الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (10)
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10].
* * *
{مَنْ} هنا شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ فيها ظاهِرٌ؛ يعني: يقول: أيُّ إِنْسَانٍ يريدُ العِزَّة فلِلَّهِ العِزَّةُ جميعًا {مَنْ كَانَ} لكنَّها عامَّة؛ لأنَّ أَسْماءَ الإسْتِفْهامِ وأَسْماءَ الشَّرْطِ والأَسْماءَ الموصولَةَ كُلَّها تُفيدُ العُمُومَ؛ يعني: أيُّ أَحَدٍ يريد العِزَّةَ؛ أي: يَطْلُبُها ويَحْرِص عليها، والعِزَّةُ هي الغَلَبَة والمَنَعَة وقهر الأَعْداءِ.
{فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} أي: فَلْيَطْلُبْها منه، فما دامت العِزَّةُ له مِلْكًا وتَصَرُّفًا فإنَّها لا تُطْلَب إلا منه؛ كما لو قُلْتَ:(من كان يريدُ المالَ فالمالُ عند زَيْدٍ) المَعْنى: فَلْيَطْلُبِ المالَ من زيدٍ، والمَعْنى هنا: من كان يريد العِزَّةَ فلْيَطْلُبِ العِزَّةَ من الله لا من غَيْرِهِ، هذا يُرادُ به الرَّدُّ على أولئك الذين يَعْبُدون الأَصنامَ لأجل أن يتَّخِذوا منها العِزَّة، ففي هذه الآيَة إشارَةٌ إلى أنَّه لا عِزَّة لهذه الأَصْنَام:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81].
الجواب: {كَلَّا} [مريم: 82] لن يكونوا لهم عِزًّا، بل بالعَكْس، سيُذِلُّونَهم في موقعٍ هم أَحْوَجُ ما يكونوا إلى العِزَّة {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا}
[مريم: 82] فأين العِزَّةُ في هذه الأصْنامِ أو في هذه الآلِهَة التي اتَّخَذوها من دون الله؟
وردت العِزَّةُ في آياتٍ كثيرةٍ من القُرْآن، ورَدَتْ في آيَةٍ أخرى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المُنافِقون: 8] ولا منافاة بينها وبين هذه الآيَة، فإنَّ العِزَّة لله أَصْلًا، ولرَسُولِهِ من الله، وللمُؤْمِنين من الله، وحينئذٍ فالعِزَّةُ كلُّها لله كما قال الله تعالى في سورة (آل عمران):{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] فكُلُّ من عنده عِزَّة فإنَّها ليست عِزَّةً ذاتِيَّةً له من ذاتِ نَفْسِه، ولكنها من الله عز وجل، وبماذا تكون العِزَّة التي يَكْتَسِبُها الإِنْسَان وهي من الله؟
تكون بما علَّق الله العِزَّة عليه وهي الإيمانُ {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المُنافِقون: 8] فمتى أراد الإِنْسَانُ العِزَّة فليكن مُؤْمِنًا، وكُلُّ ما كان أكْثَرَ إيمانًا بالله وأقوى إيمانًا بالله كان أكثر عِزَّةً وأقوى عِزَّةً.
ولهذا قال عمر رضي الله عنه: "إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلَامِ فَلَنْ نَبْتَغِيَ العِزَّة بِغَيْرِهِ"
(1)
بسواه، أذَلَّنا الله، وصدق رضي الله عنه؛ فالعَرَبُ لما كانوا عربًا ليس عندهم إِسْلامٌ كانوا أذِلَّةً فُقَراءَ يَذْهبونَ إلى اليَمَنِ في الشِّتاء ليأتوا بالسِّلَعِ منه، ويَذْهبونَ إلى الشَّامِ في الصَّيْف ليأتوا بالسِّلَع منه، فهم فُقَرَاءُ يَأْكُلون من غَيْرهم، لكِنْ لما آمَنُوا صاروا هم الأَغْنِياء، وصارت كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ تأتي إلى المدينة لتُنْفَقَ عليهم من المدينة.
