المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الأمور الدنيوية المبنية على التجارب من قبيل التشريع، كامتناعهم عن - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٠

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الأمور الدنيوية المبنية على التجارب من قبيل التشريع، كامتناعهم عن

الأمور الدنيوية المبنية على التجارب من قبيل التشريع، كامتناعهم عن تلقيح النخل حين نهاهم عنه فأشاص - أي خرج ثمره شيصا رديئا - فراجعوه فأخبرهم أنّ مقاله كان عن ظن ورأي، لا عن تشريع ووحي، وقال:«أنتم أعلم بأمور دنياكم» . والحكمة في ذلك تنبيه الناس إلى أن مثل هذه الأمور الدنيوية والمعاشية متروكة لمعارف الناس وتجاربهم.

‌159

- قوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسى} كلام مستأنف، مسوق لدفع ما عسى أن يتوهم من تخصيص كتابة الرحمة بمن يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم، وذلك المتوهم هو حرمان قوم موسى من كل خير، وبيانه أنّهم ليسوا كلهم يحرمون منها، بل من قوم موسى {أُمَّةٌ}؛ أي: جماعة عظيمة {يَهْدُونَ} الناس ويرشدونهم، ويدعونهم إلى الخير والهدى حالة كونهم متلبسين {بِالْحَقِّ} والعدل الذي جاء به موسى عليه السلام من عند الله تعالى {وَبِهِ}؛ أي: وبالحق الذي جاء به موسى لا بغيره {يَعْدِلُونَ} ؛ أي: يحكمون بين الناس حكما عدلا موافقا للصواب إذا حكموا بين الناس، فلا يتبعون هوى، ولا يأكلون سحتا ولا رشا، واختلف (1) في هؤلاء القوم، فقيل: هم الذين أسلموا من بني إسرائيل، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام قبل التحريف والتبديل، ودعوا الناس إليه، فإن (2) قيل: إن هؤلاء القوم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة ينبىء عن الكثرة؟ فالجواب: أنّهم لما أخلصوا في الدين جاز إطلاق الأمة عليهم كقوله تعالى: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً} . اه كرخى.

‌160

- {وَقَطَّعْناهُمُ} ؛ أي: وفرقنا قوم موسى الذين كان منهم {أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ومنهم الظالمون والفاسقون فجعلناهم {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا} ؛ أي: جعلناهم اثنتي عشرة فرقة تسمى أسباطا؛ أي: قبائل، وصيرناهم {أُمَمًا}؛ أي: جماعات، يمتاز كل منهم بنظام خاص في معيشته، وبعض شؤونه؛ لأنّ كل سبط كان أمة عظيمة، وسبب (3) تفرقهم اثنتى عشرة أسباطا أنّ أولاد يعقوب كانوا

(1) الخازن.

(2)

الفتوحات.

(3)

الفتوحات.

ص: 173

كذلك، فكل سبط ينتمي لواحد منهم، والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد، فهو كالحفيد. هكذا في كتب اللغة، وتخصيص السبط بولد البنت، والحفيد بولد الابن أمر عرفي.

وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم (1): {وقطعناهم} : بتخفيف الطاء، وابن وثاب والأعمش وطلحة بن سليمان:{عشرة} بكسر الشين، وعنهم الفتح أيضا، وأبو حيوة وطلحة بن مصرف بالكسر، وهي لغة تميم، والجمهور بالإسكان، وهي لغة الحجاز.

{وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ} بنو إسرائيل؛ أي: حين طلبوا منه السقيا - وقد أخذهم العطش في التيه - فاستسقى ربه لهم؛ أي: أوحينا إليه بـ {أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ} وهو الذي فرّ بثوبه، خفيف مربع كرأس الرجل، رخام أو كذان، كما في «الجلالين» في سورة البقرة فضربه {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا}؛ أي: فانفجرت ونبعت وسالت منه عقب ضربه إياه اثنتا عشرة عينا من الماء، بقدر عدد أسباطهم، وخص كل واحدة من الأسباط بعين منها للزحام وحفظا للنظام {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ}؛ أي: كل سبط منهم {مَشْرَبَهُمْ} ؛ أي: عينهم الخاصة بهم بالعلم الضروري الذي خلقه الله في كلّ {وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ} ؛ أي: سخرنا لهم السحاب في التيه، تقيهم بظلها من حرّ الشمس، تسير بسيرهم وتسكن بإقامتهم، وكان ينزل لهم في الليل عمود من نور، يسيرون بضوئه، ولولا السحاب في التيه .. لأحرقتهم حرارة الشمس، إذ لم يكن هناك من الشجر ما يستظلون به {وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ} وهو شيء حلو كان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس، ويأخذ كل إنسان صاعا {وَالسَّلْوى}؛ أي: الطير السماني - بتخفيف الميم - وبالقصر بوزن حبارى، وتسوقه ريح الجنوب عليهم، فيذبح كل واحد ما يكفيهم، وهو (2) يموت إذا سمع صوت الرعد، فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر، التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوانهما، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض، وخاصيته

(1) البحر المحيط.

(2)

المراح.

ص: 174

أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية.

والمعنى (1): فسهلنا عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه، وكان المن يقوم مقام الخبز عندهم، ويكفي الألوف من الناس، وتقوم السماني مقام اللحوم والطيور الأخرى، وقلنا لهم {كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ}؛ أي: من مستلذات ما رزقناكم، وهو المن والسلوى، وفي ذلك تنبيه وتذكير لهم بما يجب عليهم من شكر هذه النعم، وقرأ عيسى الهمداني (2):{من طيبات ما رزقتكم} موحدا للضمير.

والمعنى: أقصروا أنفسكم على ذلك المطعوم، ولا تطلبوا غيره، واشكروا رزق ربكم، وسئموا منه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا غيره، فظلموا أنفسهم بكفران هذه النعم {وَما ظَلَمُونا} بكفرهم بهذه النعم {وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بمخالفة ما أمروا به؛ أي: بل ظلموا أنفسهم وأضروها بهذا الجحود والكفران، وكان ذلك من دأبهم وعادتهم آنا بعد آن.

ولا شك أن من ظلم نفسه .. كان لغيره أظلم، وإن كان ظلمه لنفسه مما يجهل أنّه ظلم لها، إذ يتجلى له في صورة المنفعة، وتكون عاقبته مضرة، وهكذا الحال في جميع الظالمين والمجرمين، فهم يظنون أنّهم بظلمهم وإجرامهم ينفعون أنفسهم، جهلا منهم للعواقب، وقلة تدبر ما ينبغي أن يتفطن له.

الإعراب

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)} .

{إِنَّ} : حرف نصب. {الَّذِينَ} : اسمها، {اتَّخَذُوا الْعِجْلَ}: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلها، والجملة الفعلية صلة الموصولة، {سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ}: فعل ومفعول وفاعل، {مِنْ رَبِّهِمْ}: جار

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 175

ومجرور صفة لـ {غَضَبٌ} . {وَذِلَّةٌ} معطوف على {غَضَبٌ} ، {فِي الْحَياةِ}: متعلق بـ {ينال} . {الدُّنْيا} : صفة لـ {الْحَياةِ} ، وجملة {سَيَنالُهُمْ} من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة إنّ مستأنفة، {وَكَذلِكَ}: الواو: استئنافية، {كَذلِكَ}: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ونجزي المفترين جزاء مثل جزائنا لهؤلاء المتخذين العجل، {نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة.

{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{وَالَّذِينَ} : مبتدأ، {عَمِلُوا السَّيِّئاتِ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب، {تابُوا}: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {عَمِلُوا} ، {مِنْ بَعْدِها}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {تابُوا} ، {وَآمَنُوا}: فعل وفاعل، معطوف على {تابُوا}. {إِنَّ رَبَّكَ}: ناصب واسمه، {مِنْ بَعْدِها}: جار ومجرور ومضاف إليه، تنازع فيه {غفور رحيم} ، {لَغَفُورٌ} {اللام}: حرف ابتداء {غفور} : خبر أول لـ {إِنَّ} ، {رَحِيمٌ}: خبر ثان لها، وجملة {إِنَّ} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)} .

