الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعقَاب ورجاء الرَّحْمَة لم يكن شركا أكبر وَأما إِن اتخذ الْإِنْسَان مَا يهواه إِلَهًا من دون الله وأحبه كحب الله فَهَذَا شرك اكبر والدرجات فِي ذَلِك مُتَفَاوِتَة
وَكثير من النَّاس يكون مَعَه من الْإِيمَان بِاللَّه وتوحيده مَا ينجيه من عَذَاب الله وَهُوَ يَقع فِي كثير من هَذِه الْأَنْوَاع وَلَا يعلم أَنَّهَا شرك بل لَا يعلم أَن الله حرمهَا وَلم تبلغه فِي ذَلِك رِسَالَة من عِنْد الله وَالله تَعَالَى يَقُول وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا فَهَؤُلَاءِ يكثرون جدا فِي الْأَمْكِنَة والأزمنة الَّتِي تظهر فِيهَا فَتْرَة الرسَالَة بقلة القائمين بِحجَّة الله فَهَؤُلَاءِ قد يكون مَعَهم من الْإِيمَان مَا يرحمون بِهِ وَقد لَا يُعَذبُونَ بِكَثِير مِمَّا يعذب بِهِ غَيرهم مِمَّن كَانَت عَلَيْهِ حجَّة الرسَالَة
فَيَنْبَغِي أَن يعرف أَن اسْتِحْقَاق الْعباد للعذاب بالشرك فَمَا دونه مَشْرُوط ببلاغ الرسَالَة فِي أصل الدَّين وفروعه وَلِهَذَا لما كثر الْجَهْل وانتشر
تَزْيِين الشَّيْطَان لكثير من النَّاس أنواعا من الْحَرَام ضاهوا بهَا الْحَلَال
زين الشَّيْطَان لكثير من النَّاس نواعا من الْمُحرمَات ضاهوا بهَا حَلَال وَقد لَا يعلمُونَ أَنَّهَا مُحرمَة بغيضة إِلَى الله بل قد يظنون أَن ذَلِك مَحْبُوب لله مَأْمُور بِهِ وَقد يظنون أَن فِيهَا هَذَا وَهَذَا وهم فِي ذَلِك يتبعُون الظَّن وَمَا تهوي الْأَنْفس وَقد يعلمُونَ تَحْرِيم ذَلِك ويظهرون عدم الْوَجْه الْمحرم خداعا ونفاقا فَهَؤُلَاءِ غير الْمُؤمن الَّذِي يحب الله وَرَسُوله وَيَأْتِي بالمحرم مُعْتَقدًا أَنه محرم وَهُوَ مبغض لَهُ خَائِف راج
وَهَذِه الْأُمُور تُوجد فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة وَنحن نذْكر أَمْثِلَة ذَلِك فِي الْمُحرمَات الَّتِي ذكرهَا الله فِي قَوْله تَعَالَى قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ فَالله سُبْحَانَهُ قد حرم الْفَوَاحِش كَمَا ذكر
وَقد قَالَ تَعَالَى وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَلم تبح إِلَّا الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ زوج أَو ملك يَمِين وَقد ذكر مَا اشْتَرَطَهُ فِي الْحَلَال بقوله غير مسافحات وَلَا متخذات اخدان وَقَوله غير مسافحين وَلَا متخذي اخدان
كَمَا فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ النِّكَاح فِي الْجَاهِلِيَّة على أَرْبَعَة أنحاء وَذكرت أَصْحَاب الرَّايَات وَهن المسافحات وَأَن إِلْحَاق النّسَب فِي
وطئهن كَانَ بالقافة وَذكرت الَّتِي يَطَأهَا جمَاعَة محصورة وَأَن الْإِلْحَاق كَانَ بِتَعْيِين الْمَرْأَة وَذكرت نِكَاح الاستبضاع وَهُوَ غير نِكَاح ذَوَات الأخدان وَذكرت النِّكَاح الرَّابِع وَهُوَ النِّكَاح الْمَعْرُوف الَّذِي أحله الله
فالشيطان جعل من الْحَرَام مَا فِيهِ مضاهاة من للْحَلَال وان سمي باسم آخر لَكِن الْمَعْنى فِيهِ اشْتِرَاك فَالله أَبَاحَ للرجل امْرَأَته ومملوكته وكل من الرجل وَالْمَرْأَة زوج الآخر فذوات الأخدان بَينهُنَّ وَبَين أخدانهن نوع ازدواج واقتران كَذَلِك وَلِهَذَا ميز الله بَين هَذَا وَهَذَا
