المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (45) * * *   * قال اللهُ عز وجل {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ - تفسير العثيمين: الروم

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ ‌الآية (45) * * *   * قال اللهُ عز وجل {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ

‌الآية (45)

* * *

* قال اللهُ عز وجل {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)} [الروم: 45].

قوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ} ، قال المُفَسِّر رحمه الله:[مُتَعَلّقٌ ب {يُصَدَّعُونَ}]، دَائِمًا نرى العلَماء إِذَا جاء ظرف أو جار ومجرور يقُولونَ متعلِّق بكذا.

فما معنى قولهم مُتَعلِّق؟

يعني أن هَذَا هُوَ الَّذي عمل فِيهِ لأَنَّ الجارَّ والمجرورَ والظَّرْفَ بمنزلة المفعول به، والمفعول بِهِ لا بُدَّ لَهُ من عامل يعمل به، فإذا قِيلَ:(متعلق بكذا) يعني أن هَذَا هُوَ الَّذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بُدَّ لَهُ من متعلق، قَالَ الناظمُ رحمه الله

(1)

:

لابُدَّ للجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ

بِفْعِلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوَ مُرْتَقِي

فيكون معنى قوله: [متعلق ب {يُصَدَّعُونَ} ، أن العامل فِي كلمة {لِيَجْزِيَ} قوْله تَعالَى:{يُصَدَّعُونَ} وَهَذا رأي المُفَسِّر، ويحتمل أنْ يكُونَ مُتَعَلّقًا بقوله {يَأْتِيَ} في:{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} .

قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لأَنَّ التَّصدُّعَ فِي الحقيقة هُوَ

(1)

نظم قواعد الإعراب للجواد بنُ شبيب بنُ حية.

ص: 278

نفس الجزاء، فكيف يَكُون الشَّيء علة لنفسه؟ ! هَذَا مَا يبعد كلام المُفَسِّر رحمه الله، لكن إِذَا قيل يأتي هَذَا اليوم لأجل المجازاة صَارَ المَعْنَى مستقيمًا وواضحًا.

فإذا قُلْنَا: إن هَذِهِ اللام فِي قوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ} - لأَنَّ اللام حرف جر - متعلقة ب {يَأْتِيَ} فَهُوَ أوضح من قولنا أنَّها متعلقة بـ {يُصَدَّعُونَ} ؛ لأَنَّ نفس التَّصَدُّعَ والتّفريق إِلَى الجنَّةَ وإلى النّار هُوَ نفس الجزاء.

وقال بعض المعربين إنَّه خبر لمبتدأ محذوف، فَهُوَ متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوفٍ، والتّقدير ذَلِك ليجزي والمشار إِلَيْهِ مَا سبق، وَهَذا أيضًا وجيه جدًّا أن يُجعل متعلقًا بمحذوفٍ خبرًا لمبتدأ محذوفٍ.

قُلْنَا: إن اللام فِي قوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ} حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إِلَّا عَلَى الأسماء، ومن علامات الاسم الجر، ومن أسبابه دخول حرف الجر علَيْه، صاحب الأجروميَّة يقولُ

(1)

: (الاسْمُ يُعْرَفُ بِالخَفْضِ، وَالتَّنْوِينِ، وَدُخُولِ الأَلِفِ وَاللَّامِ، وَحُرُوف الخَفْضِ

)، فكيف صحَّ أن نقول إن اللام فِي قوْله تَعالَى:{لِيَجْزِيَ} حرف جر مَعَ أنَّها داخلة عَلَى فعل؟

فنَقُول: لأَنَّ هَذَا الفعل بمنزلة الاسم، إذ إِنَّه فعل مُقَدَّرٌ فِيهِ (أَنْ) لأَنَّ التّقدير لأَنْ يجزيَ، و (أنْ) مصدرية تحول الفعل إِلَى مصدر، والمصدر اسم، وعليه فيكون المَعْنَى لجزاء الَّذِين آمنوا وعملوا الصّالحات إِلَى آخره، فإذا دخلت اللام: لام التّعليل عَلَى الفعل، فإِنَّهُ يقدر بينها وبين الفعل أن المصدرية، والتّقدير: لأَنَّ يجزي فالفعل منصوب بـ (أن) مضمرة بعد اللام، واللام جارة لما بعدها باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا، فهي نفسها حرف جر وَهِيَ نفسها لام التّعليل الَّتِي يُنْصَب الفعل المضارع

(1)

متن الآجرومية لابن آجروم الصنهاجي (ص: 5)، ط. دار الصميعي.

