الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروي عن ابن عباس قال: من فر من ثلاثة .. فلم يفر، ومن اثنين .. فقد فر.
17
- و {الفاء} : في قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم (1) ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة، وإيقاع الرعب في قلوبهم .. فأقول لكم: لم تقتلوا أنتم أيها المؤمنون الكفار في الحقيقة، ولكن الله سبحانه وتعالى قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر، من إلقاء الرعب في قلوبهم، وإمداد الملائكة لكم؛ أي: إن افتخرتم بقتلكم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجذع، ذكره أبو حيان.
والمعنى: يا أيها (2) الذين آمنوا لا تولوا الكفار ظهوركم أبدا، فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر، ثم بنصر الله تعالى، انظروا إلى ما أوتيتم من نصركم عليهم على قلة عددكم، وكثرتهم واستعدادهم، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من الله تعالى لكم، وربطه على قلوبكم، وتثبيت أقدامكم، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم، ولكن الله قتلهم بأيديكم بما كان من تثبيت قلوبكم، بمخالطة الملائكة، وملابستها لأرواحكم وبإلقائه الرعب في قلوبهم، وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى:{قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)} ، والمؤمن أحرى بالصبر الذي هو من أجل عوامل النصر من الكافر، إذ هو أقل حرصا على متاع الدنيا، وأعظم رجاء لله والدار الآخرة، يؤيد هذا قوله تعالى:{وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ} .
ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم، إلى خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قائدهم الأعظم فقال:{وَما رَمَيْتَ} يا محمد أحدا
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
من المشركين {إِذْ رَمَيْتَ} ؛ أي: في الوقت الذي رميت فيه القبضة من التراب بإلقائها في الهواء، فأصابت وجوههم، فإن ما فعلته لا يكون له من التأثير مثل ما حدث {وَلكِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {رَمى} وجوههم كلهم بذلك التراب، الذي ألقيته في الهواء على قلته أو بعد تكثيره بمحض قدرته.
فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب وقال: «شاهت الوجوه» ثلاثا، فأعقبت رميته هزيمتهم، ومعنى (1) شاهت الوجوه، قبحت يقال: شاه وجهه يشوه شوها وشوهة، ويقال: رجل أشوه وامرأة شوهاء إذا كانا قبيحين.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في استغاثته يوم بدر:«يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا» قال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم، ففعل، فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
وقال ثعلب (2): المعنى {وَما رَمَيْتَ} الفزع والرعب في قلوبهم، {إِذْ رَمَيْتَ} بالحصباء فانهزموا {وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى}؛ أي: أعانك وأظفرك، والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب «المجاز» وقال محمد بن يزيد المبرد: المعنى {وَما رَمَيْتَ} بقوتك {إِذْ رَمَيْتَ} ولكنك بقوة الله رميت، وقيل: المعنى إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأنّ أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل، فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا، هكذا في «الكشاف» فإن قلت: كيف نفى عن المؤمنين قتل الكفار مع أنهم قتلوهم يوم بدر، ونفى عن النبي صلى الله عليه وسلم رميهم
(1) زاد المسير.
(2)
الشوكاني.
مع أنه رماهم يوم بدر بالحصى في وجوهم، قلت: نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد له حقيقة هو الله تعالى، وإثباته لهم باعتبار الكسب والصورة فقوله:{إِذْ رَمَيْتَ} ؛ أي: أتيت بصورة الرمي، وقرأ (1) حمزة، والكسائي، وابن عامر:{وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} ، {وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى} بتخفيف نون {لكِنَّ} ، ورفع الجلالة، والباقون بالتشديد ونصب الجلالة، وجاءت هنا لكن أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات، ولم يقل: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم كما قال: {إِذْ رَمَيْتَ} مبالغة في الجملة الثانية اه من «السمين» .
فصل
والفرق (2) بين قتل المسلمين للكفار، وبين رمي النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالتراب:
أن الأول فعل من أفعالهم المقدورة لهم، بحسب سنن الله في الأسباب الدنيوية، وأن الثاني لم يكن سببا عاديا لإصابتهم، وهزيمتهم لا مشاهدا كضرب أصحابه، لأعناق المشركين، ولا غير مشاهد، إذ هو لا يكون سببا لشكاية أعينهم، وشوهة وجوههم لقلته، وبعده عن راميه وكونهم غير مستقبلين له، كلهم، ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى بيان نقص الأول، وعدم استقلاله بالسببية، وبيان أنه لولا تأييد الله ونصره لما وصل كسبهم المحض إلى هذا الفشل؛ لأنك قد علمت ما كان من خوفهم، وكراهتهم للقتال، وبمجادلة النبي صلى الله عليه وسلم فهم لو ظلوا على هذه الحال مع قلتهم وضعفهم، لكان مقتضى الأسباب العادية أن يمحقهم المشركون محقا.
والفرق بين فعله تعالى في القتل، وفعله في الرمي: أن الأول عبارة عن تسخيره تعالى لهم أسباب القتل، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية من كونها لا تستقل في حصول غاياتها إلا بفعل الله، وتسخيره لهم للأسباب التي لا يصل إليه كسبهم عادة كما بين ذلك سبحانه بقوله:{أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} فالإنسان يحرث الأرض ويلقي فيها البذر، ولكنه لا يملك إنزال المطر، ولا إنبات الحب وتغذيته بمختلف عناصر
(1) الفتوحات.
(2)
المراغي.