المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

3 - هلاك من غرق من قوم فرعون، وحرمان البلاد - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٠

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: 3 - هلاك من غرق من قوم فرعون، وحرمان البلاد

3 -

هلاك من غرق من قوم فرعون، وحرمان البلاد وسائر الأمة من ثمرات أعمالهم في العمران، وقد أنذرهم موسى عاقبة ذلك، فكذبوا بالآيات وأصروا على الجمود والعناد، فظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله تعالى.

ووجه العبرة في هذه الآيات ما كان للإيمان في قلب موسى وهارون من التأثير، إذ تصديا لأكبر ملك، في أكبر دولة في الأرض استعبدت قومه في خدمتها عدة قرون، وما زالا يكافحانه بالحجج والآيات حتى أظفرهما الله تعالى به، وأنقذا قومهما من ظلمه، ولهذا يحذر ألا تستعظم قوة الدول الظالمة أمام قوة الحق كما قال:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} وقال: {وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .

وهذا (1) آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعارضته، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان، وأنّه كما وصف: ظلوم كفار، جهول كفور إلا من عصمه الله تعالى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} . وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة.

‌138

- {وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ} وهذا (2) شروع في قصة بني إسرائيل، وشرح ما أحدثوه من الأمور الشنيعة، بعد أن أنقذهم الله من مهلكة فرعون، والمقصود من سياقها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنبيه المؤمنين، حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم.

أي: عبرنا بهم {الْبَحْرَ} بالسلامة، بأن فلق الله تعالى البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا؛ أي: إنّهم تجاوزوه وخرجوا منه بعناية الله تعالى وتأييده وحفظه، حتى كانوا من الشط الغربي إلى الشط الشرقي، والبحر بحر القلزم طرف من بحر فارس، كما في النهر، وهو عند خليج السويس الآن، وروي (3) أنه عبر

(1) البحر المحيط.

(2)

الفتوحات.

(3)

البحر المحيط.

ص: 97

بهم موسى عليه السلام يوم عاشوراء، بعد ما أهلك الله فرعون وقومه، فصاموا شكرا لله تعالى، وأعطي موسى التوراة يوم النحر، فبين الأمرين أحد عشر شهرا.

وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو رجاء ويعقوب: {وجوّزنا} بتشديد الواو المفتوحة، من باب فعل المضعف، وهو مما جاء فيه فعل بمعنى فعل المجرد، نحو: قدر وقدر، وليس التضعيف للتعدية.

{فَأَتَوْا} ؛ أي: مروا عقب مجاوزتهم البحر ودخولهم في بلاد العرب من البحر الآسيوي. {عَلى قَوْمٍ} قال (1) قتادة وأبو عمرو الجوني: هم من لخم وجذام، كانوا يسكنون الريف، وقيل كانوا نزولا بالرقة رقة مصر، وهي قرية بريف مصر، تعرف بساحل البحر، يتوصل منها إلى الفيّوم، وقيل: هم الكنعانيون الذين أمر موسى بقتالهم {يَعْكُفُونَ} ؛ أي: يقيمون ويواظبون {عَلى} عبادة {أَصْنامٍ} وتماثيل على صور البقر كانت {لَهُمْ} ؛ أي: لأولئك القوم الذين مروا عليهم، وهذا مبدأ شأن العجل الذي اتخذوه بعد ذلك وتعلقوا به، وكان ذلك أول فتنة العجل.

وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وأبو عمرو في رواية عبد الوارث {يَعْكُفُونَ} بكسر الكاف، وباقي السبعة بضمها وهما فصيحتان.

فصل في حقيقة الصنم

والأصنام (2) جمع صنم، وهو ما يصنع وينحت من الخشب أو الحجر أو المعدن، مثالا لشيء حقيقي أو خيالي، ليعظم تعظيم العبادة، وقد اتخذ بعض العرب في الجاهلية أصناما من عجوة التمر فعبدوها، ثم جاعوا فأكلوها، والتمثال لا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقي، وقد يكون للعبادة فيسمى صنما، وقد يكون للزينة، كالذي يكون على جدران بعض القصور، أو أبوابها، أو في حدائقها، وقد يكون للتعظيم غير الديني، كالتماثيل التي تنصب لبعض الملوك

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 98

وكبار العلماء والقادة، للتذكير بتاريخهم وأعمالهم، للاقتداء بهم.

{قالُوا} ؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى لما رأوا تلك التمثال عند أولئك القوم: {يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا} ؛ أي: عيّن لنا تمثالا نتقرب بعبادته إلى الله تعالى. {كَما لَهُمْ} ؛ أي: كما لهؤلاء القوم {آلِهَةٌ} ؛ أي: تماثيل يعبدونها.

قالوا (1) ذلك حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها، وسر هذا الطلب أنّهم لم يكونوا قد فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين، إذ إن السحرة كانوا من العلماء، فأمكنهم التمييز بين آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، والسحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم.

ولم يذكر القرآن شيئا يعين شأن هؤلاء القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل، والراجح أنّهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر، روي عن قتادة أنّهم من عرب لخم كما مر، وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت تماثيل بقر من النحاس.

{قالَ} موسى للقائلين من قومه {إِنَّكُمْ} يا قوم {قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ؛ أي: جاهلون عظمة الله تعالى، وأنّه لا يستحق أن يعبد سواه؛ لأنّه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه، فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه، فلا جهل أعظم مما قلتم؛ فإنّكم قلتموه بعدما شاهدتم المعجزة العظمى، وعن (2) واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خرج إلى غزوة حنين .. مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم» أخرجه الترمذي، قال أبو حيان (3): تعجب موسى عليه السلام من قولهم على إثر ما رأوا من الآيات العظيمة، والمعجزات الباهرة، ووصفهم بالجهل المطلق، وأكده بـ {إن} ؛ لأنّه لا جهل أعظم من هذه المقالة، ولا أشنع، وأتى بلفظ

(1) المراغي.

(2)

الخازن.

(3)

البحر المحيط.

ص: 99