المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وأما تقرير نسخ الملة المحمدية لسائر الملل - إمتاع الأسماع - جـ ٤

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الرابع]

- ‌[تتمة الفصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم]

- ‌ومن حديث محمد بن كعب القرظيّ قال:

- ‌فصل في ذكر ما كان من أعلام نبوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منذ حملت به أمه آمنة بنت وهب [ (1) ] إلى أن بعثه اللَّه برسالته

- ‌وأما إخبار الحبر لعبد المطلب بأن في إحدى يديه ملكا وفي الأخرى نبوة، وأن ذلك في بني زهرة

- ‌وأما رؤية النور بين عيني عبد اللَّه بن عبد المطلب

- ‌وأما إخبار آمنة بأنها قد حملت بخير البرية وسيّد الأمة

- ‌وأما دنوّ النجوم منها عند ولادته وخروج النور منها

- ‌وأما انفلاق البرمة عنه

- ‌وأما ولادته مختونا مسرورا

- ‌وأما استبشار الملائكة وتطاول الجبال وارتفاع البحار وتنكيس الأصنام وحجب الكهان ونحو ذلك

- ‌وأما ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته وخمود نار فارس ورؤيا الموبذان

- ‌وأما صرف أصحاب الفيل عن مكة المكرمة

- ‌وكان مولده صلى الله عليه وسلم عام الفيل

- ‌وأما الآيات التي ظهرت في مدة رضاعته صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما معرفة اليهود له وهو غلام مع أمه بالمدينة، واعترافهم إذ ذاك بنبوته

- ‌وأما توسم جده فيه السيادة لما كان يشاهد منه في صباه من مخايل [ (1) ] الرّباء [ (2) ]

- ‌وأما إلحاق القافّة [ (1) ] قدمه بقدم إبراهيم عليه السلام وتحدّث يهود بخروج نبي من ضئضئ [ (2) ] عبد المطّلب

- ‌وأما رؤية عمه أبي طالب منذ كفله ومعرفته بنبوته

- ‌وأما تظليل الغمام له في صغره واعتراف بحيرى ونسطورا بنبوته

- ‌فصل في رعاية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الغنم قبل النبوة

- ‌فصل في ذكر اشتهار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته بالرسالة من اللَّه تعالى إلى العباد

- ‌فصل في ذكر عصمة اللَّه تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم من الجن والإنس والهوام

- ‌فصل في ذكر حراسة السماء من استراق الشياطين السمع [ (1) ] عند بعثة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات اللَّه تعالى لعباده

- ‌فصل في ذكر بعثة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فأمّا شبهة منكري التكليف

- ‌وأما شبهة البراهمة

- ‌وأما شبهة منكري كون الشرائع من عند اللَّه

- ‌وأما شبهة اليهود

- ‌وأما بعثة الرسل هل هي جائزة أو واجبة

- ‌وأما الأدلة على صحة دين الإسلام وصدق نبينا محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌فأحدهما:

- ‌الحجة الثانية

- ‌الحجة الثالثة

- ‌الحجة الرابعة

- ‌الحجة الخامسة

- ‌الحجة السادسة

- ‌الحجة السابعة

- ‌الحجة الثامنة

- ‌الحجة التاسعة

- ‌الحجة العاشرة

- ‌وأما تقرير نسخ الملة المحمدية لسائر الملل

- ‌وأمّا أنّ التّوراة التي هي الآن بأيدي اليهود ليست التوراة التي أنزلها اللَّه على موسى عليه السلام

- ‌فلحقها ثلاثة أمور [ (1) ] :

- ‌ومنها أن اللَّه تجلى لموسى في سيناء

- ‌وهذه نبذة من مقتضيات غضب اللَّه تعالى عليهم

- ‌بحث تاريخي عن الأناجيل التي بين يدي النصارى

- ‌[المعجزة في رأي المتكلمين]

- ‌[الآية]

- ‌تنبيه وإرشاد لأهل التوفيق والرشاد

- ‌فصل في [ذكر موازاة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا صلى الله عليه وسلم ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتي عليه السلام]

