الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والنفقات المفروضة، والحقوق الثابتة، كما يحملهم ذلك على الحزن على من يموت منهم بالسخط على المولى والاعتراض عليه، إلى نحو ذلك من المعاصي كنوح الأمهات، وتمزيق ثيابهن، ولطم وجوههن، وعلى الجملة: ففتنة الأولاد أكثر من فتنة الأموال، الرجل يكسب المال الحرام، ويأكل أموال الناس بالباطل، لأجل الأولاد.
فيجب على المؤمن أن يتقي الفتنتين، فيتقي الأولى بكسب المال من الحلال، وإنفاقه في سبيل البر، والإحسان، ويتّقي خطر الثانية من ناحية ما يتعلق منها بالمال، ونحوه بما يشير إليه الحديث، ومن ناحية ما أوجبه الدين من حسن تربية الأولاد، وتعويدهم الدين والفضائل، وتجنيبهم المعاصي والرذائل.
{وَ} اعلموا أيها المؤمنون {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى: {عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وثواب جسيم، فعليكم أن تؤثروا ما عند ربكم من الأجر العظيم، بمراعاة أحكام دينه، في الأموال والأولاد على ما عساه قد يفوتكم في الدنيا من التمتع بهما، فإنّ سعادة الآخرة، وهو ثواب الله تعالى، خير من سعادة الدنيا، وهو المال والولد؟ لأن سعادة الآخرة لا نهاية لها، ولا انقضاء، وسعادة الدنيا تفنى وتنقضي.
29
- {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: إن تمتثلوا أوامر الله وتجتنبوا نواهيه {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا} ؛ أي: نجاة مما تخافون في الدارين، أو يجعل لكم نورا، وتوفيقا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل، وقال مجاهد: يجعل لكم مخرجا في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجا في الدين من الشبهات، وقال عكرمة: نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون، وقال محمد بن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم، ويطفىء باطل من خالفكم، وقيل: يفرق بينكم وبين الكفار، بأن يظهر دينكم ويعليه، ويبطل الكفر ويوهنه، أو نصرا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله، أو بيانا وظهورا في أقطار الأرض {وَيُكَفِّرْ
عَنْكُمْ}؛ أي: يمح (1) عنكم {سَيِّئاتِكُمْ} ؛ أي: الصغائر منها {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ؛ أي: يستر لكم الكبائر منها {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ؛ أي: ذو المن والعطاء الجسيم على عباده بالمغفرة والجنة، أو المعنى:{يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ} ؛ أي: يسترها في الدنيا {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ؛ أي: يزلها في الآخرة، وفي «الصاوي»: قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} عطف مرادف على ما قبله، انتهى وفي «البحر»: وإنما تغاير الظرفان لئلا يلزم التكرار {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ؛ لأنه هو الذي يفعل ذلك بكم، فله الفضل العظيم عليكم، وعلى غيركم من خلقه، ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به، قيل: إنه يتفضل على الطائعين بقبول الطاعات، ويتفضل على العاصين بغفران السيئات، وقيل: معناه إن بيده الفضل العظيم، فلا يطلب من عند غيره.
وفي قوله: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} إيماء (2) وتنبيه إلى أنّ ما وعد به المتقين من المثوبة فضل منه وإحسان، تفضل به علينا بدون واسطة، وبدون التماس عوض.
الإعراب
{يا أَيُّهَا} يا حرف نداء {أي} منادى نكرة مقصودة {ها} حرف تنبيه زائد تعويضا عما فات {أي} من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة {الَّذِينَ} اسم موصول في محل الرفع صفة لـ {أي} ، {آمَنُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، {لَقِيتُمُ الَّذِينَ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر بإضافة {إِذا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي {كَفَرُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول
(1) الخازن.
(2)
المراغي.
{زَحْفًا} حال من المفعول به وهو الذين فهو مصدر مؤول بمشتق تقديره: حال كونهم زاحفين، {فَلا} {الفاء} رابطة لجواب {إِذا} ، وجوبا لكون الجواب جملة طلبية {لا} ناهية جازمة {تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ} فعل وفاعل ومفعولان مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة جواب إذ لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا جواب النداء، لا محل لها من الإعراب.