{وَلَمَّا} الواو: استئنافية، {لَمَّا}: حرف شرط غير جازم، {سَكَتَ}: فعل ماض، {عَنْ مُوسَى}: متعلق به، {الْغَضَبُ}: فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ {لَمَّا} لا محل لها من الإعراب، {أَخَذَ الْأَلْواحَ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {مُوسَى} ، والجملة الفعلية جواب {لَمَّا}: لا محل له من الإعراب، وجملة {لَمَّا} مستأنفة، {وَفِي نُسْخَتِها}: جار ومجرور خبر مقدم، {هُدىً}: مبتدأ مؤخر، {وَرَحْمَةٌ} معطوف على {هُدىً} ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من {الْأَلْواحَ} ، {لِلَّذِينَ}: جار ومجرور، تنازع فيه كل من {هُدىً وَرَحْمَةٌ} ، {هُمْ}: مبتدأ، {لِرَبِّهِمْ}: متعلق بـ {يَرْهَبُونَ} ، وجملة {يَرْهَبُونَ} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول.

ص: 176

{وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ} .

{وَاخْتارَ مُوسى} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {قَوْمَهُ}: منصوب بنزع الخافض؛ أي: من قومه وهو في محل المفعول الثاني {سَبْعِينَ} : مفعول أول لـ {اخْتارَ} ، {رَجُلًا}: تمييز له منصوب به، {لِمِيقاتِنا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {اخْتارَ} ، {فَلَمَّا}:{الفاء} : عاطفة على محذوف تقديره: فخرج بهم فأخذتهم الرجفة، {لما}: حرف شرط غير جازم، {أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ}: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {لما} لا محل لها من الإعراب، {قالَ}:

فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة جواب {لما} وجملة لما معطوفة على ذلك المحذوف الذي قدرناه آنفا، {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ} إلى قوله:{قالَ عَذابِي} مقول محكي لـ {قالَ} ، وإن شئت قلت:{رَبِّ} : منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول {قالَ} ، {لَوْ}: حرف شرط غير جازم، {شِئْتَ}: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ لا محل لها من الإعراب، {أَهْلَكْتَهُمْ}: فعل وفاعل، ومفعول، {مِنْ قَبْلُ}: جار ومجرور، متعلق بـ {أَهْلَكْتَهُمْ} ، {وَإِيَّايَ} معطوف على ضمير {أَهْلَكْتَهُمْ} ، وجملة {أَهْلَكْتَهُمْ} جواب {لَوْ} الشرطية، وجملة {لَوْ} الشرطية في محل النصب مقول {قالَ} ، مع كونها جواب النداء.

{أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ} .

{أَتُهْلِكُنا} : {الهمزة} : للاستفهام الاستعطافي الإنكاري، {تُهْلِكُنا}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول {قالَ} ، {بِما}: جار ومجرور، متعلق بـ {تُهْلِكُنا} ، {فَعَلَ السُّفَهاءُ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما فعله السفهاء. {مِنَّا} : جار ومجرور حال من {السُّفَهاءُ} ، {إِنْ}: نافية بطل عملها لانتقاض نفيها بإلا، {هِيَ}: مبتدأ {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ، {فِتْنَتُكَ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قالَ} ، {تُضِلُّ}: فعل

ص: 177

مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، {بِها}: جار ومجرور، متعلق بـ {تُضِلُّ} ، {مِنْ}: موصولة في محل النصب مفعول {تُضِلُّ} ، وجملة {تَشاءُ}: صلة {مِنْ} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من تشاء إضلاله، وجملة {تُضِلُّ} في محل النصب حال من الكاف في {فِتْنَتُكَ} ، {وَتَهْدِي}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة {تَهْدِي} في محل النصب معطوفة على جملة {تُضِلُّ} ، {مِنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول {تَهْدِي} ، وجملة {تَشاءُ}: صلتها، والعائد محذوف تقديره: من تشاء هدايته، أَنْتَ وَلِيُّنا: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول {قالَ} ، مسوقة لتعليل ما قبلها، فَاغْفِرْ {الفاء}: عاطفة تفريعية، {اغفر}: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{أَنْتَ وَلِيُّنا} على كونها مقول {قالَ} ، {لَنا}: جار ومجرور، متعلق بـ {اغفر} ، {وَارْحَمْنا}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة {فَاغْفِرْ لَنا} ، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل {فَاغْفِرْ} أو معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.

{وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ} .

{وَاكْتُبْ} : فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {فَاغْفِرْ} ، {لَنا}: متعلق به، وكذا قوله:{فِي هذِهِ الدُّنْيا} متعلق بـ {اكْتُبْ} ، {حَسَنَةً}: مفعول {اكْتُبْ} ، {وَفِي الْآخِرَةِ}: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله {إِنَّا}: ناصب واسمه، {هُدْنا}: فعل وفاعل، {إِلَيْكَ}: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّا} ، وجملة {إِنَّا} في محل النصب مسوقة لتعليل ما قبلها. {قالَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، {عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ} إلى قوله:{قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ} مقول محكي، وإن شئت قلت:{عَذابِي} : مبتدأ ومضاف إليه، {أُصِيبُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، {بِهِ}:

ص: 178

متعلق بـ {أُصِيبُ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قالَ} ، {مَنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول {أُصِيبُ} ، {أَشاءُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من أشاؤه.

{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ} .

{وَرَحْمَتِي} : مبتدأ، {وَسِعَتْ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الرحمة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة {عَذابِي} على كونها مقول {قالَ} ، {كُلَّ شَيْءٍ}: مفعول {وَسِعَتْ} ، {فَسَأَكْتُبُها} {الفاء}: عاطفة تفريعية {سأكتبها} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة {وَسِعَتْ} على كونها خبر المبتدأ، {لِلَّذِينَ}: جار ومجرور، متعلق بـ {سأكتبها} ، {يَتَّقُونَ}: فعل وفاعل، صلة الموصول، {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ}:فعل وفاعل ومفعول معطوف على {يَتَّقُونَ} ، {وَالَّذِينَ}: معطوف على الموصول الأول، {هُمْ}: مبتدأ {بِآياتِنا} : جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {يُؤْمِنُونَ} ، وجملة {يُؤْمِنُونَ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول.

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ} .

{الَّذِينَ} في محل الجر نعت لـ {الَّذِينَ} الأول، أو بدل منه، ويجوز قطعه إلى النصب أو الرفع، {يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، {النَّبِيَّ} بدل من {الرَّسُولَ} أو عطف بيان له {الْأُمِّيَّ} صفة أولى لـ {النَّبِيَّ}. {الَّذِي}: اسم موصول في محل النصب صفة ثانية لـ {النَّبِيَّ} ، يَجِدُونَهُ فعل وفاعل ومفعول أول، {مَكْتُوبًا}: مفعول ثان، {عِنْدَهُمْ}: متعلق بـ {مَكْتُوبًا} والجملة الفعلية صلة الموصول {فِي التَّوْراةِ} : متعلق بـ {مَكْتُوبًا} أيضا، {وَالْإِنْجِيلِ}: معطوف على {التَّوْراةِ} .

ص: 179

{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ} .

{يَأْمُرُهُمْ} : فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على {الرَّسُولَ} ، {بِالْمَعْرُوفِ}: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من {الرَّسُولَ} ، {وَيَنْهاهُمْ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الرَّسُولَ} ، {عَنِ الْمُنْكَرِ}: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {يَأْمُرُهُمْ}. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ}: عطف على ما تقدم، وكذلك الجمل التي بعدها إلى قوله:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ} معطوفات على جملة قوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} ، {الَّتِي}: اسم موصول في محل النصب صفة لـ {الْأَغْلالَ} ، {كانَتْ}: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على {الْأَغْلالَ} ، {عَلَيْهِمُ}: خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.

{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

{فَالَّذِينَ} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت صفاته المذكورة، وأردت بيان كيفية اتباعه .. فأقول لك، {الذين آمنوا به}:{الذين} : مبتدأ أول {آمَنُوا} : فعل وفاعل، {بِهِ}: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وقوله:{وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ} جمل معطوفات على جملة الصلة. {الَّذِي} : في محل النصب صفة لـ {النُّورَ} ، {أُنْزِلَ}: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، {مَعَهُ}: ظرف متعلق بـ {أُنْزِلَ} ، والجملة صلة الموصول، {أُولئِكَ}: مبتدأ ثان، {هُمُ}: ضمير فصل، {الْمُفْلِحُونَ}: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول {قالَ} الذي مر في قوله:{قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ} .

{قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ} .

ص: 180

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة {يا أَيُّهَا النَّاسُ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{يا} : حرف نداء {أي} منادى نكرة مقصودة، {ها}: حرف تنبيه زائد، {النَّاسُ}: صفة لـ {أي} ، وجملة النداء في محل النصب مقول {قال} ، {إِنِّي} {إن}: حرف نصب و {الياء} اسمها، {رَسُولُ اللَّهِ}: خبرها وجملة {إن} في محل النصب مقول {قُلْ} على كونها جواب النداء، {إِلَيْكُمْ}: جار ومجرور حال من {رَسُولُ اللَّهِ} ؛ أي: حالة كوني مرسلا إليكم، أو متعلق بـ {رَسُولُ جَمِيعًا} حال من ضمير المخاطبين في {إِلَيْكُمْ} ، {الَّذِي}: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة، أو بدل منه، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب، {لَهُ}:

خبر مقدم {مُلْكُ السَّماواتِ} : مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، {وَالْأَرْضِ}: معطوف على {السَّماواتِ} ، والجملة الاسمية صلة الموصول، {لا}: نافية تعمل عمل إن، {إِلهَ} في محل النصب اسمها، وخبر {لا} محذوف جوازا تقديره: موجود، {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {هُوَ}: ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا، وجملة لا من اسمها وخبرها بدل أول من جملة الصلة لا محل لها من الأعراب، {يُحيِي}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية بدل ثان من جملة الصلة، أو حال من الجلالة، وجملة {وَيُمِيتُ}: معطوفة على جملة {يُحيِي} .

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

{فَآمِنُوا} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنّي رسول الله إليكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح اللازم لكم .. فأقول لكم:{أمنوا} : فعل وفاعل، {بِاللَّهِ}: متعلق به، {وَرَسُولِهِ}: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة على كونها مقولا لـ {قال} ، {النَّبِيِّ}: بدل من {الرسول} أو عطف بيان منه، {الْأُمِّيِّ}: صفة أولى لـ {النَّبِيِّ} ، {الَّذِي}:

ص: 181

في محل الجر صفة ثانية له {يُؤْمِنُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، {بِاللَّهِ}: متعلق بـ {يُؤْمِنُ} ، {وَكَلِماتِهِ}: معطوف على الجلالة، {وَاتَّبِعُوهُ}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، {لَعَلَّكُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {تَهْتَدُونَ}: في محل الرفع خبر {لعل} ، وجملة لعل مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول {قُلْ} .

{وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)} .

{وَمِنْ قَوْمِ مُوسى} : جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم، {أُمَّةٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لدفع ما عسى أن يتوهم من تخصيص كتابة الرحمة بمن يتبع محمدا، وذلك المتوهم هو حرمان قوم موسى من كل خير، وبيانه: أنّهم ليسوا كلهم يحرمون منها، بل منهم أمة الخ ذكره في «الفتوحات» ، وجملة {يَهْدُونَ}: في محل الرفع صفة لـ {أُمَّةٌ} ، {بِالْحَقِّ}: جار ومجرور حال من الواو في {يَهْدُونَ} تقديره: حالة كونهم متلبسين بالحق، {وَبِهِ}: متعلق بـ {يَعْدِلُونَ} وجملة {يَعْدِلُونَ} : في محل الرفع معطوفة على جملة {يَهْدُونَ} على كونها صفة لـ {أُمَّةٌ} .

{وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ} .

{وَقَطَّعْناهُمُ} : فعل وفاعل ومفعول {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} : عدد مركب معرب الصدر مبني العجز، {اثْنَتَيْ}: حال من مفعول {قَطَّعْناهُمُ} ، {عَشْرَةَ} جزء حال لا محل له من الإعراب، مبني على الفتح، والتقدير: وفرقناهم حالة كونهم معدودين بهذا العدد، ويجوز أن يكون {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} مفعولا ثانيا لـ {قَطَّعْناهُمُ} ، إذا كان بمعنى صيرناهم، وجملة {قَطَّعْناهُمُ} مستأنفة، وتمييز {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} محذوف لفهم المعنى تقديره اثنتي عشرة فرقة {أَسْباطًا}: بدل من التمييز المحذوف، ولا يجوز كون أسباطا تمييزا؛ لأنّه جمع {أُمَمًا}: بدل من أَسْباطًا، {وَأَوْحَيْنا}: فعل وفاعل، معطوف على قوله:{وَقَطَّعْناهُمُ} ، {إِلى مُوسى}: جار ومجرور متعلق بـ {أَوْحَيْنا} {إِذِ} : ظرف لما مضى من الزمان، {اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ}: فعل