- ‌وأما إبراهيم عليه السلام

- ‌وأما هود عليه السلام

- ‌وأما صالح عليه السلام

- ‌وأما إدريس عليه السلام

- ‌وأما يعقوب عليه السلام

- ‌وأما ذرية يعقوب عليه السلام الذين هم بنو إسرائيل

- ‌وأما يوسف عليه السلام

- ‌وأما موسى عليه السلام

- ‌وأما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق وجازه بأصحابه

- ‌وأما هارون عليه السلام

- ‌وأما داود عليه السلام

- ‌وأما سليمان عليه السلام

- ‌وأما يحيى بن زكريا عليهما السلام

- ‌وأما عيسى عليه السلام

- ‌أمّا القرآن الكريم

- ‌أمّا إعجاز القرآن الكريم

- ‌وأما كيفية نزوله والمدة التي أنزل فيها

- ‌وأمّا جمع القرآن الكريم فقد وقع ثلاث مرات

- ‌وأما الأحرف التي أنزل عليها القرآن الكريم

- ‌[الناسخ والمنسوخ]

- ‌[القراءات التي يقرأ بها القرآن]

- ‌[التابعون بالمدينة المنوّرة من القراء]

- ‌[التابعون بمكة المشرّفة من القراء]

- ‌[التابعون بالبصرة من القراء]

- ‌[التابعون بالشام من القراء]

- ‌[التابعون بالكوفة من القراء]

- ‌[القراءات المشهورة]

- ‌[تحريم الصلاة بالقراءة الشاذة]

- ‌[ترتيب نزول القرآن بمكة]

- ‌[آخر ما نزل بمكة]

- ‌[ترتيب نزول القرآن بالمدينة]

- ‌[تتمّة مفيدة]

- ‌[فصل في ذكر أخذ القرآن ورؤية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالقلوب حتى دخل كثير من العقلاء في الإسلام في أول ملاقاتهم له]

- ‌إسلام الطفيل بن عمرو الدوسيّ

- ‌[الهجرة الأولى إلى الحبشة]

- ‌[إسلام أبي ذر]

- ‌[ذكر إسلام عمرو بن عبسة السّلمي وما أخبره أهل الكتاب من بعث النبي صلى الله عليه وسلم]

- ‌تنبيه مفيد

- ‌[فصل جامع في معجزات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على على سبيل الإجمال]

الفصل: ‌وأما تقرير نسخ الملة المحمدية لسائر الملل

‌وأما تقرير نسخ الملة المحمدية لسائر الملل

فإنا نقول: أكبر خصومنا في ذلك اليهود، فلنجعل كلامنا معهم فنقول: إن من أعظم تلاعب الشيطان باليهود إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وحجرهم على اللَّه تعالى في نسخ الشرائع، فحجروا عليه سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية تراسا لهم في جحد نبوته صلى الله عليه وسلم وقرروا ذلك أن النسخ يستلزم البداء [ (1) ] ، وذلك يقتضي الجهل بعواقب الأمور، وهو على اللَّه تعالى محال، وردّ بمنع لزوم البداء من النسخ، وإنما هو بحسب اختلاف مصالح الخلق متعلقا ذلك كله بالعلم الأزلي- كما يأتي تقريره-.

[ (1) ]«البداء» في اللغة: مصدر الفعل الثلاثي الماضي «بدا» بمعنى ظهر، يقال: بدا الشيء يبدو، إذا ظهر، فهو باد. أورده ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) :212. ونقله الأزهري في (تهذيب اللغة) :

4/ 202 عن الليث. وحكاه الزبيدي في (تاج العروس)، وقد نصّ الفيومي على نفس المعنى في (المصباح المنير) : 1/ 55 إلا أنه قال: ويتعدى بالهمزة، فيقال: أبديته، وبدا الشيء يبدو بدوا وبدوّا [بضم الباء والدال وتشديد الواو] وبداء وبدا- الأخيرة عن سيبويه- ظهر، وأبديته أنا، أظهرته.

وتدور بقية معاجم اللغة حول نفس المعنى الّذي أثبته هؤلاء بأن كلمة «بداء» تعني الظهور، ودلّلوا على ذلك باشتقاقات لغوية، تشير إلى المعنى المذكور.

وإذا أرادت العرب أن ترفع من قيمة الرجل، فهي تصفه بأنه ذو «بدوات» أي ذو آراء تظهر له، فيختار بعضها ويسقط بعضا، ويبدو أن الدلالة تشير إلى تطور فكر المرء في مواقفه إزاء موارد الحياة العامة التي تخضع دائما للتغيير والتباين. يقول أبو دريد: قولهم أبو البدوات، معناه: أبو الآراء التي تظهر له، واحدها: بدأة. وفي القرآن الكريم ورد المعنى إحدى وثلاثين مرة، موزعا على ستة عشرة سورة، يفيد معنى الظهور حسب مدلولات الآيات.