إذن: نحن مهما أردنا العِزَّة لن نَسْتَعِزَّ إلا بالإِسْلام، لن يكون أعداءُ الله سببًا لعِزِّنا أبدًا، بل إنَّ تَوَلِّيَنا إياهم وموالاتِنا لهم سببٌ للذُّلِّ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (18/ 320)، والحاكم في المستدرك (1/ 62).
لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].
وإذا تَتَبَّعْتَ الواقِعَ وَجَدْتَه شاهدًا لِقَوْلِ الله تعالى هذا، وأنَّ أعداء المُسْلِمين لا يُمْكِن أبدًا أن يَسْعَوْا في إعزازِ المُسْلِمينَ، بل يَسْعَوْنَ بكلِّ جُهْدِهم إلى إذلالِ المُؤْمِنين وخِذْلانِهِم، لكنهم يَمْكُرونَ، ويُخادِعونَ، ويَسْخرونَ، ويَسْتَهْزئون؛ لينالوا مآرِبَهم، ويضربوا النَّاسَ بَعْضَهُم ببعض.
فالحاصِلُ: أنَّه إذا كانت العِزَّة لله فمن أين نَطْلُبُها؟
الجواب: من الله، لا من غَيْره.
قَوْله تعالى: {جَمِيعًا} حالٌ من العِزَّة التي هي المُبْتَدَأ المؤَخَّرُ، وفي قَوْله تعالى:{فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} فيها حَصْرُ العِزَّة لله عز وجل، ووَجْهُه: تقديمُ الخَبَر؛ لأن تقديم الخَبَرِ يُفيدُ الحَصْر.
إذن: تقديمُ الخَبَر يفيد الحَصْرَ؛ لأنَّ لدينا قاعِدَةً سبقت: وهي أن تقديم ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْرَ.
وَقَوْله تعالى: {جَمِيعًا} يراد به عُمومُ الأَنْواعِ وعُمُومُ الأَزْمانِ وعُمُومُ الأَمْكِنَة. عموم الأَنْواعِ هي: عِزَّةُ القَدْر، والقَهْر، والإمْتِناعِ.
والأَزْمان؛ أي: الدُّنْيا والآخِرَة.
والمكان: في مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} أي: في الدُّنْيا والآخِرَة فلا تُنالُ منه - أي: فلا تُنالُ العِزَّةُ من الله - إلا بطاعَتِه، فَلْيُطِعْه] أي: فَلْيُطِعْه
من كان يريد العِزَّةَ، أو (فَلْنُطِعْهُ) بالنون.
أفاد المُفَسِّر رحمه الله أنَّ جوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْله:[فَلْيُطِعْهُ]، ولكن الصَّوابَ أنَّ التَّقْدير:(فَلْيَطْلُبْها من الله)، (من كان يريدُ العِزَّة فلِلَّهِ العِزَّة جميعًا فَلْيَطْلُبْها منه) ويَشْمَلُ الطَّلَبَ بلِسانِ الحالِ وبِلِسانِ المَقالِ.
أما على رأي المُفَسِّر رحمه الله فإنَّ الطَّلَبَ يَخْتَصُّ بلسانِ الحال فقط، فالصَّوابُ إذن أنَّ جوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، تَقْديره:(فَلْيَطْلُبْها منه) لِيَشْمَل ذلك طَلَبَ الحالِ وطَلَبَ المقالِ، فطَلَبُ المقالِ أن تقول:(اللَّهُمَّ أَعِزَّني)، (اللَّهُمَّ اجعل لي العِزَّةَ على عَدُوِّي) وهكذا، وطَلَبُ الحال: أن تقومَ بطاعَةِ الله بل بطاعَةِ الله مع تَحْقِيق الإيمان؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المُنافِقون: 8].
وقد ذُكِرَت العِزَّة في مواضِعَ كثيرةٍ من القُرْآن، ومنها قَوْله تعالى:{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المُنافِقون: 8]، وَقَوْله تعالى:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].
