الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَمنهمْ من هُوَ أعرف من غَيره بِالْأَمر الشَّرْعِيّ وأطوع لَهُ فَهَذَا تكون حَاله أحسن مِمَّن نقص عَنهُ فِي الْمعرفَة بِالْأَمر الشَّرْعِيّ وَالطَّاعَة لَهُ. وَمِنْهُم من يبعد عَن الْأَمر الشَّرْعِيّ ويسترسل حَتَّى يَنْسَلِخ من الْإِسْلَام بِالْكُلِّيَّةِ وَيبقى وَاقِفًا مَعَ هَوَاهُ وَالْقدر.
وَمن هَؤُلَاءِ من يَمُوت كَافِرًا وَمِنْهُم من يَتُوب الله عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَمُوت فَاسِقًا وَمِنْهُم من يَتُوب الله عَلَيْهِ. وَهَؤُلَاء ينظرُونَ إِلَى الْحَقِيقَة الْقَدَرِيَّة معرضين عَن الْأَمر الشَّرْعِيّ وَلَا بُد مَعَ ذَلِك من اتِّبَاع أَمر وَنهي غير الْأَمر الشَّرْعِيّ إِمَّا من أنفسهم وَإِمَّا من غير الله وَرَسُوله إِذْ الاسترسال مَعَ الْقدر مُطلقًا مُمْتَنع لذاته لما تقدم من أَن العَبْد مفطور على محبَّة أَشْيَاء وبغض أَشْيَاء.
وَقَول من قَالَ: " إِن العَبْد يكون مَعَ الله كالميت مَعَ الْغَاسِل " لَا يَصح وَلَا يسوغ على الْإِطْلَاق عِنْد أحد من الْمُسلمين وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع؛ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا ذَلِك لخفاء أَمر الله عَلَيْهِ وَإِلَّا فَإِذا علم مَا أَمر الله بِهِ وأحبه. فَلَا بُد أَن يحب مَا أحبه الله وَيبغض مَا أبغضه الله.
فصل
وكما أَن الطَّرِيقَة العلمية بِصِحَّة النّظر فِي الْأَدِلَّة والأسباب هِيَ الْمُوجبَة للْعلم: كتدبر الْقُرْآن والْحَدِيث فالطريقة العملية بِصِحَّة الْإِرَادَة والأسباب
هِيَ الْمُوجبَة للْعَمَل، كعمارة الْبَاطِن بالمراقبة، وَالْخَوْف من الله على كل حَال، وَلِهَذَا يسمون السالك فِي ذَلِك " المريد " كَمَا يُسَمِّيه أُولَئِكَ " الطَّالِب ".
و" النّظر " جنس تَحْتَهُ حق وباطل ومحمود ومذموم وَكَذَلِكَ " الْإِرَادَة " فَكَمَا أَن طَرِيق الْعلم لَا بُد فِيهِ من الْعلم النَّبَوِيّ الشَّرْعِيّ بِحَيْثُ يكون معلومك المعلومات الدِّينِيَّة النَّبَوِيَّة وَيكون علمك بهَا مطابقا لما أخْبرت بِهِ الرُّسُل وَإِلَّا فَلَا ينفعك أَي مَعْلُوم عَلمته وَلَا أَي شَيْء اعتقدته فِيمَا أخْبرت بِهِ الرُّسُل بل لَا بُد من الْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فَكَذَلِك " الْإِرَادَة " لَا بُد فِيهَا من تعْيين " المُرَاد " وَهُوَ الله و " الطَّرِيق إِلَيْهِ " وَهُوَ مَا أمرت بِهِ الرُّسُل. فَلَا بُد أَن تعبد الله، وَتَكون عبادتك إِيَّاه بِمَا شرع على أَلْسِنَة رسله إِذْ لَا بُد من تَصْدِيق الرَّسُول فِيمَا أخبر علما وَلَا بُد من طَاعَته فِيمَا أَمر عملا.
وَلِهَذَا كَانَ " الْإِيمَان " قولا وَعَملا مَعَ مُوَافقَة السّنة فَعلم الْحق مَا وَافق علم الله، والإرادة الصَّالِحَة مَا وَافَقت محبَّة الله وَرضَاهُ وَهُوَ حكمه الشَّرْعِيّ وَالله عليم حَكِيم.
فالأمور الخبرية لَا بُد أَن تطابق علم الله وَخَبره؛ والأمور العملية لَا بُد أَن تطابق حب الله وَأمره فَهَذَا حكمه وَذَاكَ علمه.