ص: 182

ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذ إليها تقديره: وقت استسقاء قومه إياه، والظرف متعلق بـ {وَأَوْحَيْنا} .

{أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى} .

{أَنِ} : مفسرة بمعنى أي التفسيرية، أو مصدرية، {اضْرِبْ}: فعل أمر مبني على السكون أو في محل النصب بـ {أَنِ} المصدرية مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على {مُوسى} ، {بِعَصاكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {اضْرِبْ}. {الْحَجَرَ}: مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لـ {أَوْحَيْنا} لا محل لها من الإعراب، أو في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بـ {أَوْحَيْنا} تقديره: وأوحينا إلى موسى بالضرب بعصاه الحجر، {فَانْبَجَسَتْ} {الفاء}: عاطفة على محذوف تقديره: فضربه فانبجست، {انبجست}: فعل ماض، {مِنْهُ}: متعلق به، {اثْنَتا عَشْرَةَ}: عدد مركب معرب الصدر مبني العجز، {اثْنَتا}: فاعل مرفوع بالفعل، وعلامة رفعه الألف، {عَشْرَةَ}: جزء فاعل مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبها معنويا لتضمنه معنى حرف العطف، وإنّما حرك ليعلم أنّ له أصلا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركيب، {عَيْنًا}: منصوب على التمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ}: فعل وفاعل ومضاف إليه، {مَشْرَبَهُمْ}: مفعول به؛ لأنّ علم بمعنى عرف والجملة مستأنفة {وَظَلَّلْنا} : فعل وفاعل {عَلَيْهِمُ} : متعلق به {الْغَمامَ} : مفعول به، والجملة معطوفة على جملة {أَوْحَيْنا}. {وَأَنْزَلْنا}: فعل وفاعل معطوف أيضا على {أَوْحَيْنا} ، {عَلَيْهِمُ} متعلق به {الْمَنَّ}: مفعول به {وَالسَّلْوى} : معطوف عليه.

{كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

{كُلُوا} : فعل وفاعل، {مِنْ طَيِّباتِ ما}: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {كُلُوا}. {رَزَقْناكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ {ما} أو

ص: 183

صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما رزقناكموه، وجملة {كُلُوا} مقول لقول محذوف معطوف على {أَنْزَلْنا} تقديره: وأنزلنا عليهم المن والسلوى وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم، {وَما ظَلَمُونا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فظلموا وكفروا بتلك النعم، {وَلكِنْ} الواو: عاطفة، {لكِنْ}: حرف استدراك {كانُوا} : فعل ناقص واسمه {أَنْفُسَهُمْ} : مفعول به لـ {يَظْلِمُونَ} ، وجملة {يَظْلِمُونَ}: في محل النصب خبر كان، وجملة كان من اسمها وخبرها جملة استدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها.

التصريف ومفردات اللغة

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} السكوت (1) في اللغة: ترك الكلام، نسب إلى الغضب على تصويره بصورة شخص ذي قوة ورياسة، يأمر وينهى، فيطاع.

قال في «الكشاف» : هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء. اه.

{وَفِي نُسْخَتِها} ؛ أي: فيما نسخ وكتب منها، من النسخ كالخطبة من الخطاب، فهي فعلة بمعنى مفعول؛ أي: منسوخها؛ أي: مكتوبها، فالنسخ يطلق على الكتابة كما يطلق على النقل والتغيير والإضافة على معنى في؛ أي: المنسوخ والمكتوب فيها. وفي «الخازن» {وَفِي نُسْخَتِها} النسخ عبارة عن النقل والتحويل، فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف .. فقد نسخت هذا الكتاب، فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع، فعلى هذا قيل: أراد بها الألواح لأنها نسخت من اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بها النسخة المكتتبة من الألواح التي أخذها موسى بعدما تكسرت. انتهى.

