الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَعْنى الصَّحِيح للتغير:
وإيضاح ذَلِك: أَن لفظ " التَّغَيُّر " لفظ مُجمل فالتغير فِي اللُّغَة الْمَعْرُوفَة لَا يُرَاد بِهِ مُجَرّد كَون الْمحل قَامَت بِهِ الْحَوَادِث فَإِن النَّاس لَا يَقُولُونَ للشمس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب إِذا تحركت: إِنَّهَا قد تَغَيَّرت وَلَا يَقُولُونَ للْإنْسَان إِذا تكلم وَمَشى إِنَّه تغير وَلَا يَقُولُونَ إِذا طَاف وَصلى وَأمر وَنهى وَركب إِنَّه تغير إِذا كَانَ ذَلِك عَادَته بل إِنَّمَا يَقُولُونَ تغير لمن اسْتَحَالَ من صفة إِلَى صفة كَالشَّمْسِ مَا زَالَ نورها ظَاهرا لَا يُقَال إِنَّهَا تَغَيَّرت فَإِذا اصْفَرَّتْ قيل قد تَغَيَّرت.
وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان إِذا مرض أَو تغير جِسْمه بجوع أَو تَعب قيل قد تغير وَكَذَلِكَ إِذا تغير خلقه وَدينه مثل أَن يكون فَاجِرًا فيتوب وَيصير برا أَو يكون برا فينقلب فَاجِرًا فَإِنَّهُ يُقَال قد تغير.
وَمِنْه الحَدِيث: " رَأَيْت وَجه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم متغيرا "، وَهُوَ لما رأى بِهِ أثر الْجُوع، وَلم يزل يرَاهُ يرْكَع وَيسْجد، فَلم يسم حركته تغيرا.
وَكَذَلِكَ يُقَال: فلَان قد تغير على فلَان إِذا صَار يبغضه بعد الْمحبَّة فَأَما إِذا كَانَ ثَابتا على مودته لم يسم هشته إِلَيْهِ وخطابه لَهُ تغيرا. وَإِذا جرى على عَادَته فِي أَقْوَاله وأفعاله فَلَا يُقَال إِنَّه قد تغير.
قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم} . وَمَعْلُوم أَنهم إِذا كَانُوا على عَادَتهم الْمَوْجُودَة يَقُولُونَ ويفعلون مَا هُوَ خير لم يَكُونُوا قد غيروا مَا بِأَنْفسِهِم فَإِذا انتقلوا عَن ذَلِك فاستبدلوا بِقصد الْخَيْر قصد الشَّرّ وباعتقادهم الْحق اعْتِقَاد الْبَاطِل قيل: قد غيروا مَا بِأَنْفسِهِم مثل من كَانَ يحب الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَتغير قلبه وَصَارَ لَا يحب الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا قد غير مَا فِي نَفسه.
وَإِذا كَانَ هَذَا " معنى التَّغَيُّر " فالرب تَعَالَى لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال منعوتا بنعوت الْجلَال وَالْإِكْرَام وكماله من لَوَازِم ذَاته فَيمْتَنع أَن يَزُول عَنهُ شَيْء من صِفَات كَمَاله وَيمْتَنع أَن يصير نَاقِصا بعد كَمَاله.
و" هَذَا الأَصْل " عَلَيْهِ يدل قَول السّلف وَأهل السّنة: أَنه لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَلم يزل قَادِرًا وَلم يزل مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال وَلَا يزَال كَذَلِك فَلَا يكون متغيرا.
وَهَذَا معنى قَول من يَقُول: يَا من يُغير وَلَا يتَغَيَّر، فَإِنَّهُ يحِيل صِفَات الْمَخْلُوقَات ويسلبها مَا كَانَت متصفة بِهِ إِذا شَاءَ، ويعطيها من صِفَات الْكَمَال مَا لم يكن لَهَا، وكماله من لَوَازِم ذَاته؛ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بِصِفَات الْكَمَال.
قَالَ تَعَالَى {كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه} وَقَالَ تَعَالَى: {كل من عَلَيْهَا فان} {وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام} .
وَلَكِن " هَؤُلَاءِ النفاة " هم الَّذين يلْزمهُم أَن يكون قد تغير؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: كَانَ فِي الْأَزَل لَا يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا؛ وَلَا يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته؛ وَكَانَ ذَلِك مُمْتَنعا عَلَيْهِ لَا يتَمَكَّن مِنْهُ ثمَّ صَار الْفِعْل مُمكنا يُمكنهُ أَن يفعل.
وَلَهُم فِي " الْكَلَام " قَولَانِ. فَمن أثبت الْكَلَام الْمَعْرُوف وَقَالَ: إِنَّه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته قَالَ أَيْضا: إِنَّه صَار الْكَلَام مُمكنا لَهُ بعد أَن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ.