وَأما من جعل حكمه مُجَرّد الْقدر كَمَا فعل صَاحب " منَازِل السائرين " وَجعل مُشَاهدَة الْعَارِف الحكم يمنعهُ أَن يستحسن حَسَنَة أَو يستقبح
سَيِّئَة فَهَذَا فِيهِ من الْغَلَط الْعَظِيم مَا قد نبهنا عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع.
فَلَا ينفع المريد القاصد أَن يعبد أَي معبود كَانَ وَلَا أَن يعبد الله بِأَيّ عبَادَة كَانَت بل هَذِه طَريقَة الْمُشْركين المبتدعين الَّذين لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدَّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله كالنصارى وَمن أشبههم من أهل الْبدع الَّذين يعْبدُونَ غير الله بِغَيْر أَمر الله.
وَأما أهل الْإِسْلَام وَالسّنة فهم يعْبدُونَ الله وَحده ويعبدونه بِمَا شرع. لَا يعبدونه بالبدع إِلَّا مَا يَقع من أحدهم خطأ. فالسالكون طَرِيق الْإِرَادَة قد يغلطون تَارَة فِي المُرَاد؛ وَتارَة فِي الطَّرِيق إِلَيْهِ وَتارَة يتألهون غير الله بالخوف مِنْهُ والرجاء لَهُ والتعظيم والمحبة لَهُ وسؤاله وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَهَذَا حَقِيقَة الشّرك الْمحرم فَإِن حَقِيقَة التَّوْحِيد أَن لَا يعبد إِلَّا الله.
و" الْعِبَادَة " تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ وَكَمَال التَّعْظِيم، وَكَمَال الرَّجَاء والخشية والإجلال وَالْإِكْرَام. و " الفناء " فِي هَذَا التَّوْحِيد هُوَ فنَاء الْمُرْسلين وأتباعهم وَهُوَ أَن تفنى بِعِبَادَتِهِ عَن عبَادَة مَا سواهُ وبطاعته عَن طَاعَة مَا سواهُ وبسؤاله عَن سُؤال مَا سواهُ وبخوفه عَن خوف مَا سواهُ وبرجائه عَن رَجَاء مَا سواهُ، وبحبه وَالْحب فِيهِ عَن محبَّة مَا سواهُ وَالْحب فِيهِ.
وَأما الغالطون فِي الطَّرِيق فقد يُرِيدُونَ الله؛ لَكِن لَا يتبعُون الْأَمر الشَّرْعِيّ فِي إِرَادَته. لَكِن " تَارَة " يعبده أحدهم بِمَا يَظُنّهُ يرضيه وَلَا يكون كَذَلِك. و " تَارَة " ينظرُونَ إِلَى الْقدر لكَونه مُرَاده فيفنون فِي الْقدر الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِيهِ غَرَض وَأما الفناء الْمُطلق فِيهِ فممتنع. وَهَؤُلَاء يبْقى أحدهم مُتبعا لذوقه ووجده الْمُخَالف لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيّ أَو نَاظرا إِلَى الْقدر. وَهَذَا يبتلى بِهِ كثير من خواصهم.
و" الشَّيْخ عبد الْقَادِر " وَنَحْوه من أعظم مَشَايِخ زمانهم، أَمر بِالْتِزَام الشَّرْع: الْأَمر وَالنَّهْي، وتقديمه على الذَّوْق وَالْقدر، وَمن أعظم الْمَشَايِخ أمرا بترك الْهوى والإرادة النفسية. فَإِن الْخَطَأ فِي الْإِرَادَة من حَيْثُ هِيَ إِرَادَة إِنَّمَا تقع من هَذِه الْجِهَة.
فَهُوَ يَأْمر السالك أَلا تكون لَهُ إِرَادَة من جِهَة هَوَاهُ أصلا؛ بل يُرِيد مَا يُريدهُ الرب عز وجل: إِمَّا إِرَادَة شَرْعِيَّة أَن تبين لَهُ ذَلِك؛ وَإِلَّا جرى مَعَ الْإِرَادَة الْقَدَرِيَّة فَهُوَ إِمَّا مَعَ أَمر الرب، وَإِمَّا مَعَ خلقه وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخلق وَالْأَمر.
وَهَذِه " طَريقَة شريفة صَحِيحَة " إِنَّمَا يخَاف على صَاحبهَا من ترك إِرَادَة شَرْعِيَّة لَا يعلم أَنَّهَا شَرْعِيَّة أَو من تَقْدِيم إِرَادَة قدرية على الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ إِذا لم