أما «البداء» في الاصطلاح: فقد انسحب على الأمور الممكنة التي تقع في عالم «التكوّن» والتي تمتاز بظاهرة «التغيّر» بحيث تبدو هذه الأمور ثابتة أولا، كأنها تسير وفق سنّة واحدة، ولكن سرعان ما يظهر فيها «التبدّل» ، ولهذا اتخذت الحال التي تجري بمقتضاها هذه الحوادث صفة «البداء» ، بحيث يظهر منها خلاف ما كانت عليه أولا.

ومن هنا ظهرت مشكلة في غاية التعقيد في تطور الجانب الاصطلاحي للكلمة، فمن المتعارف عليه أن الحياة تسير وفق عناية إلهية تامة، وإن اللَّه لا يجوز عليه التّغيّر أو التبدّل، وهو أمر ثابت لكل من تكلم على الظاهرة نفسها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد يلمس أن هناك تغييرا ملموسا يحدث في دائرة معينة، فهناك تغيّر واضح تسلك بمقتضاه بعض حوادث عالم التكون، ولهذا يتطلب الأمر حلا للمشكلة القائمة بين عدم تغيّر الموقف الإلهي من جانب، وطبيعة التغير الملموس في حوادث عالم التكوين المشمول بالإرادة الإلهية من جانب آخر.

ص: 151

ولنا في جواز النسخ أنه إما بيان أنها مدة الحكم أو رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي، وكلاهما لا يلزم منه محال فوجب القول بجوازه، ولأن الشرع للأديان كالطبيب للأبدان، فجاز أن ينهي اليوم عن ما أمر به أمس، كما يصف الطبيب اليوم للمريض ما نهاه عنه أمس، وذلك بحسب المصالح أو إرادة المكلّف- وهو الشارع- ولأنه قد وقع في التوراة في عدة صور، فالقول بجوازه لازم.

هذا، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في نص التوراة، كما أكذبهم القرآن بقوله: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ (1) ] .

فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم في إبطال النسخ، فإنه سبحانه أخبر أن الطعام كله كان حلالا قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه، ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الّذي كان حلالا لهم إنما هو بإحلال اللَّه لهم على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم، وهي التي كانت حلالا لبني إسرائيل، وهذا محض النسخ.

[ () ] وقد تبلور عن هذا الموقف اتجاهات ثلاثة حددت من خلالها طبيعة اللفظة في جانبها الاصطلاحي:

الاتجاه الأول: هذا الاتجاه الّذي يجعل التغيّر في المعلوم دون العلم، فالعلم الإلهي ثابت أزلا وأبدا، وأما التغيّر الملموس فهو في طبيعة المعلوم، وإن هذا التغيّر معلوم به أزلها.

الاتجاه الثاني: هذا الاتجاه يرى حدوث التغيّر في ذات العلم لا في ذات المعلوم، أي على عكس الاتجاه الأول، إلا أن هذا الاتجاه يستخدم ظاهرة التأويل في العلم نفسه.

الاتجاه الثالث: وهذا الاتجاه يذهب إلى أن البداء هو تغيير في العلم دون تأويل لطبيعة العلم، ولكن من هو الّذي يتغيّر علمه؟ وهل التغيّر هنا بالنسبة للخالق أو للمخلوقين؟ يرى هذا الاتجاه أن العلم المتغيّر ليس علم الخالق، بل هو ما دونه.

ولمن أراد الاستزادة في هذا الموضوع بشكل تفصيليّ موسّع فليرجع إلى: (نظرية البداء عند صدر الدين الشيرازي)(979- 1050 هـ) وأما النسخ فسيأتي الكلام عنه إن شاء اللَّه تعالى في فصل (الناسخ والمنسوخ) .

[ (1) ] آل عمران: 93- 95.