ص: 279

بـ (أن) بعدها عَلَى رأي البصريين، فاللام واحدة ولام التّعليل كما تدخل عَلَى الأفعال تدخل عَلَى الأسماء، فلو قلت:(جئت لإكْرَامِكَ) فهي لام التّعليل، وتقول:(جئت لأُكْرِمَكَ) هِيَ لام التعليل.

وقوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} الفاعل: فاعل الجزاء هُوَ الله سبحانه وتعالى وَهُوَ ضمير مستتر يعود عليه.

وقوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} الجزاء بمعنى المكافأة يعني ليكافئهم {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [يُثيبَهُمْ]، هَذَا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة والثّواب هُوَ المكافأة وسمي ثوابًا لأنهُ من ثاب يثوب إِذَا رجع لأنَّه يرجع إِلَى الإنسان جزاء عمله.

وقوْله تَعالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} انتبه لهذين الشّرطين، إيمان، وعمل صالح، فالإيمان وحده لا يكفي، والعمل الصّالِح وحده لا يكفي، هَذَا إِذَا قُرن الإيمانُ بالعمل، أمَّا إِذَا قِيلَ: عمل صالِح يكفي، أو إيمان يدخل فِيهِ العمل، والإيمان يَكُون بالقلب، فمن لا إيمان فِي قلبه لو عمل من الصّالحِات مهما عمل لم ينفعه، والمنافق يذكر الله ويصلي وينفق وربما يخرج فِي الجهاد ولا ينفعه عمله، لَأنَّهُ لا إيمان فِي قلبه، الإنسان الَّذي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكِنَّهُ لم يعمل عملًا صالِحًا يمكن أن يُجزى إِلا فِي واحدة فقط وَهِيَ الصّلاة، فإِنَهُ إِذَا لم يعملْها لا ينفعه إيمان لأنَّهُ قد دلت الأدلة عَلَى أن هَذَا العمل وإن كَانَ عملًا بدنيا لكِنَّهُ يَكْفُرُ الإنسان بتركه كفرًا مخرجًا عن الملة، أمَّا غير الصّلاة من الأعمال فقد قَالَ عَبْدُ الله بْنُ شَقِيقٍ:"كَانَ أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصّلاةَ"

(1)

، يعني لو لم يُزكِّ

(1)

أخرجه التِّرمِذي: أَبواب الإِيمَان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (2622).

ص: 280

فإنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، لو لم يَصُمْ فإِنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، لو لم يَحُجَّ فإنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، هَذَا هُوَ الصّحيح، وعن الإِمَام أحمد رواية أن جميع أركان الإسْلام إِذَا تركها الإنسان متهاونًا فَهُوَ كافر، فإذا لم يُزَكِّ فَهُوَ كافر، إِذَا لم يَصُمْ فَهُوَ كافر، إِذَا لم يَحُجَّ فَهُوَ كافر، يقول: لأَنَّ الرُّكنَ علَيْه الاعتماد، ركن الشّيء علَيْه اعتماد الشّيء، فإذا لم يوجد الرّكن مَا قَامَ الشّيء، وَهَذا لا شك أن لَهُ وجهًا لكن الأدلة تمنع من القول بِهَذا، فإن حديث أبي هريرة الصّحيح فيمن لا يؤدي زكاته، ذكر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عقوبته ثمَّ قَالَ:"ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"

(1)

، فَهَذَا يدلُّ عَلَى أنَّه لا يكفر بمنع الزّكاة، وجهه لأنهُ لو كفر بِذَلِكَ مَا كَانَ لَهُ سبيل إِلَى الجنَّةَ، وَهَذا واضح، فإذا لم يكفر بترك الزّكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسْلام الَّتِي دون الزّكاة أنَّها دونها فالصِّيام دون الزّكاة والحج دون الزَّكاة.