وأخفي من ذَلِك مؤاخاة كثير من الرِّجَال لكثير من النِّسَاء أَو لكثير من الصّبيان وَقَوْلهمْ إِن هَذِه مؤاخاة لله إِذا لم تكن المؤاخاة على فعل الْفَاحِشَة كذوات الأخدان فَهَذَا الَّذِي يظهرونه للنَّاس الَّذين يوافقونهم ويقرونهم على ذَلِك ويرون كلهم أَن من أحب صَبيا أَو امْرَأَة لصورته وَحسنه من غير فعل فَاحِشَة فَإِن هَذَا محبَّة لله
فَهَذَا من الضلال والغي وتَبْدِيل الدَّين حَيْثُ جعل مَا كرهه الله محبوبا لله وَهُوَ نوع من الشّرك والمحبوب الْمُعظم بذلك طاغوت
وَذَلِكَ أَن اعْتِقَاد أَن التَّمَتُّع بالمحبة وَالنَّظَر أَو نوع من الْمُبَاشرَة إِلَى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَالصبيان هُوَ لله وَهُوَ حب فِي الله كفر وشرك كاعتقاد أَن محبَّة الأنداد حب لله وَأَن الِاجْتِمَاع على الْفَاحِشَة تعاون على الْبر وَالتَّقوى وَأَن الْإِقَامَة على ذَلِك بِالْعبَادَة هِيَ عبَادَة لله وَنَحْو ذَلِك
فاعتقاد أَن هَذِه الْأُمُور الَّتِي حرمهَا الله وَرَسُوله تَحْرِيمًا ظَاهرا أَنَّهَا دين الله ومحبة الله نوع من الشّرك وَالْكفْر
ثمَّ قد يكون مِنْهَا من خفيها أَشْيَاء تروج على من لم يبلغهُ الْعلم كَمَا اشْتبهَ على كثير من الْعلمَاء والعباد أَن اسْتِمَاع أصوات الملاهي تكون عبَادَة لله واشتبه على من هُوَ أَضْعَف علما وإيمانا أَن التَّمَتُّع بمشاهدة هَذِه الصُّور يكون عبَادَة لله
ثمَّ بعد هَذَا الضلال وَمَا فِيهِ من الغي هم أَرْبَعَة أَقسَام
قوم يَعْتَقِدُونَ أَن هَذَا لله ويقتصرون عَلَيْهِ كَمَا يُوجد مثل ذَلِك فِي كثير من الأجناد والمتنسكة والعامة
وَقوم يعلمُونَ أَن هَذَا لَيْسَ لله وَإِنَّمَا يظهرون هَذَا الْكَلَام نفَاقًا وخداعا لِئَلَّا يُنكر عَلَيْهِم وَهَؤُلَاء من وَجه أمثل لما يرجي لَهُم من التَّوْبَة وَمن جِهَة أَخبث لأَنهم يعلمُونَ التَّحْرِيم ويأتون الْمحرم
وَقوم مقصودهم مَا وَرَاء ذَلِك من الْفَاحِشَة الْكُبْرَى فَتَارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الظَّالِمين الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن هَذِه الْمحبَّة الَّتِي لَا وَطْء فِيهَا لله فيفعلون شَيْئا لله ويفعلون هَذَا لغير الله وَتارَة يكونُونَ من أُولَئِكَ الغاوين الْمُنَافِقين الَّذين يظهرون أَن هَذِه الْمحبَّة لله وهم يعلمُونَ أَنَّهَا للشَّيْطَان فَيجمع هَؤُلَاءِ بَين هَذَا الْكَذِب وَبَين الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَهَؤُلَاء فِي هَذِه المخادنة والمؤاخاة يضاهون النِّكَاح فَإِنَّهُ يحصل بَين هذَيْن من الاقتران والازدواج مَا يشبه اقتران الزَّوْجَيْنِ وَيزِيد عَلَيْهِ تَارَة وَينْقص عَنهُ تَارَة وَمَا يشبه اقتران المتحابين فِي الله والمتآخين فِي الله لَكِن الَّذين آمنُوا أَشد حبا لله
فالمتحابان فِي الله يعظم تحابهما وَيُقَوِّي وَيثبت بِخِلَاف هَذِه المؤاخاة الشيطانية فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهَا أَنْوَاع من الْفساد ثمَّ هَذَا قد يظْهر وينتشر حَتَّى قد يسمونه زواجا وَيَقُولُونَ تزوج هَذَا بِهَذَا كَمَا يفعل ذَلِك بعض الْمُسْتَهْزِئِينَ
بآيَات الله من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ ويقره الْحَاضِرُونَ على ذَلِك وَيضْحَكُونَ وَرُبمَا أعجبهم مثل هَذَا المزاح