{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ} .
{وَمَنْ} الواو: استئنافية {مَنْ} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما {يُوَلِّهِمْ} فعل ومفعول أول مجزوم بـ {مَنْ} على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على من {يَوْمَئِذٍ} {يوم} منصوب على الظرفية متعلق بـ {يُوَلِّهِمْ} {يوم} مضاف {إذ} ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر، مضاف إليه، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين {دُبُرَهُ} مفعول ثان، ومضاف إليه، {إِلَّا} أداة استثناء {مُتَحَرِّفًا} إما منصوب على الاستثناء من ضمير المؤمنين؛ أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم {مُتَحَرِّفًا} أو متحيزا أو حال من فاعل {يُوَلِّهِمْ} {لِقِتالٍ} جار ومجرور متعلق بـ {مُتَحَرِّفًا} واللام فيه للتعليل {أَوْ مُتَحَيِّزًا} معطوف عليه {إِلى فِئَةٍ} جار ومجرور متعلق بـ {مُتَحَيِّزًا} .
{فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
{فَقَدْ} {الفاء} رابطة لجواب {مَنْ} الشرطية وجوبا لكون الجواب مقرونا بـ {قد} ، {قد} حرف تحقيق {باءَ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {مَنْ} الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة {مَنْ} الشرطية مستأنفة استئنافا بيانيا، لا محل لها من الإعراب، {بِغَضَبٍ} جار ومجرور متعلق بـ {باءَ} أو حال من فاعله، والباء فيه للملابسة؛ أي ملتبسا ومصحوبا بغضب {مِنَ اللَّهِ} جار ومجرور متعلقان بـ {باءَ} ، {وَمَأْواهُ} مبتدأ، ومضاف إليه، {جَهَنَّمُ} خبره، ولم ينون للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة {باءَ} على
كونها جوابا لـ {مَنْ} الشرطية {وَبِئْسَ} الواو: استئنافية {بِئْسَ الْمَصِيرُ} فعل وفاعل، وهو من أفعال الذم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي، وهو مبتدأ، خبره جملة {بِئْسَ} ، والجملة الاسمية مستأنفة.
{فَلَمْ} {الفاء} (1) فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره، إن افتخرتم بقتلهم، وأردتم بيان حقيقة الأمر فيهم، فأقول لكم: أنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء لكم النصر والظفر، وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع كما ذكره الزمخشري {لم تقتلوهم} جازم وفعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، {وَلكِنَّ} الواو: عاطفة {لكِنَّ} حرف نصب واستدراك، {اللَّهَ} اسمها {قَتَلَهُمْ} فعل ومفعول وفاعله، ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {لكِنَّ} وجملة {لكِنَّ} في محل النصب معطوفة على جملة {لم تقتلوهم} على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة، {وَما} الواو: عاطفة ما نافية {رَمَيْتَ} فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} ، وصح العطف عليها؛ لأن (2) المضارع المنفي بـ {لم} في قوة الماضي المنفي بما، فإنك إذا قلت: لم يقم كان معناه، ما قام {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية {رَمَيْتَ} فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ {رَمَيْتَ}؛ أي: وما رميت الرعب والهزيمة في قلوبهم، وقت رميك إياهم بالحصى {وَلكِنَّ} الواو: عاطفة {لكِنَّ} حرف استدراك ونصب {اللَّهَ} اسمها {رَمى} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر {لكِنَّ} ، وجملة {لكِنَّ} معطوفة على جملة {وَما
(1) البحر المحيط.
(2)
الفتوحات.
رَمَيْتَ}. {وَلِيُبْلِيَ} الواو: عاطفة {لِيُبْلِيَ} {اللام} حرف جر وتعليل {يبلي} فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله {الْمُؤْمِنِينَ} مفعول أول، {مِنْهُ} متعلق بـ {يبلى} {بَلاءً} مفعول ثان {حَسَنًا} صفة له. قال الزمخشري؛ أي: وليعطي المؤمنين من عنده عطاء جميلا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولإبلائه المؤمنين منه بلاء حسنا، الجار والمجرور معطوف على علة محذوفة تقديره، ولكن الله رمى، وفعل بالكفار ما فعل لمحق الكافرين، ولإبلائه المؤمنين منه بلاء حسنا، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. {إِنَّ} حرف مشبه بالفعل {اللَّهَ} اسمها منصوب {سَمِيعٌ} خبرها مرفوع {وعَلِيمٌ} خبر ثان مرفوع.
{ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18)} .
{ذلِكُمْ} مبتدأ وخبره محذوف جوازا تقديره ذلكم الإبلاء، والقتل والرمي حق، والجملة مستأنفة، {وَأَنَّ} الواو: عاطفة {أَنَّ} حرف نصب ومصدر {اللَّهَ} اسمها {مُوهِنُ} خبرها {كَيْدِ} بالجر مضاف إليه، وبالنصب مفعول مُوهِنُ. {الْكافِرِينَ} مضاف إليه وجملة أن في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ خبره محذوف تقديره: وتوهين الله كيد الكافرين، حق، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {ذلِكُمْ} ، ويجوز أن تكون جملة {أَنَّ} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم المحذوف تقديره: واعلموا توهين الله كيد الكافرين.
{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} جازم وفعل وفاعل {فَقَدْ} {الفاء} رابطة لجواب إن الشرطية، وجوبا لكون الجواب مقرونا بـ {قد} {قد} حرف تحقيق {جاءَكُمُ الْفَتْحُ} فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ {إِنْ} الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة {إِنْ} الشرطية مستأنفة {وَإِنْ تَنْتَهُوا} جازم وفعل وفاعل {فَهُوَ} {الفاء} رابطة لجواب {إِنْ} الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة اسمية {هو خير} مبتدأ وخبر {لَكُمْ} متعلق بـ {خَيْرٌ} ، والجملة الاسمية في محل
الجزم جواب إن الشرطية، وجملة {إِنْ} الشرطية معطوفة على جملة {إِنْ} الأولى {وَإِنْ تَعُودُوا} جازم وفعل وفاعل {نَعُدْ} فعل مضارع مجزوم بـ إِنْ على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة {إِنْ} الشرطية معطوفة على جملة {إِنْ} الأولى، {وَلَنْ} {الواو}: عاطفة {لَنْ} حرف نصب {تُغْنِيَ} فعل مضارع منصوب بـ {لَنْ} {عَنْكُمْ} متعلق به {فِئَتُكُمْ} فاعل، ومضاف إليه {شَيْئًا} مفعول به، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة {نَعُدْ} {وَلَوْ} الواو: عاطفة {لَوْ} حرف شرط {كَثُرَتْ} فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الفئة، والجملة فعل شرط لـ {لَوْ} وجوابها محذوف تقديره: فلن تغنى عنكم، وجملة {لَوْ} الشرطية معطوفة على جملة محذوفة تقديره، ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا إن وجدت ولو كثرت {وَإِنْ} الواو: استئنافية {إِنْ} حرف نصب {اللَّهَ} اسمها {مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} خبرها، وجملة {إِنْ} في تأويل مصدر ساد من مفعولي علم المحذوف تقديره: واعلموا كون الله مع المؤمنين بالنصر والإمداد، والجملة مستأنفة.
{يا أَيُّهَا} {يا} حرف نداء {أي} منادي نكرة مقصودة {ها} حرف تنبيه {الَّذِينَ} صفة لـ {أي} وجملة النداء مستأنفة {آمَنُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {أَطِيعُوا اللَّهَ} فعل وفاعل، ومفعول {وَرَسُولَهُ} معطوف على الجلالة والجملة جواب النداء {وَلا تَوَلَّوْا} جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {أَطِيعُوا} {عَنْهُ} متعلق بـ {تَوَلَّوْا} {وَأَنْتُمْ} مبتدأ، وجملة {تَسْمَعُونَ} خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل {تَوَلَّوْا} . {وَلا تَكُونُوا} جازم وفعل ناقص واسمه {كَالَّذِينَ} خبره، والجملة معطوفة على جملة {وَلا تَوَلَّوْا} {قالُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {سَمِعْنا} مقول محكي لـ {قالُوا} وان شئت قلت:{سَمِعْنا} فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قالُوا} {وَهُمْ} مبتدأ وجملة {لا يَسْمَعُونَ} خبره، والجملة الاسمية في محل
النصب حال من واو: {قالُوا} .
