المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الخوف، ولا يتعرض له، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٠

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الخوف، ولا يتعرض له، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك،

الخوف، ولا يتعرض له، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه حين قالوا:{أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} قال فرعون مجيبا للملأ - لما لم يقدر على موسى أن يفعل معه مكروها لخوفه منه - {سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ} ؛ أي: سنقتل أبناء بني إسرائيل تقتيلا كلما تناسلوا {وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ} ؛ أي: ونستبقي نساءهم أحياء للخدمات كما كنا نفعل بهم قبل ولادته، حتى ينقرضوا ويعلموا أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة.

وقال ابن عباس (1): كان فرعون قد ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى، فلما جاءه موسى بالرسالة - وكان من أمره ما كان - أعاد فيهم القتل، وقيل: لم يعد فيهم القتل بل وعده وهدده إياهم، وقرأ نافع وابن كثير {سَنُقَتِّلُ} بالتخفيف مع فتح النون وسكون القاف، وقرأ الباقون بالتشديد مع ضم النون {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ}؛ أي: فوق بني إسرائيل في المنزلة والتمكن في الدنيا؛ أي: مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان {قاهِرُونَ} لهم وغالبون عليهم، كما كنا من قبل فلا يقدرون على إذايتنا، ولا على الإفساد في أرضنا، ولا على الخروج من عبوديتنا، وإنما تركنا موسى وقومه بلا حبس لعدم التفاتنا إليهم، وعدم مبالاتنا لهم، لا لعجز ولا لخوف.

واختلف المفسرون (2): هل أعاد عليهم القتل أم لا؟ فمنهم من قال: أعاد عليهم القتل، ومنهم من قال: لم يفعل ذلك لعدم قدرته لقوله تعالى: {أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ} .

‌128

- ولكن لما سمع بنو إسرائيل هذا الوعيد .. خافوا من فرعون، فشكوا ذلك إلى موسى، فطمأنهم موسى كما حكى الله عنه بقوله:{قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ} : بني إسرائيل يا قوم {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ} ؛ أي: اطلبوا معونة الله وتأييده على رفع ذلك الوعيد عنكم، ورفع أذاهم عنكم؛ فإن الله هو الكافي لكم {وَاصْبِرُوا} على أذاهم، أو على ما سمعتم من أقاويله الباطلة، ولا تحزنوا {إِنَّ الْأَرْضَ}؛ أي: أرض مصر وكذا سائر أقطار الأرض، شرقها وغربها {لِلَّهِ} سبحانه وتعالى

(1) الخازن.

(2)

المراح.

ص: 85

خلقا وملكا، لا لفرعون، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء {يُورِثُها}؛ أي: يورث الأرض ويعطيها {مَنْ يَشاءُ} أي لمن يشاء إعطاءه إياها {مِنْ عِبادِهِ} فهي على مقتضى سننه دول وأيام، وهذا إطماع من موسى عليه السلام لبني إسرائيل أنه يهلك فرعون وقومه، ويملك بنو إسرائيل أرضهم وبلادهم بعد إهلاكهم كما قال:{وَالْعاقِبَةُ} المحمودة في الدنيا والآخرة، وعاقبة كل شيء آخره {لِلْمُتَّقِينَ}؛ أي: لمن يتقون الله، ويراعون سننه في أسباب إرث الأرض، باتحاد الكلمة، والاعتصام بالحق، وإقامة العدل، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله لدى المكاره، ونحو ذلك مما هدت إليه التجارب، ودلت عليه الشرائع، وهم موسى وقومه.

وقرأ الحسن، ورويت عن حفص (1):{يورثها} : بضم الياء وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة للتكثير، وقرأت فرقة:{يورثها} : بفتح الراء، مبينا للمفعول. وقرأ ابن مسعود:{الْعاقِبَةُ} : بالنصب عطفا على الأرض، فالاسم معطوف على الاسم، والخبر على الخبر فهو من عطف المفردات، فنتيجة طلب الإعانة توريث الأرض لهم، ونتيجة الصبر العاقبة المحمودة، والنصر على من عاداهم، فلذلك كان الأمر شيئين ينتج عنهما شيئان:

قال الزمخشري (2): فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة - أعني قوله: {قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ} - من الواو، وأدخلت على التي قبلها - أعني قوله:{وَقالَ الْمَلَأُ} ؟

قلت: هذه جملة مستأنفة، والتي قبلها معطوفة على ما سبقها من قوله:{قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ} . انتهى.

والخلاصة: ليس الأمر كما قال فرعون، بل القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله، ولمن وعده الله تعالى توريث الأرض، ونحن الموعودون بذلك، ولكن بشرط أن نقيم شرعه ونسير على سننه في الخلق، وليس الأمر كما يظن فرعون وقومه من بقاء القوي على قوته، والضعيف على ضعفه، اعتمادا على أنّ

(1) البحر المحيط.

(2)

الكشاف.

ص: 86