قَوْله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} : {إِلَيْهِ} جارٌّ ومَجْرورٌ مُقَدَّمٌ على عامِلِهِ وهو {يَصْعَدُ} والضَّميرُ في {إِلَيْهِ} يعود إلى الله عز وجل، لمَّا ذكر أنَّ العِزَّةَ لله جميعًا بيَّنَ سبحانه وتعالى ما يكون من أَسْبَابِ العِزَّة، فقال:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} .
قَوْله تعالى: {يَصْعَدُ} أي: يَرْتَفِعُ ويَعْرُج الكَلِمُ الطَّيِّب.
يقول المُفَسِّر رحمه الله: [يَعْلَمُه] ففَسَّرَ صُعُودَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ بِعِلْمِ الله إياه، وهذا تحريفٌ للكَلِمِ عن مواضعه، بل المُرَادُ بالآيَة ظاهِرُها، أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ يصعد إلى
الله؛ يعني: يَعْرُج إلى الله عز وجل، لكن المُفَسِّر - غفر الله لنا وله - أراد أن يَبْعُدَ عن إثباتِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ، فقال:[يَعْلَمُه]، ولو كان المُرَاد العِلْمَ، لم يقل:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ} لأنَّ العِلْمَ لا يَلْزَمُ منه الصُّعُودُ، بل قد يكون العالِمُ بالشَّيْء أَنْزَلَ من الشَّيْءِ؛ كما لو كُنْتَ في أَسْفَلِ البِئْرِ وأنت تعلم ما فوق.
على كلِّ حالٍ: هذه هَفْوَةٌ من المُفَسِّر رحمه الله، نسأل الله أن يَعْفُوَ عنه.
ونقول: إلى الله يَصْعَدُ؛ أي: يرتَفِعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ؛ لأنَّ الله عز وجل في العُلُوِّ، وأدِلَّةُ العُلُوِّ قد بُيِّنَتْ في العقائِدِ، وأنَّها خَمْسَةُ أَنْواعٍ: الكِتَاب، والسُّنَّة، والإجْماع، والعَقْل، والفِطْرَة؛ كُلُّها مُتَّفِقَة على عُلُوِّ الله سبحانه وتعالى بذاتِهِ، وفي كِتَاب (الإقناع)
(1)
أنَّ شَيْخَ الإِسْلامِ رحمه الله يقول: من زَعَمَ أنَّ الله تعالى معنا بذاتِهِ في المكانِ فهو كافرٌ.
وَقَوْله تعالى: {الْكَلِمُ} اسْم، جَمْع (كَلِمَة)، فهو دالٌّ على الجمع، وما المُرَاد بالكَلِمِ الطَّيِّبِ؟
الكَلِمُ الطَّيِّب هو كلُّ كَلِمٍ يُقَرِّبُ إلى الله عز وجل، فـ (لا إله إلا الله) من الكَلِم الطَّيِّب، وسبحان الله، والحَمْد لله، والله أكبر، كُلُّها من الكَلِم الطَّيِّب، والقُرْآنُ من الكَلِم الطَّيِّب، والأَمْرُ بالمعروف والنَّهْيُ عن المُنْكَر من الكَلِم الطَّيِّب، وقِراءَةُ العِلْم من الكَلِم الطَّيِّب، وكُلُّ قَوْلٍ يُقَرِّب إلى الله فهو من الكَلِمِ الطَّيِّب.
والكَلِمُ الطَّيِّبُ يقابله نوعان من الكَلَام: كَلِمٌ رَدِيءٌ خَبيثٌ، وكَلِمٌ لا هذا ولا هذا، لا يُوصَفُ بأنَّه طَيِّب ولا يوصف بأنَّه خبيثٌ.
أمَّا الكَلِمُ الخَبيثُ فككَلِمَةُ الكُفْرِ والسَّبِّ والشَّتْمِ واللَّعْن لمن لا يَحِلُّ سَبُّه
(1)
الإقناع (4/ 298).
ولا شَتْمُه ولا لَعْنُه.
وأمَّا الكَلِمُ الذي لا هذا ولا هذا، فهو أكْثَرُ كَلَامِ النَّاسِ.