ص: 152

قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ متعلق بقوله: كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، أي كان حلالا لهم قبل نزول التوراة وهم يعلمون ذلك، ثم قال تعالى:

قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، هل تجدون فيها أن إسرائيل حرم على نفسه ما حرمته التوراة؟ أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم وهو لحوم الإبل وألبانها خاصة، وإذا كان إنما حرم هذا وحده وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا من المحلل ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع والحجر على اللَّه تعالى نسخها، ثم يقال لهم: أتعرفون أنه كان قبل التوراة شريعة أم لا؟

وهم لا ينكرون أن قبل التوراة شريعة، فيقال لهم: فهل رفعت التوراة شيئا من أحكام تلك الشرائع المتقدمة؟ فقد جاهروا بالكذب.

وإن قالوا: رفعت بعض الشرائع المتقدمة فقد أقروا بالنسخ، ويقال لهم: أليس اللَّه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نهاه عنه؟ وهذا نسخ، أليس أن الأرض لما قسمت بين الأسباط كان غربيّ الشريعة لتسعة أسباط ونصف سبط، وشرقيّه لسبطين ونصف سبط؟ فذلك من قبل الجميع وقسم الجميع، وهذا نسخ، أو ما تزوج إبراهيم بأخته لأبيه فمنع التوراة منه، وتزوج عمران بعمته، وجمع يعقوب بين الأختين وقد منع التوراة منه، وهذا نسخ.

ويقال لهم أيضا: هل أنتم اليوم على ما كان عليه موسى عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: أليس في التوراة أن من مسّ عظم ميت أو وطئ قبرا أو حضر ميتا عند موته فإنه يصير من النجاسة بحال لا مخرج له منها إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها؟ ولا يمكنهم إنكار ذلك! فيقال لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟.

فإن قالوا: لا نقدر عليه، قيل لهم: فلم جعلتم أن من مس العظم والقبر والميت طاهرا يصلح للصلاة، والّذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة- وهي رماد البقرة-، وعدمنا الإمام المستغفر، قيل لهم: فهل أغناكم عدمه عن فعله أو لم يغنكم؟.

ص: 153

فإن قالوا أغنانا عدمه عن فعله قيل لهم: قد تبدل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر، وكذلك يتبدل الحكم الشرعي من الوجوب إلى إسقاطه لمصلحة التعذر بنسخه لمصلحة النسخ، فإنكم إن بنيتم على اعتبار المصالح والمفاسد في الأحكام فلا ريب أن الشيء قد يكون مصلحة في وقت دون وقت، وفي شريعة دون أخرى، كما كان تزوج الأخ بالأخت مصلحة في شريعة آدم عليه السلام، ثم صار مفسدة في سائر الشرائع، وكذلك إباحة العمل يوم السبت، كان مصلحة في شريعة إبراهيم عليه السلام ومن قبله، ومفسدة في شريعة آدم عليه السلام، وأمثال ذلك ذلك كثيرة.

وبالجملة فالتحليل والتحريم تبع لمجرد مشيئة اللَّه الّذي لا يسأل عما يفعل، فإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن الطهور الّذي كان عليه أسلافنا، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا، ولا سبيل لهم إلى حصول الطهارة، فإن أقروا بذلك قيل لهم:

فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تخرجون فيه عن الحدّ بحيث أن أحدكم إذا لمس ثوبه ثوب المرأة تجنبتموه مع ثوبه؟.

فإن قالوا: كل ذلك من أحكام التوراة، قيل لهم: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد تعذرت عندكم، والنجاسة التي أنتم عليها لا ترتفع بالغسل فهي إذا أشد من نجاسة الحيض، ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرا إذا كانت من غير ملّتكم ولا تنجسون من لمسها ولا الثوب الّذي لمسته، فتخصيص هذا الأمر بطائفتكم ليس في التوراة منه شيء، وهذا الفصل ممّا يحتاج إليه.

فافرض أن يهوديا رام مناظرتك أو رمت مناظرته فإنك لم تعلم حقيقة ما هو عليه وما تبطل به قوله من كتابه، وإلا تسلط عليك وتوجهت الملامة من اللَّه ورسوله إليك، فإن قال بعض اليهود: التوراة قد حظرت أمورا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ الّذي ننكره ونمنع منه هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمة كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها، فإذا جاء من إباحة علمنا بإباحته المفسدة أنه غير نبي، بخلاف تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه وشريعتكم وردت بإباحة أشياء كثيرة مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرمه اللَّه لما فيه من المفسدة قيل له:

ص: 154

لا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغيّر الإباحة بالتحريم أو التحريم بالإباحة، والشبهة التي عرضت في أحد الموضعين، هي بعينها في الموضع الآخر، فإن إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذ لو كانت هناك مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته، فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجبت قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة، كما كان إباحته في الشريعة الأولى هي المصلحة، فإن تضمن إباحة المحرم في الشريعة الآخرة إباحة المفسدة- وحاش للَّه- تضمن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح، وكلاهما باطل قطعا.