{إِنَّ} حرف نصب {شَرَّ الدَّوَابِّ} اسم {إِنَّ} ومضاف إليه، {عِنْدَ اللَّهِ} متعلق بـ {شَرَّ} ، {الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ} كل من الثلاثة خبر المبتدأ كقولهم: الرمان حلو حامض، وجملة {لا يَعْقِلُونَ} صلة الموصول، وجملة {إِنَّ} من اسمها وخبرها مستأنفة. {وَلَوْ} الواو: استئنافية {لَوْ} حرف شرط {عَلِمَ اللَّهُ} فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {لَوْ} لا محل لها من الإعراب {فِيهِمْ} متعلق بـ عَلِمَ {خَيْرًا} مفعول به {لَأَسْمَعَهُمْ} {اللام} رابطة لجواب {لَوْ} الشرطية {أسمعهم} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب {لَوْ} لا محل لها من الإعراب، وجملة {لَوْ} الشرطية مستأنفة {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} حرف شرط وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله {لَتَوَلَّوْا} {اللام} رابطة لجواب لو الشرطية {تولوا} فعل وفاعل والجملة جواب {لَوْ} وجملة {لَوْ} الشرطية معطوفة على جملة {لَوْ} الأولى {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل {تولوا} .
{يا أَيُّهَا} منادى نكرة مقصودة {الَّذِينَ} صفة لـ {أي} وجملة النداء مستأنفة {آمَنُوا} فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول {اسْتَجِيبُوا} فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، {لِلَّهِ} متعلق بـ {اسْتَجِيبُوا} {وَلِلرَّسُولِ} معطوف على الجار، والمجرور قبله {إِذا} ظرف لما يستقبل من الزمان {دَعاكُمْ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الرسول} وجملة {دعا} في محل الخفض بإضافة {إِذا} إليها، على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب المحذوف، تقديره: إذا دعاكم لما يحييكم .. استجيبوا لله وللرسول {لِما} جار
ومجرور متعلق بـ {دعا} {يُحْيِيكُمْ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {ما} والجملة الفعلية صلة {لِما} أو صفة لها {وَاعْلَمُوا} فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {اسْتَجِيبُوا} {أَنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه {يَحُولُ} فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله {بَيْنَ الْمَرْءِ} ظرف ومضاف إليه، {وَقَلْبِهِ} معطوف على {الْمَرْءِ} والظرف متعلق بـ {يَحُولُ} ، وجملة {يَحُولُ} في محل الرفع خبر {أَنَّ} وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: واعلموا حيلولة الله بين المرء وقلبه، {وَأَنَّهُ} ناصب واسمه {إِلَيْهِ} متعلق بـ {تُحْشَرُونَ} وجملة {تُحْشَرُونَ} في محل الرفع خبر {أن} وجملة {أن} معطوفة على جملة {أَنَّ} الأولى على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: وحشركم إليه تعالى.
{وَاتَّقُوا} فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {اسْتَجِيبُوا} على كونها جواب النداء {فِتْنَةً} مفعول به {لا} نافية {تُصِيبَنَّ} فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على فتنة {الَّذِينَ} مفعوله، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ {فِتْنَةً} {ظَلَمُوا} فعل وفاعل والجملة صلة الموصول {مِنْكُمْ} جار ومجرور حال من واو {ظَلَمُوا} {خَاصَّةً} منصوب على الحال من الفاعل المستتر في قوله {لا تُصِيبَنَّ} وأصلها أن تكون صفة لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة كما في «السمين» {وَاعْلَمُوا} فعل وفاعل معطوف على {اسْتَجِيبُوا} {أَنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه {شَدِيدُ الْعِقابِ} خبر {أَنَّ} ومضاف إليه، وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره، واعلموا شدّة عذاب الله تعالى.