والصِّنْفانِ جميعًا لا يُرْفعانِ إلى الله؛ أمَّا الأَوَّل فِلأنَّه خَبيثٌ، و"اللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلا طَيِّبًا"
(1)
، وأمَّا الثاني فِلأَنَّه لم يُقْصَدْ به الله عز وجل حتى يُرْفَعَ إلى الله، وهذا الثاني - أعني: الذي ليس هذا ولا هذا - قد يكون طَيِّبًا لا لِذَاتِهِ ولكن لِغَيْرِه؛ لمِا يُوصِلُ إليه من المقاصِدِ الحَسَنَةِ، فإنَّ الإِنْسَانَ قد يَتَحَدَّثُ إلى شخص كَلَامًا ليس هو خَيْرًا في نفسه لكن يَقْصِد به التَّأْليفَ لهذا الرَّجُل وإدخالَ الأُنْسِ عليه والسُّرور، فيكون هذا الكَلَامُ الذي هو لَغْوٌ في نَفْسِه يكونُ مَحْمودًا لمِا قُصِد به، كما أنَّ هذا الكَلَامَ الذي هو لَغْوٌ في نفسه إذا قُصِدَ به الإساءَةُ إلى من لا تَحِلُّ الإساءَةُ إليه صار كَلَامًا خَبيثًا لِغَيْرِه أي: لمِا قُصِدَ به.
وعلى كلٍّ: فالكَلِمُ الطَّيِّبُ لِذاتِهِ أو لِغَيْرِه يَصْعَدُ إلى الله عز وجل.
فإن قُلْتَ: كيف يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّب والكَلِمُ ليس جِرْمًا؟ بل أصواتٌ تُسْمَعُ بِحَركاتٍ مُعَيَّنَةٍ في الفم واللِّسان والشَّفَة؟
فالجوابُ: أنَّ الله سبحانه وتعالى قادِرٌ على أن يَجْعَلَ المَعْقولَ شَيْئًا مَحْسوسًا؛ كما ثبت في الحديثِ الصَّحيحِ أنَّه "يُؤْتَى بِالمَوْتِ كهَيْئةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونِ وَيَنْظُرونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفوُنَ هَذَا، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ
…
"
(1)
.
وَقَوْله تعالى: {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} إنَّما جَمَعَهُ لِكَثْرَةِ أَنْواعِهِ، وكَثْرَةُ الأَنْواعِ تَدُلُّ على كَثْرَةِ الأَفْرادِ من بابِ أَوْلى، فالأَنْواعُ كثيرةٌ والأَفْرادُ في كلِّ نَوْعٍ كذلك كثيرَةٌ؛ فلهذا جَمَعَهُ.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} يَقْبَلُه] أفادنا المُفَسِّر رحمه الله بِقَوْله: [يَقْبَلُه] أنَّ الفاعِلَ في {يَرْفَعُهُ} يعودُ إلى الله، وأنَّ الهاءَ في {يَرْفَعُهُ} تعود إلى العَمَل الصَّالِحِ؛ يعني: والعَمَلُ الصَّالِحُ يَقْبَلُه الله، فكَوْنُ ضَميرِ الفاعِلِ يعود على (الله) وضَميرِ المَفْعولِ يَعودُ على (العَمَل) هذا لا نُناقِشُ المُفَسِّر رحمه الله فيه؛ لأنَّه مُحْتَمَلٌ، لكنَّنا نُناقِشُه في تَفْسيره الرَّفْعَ بالقَبُولِ، وكلُّ هذا فِرارًا من إثباتِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ، غفر الله له، بل نقول: مَعْنى {يَرْفَعُهُ} أي: يَرْفَعُ هذا العَمَل، من الرَّفْعِ الذي هو ضِدُّ النُّزُولِ، يَرْفَعُه إليه سبحانه وتعالى؛ لأنَّه فوق، وهذا التَّفْسيرُ في مَرْجِعِ الضَّمائِرِ الذي ذكره المُفَسِّر رحمه الله هو أَحَدُ التَّفاسِيرِ المَذْكورَةِ في هذه الآيَة.