فإذا جاز أن تأتي شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم تقدمه يستبيحه، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا، وهذه الشبهة هي التي ردت بها اليهود نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، هي بعينها التي رد بها أسلافهم نبوة المسيح عليه السلام، لا تقر بنبوة من غير التوراة.

فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى عليه السلام بالنّبوّة، وقد جاء بتغيير بعض الشرائع [التي] تقدمته، فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد صلوات اللَّه عليهما قدح في موسى، فلا [تكون] في نبوتهما بقادح إلا ومثله في نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ومحمد ليس برسول.

ويقال لليهود أيضا: لا تحلوا المحرم، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته بحيث لم يعهد في زمان من الأزمنة إباحته، وإما أن يكون تحريمه لما يتضمنه من المفسدة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال، وإن كان الأول لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

وإن كان الثاني، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصلحة، وإنما يختلف باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما من ملة دون ملة، ووقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل عليهم السلام، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك.

ص: 155

ألا ترى أن تحريم السبت لو كان حراما على نوح وإبراهيم وسائر النبيين، وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها، لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة، وإذا كان اللَّه تعالى لا حجر عليه بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ويبتلى عباده بما شاء، ويحكم ولا يحكم عليه، فما الّذي يحمل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة ثم ينهي أمة أخرى عنه، أو يحرم على أمة شيئا ويبيحه لأمة أخرى، بل أي شيء يمنعه تعالى؟.

ذلك بقوله: ما ننسخ من آية أو [ننساها][ (1) ] نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ (2) ] ، فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء، كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء ويثبت، فهكذا أحكامه الدينية الأمرية ينسخ منها ما يشاء ويثبت ما يشاء، فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم أن يعارض الرسول الّذي جاء بالبينات والهدى، ويدفع نبوته ويجحد رسالته بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله، أو بتحريم بعض ما كان مباحا لهم، ومن العجب أن اليهود تحجر على اللَّه تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وفي توراتهم أن اللَّه- تعالى عن قولهم- يأسف على خلقه الإنسان لأفكارهم الخبيثة، فخلقه أن يبيدهم فأبادهم.

ثم لما أرسل الطوفان أسف وندم وقال: ما عدت أهلك الخلق به مرة أخرى، فمن يندم ويتأسف كيف يمتنع عليه البداء على قولهم؟ وهم قد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم، فمن ذلك: أنهم يقولون في صلواتهم ما هذه ترجمته: اللَّهمّ اضرب ببوق عظيم لعتقنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات قومة إسرائيل.

ويقولون كل يوم ما ترجمته: أردد حكامنا كالأولين، وسيرتنا كالابتداء، وابن أورشليم قرية قدسك وعزنا ببناها، سبحانك يا باني يورشليم. فهذه أقوالهم في صلواتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك، ولكنها فصول لفقت بعد زوال دولتهم.

[ (1) ] كذا في (خ) ، وهي رواية ورش عن نافع.

[ (2) ] البقرة: 106.

ص: 156

وكذلك صيامهم: كصوم احتراق بيت المقدس، وصوم كدليا وصوم صلب هامان، ليس شيء منها في التوراة، ولا صامها موسى ولا يوشع، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت عندهم وضعها- كما بينته في موضعه من كتاب (المواعظ والاعتبار)[ (1) ] .

وهذا مع أنه في التوراة ما ترجمته: لا [تزيدوا] على الأمر الّذي أنا موصيكم به شيئا ولا تنقصوا منه شيئا. وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، وهم مجمعون على تعطيلها وإلغائها، فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة، أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام، أو باجتهاد علمائهم وأحبارهم، وعلى التّقادير الثلاث فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ.

ثم من العجب أن أكثر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول والعمل بها، إنما يستندون فيها إلى قول علمائهم وآرائهم، وقد اتفقوا على تعطيل رجم الزاني- وهو نص التوراة- ومن مذهبهم: أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه!!.

وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الرب تعالى أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم، فأشبهوا إبليس في أنه تكبر في أن يسجد لآدم، ورأى ذلك نقيصة له، ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق من أولاد آدم.

وأشبهوا أيضا [عبّاد] الأصنام في أنهم أنفوا أن يكون النبي المرسل من اللَّه تعالى إليهم بشرا ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرا نحتوه بأيديهم، وأشبهوا أيضا النصارى فإنّهم نزهوا [بطارقتهم] عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى اللَّه رب العالمين سبحانه وتعالى.

ولم يبق لليهود إلا أن يقولوا: إن موسى عليه السلام نص على دوام شريعته وتأبدها ما دامت السموات والأرض، وهو يقتضي أن لا ناسخ لها، فأحد الأمرين لازم: إما كذب خبر موسى، أو بطلان شرع من بعده.

[ (1) ] كتاب (المواعظ والاعتبار) أحد مؤلفات المقريزي رحمه الله.

ص: 157

وأجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن هذا من موضوعات ابن الراونديّ وضعه لليهود فتمسكوا به، وهذا جواب ضعيف، لأن النص [عنده] موجود في التوراة، ولا حاجة لهم إلى وضع ابن الراونديّ.

الثاني: القدح في تواتر هذا الخبر بأن بخت نصّر لما فتح بيت المقدس حرق التوراة وقتل اليهود حتى أفناهم إلا يسيرا منهم لا تحصل التوراة بخبره، فصار هذا الخبر آحادا لا يقبل في العمليات.

وهذا الجواب قريب غير أنه ليس بشاف لأنهم يدّعون أن تواتره تواتر التوراة جميعا ويمنعون ما ذكر من سبب انقطاع التواتر بأن بخت نصّر أسر نحو عشرة آلاف من بني إسرائيل منهم أربعة آلاف من أولاد الأنبياء مثل دانيال ونحوه، وكلهم يحفظ التوراة عن ظهر قلب، وهم منازعون في تصحيح هذه الدعوى، ولا معول لهم في تصحيحها إلا على أنقال [ (1) ] موجودة في كتب لا يقدرون من تصحيحها إلا على مجرد الدعوى.

وهب أن ما ادعوه كما قالوا، فقد وقع بهم بعد ذلك عدة ملوك منهم ملك مصر، واستبعدهم سبع سنين ونصب الأوثان والأصنام في محاريبهم ببيت المقدس، فأمر غابيوس قيصر ملك الروم أن تنصب أصنامه هو في محاريب اليهود ومعابدهم، فنصبت، وأحاطت باليهود بلايا كثيرة ووقع فيهم الاختلاف حتى كان بعضهم يقتل بعضا في الأسواق.

وفرّ ملكهم أعربماس بن أسربلوس من هردوس من القدس إلى رومية، وأخبر قيصر بما هم عليه من الشر، فبعث عسكرا كثيفا قتل منهم وأسر ملا يحصى كثرة، ونقل أكثرهم إلى أنطاكية ورومية وخربت القدس، ثم بعث قيصر قائدا على جيش كبير لتخريب القدس وقتل جميع اليهود وقد عمروا القدس فحصرهم سنة وخرّب معاملات اليهود وقتلهم ثم سار عنهم، وقدم طيطش فحصر القدس سنتين حتى مات أكثر أهلها جوعا، ووقع بينهم مع ذلك الاختلاف فاقتتلوا وهم محصورون حتى فنى أكثرهم، ثم أخذهم طيطش عنوة وقتل من اليهود ما يجل عن الوصف، حتى

[ (1) ] أنقال ونقول: جمع نقل.

ص: 158

أن عدد من مات منهم في الحصار ألف ألف ومائة ألف.

وخرّب المدينة والهيكل وأحرق الجميع بالنار، وسار معه منهم نحو مائة ألف نفس، فأفنى الجميع بأنواع القتل، ولم يبق أحد منهم في بيت المقدس، واشتد الأمر على من بقي منهم برومية ونحوها، حتى لم يكن أحد منهم يظهر إلا قتل، وتراجع منهم أناس إلى بيت المقدس فبعث إليهم ملك الروم جيشا قتل معظمهم، ولم يبق منهم إلا من فرّ.

ثم في سنة سبع وأربعين وأربع مائة للإسكندر أخرب ملك الروم ما بقي بالقدس من العمارة، وقتل عامة من به من يهود، و [بنى] عمودا على باب مدينة القدس ونقش عليه: هذه مدينة إلياء، ويعرف اليوم موضع هذا العمود بمحراب داود.

