المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)}.   2 - أن شعب إسرائيل عظم - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٠

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)}.   2 - أن شعب إسرائيل عظم

الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)}.

2 -

أن شعب إسرائيل عظم ملكه حين أقام شريعته بقوة، حتى إذا غلبه الغرور، وظن أن الله ينصره لنسبه، وأنّه شعب الله، ففسق وظلم .. أنزل الله به البلاء، وسلط عليهم البابليين، فأزالوا ملكه، ثم ثاب إلى رشده، فرحمه وأعاد إليه بعض ملكه، ثم ظلم وأفسد، فسلط عليه النصارى، فمزقوه كل ممزق.

3 -

أن المسلمين الذين اتبعوا سننهم، اغتروا بدينهم كما اغتروا واتكلوا على لقب الإسلام ولقب أمة محمد ولم يثوبوا إلى رشدهم، فزالت دولتهم، وذهب ريحهم، وامتلك عدوهم ناصيتهم، وجد في إفساد عقائدهم وأخلاقهم، وإيقاع الشقاق فيما بينهم، وتولى تربيتهم وتعليمهم كما يحب ويهوى، كما يرى ذلك كثيرا في أكثر بلدان المسلمين، خصوصا في الجهات التي دخلها الشيوعيون شرقا وغربا، خاصة في شرقي إفريقيا كالشعوب الأروميا التي استعبدها استعمار الحبوش، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

‌146

- {سَأَصْرِفُ} وادفع {عَنْ آياتِيَ} التي جاء بها موسى وغيره من الرسل {الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} ؛ أي: مكر الذين يتكبرون {فِي الْأَرْضِ} حالة كونهم ملتبسين {بِغَيْرِ الْحَقِّ} ويترفعون عن الإيمان بها بإهلاكهم؛ أي: سأزيل (1) الذين يتكبرون في الأرض بالدين الباطل، وأدفعهم عن إبطال آياتي بإهلاكهم على يد موسى، وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون في إبطال ما رآه من الآيات على يد موسى، فلا يقدرون على منع موسى من تبغليها، وعلى منع المؤمنين من الإيمان بها، وقال الشوكاني (2): سأمنعهم فهم كتابي، وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها، وقيل: سأصرفهم عن نفعها مجازاة على تكبرهم، كما في قوله تعالى:{فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} . وقيل: سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها، ولا يعتبروا بها، واختلف في تفسير الآيات فقيل: هي المعجزات، وقيل: الكتب المنزلة، وقيل:

هي خلق السموات والأرض، وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها، ولا مانع من

(1) المراح.

(2)

فتح القدير.

ص: 130

حمل الآيات على جميع ذلك، وحمل الصرف على جميع المعاني المذكورة، و {بِغَيْرِ الْحَقِّ} إما متعلق بقوله:{يَتَكَبَّرُونَ} ؛ أي: يتكبرون بما ليس بحق، أو بمحذوف وقع حالا؛ أي: يتكبرون ملتبسين بغير الحق. انتهى.

وقال المراغي: {سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ

} إلخ، أي: سأمنع (1) قلوب المتكبرين عن طاعتي وعلى الناس بغير حق، فهم الأدلة والحجج الدالة على عظمتي وعلى ما في شرائعي من هدى وسعادة لهم كما قال:{فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} . كما منعت فرعون وقومه عن فهم آيات موسى التي أوحيناها إليه، وقوله:{بِغَيْرِ الْحَقِّ} ؛ أي: بتلبسهم بالباطل، وانغماسهم فيه، إذ لا قيمة للحق عندهم، فهم لا يبحثون عنه، ولا يطلبونه، وقد تظهر لهم آياته ويجحدونها، وهم بها موقنون، كما قال تعالى في قوم فرعون:{وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} ثم بين صفات المتكبرين وأحوالهم فقال:

1 -

{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها} ؛ أي: وإن يشاهدوا كل معجزة كفروا بكل واحدة منها، فهذه الجملة (2) معطوفة على {يَتَكَبَّرُونَ} منتظمة معه في حكم الصلة، والمعنى: سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات، ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات التكوينية والمعجزات، أي: لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت.

والمعنى (3): أنّهم إذا رأوا الآيات التي تدل على الحق وتثبته

لا يستفيدون منها فائدة ما، فلا يؤمنون بها؛ لأنّ كثرة الآيات وتعدد أنواعها إنّما تفيد من تكون نفسه تواقة لمعرفة الحق لكنه يجهل الوصول إليه، أو يشك في الطريق الموصلة إليه، لتعارض الأدلة لديه لخفاء دلالتها، أو لسوء فهمه لها، فإذا خفيت عليه دلالة بعضها .. فقد تظهر له دلالة غيره، فتنكشف الحقيقة واضحة أمامه، وتسفر له عن وجهها، وفي هذا إيماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الذين يقترحون

(1) المراغي.