التَّفْسير الثاني: (والعَمَلُ الصَّالِحُ يرفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ) فجَعَلَ ضَميرَ الفاعِلِ يعودُ على {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وجعل الهاءَ تعود على {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ} فيكون العَمَل الصَّالِحُ مَرْفُوعًا بالكَلِمِ الطَّيِّبِ، واحْتَجَّ هؤلاء بأنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لا يُقْبَلُ إلا بالإِسْلام، وهو الكَلِمُ الطَّيِّبُ الذي هو (لا إله إلا الله)، فإنَّ الإِنْسَانَ لو عَمِلَ من العَمَلِ الصَّالِحِ الشَّيْءَ الكَثيرَ لكنه غَيْرُ مُسْلِمٍ لا يَرْتَفِعُ هذا العَمَل، فلا يَرْفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ إلا الكَلِمُ الطَّيِّبُ.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (6548)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم (2850)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
والقَوْل الثالثُ: بالعَكْس، يقول:(والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ) فيكونُ الفاعِلُ في {يَرْفَعُهُ} العَمَلُ الصَّالِحِ، والمفعولُ {الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} عكس الذي قبله، ما وَجْهُ ذلك؟
يقول: العَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ؛ لأنَّ الكَلِمَ الطَّيِّب بدون عمل لا ينفع صاحبه فلا بُدَّ في الكَلِم الطَّيِّبِ من عملٍ صَالِح يرفع ذلك القَوْلَ الطَّيِّبَ.
والأَقْرَبُ - والله أعلم - أنَّ ما ذهب إليه المُفَسِّر رحمه الله هو الصَّوابُ؛ أي: إِنَّ الله يَرْفَعُ العَمَلَ الصَّالِحَ؛ كما أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّب يَصْعَدُ إلى الله، فإذا صَعِدَ الكَلِمُ الطَّيِّب إلى الله امْتَنَّ الله على هذا المُتَكَلِّم بأنْ رَفَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ الذي يَعْمَلُه، إلا أنَّنا لا نُوافِقُ المُفَسِّر رحمه الله في تَفْسيرِ الرَّفْعِ بالقَبولِ، نُوافِقُه على مَرْجعِ الضَّمائِرِ، لكنْ لا نُوافِقُه على تَفْسيرِ الرَّفْعِ بالقَبُولِ.
وحينئذٍ نقول: والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه الله عز وجل، فيكونُ الله عز وجل في هذه الآيَة - ذَكَرَ القَوْلَ والعَمَل، فذَكَرَ أنَّ القَوْل يَصْعَدُ وأنَّ العَمَل يُرْفَعُ؛ لأنَّ رَفْعَ العَمَلِ كالجَزاءِ على الكَلِمِ الطَّيِّبِ، فإذا تكَلَّمَ الإِنْسَانُ بالكَلِمَةِ الطَّيِّبةِ فصَعِدَت إلى الله عز وجل قَبِلها، ثم رَفَعَ العَمَلَ الصَّالِحَ.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ} المَكَراتِ {السَّيِّئَاتِ} بالنَّبِيِّ في دار النَّدْوَةِ من تَقْييدِهِ أو قَتْلِهِ أو إِخْراجِهِ كما ذُكِرَ في الأنفال {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} يَهْلِك].
الواو للإسْتِئْنافِ، و {وَالَّذِينَ} مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَة {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} خبر المُبْتَدَأ.
