المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مواقف النفاة من مسألة الصفات والرد عليهم: - جامع الرسائل لابن تيمية - رشاد سالم - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌الْمَجْمُوعَة الثَّانِيَة

- ‌الرسَالَة الأولىرِسَالَة فِي الصِّفَات الاختيارية

- ‌فصل

- ‌مقَالَة الْجَهْمِية والمعتزلة:

- ‌مقَالَة الْكلابِيَّة والسالمية:

- ‌مقَالَة السّلف وَأهل السّنة:

- ‌صفة الْكَلَام:

- ‌مقَالَة الْجَهْمِية والمعتزلة فِي صفة الْكَلَام:

- ‌مقَالَة الْكلابِيَّة والسالمية فِيهَا:

- ‌مقَالَة الرَّازِيّ:

- ‌مقَالَة الْآمِدِيّ:

- ‌مقَالَة الْجُوَيْنِيّ:

- ‌الْآيَات الدَّالَّة على صفة الْكَلَام:

- ‌فَصِل

- ‌صفة الْإِرَادَة:

- ‌صفتا الْمحبَّة وَالرِّضَا:

- ‌فصل

- ‌صفتا السّمع وَالْبَصَر:

- ‌أَفعَال الرب الاختيارية:

- ‌فصل

- ‌الْأَدِلَّة على هَذَا الأَصْل من السّنة:

- ‌فصل

- ‌مَوَاقِف النفاة من مَسْأَلَة الصِّفَات وَالرَّدّ عَلَيْهِم:

- ‌الرَّد على حجَّة للنفاة من وُجُوه:

- ‌الأول:

- ‌الثَّانِي:

- ‌الثَّالِث:

- ‌الرَّابِع:

- ‌الْخَامِس:

- ‌السَّادِس:

- ‌فصل

- ‌فَسَاد حجج النفاة لحلول الْحَوَادِث:

- ‌الْحجَّة الأولى:

- ‌فَسَاد هَذِه الْحجَّة:

- ‌الْحجَّة الثَّانِيَة:

- ‌بطلَان هَذِه الْحجَّة من وُجُوه:

- ‌الْوَجْه الأول:

- ‌الْوَجْه الثَّانِي:

- ‌الْوَجْه الثَّالِث:

- ‌الْوَجْه الرَّابِع:

- ‌الْحجَّة الثَّالِثَة:

- ‌إِثْبَات بطلَان هَذِه الْحجَّة:

- ‌الْمَعْنى الصَّحِيح للتغير:

- ‌الْحجَّة الرَّابِعَة:

- ‌الرَّد عَلَيْهَا:

- ‌الرسَالَة الثَّانِيَةشرح كَلِمَات من "فتوح الْغَيْب

- ‌قَالَ الجيلاني: لابد لكل مُؤمن من أَمر يمتثله وَنهي يجتنبه وَقدر يرضى بِهِ:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌الثَّلَاثَة ترجع إِلَى امْتِثَال الْأَمر:

- ‌حكم الْمُبَاحَات وأنواعها:

- ‌سلوك الْأَبْرَار وسلوك المقربين:

- ‌النَّاس فِي الْمُبَاحَات على ثَلَاثَة أَقسَام:

- ‌حكم الإلهام فِي الشَّرِيعَة:

- ‌الْمُؤمن وَالْقدر:

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌أَمر الجيلاني بالفناء عَن الْخلق والهوى والإرادة:

- ‌‌‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌كَلَام الجيلاني عَن عَلَامَات الفناء:

- ‌تَابع كَلَام الجيلاني:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌كَلَام آخر للجيلاني عَن عَلامَة فنَاء إِرَادَة العَبْد:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌فصل

- ‌تَابع كَلَام الجيلاني:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌فصل

- ‌تَابع كَلَام الجيلاني:

- ‌تَعْلِيق ابْن تَيْمِية:

- ‌فصل

- ‌الفلاسفة ضالون كافرون من وُجُوه:

- ‌الأول:

- ‌الثَّانِي:

- ‌الثَّالِث:

- ‌الرَّابِع:

- ‌الرسَالَة الثَّالِثَةقَاعِدَة فِي الْمحبَّة

- ‌الْحبّ والإرادة أصل كل فعل وحركة فِي الْعَالم والبغض وَالْكَرَاهَة أصل كل ترك فِيهِ

- ‌الْمحبَّة الَّتِي أَمر الله بهَا هِيَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ

- ‌أهل الطَّبْع المتفلسفة لَا يشْهدُونَ الْحِكْمَة الغائية من الْمَخْلُوقَات

- ‌أهل الْكَلَام يُنكرُونَ طبائع الموجودات وَمَا فِيهَا من الْقوي والأسباب

- ‌الْمحبَّة والإرادة أصل كل دين

- ‌مَعَاني كلمة الدَّين

- ‌لَا بُد لكل طَائِفَة من بني آدم من دين يجمعهُمْ

- ‌الدَّين هُوَ التعاهد والتعاقد

- ‌الدَّين الْحق هُوَ طَاعَة الله وعبادته

- ‌كل دين سوي الْإِسْلَام بَاطِل

- ‌لَا بُد فِي كل دين من شَيْئَيْنِ العقيدة والشريعة أَو المعبود وَالْعِبَادَة

- ‌تنوع النَّاس فِي المعبود وَفِي الْعِبَادَة

- ‌ذمّ الله التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف فِي الْكتاب وَالسّنة

- ‌يَقُول بعض المتفلسفة إِن الْمَقْصُود بِالدّينِ مُجَرّد الْمصلحَة الدُّنْيَوِيَّة

- ‌فصل

- ‌الْحبّ أصل كل عمل والتصديق بالمحبة هُوَ أصل الْإِيمَان

- ‌تَأْوِيل طوائف من الْمُسلمين للمحبة تأويلات خاطئة

- ‌تنَازع النَّاس فِي لفظ الْعِشْق

- ‌منكرو لفظ الْعِشْق لَهُم من جِهَة اللَّفْظ مأخذان وَمن جِهَة الْمَعْنى مأخذان

- ‌المأخذ الأول من جِهَة اللَّفْظ

- ‌المأخذ الثَّانِي

- ‌المأخذ الْمَعْنَوِيّ قيل إِن الْعِشْق فَسَاد فِي الْحبّ والإرادة

- ‌وَقيل إِن الْعِشْق فَسَاد فِي الْإِدْرَاك والتخيل والمعرفة

- ‌فصل

- ‌كل محبَّة وبغضة يتبعهَا لَذَّة وألم

- ‌اللَّذَّات ثَلَاثَة أَجنَاس:

- ‌الأول: اللَّذَّة الحسية

- ‌الثَّانِي: اللَّذَّة الوهمية

- ‌الثَّالِث: اللَّذَّة الْعَقْلِيَّة

- ‌شرع الله من اللَّذَّات مَا فِيهِ صَلَاح حَال الْإِنْسَان وَجعل اللَّذَّة التَّامَّة فِي الْآخِرَة