فَإِنْ قَالَ قَائِل: مَا تَقُولُونَ فِي قوْله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 97]، فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غنيٌّ عن العالمين؟

فالجوابُ: إن المُرَاد بالكفر هُنَا سوى الكفر الأكبر يعني كفر دون كفر، وَلِهَذا لم يقل ومن لم يحج فَهُوَ الكافر، أو وتَرْكُ الحج هُوَ الكفر كما قَالَ فِي الصّلاة، و (كَفَرَ) فِعْلٌ، والفعل يدل عَلَى الإطلاق ولا يدل عن العُمُوم، فَهَذَا الجواب عن هَذِهِ الآية، والَّذِين قَالُوا إِنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية، وأما قول عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا"

(2)

، هَذَا يُقَال من باب

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الزية، باب إثم مانع الزكاة، رقم (987).

(2)

أخرجه التِّرمِذي: أَبواب الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج، رقم (812).

ص: 281

التّهديد أو أن هَذَا رأي لَهُ، وَهَذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأَنَّ فِي الحديث مقالًا، لكن إن صح فَهُوَ يُحمل عَلَى أن المُرَاد أن هَذَا من باب التّحذير أو أنَّه رأي لَهُ كما رآه غيره من أهل العلم.

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: حديثُ مَنْ لَمْ يَغْزُ ولَمْ يحدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً

(1)

. كَيْفَ نُجِيبُ عَلَى هَذَا الحديث؟

قُلْنَا: لا يمنع أن الإنسان يموت ميتة جاهلية لأنَّهُ فعل فعلًا من أفعال الجاهلية حيْثُ لم يَقُمْ بواجب الجهاد.

من فوائد الآية الكريمة:

الفائِدَةُ الأولَى: إثْبَاتُ العِلَلِ فِي أفعال الله لقوْلِه تَعالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} وقد انقسم النَّاس فِي هَذَا إِلَى ثلاثة أقسام:

* قسم: أنكروا العلل فِي أفعال الله وفي شرعه وقَالُوا إِنَّه سبحانه وتعالى يفعل مَا يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة كالجبرية.

* وقسم آخر: أثبتوا العلل فِي أفعال الله وقَالُوا إن الله تَعالَى لا يفعل إِلَّا لحكمة ولا يشرع إِلَّا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقَالُوا يجب علَيْه أن يفعل كذا لكذا، وهَؤُلاءِ المعتزلة.

* وقسم ثالِث: توسطوا وقَالُوا أفعال الله تَعالَى لحكمة وشرائعه لحكمة لكن ليست هَذِهِ الحكمة موجبة بل الَّذي أوجب عَلَى نفسه الحكمة هُوَ الله، والحكمة من

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب ذم من مات، ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، رقم (1910)، ولفظه:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يحدّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ".

ص: 282

مقتضى اسمه الحكيم فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا هُوَ الَّذي أوجبها عَلَى نفسه وَهَذا القول هُوَ الصّحيح وَإِذَا قلنا بِهِ فإننا لا يمكن أن نعترض عَلَى أي حكم من أحكام الله كونيا كَانَ أم قدريا لأننا نعلم أن الَّذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم هُوَ الله لا نحن فلا نقول: إن الله يجب علَيْه فعل الأصلح ولا فعل الصّلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته وَهَذا القول هُوَ الحق.

إِذَنْ: نأخذ مِنْهُ أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.

الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن الجزاءَ لَيْسَ واجبًا عَلَى الله لقوْلِه تَعالَى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ} لكِنَّهُ أوجبه عَلَى نفسه لقوْلِه تَعالَى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] أوجبه هُوَ سبحانه وتعالى عَلَى نفسه وَلِهَذا قَالَ الشّاعر

(1)

:

مَا لِلْعِبَادِ علَيْهِ حَقٌّ وَاجِب .. كَلَّا وَلا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ

إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا

فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ الوَاسِعُ

وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكِنَّهُ علل فقال

(2)

:

مَا لِلْعِبَادِ علَيْهِ حَقٌّ وَاجِب

هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ

إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا

فَبِفَضْلِهِ وَالفَضْلُ لِلْمَنَّانِ

فقيد المطلق فِي البيتين السّابقين أنَّه هُوَ الَّذي أوجب ذَلِك تَفَضُّلًا مِنْهُ عز وجل.

(1)

بدائع الفوائد (2/ 162).

(2)

الكافية الشافية لابن القيم (ص: 208، 209)، ط. مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

ص: 283

الفائِدَةُ الثَّالثةُ: إثْبَات المحبة لله تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: {لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} لكن هَذَا نفي كَيْفَ نأخذ مِنْهُ الإثْبَات؟

لأَنَّهُ إِذَا انتفى محبته عن الكَافِرِينَ لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن، لم يكن فرق بَيْنَ المؤْمِنينَ وبين الكَافِرِينَ، لو كانت المحبة منتفية فِي هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَا كَانَ بينهم فرق، وَلِهَذا استدل أهل العِلْم عَلَى إثْبَات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوْله تَعالَى:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: 15]، قَالُوا: فلما حجب هَؤُلاءِ فِي حال السّخط دل عَلَى أَنه لا يحجب الآخرون فِي مقام الرّضا.

إِذَنْ: نأخذ من هَذِهِ الآيَة إثْبَات المحبة وَهِيَ كما سبق الكلام علَيْه صفة ثابتة لله عَلَى وجه الحقيقة وليست بمعنى الثّواب ولا إرادة الثّواب، وإِنَّمَا ذَلِك من لازمها ومقتضاها إِذَا أحب قومًا أثابهم ولا يثيبهم إِلَّا بإرادة {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].

الفائِدَةُ الرابعةُ: الحث عَلَى الإِيمَان والعمل الصّالِح، الله جَلَّ وَعَلَا مَا قَالَ آمِنُوا واعْمَلُوا، لكنْ ذِكْرُ الجزاءِ يستلزم الحث عَلَى الفعل، وَهَذا أحد الطّرق الَّتِي يُستدل بِهَا عَلَى أن الشّيء مأمور بِهِ، لا تظن أن الشّيء المأمور بِهِ هُوَ مَا جاء بصيغة الشّيء افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد التّرغيب فِي شيء فَهُوَ مأمور به.

الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذم الكفر يؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: {لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فإذا نفى الله المحبة عن هَؤُلاءِ فإِنَّهُ يقتضي ذم عملهم.

الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أن الحكم إِذَا علق بمشتق - وهذه فائدة أُصُوليَّة - فَهُوَ دليل عَلَى أن ذَلِك المشتق هُوَ علة فِي الحكم، مثلَا قوْله تَعالَى:{لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فالعلة هُنَا كفرهم، أي أن الحكم بعدم حبهم عُلق عَلَى وصفِ هُوَ كفرهم.

ص: 284

إِذَنْ: فالكفر علة انتفاء المحبة.

وكما لو قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} [الصف: 4] فالعلة فِي المحبة هِيَ القتال فِي سبيله صفًّا.

وهكذا كُلُّ حُكْمِ معلَّق بمشتق فإنَهُ يدل عَلَى عِلِّية ذَلِك الشَّيء.