{وَاذْكُرُوا} فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة {اسْتَجِيبُوا} {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ {اذْكُرُوا} {أَنْتُمْ} مبتدأ {قَلِيلٌ} خبر والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذْ} {مُسْتَضْعَفُونَ} صفة أولى لـ {قَلِيلٌ} {فِي الْأَرْضِ} متعلق به، {تَخافُونَ} فعل وفاعل، والجلمة في محل الرفع صفة ثانية لـ {قَلِيلٌ} ، {أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} ناصب وفعل ومفعول، وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {تَخافُونَ} تقديره: تخافون تخطف الناس إياكم، {فَآواكُمْ} {الفاء} حرف عطف وتفريع {أواكم} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة مفرعة على الجملة الاسمية، في قوله:{إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} على كونها مضافا إليه لـ {إِذْ} {وَأَيَّدَكُمْ} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة {أواكم} {بِنَصْرِهِ} جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ {أَيَّدَكُمْ} {وَرَزَقَكُمْ} فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة {أواكم} {مِنَ الطَّيِّباتِ} جار ومجرور متعلق بـ {رزق} {لَعَلَّكُمْ} ناصب واسمه، وجملة {تَشْكُرُونَ} في محل الرفع خبر {لعل} ، وجملة {لعل} مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
{يا أَيُّهَا} منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة {الَّذِينَ} صفة لـ {أي} {آمَنُوا} صلة الموصول {لا تَخُونُوا اللَّهَ} جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء، {وَالرَّسُولَ} معطوف على الجلالة {وَتَخُونُوا} فعل وفاعل معطوف على تخونوا الأول {أَماناتِكُمْ} مفعول به، ومضاف إليه، {وَأَنْتُمْ} مبتدأ وجملة {تَعْلَمُونَ} خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو {تَخُونُوا} ومفعول {تَعْلَمُونَ} محذوف تقديره: وأنتم تعلمون أن ما وقع منكم خيانة.
{وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
{وَاعْلَمُوا} فعل وفاعل معطوف على {تَخُونُوا} على كونه جواب النداء، {أَنَّما} {أن} حرف نصب و {ما} كافة لكفها ما قبلها عن العمل، فيما بعدها
{أَمْوالُكُمْ} مبتدأ {وَأَوْلادُكُمْ} معطوف عليه {فِتْنَةٌ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: واعلموا كون أموالكم وأولادكم فتنة {وَأَنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه {عِنْدَهُ} ظرف ومضاف إليه خبر مقدم {أَجْرٌ} مبتدأ مؤخر {عَظِيمٌ} صفة لأجر، وجملة المبتدأ والخبر، في محل الرفع خبر {أَنَّ} ، وجملة {أَنَّ} معطوفة على جملة {أَنَّما} على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي {علم} تقديره وكون أجر عظيم عند الله تعالى.
{يا أَيُّهَا} منادى نكرة مقصودة، والجملة مستأنفة {الَّذِينَ} صفة لـ {أي} {آمَنُوا} صلة الموصول {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} جازم وفعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ {إِنْ} على كونه فعل شرط لها، {يَجْعَلْ} فعل مضارع مجزوم بـ {إِنْ} على كونه جواب الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله {لَكُمْ} جار ومجرور متعلق به {فُرْقانًا} مفعول به، وجملة {إِنْ} الشرطية من فعل شرطها وجوابها جواب النداء لا محل لها من الإعراب، {وَيُكَفِّرْ} معطوف على {يَجْعَلْ} وفاعله ضمير يعود على الله {عَنْكُمْ} متعلق به {سَيِّئاتِكُمْ} مفعول به، ومضاف إليه، {وَيَغْفِرْ} معطوف على يجعل وفاعله ضمير يعود على الله {لَكُمْ} متعلق به {وَاللَّهُ} مبتدأ {ذُو الْفَضْلِ} خبر ومضاف إليه، {الْعَظِيمِ} صفة لـ {الْفَضْلِ} ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
{زَحْفًا} من زحف (1) إذا مشى على بطنه كالحية، أو دبّ على مقعده، كالصبي، أو على ركبتيه، أو مشى بثقل في الحركة واتصال وتقارب في الخطو كزحف صغار الجراد، والعسكر المتوجه إلى العدوّ لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه
(1) المراغي.
