الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى مسلم من حديث عمرو بن العاص، قال: فلما جعل الله الإيمان في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبسط يدك أبايعك فبسط يده، فقبضت يدي قال:«مالك؟» قلت: أردت أن أشترط، قال:«ماذا تشترط؟» قلت: أن يغفر لي، قال:«أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» .
{وَإِنْ يَعُودُوا} ويرجعوا إلى الكفر، ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الصد عن سبيل الله؛ أي: وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، ويرجعوا للكفر، وقتال النبي صلى الله عليه وسلم ويكون العود بمعنى الاستمرار، ننتقم منهم بالعذاب {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}؛ أي: لأنه قد سبقت سيرة الأولين، الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتدمير، كما جرى على أهل بدر؛ أي: قد سبقت سنة الله فيهم بالاستئصال والتدمير فلهم ما لهم.
والمعنى: أي وإن يعودوا إلى العداء، والصد، والقتال تجر عليهم سننه المطردة في أمثال لهم من الأولين الذين عادوا الرسل، وقاتلوهم من نصر المؤمنين، وخذلانهم، وهلاكهم كما حدث لهم يوم بدر كما قال:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51)} .
ولا يخفى ما في قوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} من (1) التهديد، والوعيد، الشديد، والتمثيل لهم بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله؛ أي: قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل ما فعل هؤلاء من الأولين من الأمم، أن يصيبه بعذاب، فليتوقعوا مثل ذلك، وترسم {سُنَّتُ} هذه بالتاء المجرورة، وكذا الثلاثة التي في فاطر، وكذا التي في آخر غافر، ثم بين ما سلف من قوله:{فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}
39
- ورغب المؤمنين في قتالهم فقال: {وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ؛ أي: حتى لا توجد فتنة في الدين؛ أي: وقاتل الذين كفروا أنت يا محمد ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة في الدين بالتعذيب
(1) الشوكاني.
وضروب الإيذاء لأجل تركه كما فعلوا ذلك حين كانت لهم القوة والبطش في مكة، إذ أخرجوكم منها لأجل دينكم ثم أتوا لقتالكم في دار الهجرة {وَ} حتى {يَكُونَ الدِّينُ}؛ أي: العبادة {كُلُّهُ لِلَّهِ} : فلا يستطيع أحد أن يفتن أحدا عن دينه ويكرهه على ترك إلى دين المكره تقية وخوفا منه.
وخلاصة ذلك (1): قاتلوهم حتى يكون الناس أحرارا في عقائدهم، لا يكره أحد أحدا على ترك عقيدته إكراها، ولا يؤذي ويعذب لأجلها كما قال تعالى:{لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} والمسلمون إنما يقاتلون لحرية دينهم، ولا يكرهون عليه أحدا من دونهم.
وروي عن ابن عباس تفسير الفتنة بالشرك، والمعنى عليه: قاتلوهم حتى لا يبقى شرك في مكة وغيرها، وتزول الأديان الباطلة فلا يبقى إلا الإسلام.
وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة؛ وهنا زيادة {كُلُّهُ} توكيدا للدين، وقرأ الأعمش ويكون برفع النون، والجمهور بنصبها.
{فَإِنِ انْتَهَوْا} عن الكفر، وعن قتالكم، وعن سائر المعاصي بالتوبة والإيمان {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}؛ أي: عليم لأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم، فيجازيهم على أعمالهم الحسنة من الإيمان وغيره ويثيبهم عليها بحسب علمه.
وقرأ الحسن ويعقوب من العشرة وسلام بن سليمان (2): {بما تعملون} بالتاء على الخطاب، لمن أمروا بالمقاتلة على معنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الايمان بصير يجازيكم، فيكون (3) تعليقه بانتهائهم دلالة على أنه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة، يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبب، وبالباء التحتية على الغيبة باتفاق السبعة.
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
(3)
البيضاوي.