الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثَّالِث:
الثَّالِث: أَنهم لم يعرفوا الْعلم الإلهي الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل، وَهُوَ الْعلم الْأَعْلَى الَّذِي تكمل بِهِ النَّفس، مَعَ الْعَمَل بِمُوجبِه.
الرَّابِع:
الرَّابِع: أَنهم يرَوْنَ أَنه إِذا حصل لَهُم ذَاك الْعلم سَقَطت عَنْهُم وَاجِبَات الشَّرْع وأبيحت لَهُم محرماته، وَهَذِه طَريقَة الباطنية من الإسماعيلية وَغَيرهم، مثل أبي يَعْقُوب السجسْتانِي صَاحب " الأقاليد الملكوتية " وَأَمْثَاله، وَطَرِيقَة من وافقهم من ملاحدة الصُّوفِيَّة الَّذين يتأوّلون قَوْله:{واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين} إِنَّك تعْمل حَتَّى يحصل لَك الْعلم، فَإِذا حصل الْعلم سقط عَنْك الْعَمَل.
وَقد قيل للجنيد: إِن قوما يَقُولُونَ: إِنَّهُم يصلونَ من طَرِيق الْبر إِلَى أَن تسْقط عَنْهُم الْفَرَائِض وتباح لَهُم الْمَحَارِم، أَو نَحْو هَذَا الْكَلَام. فَقَالَ: الَّذِي يَزْنِي وَيسْرق وَيشْرب الْخمر أحسن حَالا من هَذَا.
وَمن هَؤُلَاءِ من يكون طلبه للمكاشفة وَنَحْوهَا من الْعلم أعظم من طلبه لما فرض الله عَلَيْهِ، وَيَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعِصْمَة فِي الحركات
والسكنات، والخطرات والإرادات والكلمات، من الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عَن مطالعة الغيوب.
وأصل المتفلسفة أَن الفلسفة الَّتِي هِيَ الْكَمَال عِنْدهم هِيَ التَّشَبُّه بالإله على قدر الطَّاقَة، وهم يَقُولُونَ: إِن حركات الأفلاك لأجل التَّشَبُّه بِالْأولِ.
وعَلى هَذَا بنى أَبُو حَامِد كِتَابه فِي " شرح الْأَسْمَاء الْحسنى "، وتخلق العَبْد بأخلاق الله، وَأنكر ذَلِك عَلَيْهِ الْمَازرِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: لَيْسَ لله خلق يتخلق بِهِ العَبْد.
وَعدل أَبُو الحكم بن برجان عَن لفظ التخلق إِلَى لفظ التَّعَبُّد.
وعَلى هَذَا الأَصْل الفلسفي بنى ابْن عَرَبِيّ معنى ولي الله، وَأَنه المتشبّه بِهِ المتخلّق بأخلاقه، كَمَا يُفَسر أَبُو حَامِد التَّقَرُّب من الله بالتشبه بِهِ، وَابْن عَرَبِيّ وَنَحْوه يجْعَلُونَ الْوَلِيّ أفضل من النَّبِي بِنَاء على أصُولهم الفلسفيّة الاتحادية.
وَطَائِفَة أُخْرَى عِنْدهم أَن الْكَمَال فِي الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان وَالتَّصَرُّف فِي الْوُجُود، بنفاذ الْأَمر وَالنَّهْي، إِمَّا بِالْملكِ وَالْولَايَة الظَّاهِرَة، وَإِمَّا بالباطن، وَتَكون عِبَادَتهم ومجاهدتهم كَذَلِك.
وَكثير من هَؤُلَاءِ يدْخل فِي الشّرك وَالسحر، فيعبد الْكَوَاكِب والأصنام لتعينه الشَّيَاطِين على مقاصده، وَهَؤُلَاء أضلّ وأجهل من الَّذين قبلهم.
وَعَامة من يعبد الله لطلب خوارق الْعَادَات يكون فِيهِ نصيبٌ من هَذَا.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْهُم من يَمُوت فَاسِقًا أَو مسلوبًا، وَكلهمْ ضلَاّل جهال.
وَطَائِفَة تجْعَل الْكَمَال فِي مَجْمُوع الْأَمريْنِ، فَيدْخلُونَ فِي أَقْوَال وأعمال من الشّرك وَالسحر، ليستعينوا بالشياطين على مَا يطلبونه من الْإِخْبَار بالأمور الغائبة، وعَلى مَا ينفذ بِهِ تصرفهم فِي الْعَالم.
وَأما الْحق الْمُبين فَهُوَ أَن كَمَال الْإِنْسَان فِي أَن يعبد الله علما وَعَملا، كَمَا أمره ربه. وهؤلاءِ هم عبادُ الله، وهم الْمُؤْمِنُونَ والمسلمون، وهم أَوْلِيَاء الله المتقون، وحزب الله المفلحون، وجند الله الغالبون، وهم أهل الْعلم النافع، وَالْعَمَل الصَّالح، وهم الَّذين زكُّوا نُفُوسهم وكمَّلوها. كملوا القوَّة النظرية العلمية، وَالْقُوَّة الإرادية العملية.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .
وَقَالَ تَعَالَى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، وَقَالَ تَعَالَى:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} . وَقَالَ تَعَالَى: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، وَقَالَ تَعَالَى:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ، وَقَالَ تَعَالَى:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .
هَذَا مَا وجد فِي الأَصْل.
وَصلى الله على مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا.
كتبه مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب بقرية بييلا فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الأول سنة أَربع وَسَبْعمائة.