يزحف، إذ الكل يرى كجسم واحد متصل، فتحس حركته بطيئة، وإن كانت في الواقع سريعة، وفي «المصباح» زحف القوم زحفا من باب نفع وزحوفا، ويطلق على الجيش الكثير، زحف تسمية بالمصدر، والجمع زحوف مثل فلس وفلوس، والصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي، وزحف البعير إذا أعيا فجر فرسنه، وأزحف بالألف، ومنه قيل: زحف الماشي، وأزحف أيضا إذا أعيا. انتهى.
{فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ} {الْأَدْبارَ} : جمع دبر، وهو الخلف، ومقابله القبل، ومن ثم يكنى بهما عن السؤتين، وتولية الدبر والأدبار، يراد بهما الهزيمة، لأن المنهزم يجعل خصمه متوجها إلى دبره ومؤخره، وفي «الجمل» (1): يطلق الدبر على مقابل القبل، ويطلق على الظهر، وهو المراد هنا، والمقصود ملزوم تولية الظهر، وهو الانهزام، فهذا اللفظ استعمل في ملزوم معناه. انتهى.
{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ} ؛ أي: لأجل التمكن من القتال، والمتحرف للقتال أو غيره: هو المنحرف عن جانب إلى آخر من الحرف، وهو الطرف {أَوْ مُتَحَيِّزًا} والمتحيز (2) المنضم إلى جانب، وقال أبو عبيدة: التحيز، والتحوز، التنحي والتحوز الانضمام، وقال الليث: ما لك متحوزا إذا لم تستقر على الأرض، وأصله: من الحوز وهو الجمع، يقال: حزته في الطرس، فانحاز، وتحيز انضم، واجتمع، وتحوزت الحية انطوت واجتمعت، وسمي التنحي تحيزا؛ لأنّ المتنحي عن جانب ينضم عنه، ويجتمع إلى غيره، وتحيز تفيعل أصله تحيوز اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وتحوز تفعل ضعفت عينه، ووزن (3) متحيز متفيعل، والأصل: متحيوز فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء {إِلى فِئَةٍ} والفئة: الطائفة من الناس {وَمَأْواهُ} والمأوى: الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان، {وَما رَمَيْتَ} والرمي معروف، ويكون بالسهم، والحجر والتراب {بَلاءً} هو اسم مصدر لأبلى يبلي إبلاء وبلاء، والمراد به هنا: المبلو به، أي:
(1) الفتوحات.
(2)
البحر المحيط.
(3)
الفتوحات.
المعطى {مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ} والموهن: المضعف من أوهنه إذا أضعفه، والكيد: التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، فتسوء عاقبة من يقصد به {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} والاستفتاح: طلب الفتح، والفصل في الأمر كالنصر في الحرب.
{لا تَخُونُوا اللَّهَ} الخيانة (1): لغة تدل على الإخلاف والخيبة بنقص ما كان يرجى ويؤمل من الخائن، فقالوا: خانه سيفه إذا نبا عن الضربة، وخانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي، ومنه قوله:{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: تنقصونها بعص ما أحل لها من اللذات، ثمّ استعمل في ضد الأمانة والوفاء؛ لأن الرجل إذا خان الرجل فقد أدخل عليه النقصان، {أَمِنْتُكُمْ} جمع أمانة، والأمانة كل حقّ مادي أو معنوي يجب عليك أداؤه إلى أهله، قال تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} .
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً} والفتنة: الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره، فهي تكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال، والأشياء، فيمتحن الله المؤمنين والكافرين، والصادقين والمنافقين، ويجازيهم بما يترتب على فتنتهم من اتباع الحق، أو الباطل، وعمل الخير أو الشر {أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} وفي «المصباح» خطفه يخطفه من باب تعب استلبه بسرعة وخطفه خطفا من باب ضرب لغة، واختطف وتخطف مثله، والخطفة مثل تمرة المرّة يقال لما اختطفه الذئب ونحوه من حيوان، هي خطفة تسمية بذلك اه.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} التقوى: ترك الذنوب، والآثام، وفعل ما يستطاع من الطاعات، والواجبات الدينية، وبعبارة أخرى: هي اتقاء ما يضر الإنسان في نفسه، وفي جنسه، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة، والغايات الحسنة.
