين صحابيًا؟
قُلْنَا: لا نستطيع أن نقول لماذا لم يقل، والمَسْأَلة الآن مَسْأَلة جمع ولو كَانَ الأمر واضحًا مَا احتجنا أن نقول مَا وجه الجمع بَيْنَهُما، فما دامت المَسْأَلة مَسْأَلة جمع يحتاج أن ننظر أدنى دائرة يمكن أن تجمع بَيْنَ النّصين.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الصّحابة رضي الله عنهم يتفاضلون؟
فالجوابُ: معلوم أن الصحابة يتفاضلون، والرَّسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الصّحابة: يخاطب خَالِدَ بْنَ الوَليدِ فِي مقابلة سبِّه لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ من السّابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بَيْنَهُما مَسَابَّةٌ فقال له:"مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"
(1)
.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل لحَقَ خالدٌ رضي الله عنه بِهَذا الفضل؟
(1)
سبق تخريجه.
قُلْنَا: بالنّسبة لمن دونه يلحق لا شك لكن بالنّسبة لمن فوقه ظاهر الحديث أنه لا يلحق وَلِهَذا قالَ الله تَعالَى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى} [الحديد: 10].
والخامس: بحسب الإِخْلاص كما فِي هذه الآية فكلما كَانَ الإنسان أخلصَ ولو كَانَ العمل واحدًا كَانَ عملُه أشرفَ من الآخر؛ وَلهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة وخرجا ودخلا جَمِيعًا فِي الحج أو فِي العمرة ورجعا جميعًا عَلَى السّيارة وأفعالُهما واحدة وأقوالُهما واحدة، وبَيْنَهُما تفاوت أكثر مَا بَيْنَ المشرق والمغرب بحسب الإِخْلاص لله.
والسّادس: بحسب الاتِّباع وَلهذا أخبر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أنَّ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا"
(1)
؛ لأنَّهَا حصلت عَلَى وجه المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
هذه الأسباب فِي الشّرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعمالِه وأن يتحقق بما يستطيع من هذه الأسباب.
* * *
(1)
أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم (527)، ومسلم: كتاب الإِيمَان، باب بيان كون الإِيمَان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم (85).