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: اعتبار اللازم بمعنى أَنَّه اِذَا لزم من الشَّيء كذا وكذا فإنَّهُ يثبت هَذَا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحِظ فِي المؤمِنينَ قَالَ:{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مَا قَالَ إنَّه يحب أو لا يحب الكَافِرِينَ قَالَ: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ} فالمقابل: أنَّه لا يحب الكَافِرِينَ، فالَّذي يلزم مِنْهُ ألا يجزيَهم من فضله وإنَّمَا يعاملهم بعدله، فعقاب الكَافِرِينَ مأخوذ من لازم انتفاء المحبة.

ودلالة التَّلازم هَذِهِ مفيدة جدًّا لطالب العلم، ومعناها أنَّه يلزم من كذا وكذا، كذا وكذا، لكن لا بُدَّ من شرطين:

الشّرط الأول: أنْ يكُونَ اللازم صحيحًا، فإن كَانَ اللازم فاسدًا فإنَّهُ لَيْسَ بلازم حتَّى لو ادعى الإنسان أنَّه لازم فليس بلازم.

الشّرط الثّاني: أنْ يكُونَ ذَلِك فِي كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما الشرط الأول - أنْ يكُونَ التلازم صحيحًا - فإننا نحترز بِهِ عما إِذَا كَانَ التلازم غير صحيح، مثلَا أهل التعطيل الَّذِين أنكروا الصّفات أو بعضها، شُبْهَتُهُمْ فِي الإنكار قَالُوا إنَّه يلزم التَّمثيل، لكن هَذَا اللازم لَيْسَ بصحيح؛ ولذلك لا نقول إنَّه يلزم من إثْبَات الصِّفات التَّمثيل لأَنَّهُ لَيْسَ بلازم.

في كلام الله وكلام رسوله إِذَا كَانَ اللازم صحيحًا فَهُوَ حق ويكون النَّص دالًّا

ص: 285

علَيْه، لكن فِي كلام غيره لا يَكُون اللازم قولا لصاحب القول الملزوم، وَلِهَذا العلَماء عِنْدَهُم ترجمة فِي هَذِهِ المسألة:(هلْ لازِمُ القَوْلِ قَوْلٌ أَوْ لَيْسَ بِقَوْلٍ؟ ) فمنهم من قَالَ إن لازم القول لَيْسَ بقول، ومنهم من قَالَ إن لازم القول قول.

والصّحيح أن لازم القول فِي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قول لكن بشرط أنْ يكُونَ اللازمُ صحيحًا، ويكون قولًا لأَنَّ الله عز وجل يعلم مَا يترتب عَلَى كلامه من اللوازم وَإِذَا لم ينفها الله دل ذَلِك عَلَى ثبوتها، لكن الإنسان البشر لا يعلم دوما مَا يلزم عَلَى قوله، فأحيانًا يقول الإنسان قولا يظنه صوابًا ويكون هَذَا القول يلزم مِنْهُ لزوما صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة لو نبَّهَ القائل لها لرجع عن قوله؛ فلذلك نقول إن لازم القول فِي غير كتاب الله وسنة رسوله لَيْسَ بقول، صحيح أنَّه يستدل بِهِ عَلَى بطلان القول لكن مَا يُقَال إنَّه قول فلان.

فالحاصِلُ فِي هَذِهِ المسألة: أنَّه ينبغي التّنبه لها، وَإنَّمَا نقول بِذَلِكَ لأَنَّ الإنسانَ بشرٌ لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصّحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نرى كثيرًا مَا يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء فِي أولاده ثمَّ إِذَا فعلوه علم أنَّه يستلزم مفسدة فيرجع عنه، هَذَا اللازم هل كَانَ عالمًا بِهِ من قبل؟ لو كَانَ عالمًا مَا أمرهم، وكثيرًا مَا ينهاهم عن شيء ثمَّ إِذَا تركوه رأى فِي ذَلِك مفسدة يعني استلزم مفسدة مَا كَانَ يعلم بِهَا حين النّهي فتجده يرجع، فلازم القول فِي كتاب الله وسنة رسوله قول لكن بشرط أنْ يكُونَ التّلازم صحيحًا، أمَّا فِي غيره فليس كَذَلِكَ، لَيْسَ بقول.

* * *

ص: 286