وَمن لم يصفه بالْكلَام الْمَعْرُوف؛ بل قَالَ: إِنَّه يتَكَلَّم بِلَا مَشِيئَته وَقدرته كَمَا تَقوله الْكلابِيَّة فَهَؤُلَاءِ أثبتوا كلَاما لَا يعقل وَلم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من الْمُسلمين.
بل كَانَ الْمُسلمُونَ قبلهم على " قَوْلَيْنِ ": فالسلف وَأهل السّنة يَقُولُونَ: إِنَّه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته وَكَلَامه غير مَخْلُوق. و " الْجَهْمِية " يَقُولُونَ: إِنَّه مَخْلُوق بقدرته ومشيئته فَقَالَ هَؤُلَاءِ بل يتَكَلَّم بِلَا مَشِيئَته وَقدرته وَكَلَامه شَيْء وَاحِد لَازم لذاته وَهُوَ حُرُوف أَو حُرُوف وأصوات: أزلية لَازِمَة لذاته كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع.
و (الْمَقْصُود) أَن هَؤُلَاءِ كلهم الَّذين يمْنَعُونَ أَن يكون الرب لم يزل يُمكنهُ أَن يفعل مَا يَشَاء وَيَقُولُونَ ذَلِك يسْتَلْزم وجود حوادث لَا تتناهى وَذَلِكَ محَال فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَار الْفِعْل مُمكنا لَهُ بعد أَن كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ.
وَحَقِيقَة قَوْلهم إِنَّه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن قَادِرًا وَهَذَا حَقِيقَة التَّغَيُّر مَعَ أَنه لم يحدث سَبَب يُوجب كَونه قَادِرًا.
وَإِذا قَالُوا: هُوَ فِي الْأَزَل قَادر على مَا لَا يزَال.
قيل: هَذَا جمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَهُوَ فِي الْأَزَل كَانَ قَادِرًا. فَكَانَ القَوْل مُمكنا لَهُ أَو مُمْتَنعا عَلَيْهِ؟
إِن قُلْتُمْ: مُمكن لَهُ فقد جوزتم دوَام كَونه فَاعِلا وَأَنه قَادر على حوادث لَا نِهَايَة لَهَا.
وَإِن قُلْتُمْ: بل كَانَ مُمْتَنعا. قيل: الْقُدْرَة على الْمُمْتَنع ممتنعة، فَمَعَ كَون الْفِعْل مُمْتَنعا غير مُمكن - لَا يكون مَقْدُورًا للقادر إِنَّمَا الْمَقْدُور هُوَ الْمُمكن لَا الْمُمْتَنع.
فَإِذا قُلْتُمْ: أمكنه بعد ذَلِك. فقد قُلْتُمْ: إِنَّه أمكنه أَن يفعل بعد أَن كَانَ لَا يُمكنهُ أَن يفعل وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه صَار قَادِرًا بعد أَن لم يكن وَهُوَ صَرِيح فِي التَّغَيُّر.
فَهَؤُلَاءِ النفاة الَّذين قَالُوا: إِن المثبتة يلْزمهُم القَوْل بِأَنَّهُ " تغير " قد بَان بطلَان قَوْلهم وَأَنَّهُمْ هم الَّذين قَالُوا بِمَا يُوجب تغيره.
وَإِذا قَالَ المنازع: أَنا أُرِيد بِكَوْنِهِ تغير: أَنه يتَكَلَّم بمشيئته وَقدرته، وَأَنه يحب من أطاعه، ويفرح بتوبة التائب، وَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة.
قيل: فَهَب أَنَّك سميت هَذَا تغيرا، فَلم قلت: إِن هَذَا مُمْتَنع؟
فَهَذَا مَحل النزاع، كَمَا قَالَ الرَّازِيّ: فالمقدم هُوَ التَّالِي.
وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن الله يُوصف " بالغيرة "، وَهِي مُشْتَقَّة من " التَّغَيُّر ". فَقَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح:" لَا أحد أغير من الله أَن يَزْنِي عَبده أَو تَزني أمته ".
وَقَالَ أَيْضا " {لَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله من أجل ذَلِك مدح نَفسه وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله من أجل ذَلِك بعث الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَلَا أحد أغير من الله من أجل ذَلِك حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن} ".
وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَيْضا لما قَالَ سعد بن عبَادَة: لَو رَأَيْت لَكاع - يَعْنِي امْرَأَة سعد - قد تفخّذها رجل لضربته بِالسَّيْفِ، فَقَالَ:" {أتعجبون من غيرَة سعد لأَنا أغير مِنْهُ وَالله أغير مني} ".