كَمَا أَن اعْتِقَاد أَن هَذِه الْمحبَّة لله أوجب لمن كَانَ من فجار الْفُسَّاق وَالْمُنَافِقِينَ أَن يَقُول لَهُم الْأَمْرَد حبيب الله والملتحي عَدو الله وَذَلِكَ يعجبهم وَيضْحَكُونَ مِنْهُ وَحَتَّى اعْتقد كثير من المردان أَن هَذَا حق وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي
إِذا أحب الله العَبْد نَادِي فِي السَّمَاء يَا جِبْرِيل إِنِّي أحب فلَانا فَيصير يُعجبهُ أَن يحب ويعتقد الغاوي أَنه مَحْبُوب
وَذَلِكَ أَن من فُقَهَاء الْكُوفَة من لَا يُوجب فِي اللوطية الْحَد بل التَّعْزِير إِلَّا إِذا أسرف فِيهِ فَإِنَّهُ يُبِيح قَتله سياسة وَمن الْفُقَهَاء من يُوجب فِيهِ حد الزني كأشهر قولي الشَّافِعِي وإحدي الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَقَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأكْثر فُقَهَاء الْحجاز وَأهل الحَدِيث يوجبون قَتلهمَا جَمِيعًا كمذهب مَالك وَظَاهر مَذْهَب أَحْمد
وَزعم بعض الْفُقَهَاء أَن فجور الرجل بمملوكه شُبْهَة فِي دَرْء الْحَد وَهُوَ مُوجب للتعزير كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِي وَطْء أمته الْمُحرمَة عَلَيْهِ برضاع
أَو محرمته وَأَيْضًا فالعقوبة بِالْقَتْلِ إِنَّمَا تكون فِي حق الْبَالِغ وَأما الصَّبِي وَأَمْثَاله فَيجوز قَتله إِذا قَاتل مَعَ الْكفَّار فَأَما بِمُجَرَّد فعله هُوَ بِنَفسِهِ فَلَا يقتل بل يُعَاقب بِمَا يزجره
وَكَذَلِكَ النَّوْع الثَّانِي من الْحَلَال وَهُوَ ملك الْيَمين فَإِن الْمَرْأَة قد تملك الرجل وَالرجل قد يملك الصَّبِي وَقد يكون فِي هَذَا الْملك نوع من ملك الرجل الْأمة فَرُبمَا استمتعت الْمَرْأَة بمملوكها بمقدمات النِّكَاح أَو بِالنِّكَاحِ مضاهاة لاستمتاع الرجل بمملوكته وَرُبمَا تأولت الْقُرْآن على ذَلِك واعتقدت أَن ذَلِك دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى أَو مَا ملكت أَيْمَانهم كَمَا رفع إِلَى عمر ابْن الْخطاب امْرَأَة تزوجت عَبدهَا وتأولت هَذِه الْآيَة فَفرق بَينهمَا وأدبه وَقَالَ وَيحك إِنَّمَا هَذِه للرِّجَال لَا للنِّسَاء
وَكَذَلِكَ كثير من جهال التّرْك وَغَيرهم قد يملك من الذكران من يُحِبهُمْ ويستمتع بهم وَقد يتَأَوَّل بَعضهم على ذَلِك إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا كفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين فالاعتقاد بِأَن الذكران حَلَال بِملك أَو غير ملك بَاطِل وَكفر بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم
ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يتَأَوَّل هَذِه الْآيَة وَمِنْهُم من يتَأَوَّل ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك وَلَا يفرق بَين المنكوح والناكح كَمَا سَأَلَني مرّة بعض النَّاس عَن هَذِه الْآيَة وَكَانَ مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن وَيطْلب الْعلم وَقد ظن أَن مَعْنَاهَا إِبَاحَة ذكران الْمُؤمنِينَ