{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا} والفرقان أصله الفرق، والفصل بين الشيئين أو الأشياء، ويراد به هنا نور البصيرة الذي به يفرق بين الحق والباطل والضار والنافع،
(1) المراغي.
وبعبارة ثانية: هو العلم الصحيح والحكم الرجيح، وقد أطلق هذا اللفظ على التوراة والإنجيل، والقرآن، وغلب على الأخير قال تعالى:{تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (1)} من قبل أن كلامه تعالى يفرق في العلم والاعتقاد بين الإيمان والكفر، والحق والباطل، والعدل والجور، والخير والشر، والفرقان (1) في الأصل: مصدر فرق بين الشيئين؛ أي: حال بينهما. وقال ابن عباس وجماعة: {فُرْقانًا} ؛ أي: مخرجا في الدين من الضلال، وقال مزرد بن ضرار:
بادر الأفق أن يغيب فلمّا
…
أظلم اللّيل لم يجد فرقانا
وقال الآخر:
ما لك من طول الأسى فرقان
…
بعد قطين رحلوا وبانوا
وقال الآخر:
وكيف أرجو الخلد والموت طالبي
…
وما لي من كأس المنيّة فرقان
أو مخرجا من الشبهات، وتوفيقا وشرحا للصدور؛ أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة، ولفظ {فُرْقانًا} مطلق، فيصلح لما يقع به فرق بين المؤمنين والكافرين في أمور الدنيا والآخرة.
والتقوى هنا: إن كانت من اتقاء الكبائر، كانت السيئات الصغائر، ليتغاير الشرط والجزاء، وتكفيرها في الدنيا ومغفرتها إزالتها في القيامة، وتغاير الظرفان لئلا يلزم التكرار كما مرّ في بحث التفسير.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا وضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التشبيه البليغ في قوله {زَحْفًا} لأن المعنى (2) على التشبيه بالزاحفين
(1) البحر المحيط.
(2)
الفتوحات.
على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأنّ الجيش إذا كثر والتحم بعضه ببعض يتراءى أن سيره بطيء، وإن كان في نفسه سريعا، فالمراد من هذه الحال بعد كون المراد التشبيه ما يلزم هذه المشابهة، وهو: الكثرة.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ} لما فيه من إطلاق اللازم، وهو تولية الظهر، وإرادة الملزوم، وهو الانهزام، فكأنه قال: فلا تنهزموا.
ومنها: التعريض في قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} حيث عدل عن ذكر الظهر إلى الدبر تعريضا (1) بسوء حالهم، وقبح فعالهم، وخساسة منزلتهم، بذكر ما يستهجن ذكره، وهو الدبر، وبعض البيانيين يسمي هذا بالإيماء، وبعضهم بالكناية، وهذا ليس بشيء فإن الكناية أن تصرّح باللفظ الجميل على المعنى القبيح. ذكره في التحرير.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: {فَلا تُوَلُّوهُمُ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ} وفي قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} وفي قوله: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} وفي قوله: {سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} والجناس المغاير في قوله: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} وفي قوله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} .
ومنها: التكرار في قوله: {وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى} وفي وقوله: {لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} .
ومنها: التهكم في قوله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ} لأن الأصح أن يكون الخطاب للمشركين على سبيل التهكم، كقوله:{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)} لأنهم هم الذين وقع بهم الهلاك، والفتح وقع لغيرهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} لأنه كناية (2) عن كونه أقرب للشخص من قلبه لذاته، بل هو تعالى
(1) البحر المحيط.
(2)
الصاوي.