{هُدىً} ، أي: بيان للحق {وَرَحْمَةٌ} بالإرشاد إلى ما فيه الخير والإصلاح

(1) المراغي.

ص: 184

{يَرْهَبُونَ} والرهبة أشد الخوف {وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} يقال: اختاره من الرجال وانتقاه، إذا اصطفاه من بينهم، اختار (1) افتعل من الخير، وهو التخير والانتقاء، واختار من الأفعال التي تعدت إلى اثنين، أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، وهي اختار واستغفر وأمر وكنى ودعا وزوج وصدق، ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل فيقال: اخترت زيدا من الرجال، واخترت زيدا الرجال، قال الشاعر:

اخترتك النّاس إذ رثّت خلائقهم

واعتلّ من كان يرجى عنده السّول

أي: اخترتك من الناس. {والرَّجْفَةُ} الصاعقة {إِلَّا فِتْنَتُكَ} والفتنة الاختبار والامتحان مطلقا، أو بالأمور الشاقة {أَنْتَ وَلِيُّنا} الولي المتولي أمور غيره القائم عليها {والحسنة} في الدنيا هي العافية وبسطة الرزق، وعز الاستقلال، والملك و {وَفِي الْآخِرَةِ} دخول الجنة، ونيل الرضوان {هُدْنا إِلَيْكَ} من هاد يهود، كقال يقول، إذا تاب ورجع إلى الحق، فهو هائد، وقوم هود، وأصل (2) الهود: الرجوع برفق، وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، وبعده صار اسم ذم، وهو لازم لهم.

{النَّبِيَّ} (3) من النبأ، وهو الخبر المهم العظيم الشأن، وفي لسان الشرع من أوحى الله إليه وأنبأه بما لم يكن يعلم، بكسبه من خبر أو حكم به، يعلم علما ضروريا أنّه من الله عز وجل {والرَّسُولَ} نبي أمره الله تعالى بتبليغ شرع ودعوة دين، وبإقامته والعمل به، ولا يشترط أن يكون كتابا يقرأ وينشر، ولا شرعا جديدا يعمل به ويحكم بين الناس، بل يكون تابعا لشرع غيره كله، كالرسل من بني إسرائيل الذين كانوا يتبعون التوراة عملا وحكما {والْأُمِّيَّ} الذي لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأم، وأهل الكتاب يلقبون العرب: بالأميين، كما حكى الله عنهم:{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} {والمعروف} ما تعرف العقول السليمة حسنه لموافقته للفطرة والمصلحة، بحيث لا تستطيع أن ترده أو

(1) البحر المحيط.

(2)

الفتوحات.

(3)

المراغي.

ص: 185

تعترض عليه إذا ورد به الشرع {والْمُنْكَرِ} : ما تنكره القلوب وتأباه على الوجه المذكور و {الطيب} ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة، وتستفيد منه التغذية النافعة و {الخبيث} من الأطعمة ما تمجه الطباع السليمة، كالميتة والدم المسفوح، أو تصد عنه العقول الراجحة، لضرره في البدن، كالخنزير الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة، أو لضرره في الدين، كالذي يذبح للتقرب به إلى غير الله تعالى على سبيل العبادة و {الخبيث} من الأموال ما يؤخذ بغير حق، كالربا والرشوة والغلول والسرقة والغصب، ونحو ذلك {والإصر} الثقل الذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه من الحركة لثقله {وَالْأَغْلالَ} واحدها غل - بالضم - وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة، وفي «المصباح» الغل - بضم الغين - طوق من حديد يجعل في العنق اه.