وَقَوْله تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} فيه نوعٌ من الإِشكالِ؛ لأنَّ السِّيِّئاتِ لا تُمْكَرُ، وإنَّما يُمْكَرُ بها؛ يعني: يُمْكَرُ بِسَبَبِ السَّيِّئات، فلماذا تعدى الفِعْلُ إليها؟
أفادنا المُفَسِّر رحمه الله أنَّ السَّيِّئاتِ صِفَةٌ لمِصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْديرُ:(المَكَرَات السَّيِّئاتِ) فيكونُ الوَصفُ هنا للفِعْلِ لا لمِا حَصَلَ به المَكْرُ؛ لأنَّ فِعْلَهم نَفْسَه مَكْرٌ سَيِّئٌ، كما قال الله تعالى:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه} [فاطر: 43]، وسَمَّى الله عز وجل السَّيِّئاتِ مَكْرًا؛ لأنَّ الإِنْسَانَ في الواقِع يَخْدَعُ نَفْسَه بها، ويَخْدَع غَيْره بها، فيُمَنِّي نَفْسَه التَّوْبَة وأنَّه سيتوب، أو يُمَنِّي نَفْسَه سَعَةَ حِلْمِ الله ومَغْفِرَتِه وأنَّ الله واسِعُ الحِلْم والمَغْفِرَة والرَّحْمَةِ، فلن يؤاخِذَه بهذه العُقُوبَةِ، فتَمَنِّي الإِنْسَانِ في هذا الباب من وَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأَوَّلُ: أنَّه يُمَنِّي نَفْسَه التَّوْبَة، وما يُدْريهِ فَلَعَلَّه لا يتمكَّنُ منها، لعل سَيِّئاتِه تُحيطُ به ثم لا يَتَمَكَّن من التَّوْبَة، أو لَعَلَّه يَفْجَؤُه الموتُ، ثم لا يتمَكَّنُ من التَّوْبَة.
الوجه الثاني: أنَّه يتَمَنَّى على الله الأَمانِيَّ، فيقول:(إنَّ الله غفورٌ رحيم)، و (الله واسع الرَّحْمَة)، و (سوف يعفو عني) كما يُوجَدُ عند كثيرٍ من النَّاسِ عندما يَعْمَلُ مَعْصِيَةً؛ حيث يقول لك: اللهُ غفورٌ رحيم، بل بَعْضُهُم يحتج بالآيَة:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ويقول: أنا لم أُشْرِكْ، وما دون الشِّرْك فإنَّ الله تعالى يَغْفِرُه.
وجوابُنا على ذلك يَسيرٌ جِدًّا، وهو أن نقول له: أَثْبِتْ أنَّكَ مِمَّنْ شاء الله أن يَغْفِرَ له؛ لأنَّ الله عز وجل ما قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} وسكت، بل قيَّدَه بِقَوْله تعالى:{لِمَنْ يَشَاءُ} فأنت أَثْبِتْ أنَّكَ مِمَّن شاء الله أن يَغْفِرَ له، وحينئذٍ يكون لكَ حُجَّةٌ، أمَّا أن تفعل المَعْصِيَةَ التي هي سبب العُقُوبَةِ ثم تتمَنَّى على الله أمرًا لم يَعِدْكَ الله به، بل قال:{لِمَنْ يَشَاءُ} فهذا لا شَكَّ أنَّه ضلالٌ منك.
وَقَوْله تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ} السَّيِّئاتُ هي ما يَسوءُ الإِنْسَانَ فِعْلُه مثل شُرْبِ الخَمْر، السَّرِقَة، الزِّنا، الرِّبا، وما أشبه ذلك.
فإن قُلْتَ: هذا لا يسوء الإِنْسَانَ فِعْلُه!
فجوابُنا على هذا أن نقول: إن أَرَدْتَ أنَّه لا يَسُوءُ الإِنْسَانَ فِعْلُه أبدًا فهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه يوم القِيامَة سوف يَنْدَمُ، وسوف يَسُوء الإِنْسَانَ فِعْلُه في ذلك اليوم.