أقرب من السمع للأذن، ومن البصر للعين، ومن اللمس للجسد، ومن الشم للأنف، ومن الذوق للسان، فشبه القرب بالحيلولة، واستعير اسم المشبه به، وهو الحيلولة للمشبه وهو القرب، واشتق من الحيلولة {يَحُولُ} بمعنى يقرب على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} لما فيه من إطلاق المسبب الذي هو المصائب والفتن، وإرادة السبب الذي هو الذنوب والمعاصي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
المناسبة
قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
} الآية، مناسبة (1) هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر المؤمنين عامة بنعمه عليهم بقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} .. ذكر هنا نعمه على رسوله خاصة، بدفع كيد المشركين، ومكر الماكرين بنصره عليهم، وخيبة مسعاهم في إيقاع الأذى به بعد أن تآمروا عليه، وقطعوا برأي معين فيه.
قوله تعالى: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
…
}
(1) المراغي.
مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (1) سبحانه وتعالى لما نفى عنهم أن يكونوا ولاة البيت .. ذكر من فعلهم القبيح، ما يؤكد ذلك، وأن من كانت صلاته ما ذكر لا يستأهل أن يكونوا أوياءه.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (2): أن الله سبحانه وتعالى لما بيّن أحوال هؤلاء المشركين في الطاعات البدنية بقوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً} .. أردف ذلك بذكر أحوالهم في الطاعات المالية.
قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر (3) الله سبحانه وتعالى ما يحل بهم من حشرهم إلى النار، وجعلهم فيها وخسرهم .. تلطف بهم، وأنهم إذا انتهوا عن الكفر، وآمنوا غفرت لهم ذنوبهم السالفة، وليس ثم ما يترتب على الانتهاء عنه غفران الذنوب سوى الكفر، فلذلك كان المعنى أن ينتهوا عن الكفر.
وعبارة «المراغي» هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما بين حال من يصرّ على الكفر، والصد عن سبيل الله، وقتال رسوله والمؤمنين، وعاقبة أعمالهم في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك ببيان من يرجعون عنه، ويدخلون في الإسلام، لأن الأنفس في حاجة إلى هذا البيان.
أسباب النزول
قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
} الآية، أجمع المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما بويع (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن يعلو أمره، وقالوا: والله لكأنكم به قد كر عليكم بالرجال، فاجتمع جماعة من
(1) البحر المحيط.
(2)
المراغي.
(3)
البحر المحيط.
(4)
زاد المسير.
أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا من رأيي نصحا، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، فقالوا: انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: ما هذا برأي يوشك أن يغضب له قومه، فيأخذوه من أيديكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا من إيذائه لكم، فقال إبليس لا مصلحة لكم فيه، لأنه قد يجمع طائفة على نفسه، ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: الرأي أن نجمع من كل قبيلة غلاما، ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرق دمه في القبائل، فلا تقدر بنو هاشم على محاربة قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، فقال إبليس: هذا هو الرأي الصواب، فتفرقوا عن ذلك، وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر عليا فبات في مكانه، وبات المشركون يحرسونه، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن الله له في الخروج إلى المدينة، وجاء المشركون لما أصبحوا، فرأوا عليّا فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت، فأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة، يذكره نعمته عليه {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
} الآية. ذكره ابن هشام في «سيرته» (1/ 480 - 483) قال فيه، قال ابن إسحاق: حدثني به من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس، ورواه أحمد في «مسنده» رقم (3251) مختصرا.
قوله تعالى: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا
…
} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (1) ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد
(1) لباب النقول.
أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله: أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول، قال: وفيه أنزلت هذه الآية {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا
…
}» الآية.
قوله تعالى: {وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ
…
} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث.
وروى البخاري عن أنس قال: قال أبو جهل بن هشام: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
…
} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: غفرانك، غفرانك، فأنزل الله {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
…
} الآية.
ولا مانع من أن الآية نزلت في هذا وهذا، وأنهما معا كانا سببا لنزول الآية. والله أعلم.
وأخرج (1) ابن جرير عن ابن أبزى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأنزل الله: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} فخرج إلى المدينة، فأنزل الله {وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ، وكان أولئك البقية من المسلمين، الذين بقوا فيها يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله: {وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
…
} الآية، فأذن في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.
قوله تعالى: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ
…
} الآية (2)، سبب نزولها: أن قريشا كانوا يطوفون بالبيت، ويصفقون، ويصفرون، ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد، قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في
(1) لباب النقول.
(2)
زاد المسير.