ثم عمّر القدس فقدم إليها عدة من اليهود فبعث إليهم ملك الروم عسكرا حصرهم حتى مات أكثرهم جوعا، ثم أخذ المدينة وقتل معظم اليهود، وخرّبها حتى بقيت صحراء.

وتبع اليهود فاستأصل شأفتهم وأنزل اليونان بالقدس وذلك بعد تخريب طيطش بثلاث وخمسين سنة. ثم جمع اليهود رجل منهم فبعث ملك الروم جيشا فقتلوا أكثرهم.

وفي سنة خمس وعشرون وخمسمائة للإسكندر وقعت حروب بين اليهود والسّامرة قتل فيها من الفريقيين ما يجل عن الوصف، وفي قسطنطين الأكبر أمر أن لا يسكن يهودي الفرس وأدخل الجميع في دين النصرانية، ثم امتحنهم يوم [الفصح] بأكل الخنزير فلم يأكلوه فقتلهم عن آخرهم.

وما برحت ملوك النصارى بقتلهم أبرح قتل إلى أن كانت أيام هرقل وقد ظهر دين الإسلام فأوقع باليهود في سائر مملكته ببلاد الشام وأرض مصر وإفريقية وقسطنطينية وأعمالها، وقتل جميعهم حتى لم يبق منهم إلا من اختفى أو فرّ.

وقد أفردت في محن اليهود وما أنزل اللَّه بهم من البلاء الّذي تأذّن في كتابه العزيز أن يكون عليهم إلى يوم القيامة جزاء جمعته من كتبهم وكتب النصارى، ليكون أعظم حجة عليهم، فليت شعري، أي تواتر يبقى مع هذه الرزايا المجيحة، والدواهي المبيرة، والمحن التي لا تبقي ولا تذر، إلا أن القوم بهت، وأكثر أصحابنا من الفقهاء

ص: 159

والمحدثين، والنظار والمتكلمين، لا يلمون بأخبار اليهود، فينصبون الكلام معهم جدلا، وإلا فاليهود إذا نوظروا بما في كتبهم من محنهم تبين لمناظرهم أنه ليس معهم خبر يصح، فكيف يدعى فيه التواتر؟ ومع ذلك ففي توراتهم نصوص كثيرة وردت مؤبدة، ثم تبين أن المراد بها التوقيت بمدة مقدرة، كقوله: إذا خربت صور لا تعمر أبدا، ثم عمرت بعد خمسين عاما.

ومنها إذا خدم العبد سبع سنين أعتق، فإن لم يقبل العتق استخدم أبدا، ثم أمر بعتقه بعد مدة معينة سبعين سنة، فإذا جاز في هذه النصوص المؤبدة أن يراد بها التوقيت فلم لا يجوز في نص موسى على تأييد شريعته بتقدير صحته؟ وإلا فما الفرق؟.

فإن قيل: إذا جاز أن يكون نصّ موسى المؤبد مؤقتا حتى جاز نسخ شرعته، جاز أن يكون نص محمد صلى الله عليه وسلم على تأبيد شريعته مؤقتا فيجوز نسخها بعده بغيره، وأنتم أيها المسلمون تأبون ذلك؟.

قلنا: لا يلزم ذلك، والفرق بين النّصّين أن كتاب موسى الّذي بيدكم الآن قد بينا أنه غير متواتر، بخلاف كتاب محمد صلى الله عليه وسلم الّذي هو القرآن، فتواتره عندنا وعندكم غير خاف على علمائكم.

ونشترك معكم فنقول: قد ورد في توراتكم نصوص بلفظ التأبيد والمراد بها التوقيت كما بينا طرفا منها، بخلاف القرآن فإنه لم يرد بذلك، فلم يرد مثله في نصه- بحمد اللَّه- وها هو قد طبق الأرض، واجتهدتهم أنتم وغيركم في نقضه، فلم تطيقوا ذلك، فإن اللَّه قد حفظه من التحريف والتبديل والتغيير فيه بزيادة أو نقصان، بخلاف توراتكم، وها أنا أبين حقيقة توراتكم وأنها ليست بالتوراة التي أنزلها اللَّه على موسى عليه السلام واللَّه المعين الموفق.

ص: 160