وَآخَرُونَ قد يجْتَمع بهم من يَقُول لَهُم إِن فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلافًا ويكذب أَئِمَّة الْمُسلمين الَّذين لَا تكون مذاهبهم ظَاهِرَة فِي بِلَاده مثل من يكون بِأَرْض الرّوم فيكذب على مَذْهَب مَالك وَيَقُول هُوَ مُبَاح فِي مَذْهَب مَالك وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا مُبَاح للضَّرُورَة مثل أَن يبقي الرجل أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأُمُور الَّتِي خاطبني فِيهَا وسألني عَنْهَا طوائف من الْجند والعامة والفقراء وَكَانَ عِنْدهم من هَذِه الاعتقادات الْفَاسِدَة ألوان مُخْتَلفَة قد صدتهم عَن سَبِيل الله
وَمِنْهُم من قد بلغه خلاف بعض الْعلمَاء فِي وجوب الْحَد فِي بعض الصُّور فيظن أَن ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم فَرُبمَا قَالَ ذَلِك أَو اعتقده وَلَا يفرق بَين الْخلاف على الْحَد الْمُقدر وَالتَّحْرِيم وَأَن الشَّيْء قد يكون من أعظم الْمُحرمَات كَالدَّمِ وَالْميتَة وَلحم الْخِنْزِير وَلَيْسَ فِيهِ حد مُقَدّر
ثمَّ ذَلِك الْخلاف قد يكون قولا ضَعِيفا فيتولد من ذَلِك القَوْل الضَّعِيف الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْمُجْتَهدين وَهَذَا الظَّن الْفَاسِد الَّذِي هُوَ خطأ بعض الْجَاهِلين وَمن الْكَذِب الَّذِي هُوَ فِرْيَة بعض الظَّالِمين تَبْدِيل
الدَّين وَطَاعَة الشَّيَاطِين وَسخط رب الْعَالمين حَتَّى نقل أَن كثيرا من المماليك يتمدح بِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا سَيّده كَمَا تتمدح الْأمة بِأَنَّهَا لَا تعرف إِلَّا سَيِّدهَا وَزوجهَا وَكَذَلِكَ كثير من المردان الْأَحْدَاث يتمدح بِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا خدينه وَصديقه ومؤاخيه كَمَا تتمدح الْمَرْأَة بِأَنَّهَا لَا تعرف إِلَّا زَوجهَا وَكَذَلِكَ كثير من الزناة بالمماليك والأحداث من الصّبيان قد يتمدح بِأَنَّهُ عفيف عَمَّا سوي خدنه الَّذِي هُوَ قرينه كَالزَّوْجَةِ أَو عَمَّا سوي مَمْلُوكه الَّذِي هُوَ قرينه كَمَا يتمدح الْمُؤمن بِأَنَّهُ عفيف إِلَّا عَن زَوجته أَو مَا ملكت يَمِينه
وَلَا ريب أَن الْكفْر والفسوق والعصيان دَرَجَات كَمَا أَن الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح دَرَجَات هم دَرَجَات عِنْد الله وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ وَقد قَالَ تَعَالَى إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وَقَالَ تَعَالَى فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم كَمَا قَالَ تَعَالَى يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت وَقَالَ وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل
فالمتخذ خدنا من الرجل وَالنِّسَاء أقل شرا من المسافح لِأَن الْفساد فِي ذَلِك أقل والمستخفي بِمَا يَأْتِيهِ أقل إِثْمًا من المجاهر المستعلن كَمَا فِي الحَدِيث عَن
النَّبِي أَنه قَالَ من ابْتُلِيَ من هَذِه القاذورات بِشَيْء فليستتر بستر الله فَإِنَّهُ من يبد لنا صفحته نقم عَلَيْهِ كتاب الله
وَقد قَالَ من ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَفِي الحَدِيث إِن الْخَطِيئَة إِذا أخفيت لم تضر إِلَّا صَاحبهَا وَلَكِن إِذا أعلنت فَلم تنكر ضرت الْجَمَاعَة
وَفِي الحَدِيث عَن النَّبِي أَنه قَالَ كل أمتِي معافى إِلَّا المجاهرين وَإِن من المجاهرة أَن يبيت الرجل على الذَّنب وَقد ستره الله فَيُصْبِح فيتحدث بِذَنبِهِ وَيَقُول يَا فلَان فعلت اللَّيْلَة كَيْت وَكَيْت أَو كَمَا قَالَ