أمَّا في الدُّنْيا فإنَّه يسوء الإِنْسَان فعله؛ لأنَّ للذُّنوبِ آثارًا على القُلُوب، فإنَّ المعاصِيَ تكون نُقْطَةً سَوْداءَ في القَلْبِ فإن تاب الإِنْسَانُ انْصَقَلَ قَلْبُه وعاد إلى بياضِهِ، وإلا تَوَسَّعَت هذه النُّقْطَةُ السَّوْداء، وأصْبَحَ القَلْبُ مُظْلِمًا - والعياذ بالله - بل يُخْتَمُ عليه حتى لا يَصِلَ إليه الخير كما قال الله تعالى:{كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
فللذُّنوبِ آثارٌ عظيمَةٌ على القَلْبِ تُوجِبُ أن يكون مُنْقَبِضًا، وإذا تلَذَّذَ بعضَ الشَّيْء في هذه المَعْصِيَةِ فإنَّه يَعْقُبُ ذلك حَسْرَةٌ عَظيمَةٌ في القَلْبِ وضِيقٌ، واقرأ إن شِئْتَ قَوْلَ الله تعالى:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]، يتبيَّنْ لك أنَّ المَعْصِيَة تَسُوء فاعِلَها، وإن كان قد لا يَشْعُرُ بها؛ لأنَّه قد ران على قَلْبِه ما كان يَعْمَل.
إذن: السَّيِّئاتُ سَيِّئاتٌ لِكُلِّ حالٍ تَسُوء صاحِبَها في الدُّنْيا، ولكن قد لا يَظْهَر، وقد لا يَتَبَيَّن له، وفي الآخِرَة يَظْهَرُ له ويَتَبَيَّن ويتمَنَّى أن يعود إلى الدُّنْيا ليَعْمَلَ صَالِحًا.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ} المكَرَاتِ {السَّيِّئَاتِ} بالنَّبِيِّ في دار النَّدْوَةِ من تَقْييدِهِ، أو قَتْلِه، أو إخْراجِهِ، كما ذُكِرَ في الأنفال] هذا في الحَقيقة إذا أراد
المُفَسِّر رحمه الله أنَّه المُرَادُ بالآيَة دونَ غَيْره فقُصُورٌ، وإن أراد بذلك التَّمْثيلَ فصحيحٌ؛ فإنَّه لا شَكَّ أنَّ هؤلاء مَكَروا بالنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام كما قال الله تعالى:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].
مَعْنى {لِيُثْبِتُوكَ} أي: يُقَيِّدوكَ ويَحْبِسوك {أَوْ يَقْتُلُوكَ} هذا واضح، و {أَوْ يُخْرِجُوكَ} أي: من مَكَّة، ولكن الله سبحانه وتعالى قال:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فهُم - الحَمْد لله - ما أَثْبَتُوه، ولا قَتَلُوه، ولا أَخْرَجُوه، كل هذه انْتَفَتْ مع حِرْصِهم الشَّديدِ على تَنْفيذِها، لكنْ ما حصل منها شَيْءٌ.
وجُمْلَة: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذه الجُمْلَةُ جُمْلَة خَبَرِيَّة، وهي في مَحَلِّ رفعِ خَبَرُ {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ} .
والعذابُ بمَعْنى العُقُوبَةِ، والشَّديدُ؛ أي: القَوِيُّ، فهو قويٌّ في إيلامِهِ، وإيجاعِهِ، وفي أَنْواعِهِ المُتَنَوِّعة، من حَرُورٍ، وبَرْد، وعَطَشٍ، وجُوع، وغير ذلك من شِدَّتِه؛ لهم - والعياذ بالله - سَرابيلُ من قَطِرانٍ كُلَّما نَضِجَتَّ جَلودهم قال الله تعالى:{بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]، وقال:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97]، وانظر إلى قَوْله تعالى:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ} [الإسراء: 97] يَتَبَيَّن لك أنَّ الزيادَةَ تأتي فَوْرًا.
والله عز وجل قادِرٌ على أن تبقى بزيادَتِها، لكنَّها تخبو ليكون في قُلوبِهِم شَيْءٌ من الطَّمَع في خِفَّةِ العذابِ أو الخُرُوج، ثم يعود: فيكونُ هذا أَشَدَّ؛ لأنَّ ضَرْبَ الإِنْسَانِ بِعُقوبَةٍ بعد الطَّمَعِ في زوالِهَا يكونُ أشَدَّ عليه مِمَّا لو كان الأَمْرُ مُسْتَمِرًّا.
وَقَوْله تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذا مُفَصَّلٌ في الكِتَاب والسُّنَّة، فمن تَتَبَّعَه