(2)

الشوكاني.

(3)

المراغي.

ص: 131

عليه الآيات من قومه لا يقصدون استبانة الحق وإيضاحه، بل يريدون إحداث الشغب والتعجيز، فإن هم أجيبوا إلى طلبهم لم يؤمنوا بما جئت به، وقرأ مالك بن دينار {وإن يروا} بضم الياء في الموضعين.

2 -

{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ} ؛ أي: سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله تعالى: {لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} ؛ أي (1): لا يسلكوا سبيله؛ أي: وهم ينفرون من سبيل الهدى والرشاد، وهي السبيل المعبدة الواضحة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يختارها لنفسه، ولا يفضلها على ما هو عليه من الغي، وهذا منتهى ما يكون من الطبع على القلب، والخروج عن جادة العقل، والفطرة، ومن الناس من يسلك هذه السبيل عن جهل، فإذا رأى لنفسه مخرجا منها ارعوى وتركها، واختار لنفسه سبيل الرشاد.

3 -

{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ} ؛ أي: الضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} ؛ أي: يختارونه مسلكا لأنفسهم؛ أي: إنّهم إذا رأوا سبيل الغي والضلال

هرعوا إليها، وخبوا فيها، وأوضعوا بما تزينه لهم أنفسهم من سلوكها، والسير فيها إلى آخر الحلبة، وهذه حال لهم شر من سابقتيها، وهؤلاء الذين اجتمعت لهم هذه الصفات هم الذين طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فسبيل الحق بغيضة إليهم، وطريقه مكروهة لديهم.

قال الشوكاني (2): وجملة قوله: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} معطوفة على ما قبلها، داخلة في حكمها، وكذلك جملة قوله:{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} المعنى: أنّهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد .. تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلا من سبل الغي .. سلكوه واختاروه لأنفسهم.

وقرأ حمزة والكسائي (3): {الرَّشَد} بفتح الراء والشين، والباقون بضم الراء وسكون الشين. وروي عن ابن عامر بضمتين، وقال أبو عمرو بن العلاء

(1) المراغي.

(2)

الشوكاني.

(3)

المراح والبحر المحيط.

ص: 132

{الرُّشْدِ} - بضم وسكون - الصلاح في النظر، وبفتحتين الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن {الرشاد} وهي مصادر كالسقم والسقم والسقام، وقرأ ابن أبي عبلة:{لا يتخذوها ويتخذوها} على تأنيث السبيل، والسبيل تذكر وتؤنث قال تعالى:{قُلْ هذِهِ سَبِيلِي} ولما نفى عنهم الإيمان وهو من أفعال القلب، استعار للرشد والغي سبيلين، فذكر أنّهم تاركوا سبيل الرشد، سالكوا سبيل الغي.

ثم علل ما سلف من صرفهم عن النظر في الآيات، وعدم اعتبارهم بها فقال:{ذلِكَ} ؛ أي: تكبرهم وعدم إيمانهم بشيء من الآيات، وإعراضهم عن سبيل الرشد، وإقبالهم التام إلى سبيل الغي، حاصل {بـ} سبب {أنهم كذبوا بآياتنا} الدالة على صدق رسلنا، وباهر قدرتنا {وَ} بسبب أنّهم {كانُوا عَنْها غافِلِينَ}؛ أي: كانوا معرضين عن النظر والتفكر فيها؛ أي: ذلك حاصل بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها.

أي: إننا (1) عاقبناهم على تكذيبهم بالآيات والغفلة عن النظر إلى الأدلة الموصلة إلى الحق، فيما أمرنا به ونهينا عنه بالختم على قلوبهم والغشاوة على أعينهم، حتى لا يجد الحق منفذا في الوصول إليها.

والخلاصة: أنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق هؤلاء مطبوعين على الغي والضلال طبعا، ولم يجبرهم إجبارا ويكرههم عليه إكراها، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم، إذ هم آثروا التكذيب بالآيات، والصد عن السبيل الموصلة إلى الرشاد، وغفلوا عن النظر في أدلتها لشغلهم بأهوائهم، واتباع شهواتهم، وبذا لجوا في الطغيان، وتمادوا في العصيان، واحتقروا ما سوى ذلك، مما يهدي عقولهم إلى صواب الحق وسلوك طريقه، وأمثال هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله:{وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179)} .

(1) المراغي.

ص: 133