الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصَارَ كل طَائِفَة من بني آدم لَا بُد لَهُم من دين لهذين الْأَمريْنِ لحَاجَة نُفُوسهم إِلَى الْإِلَه الَّذِي هُوَ مَحْبُوب مَطْلُوب لذاته وَلِأَنَّهُ ينفع ويضر ولحاجتهم إِلَى الْتِزَام مَا يحبونه من الْحَاجَات ويدفعونه من المضرات
وهم مشركون فِي الْمحبَّة للأمور الْمنزلَة أعيانها وأنواعها فهم مشركون فِي محبَّة الْإِلَه الَّذِي يعبدونه وتعظيمه ومحبة من يبلغ عَنهُ مَا يخْتَص بِهِ ومحبة أوامره ونواهيه مُشْرِكين فِي محبَّة غير ذَلِك ومشركون أَيْضا فِي محبَّة جنس مَا التزموه من الْوَاجِبَات والمحرمات الْعَامَّة الَّتِي هِيَ جلب الْمَنْفَعَة لَهُم جَمِيعًا وَدفع الْمضرَّة عَنْهُم جَمِيعًا
فَهَذِهِ الْمحبَّة هِيَ الْمحبَّة الدِّينِيَّة كحب الدَّين الَّذِي هم عَلَيْهِ حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا وَكَذَلِكَ محبَّة مَا يعين على ذَلِك ويوصل إِلَيْهِ لأجل ذَلِك فَهِيَ أَيْضا محبَّة دينية
يَقُول بعض المتفلسفة إِن الْمَقْصُود بِالدّينِ مُجَرّد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة
وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِالدّينِ الْحق مُجَرّد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة من إِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كَمَا يَقُوله طوائف من المتفلسفة فِي مَقْصُود النواميس والنبوات أَن المُرَاد بهَا مُجَرّد وضع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ معاشهم فِي الدُّنْيَا من القانون العدلي الَّذِي يَنْتَظِم بِهِ معاشهم لَكِن هَذَا قد يكون الْمَقْصُود فِي أَدْيَان من لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله من اتِّبَاع الْمُلُوك المتفلسفة وَنَحْوهم مثل قوم نوح ونمرود وجنكيزخان وَغَيرهم
فَإِن كل طَائِفَة من بني آدم محتاجون إِلَى الْتِزَام وَاجِبَات وَترك مُحرمَات يقوم بهَا معاشهم وحياتهم الدُّنْيَوِيَّة وَرُبمَا جعلُوا مَعَ ذَلِك مَا بِهِ يستولون بِهِ على غَيرهم من الْأَصْنَاف ويقهرونه كَفعل الْمُلُوك الظَّالِمين مثل جنكيزخان
فَإِذا لم يكن مَقْصُود الدَّين والناموس الْمَوْضُوع إِلَّا جلب الْمَنْفَعَة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَدفع الْمضرَّة فِيهَا فَلَيْسَ لهَؤُلَاء فِي الْآخِرَة من خلاق ثمَّ إِن كَانَ مَعَ ذَلِك جَعَلُوهُ ليستولوا بِهِ على غَيرهم من بني آدم ويقهرونهم كَفعل فِرْعَوْن وجنكيزخان وَنَحْوهمَا فَهَؤُلَاءِ من أعظم النَّاس عذَابا فِي الْآخِرَة
كَمَا قَالَ تَعَالَى نتلوا عَلَيْك من نبأ مُوسَى وَفرْعَوْن بِالْحَقِّ لقوم يُؤمنُونَ إِن فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ إِنَّه كَانَ من المفسدين
وَقد قصّ الله سُبْحَانَهُ قصَّة فِرْعَوْن فِي غير مَوضِع من الْقُرْآن وَكَانَ هُوَ وَقَومه على دين لَهُم من دين الْمُلُوك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة يُوسُف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله وَهَذَا الْملك كَانَ فِرْعَوْن يُوسُف وَكَانَ قبل فِرْعَوْن مُوسَى وَفرْعَوْن اسْم لمن يملك مصر من القبط وَهُوَ اسْم جنس كقيصر وكسري وَالنَّجَاشِي وَنَحْو ذَلِك
وَهَؤُلَاء المتفلسفة الصابئة المبتدعة من الْمَشَّائِينَ وَمن سلك مسلكهم من المنتسبين إِلَى الْملَل فِي الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى يجْعَلُونَ الشَّرَائِع والنواميس
والديانات من هَذَا الْجِنْس لوضع قانون تتمّ بِهِ مصلحَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلِهَذَا لَا يأمرون فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ وَهُوَ عبَادَة الله وَحده وَلَا بِالْعَمَلِ للدَّار الْآخِرَة وَلَا ينهون فِيهَا عَن الشّرك بل يأمرون فِيهَا بِالْعَدْلِ والصدق وَالْوَفَاء بالعهد وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي لَا تتمّ مصلحَة الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا بهَا ويشرعون التأله للمخلصين وَالْمُشْرِكين
وَقد تَكَلَّمت على أَقسَام الديانَات فِي غير هَذَا الْموضع وبينت الطبعي والملي والشرعي وَإِنَّمَا جَاءَ ذكر هَذَا هُنَا مطردا
وَلِهَذَا يُقِيمُونَ النواميس بأنواع من الْحِيَل وَالسحر والطلسمات كَمَا وضعوه فِي كتب ذَلِك وَيَقُولُونَ فِي بعض الطيالسم هَذَا يصلح لوضع النواميس كَمَا تواصت القرامطة والباطنية وكما كَانَ يَفْعَله سحرة فِرْعَوْن وَغَيرهم وآثارهم مَوْجُودَة بذلك إِلَى الْيَوْم وكما يَفْعَله الْمُشْركُونَ من التّرْك والهند فِي بِلَادهمْ
والمتفلسفة الصابئة تجْعَل ذَلِك جِنْسا لما بعثت بِهِ الرُّسُل من الْآيَات ويجعلون مُوسَى والسحرة وَالَّذين عارضوه من جنس وَاحِد
وَهَؤُلَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق هم مقرون بِأَن مَنْفَعَة ذَلِك لَا تكون فِي الْآخِرَة وَإِنَّمَا يرجون منفعَته فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ فِيهِ بُلُوغ بعض الْأَعْرَاض من رئاسة أَو شَهْوَة
فَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ويتعلمون مَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ إِذْ مَا فِيهِ من الْمضرَّة يَرْبُو على مَا فِيهِ من الْخَيْر قَالَ الله تَعَالَى وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لمثوبة من عِنْد الله خير لَو كَانُوا يعلمُونَ وَلِهَذَا كَانَ مَا نهي عَنهُ من هَذَا الْجِنْس إِنَّمَا هُوَ لكَون الضَّرَر فِيهِ أغلب من الْمَنْفَعَة فَأَما مَا ينفع النَّاس فَلم ينْه الله عَنهُ
وَلِهَذَا لما عرض على النَّبِي الرقى قَالَ من اسْتَطَاعَ أَن ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل وَقَالَ لَا بَأْس بالرقى مَا لم يكن فِيهِ شرك