فالإقلال والاستخفاء خير من هَذِه الْوُجُوه وَلَكِن قد يقْتَرن بهَا مَا يكون أعظم من بعض المسافحة والمجاهرة وَهِي الْمحبَّة والتعظيم الَّتِي توجب محبَّة مَا يُحِبهُ الخدن وتعظيم مَا يعظمه وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه والاستسرار بذلك والنفاق فِيهِ فقد تكون فِي هَذِه الْمُوَالَاة والمعاداة والنفاق من الْعدوان وَالضَّرَر على الْمُسلمين أعظم مِمَّا فِي المجاهرة والمسافحة وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة الْكَافِر الْمُعْلن كفره وَهَذَا بِمَنْزِلَة الْمُنَافِق فَأَما إِذا لم يكن عدوان على النَّاس وتضييع لحقوقهم لانْتِفَاء الْمحبَّة أَو لغير ذَلِك فَالْأول أَخبث وأفحش وتفاوت الشرور فِي الْقدر وَالصّفة كثير كَمَا يتفاضل الْخَيْر أَيْضا فِي الْقدر وَالْوَصْف وَالْوَاجِب اسْتِعْمَال الْكتاب وَالسّنة فِي جَمِيع الْأُمُور
وَلَا ريب أَن هَذِه المخادنة وَملك الْيَمين وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِيهِ اشْتِرَاك فِي محرم مضاد للْحَلَال لَا بُد أَن يتَضَمَّن من الْمُبَاح مَا يصير فِيهِ من الشّبَه بالحلال وَمن التَّمْيِيز عَن الْحَرَام مَا يكون فِيهِ رواج لَهُ إِذْ الْحَرَام الْمَحْض الْمَحْض من كل وَجه لَا يشْتَبه بالحلال الْمَحْض من كل وَجه بل بقتني الرجل الْمَمْلُوك لنَوْع من الِاسْتِخْدَام وَيضم إِلَى ذَلِك الِاسْتِمْتَاع وَقد يكون هَذَا أغلب فِي نَفسه من
الآخر وَقد يكون بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ الِاسْتِخْدَام قد يكون مُبَاحا فِي الشَّرِيعَة وَقد يكون فِيهِ نوع من الظُّلم والعدوان إِمَّا باسترقاق الْأَحْرَار وَإِمَّا باشتراء المماليك لنَفسِهِ بِالْمَالِ الْمَغْصُوب من بَيت المَال أَو غَيره وَإِمَّا فِي استخدامهم على وَجه الْكِبْرِيَاء والعلو فِي الأَرْض بإذلاله لَهُم فِي غير طَاعَة الله وإذلال النَّاس بهم فِي غير طَاعَة الله إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْوُجُوه الَّتِي يكون فِيهَا من الظُّلم والعدوان أُمُور عَظِيمَة وينضم إِلَى ذَلِك الْفَاحِشَة
وَكَذَلِكَ فِي المخادنة الَّتِي صورتهَا مؤاخاة قد تكون لأجل الِاسْتِئْجَار لصناعة وَنَحْوهَا وَقد تكون لتعلم صناعَة أَو كِتَابَة أَو قِرَاءَة أَو علم أَو تَأْدِيب وتنوير وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْمُبَاحَة والمستحبة والواجبة فِي الدَّين وَقد تكون لكفالة وتربية إِمَّا ليتم ذَلِك الصَّبِي أَو غربته أَو لقرابة بَينهمَا أَو غير ذَلِك وَقد يكون اشتراكا مَحْضا فِي صناعَة أَو تِجَارَة أَو بِحمْل مَال أَو مجاورة وصلَة أَو تعلم أَو تأدب أَو غير ذَلِك مِمَّا يشْتَرك النَّاس فِيهِ لغير فَاحِشَة بشركة مُبَاحَة أَو مَأْمُور بهَا أَو مَنْهِيّ عَنْهَا وَيكون بَينهم فِي ذَلِك من التعاقد والتحالف مَا يكون بَين المشتركين فِي الْأُمُور وَقد يُسَمِّي ذَلِك صديقا ورفيقا وَسمي بالتركية خوشداشا وَغير ذَلِك وَهُوَ من قسم التَّحَالُف فَيكون بَين المشتركين فِي الْحَلَال وَالْحرَام من الْمُعَاوضَة والمشاركة إِمَّا على غير فَاحِشَة وَإِمَّا