{وَعَزَّرُوهُ} ؛ أي: عظموه، والتعزير: الإعانة والنصرة حتى لا يقوى عليه عدو، وتعزير الشيء تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه {وَنَصَرُوهُ}؛ أي: على أعدائه، فهو معطوف على عزروه عطف لازم على ملزوم، {وَقَطَّعْناهُمُ} (1)؛ أي: صيرناهم قطعا وفرقا، كل فرقة منها سبط، والسبط ولد الولد مطلقا، وقد يختص بولد البنت، وأسباط بني إسرائيل سلائل أولاده العشرة؛ أي: ما عدا لاوى، وسلائل ولدي ابنه يوسف وهما: افرايم ومنسى، إذ سلائل لاوى نيطت بها خدمة الدين في جميع الأسباط، ولم تجعل سبطا مستقلا {والأمة} الجماعة التي تؤلف بين أفرادها رابطة خاصة، أو مصلحة واحدة، أو نظام واحد {إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ} والاستسقاء طلب الماء للسقيا {وانبجست} والانبجاس والانفجار واحد، يقال: بجسه فانبجس وبجسه فتبجس، كما يقال: فجره؛ أي: شقه فانفجر، وقال الراغب: الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع، وفي «المصباح»: بجست الماء بجسا من باب قتل فانبجس، بمعنى فجرته فانفجر. اه {والْغَمامَ} السحاب مطلقا أو الأبيض منه أو الرقيق {والْمَنَّ} مادة بيضاء تنزل من السماء كالطّلّ،

(1) المراغي.

ص: 186

حلوة الطعم، شبيهة بالعسل، وإذا جفت .. كانت كالصمغ {وَالسَّلْوى} طير يشبه السماني - بوزن حبارى - لكنه أكبر منه {كُلُّ أُناسٍ} وأناس اسم جمع، واحده إنسان، وقيل: جمع تكسير له، وفي «المصباح» والإنسان اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع، والأناس بالضم مشتق من الإنس وقد تحذف همزته تخفيفا على غير قياس فيصير: ناس. اه.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة، وضروبا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الاستعارة في قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} في هذا الكلام (1) مبالغة وبلاغة من حيث إنّه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالآمر به، والمغري له عليه، حتى عبر عن سكونه بالسكوت اه «بيضاوي». ففي هذه الجملة استعارتان: استعارة بالكناية: حيث شبه الغضب بإنسان ناطق يغرى موسى ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، وألق الألواح، وخذ برأس أخيك، ثم يقطع الإغراء ويترك الكلام كما مر، واستعارة تصريحية تبعية: حيث شبه سكون الغضب وخموده بانقطاع كلام المتكلم وسكوته.

ومنها: الطباق بين لفظي {تُضِلُّ} و {تَهْدِي} وبين لفظي: {يُحيِي} ويُمِيتُ وبين لفظي: {الدُّنْيا} و {الْآخِرَةِ} .

ومنها: جناس الاشتقاق بين: {فَاغْفِرْ} و {الْغافِرِينَ} .

ومنها: المقابلة بين قوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} وقوله: {وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} وبين قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ} وقوله: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ} وهي - أعني المقابلة - أن يؤتى بأمرين أو أمور ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب، وهي من المحسنات البديعية.

(1) البيضاوي.

ص: 187

ومنها: التعريض في قوله: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ؛ فإنّ فيه تعريضا بقومه كأنّه قيل: لا لقومك لأنهم غير متقين.

ومنها: الالتفات في قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ؛ فإنّ فيه التفاتا من التكلم إلى الغيبة؛ لأنّ الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، لما في الالتفات من البلاغة والنكات المقررة عندهم، كما مر في مبحث التفسير، فحق العبارة أن يقال:

فآمنوا بالله وبي.

ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: {وَالْأَغْلالَ} ؛ لأنّ الغل في الأصل حديدة تجمع اليد إلى العنق وتمنعها من المد والتحرك، فشبه التكاليف الشاقة بالغل الذي هو الحديد، بجامع المنع في كل؛ لأنّ التكاليف والتحريمات تمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع من الفعل، وقيل: شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق، فكما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل، فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه، ذكره في «الفتوحات» .

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا} ؛ لأنّه استعار التقطيع للتفريق؛ لأنّ التقطيع حقيقة في فصل الأجسام المتصلة بعضها عن بعض كالحبل، فاشتق منه قطعنا بمعنى فرقنا، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 188

قال الله سبحانه جلّ وعلا:

{وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)} .

المناسبة

قوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ

} الآيات، إلى قوله:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} لا يزال الكلام في قصة بني إسرائيل فالمناسبة ظاهرة؛ لأنّ السابقة واللاحق كله في قصة واحدة.

ص: 189