- ‌غلط المتفلسفة وَمن اتبعهم فِي أَمر هَذِه اللَّذَّات

- ‌ضل النَّصَارَى كَذَلِك فِي أَمر اللَّذَّات

- ‌الْيَهُود أعلم لكِنهمْ غواة قساة

- ‌تَفْصِيل مقَالَة الفلاسفة فِي اللَّذَّة

- ‌فصل

- ‌حب الله أصل التَّوْحِيد العملي

- ‌أصل الْإِشْرَاك العملي بِاللَّه الْإِشْرَاك فِي الْمحبَّة

- ‌الْمُؤْمِنُونَ يحبونَ لله ويبغضون لله

- ‌محبَّة الله مستلزمة لمحبة مَا يُحِبهُ من الْوَاجِبَات

- ‌الذُّنُوب تنقص من محبَّة الله

- ‌مَرَاتِب الْعِشْق

- ‌ذكر الله الْعِشْق فِي الْقُرْآن عَن الْمُشْركين

- ‌المتولون للشَّيْطَان هم الَّذين يحبونَ مَا يُحِبهُ

- ‌عباد الله المخلصون لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان

- ‌العشاق يتولون الشَّيْطَان ويشركون بِهِ

- ‌يُوقع الشَّيْطَان الْعَدَاوَة والبغضاء بَين الْمُؤمنِينَ بالعشق

- ‌أصل الْعِبَادَة الْمحبَّة والشرك فِيهَا أصل الشّرك

- ‌الْفِتْنَة جنس تَحْتَهُ أَنْوَاع من الشُّبُهَات والشهوات

- ‌فصل

- ‌محبَّة الله توجب المجاهدة فِي سَبيله

- ‌موادة عَدو الله تنَافِي الْمحبَّة

- ‌محبَّة الله وَرَسُوله على دَرَجَتَيْنِ: وَاجِبَة ومستحبة

- ‌الْمحبَّة الْوَاجِبَة وَهِي محبَّة الْمُقْتَصِدِينَ

- ‌الْمحبَّة المستحبة وَهِي محبَّة السَّابِقين

- ‌ترك الْجِهَاد لعدم الْمحبَّة التَّامَّة وَهُوَ دَلِيل النِّفَاق

- ‌انقسام النَّاس إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام:

- ‌1- قوم لَهُم قدرَة وَإِرَادَة ومحبة غير مَأْمُور بهَا

- ‌2- قوم لَهُم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة كَامِلَة لله وقدرة كَامِلَة

- ‌3- قوم فيهم إِرَادَة صَالِحَة ومحبة قَوِيَّة لَكِن قدرتهم نَاقِصَة

- ‌4- من قدرته وإرادته للحق قَاصِرَة وَفِيه إِرَادَة للباطل

- ‌الْعِبَادَة تجمع كَمَال الْمحبَّة وَكَمَال الذل

- ‌من أحب شَيْئا كَمَا يحب الله أَو عظمه كَمَا يعظم الله فقد أشرك

- ‌الْإِنْسَان لَا يفعل الْحَرَام إِلَّا لضعف إيمَانه ومحبته

- ‌تَزْيِين الشَّيْطَان لكثير من النَّاس أنواعا من الْحَرَام ضاهوا بهَا الْحَلَال

- ‌موقف الْمُؤمن من الشرور والخيرات وَمَا يجب عَلَيْهِ حيالها

- ‌بَنو آدم لَا يُمكن عيشهم إِلَّا بالتعاقد والتحالف

- ‌التَّحَالُف يكون وفقا الشَّرِيعَة منزلَة أَو شَرِيعَة غير منزلَة أَو سياسة

- ‌الْمُسلمُونَ على شروطهم إِلَّا شرطا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالاوَلِهَذَا قَالَ النَّبِي

- ‌فصل

- ‌الْمَقْصُود الأول من كل عمل هُوَ التنعم واللذة

- ‌ النَّعيم التَّام هُوَ فِي الدَّين الْحق

- ‌من الْخَطَأ الظَّن بِأَن نعيم الدُّنْيَا لَا يكون إِلَّا لأهل الْكفْر والفجور

- ‌الْمُؤمن يطْلب نعيم الدُّنْيَا وَالنَّعِيم التَّام فِي الْآخِرَة

- ‌من الْخَطَأ الِاعْتِقَاد أَن الله ينصر الْكفَّار فِي الدُّنْيَا وَلَا ينصر الْمُؤمنِينَ

- ‌مَا سبق يتَبَيَّن بأصلين:

- ‌الأَصْل الأول: حُصُول النَّصْر وَغَيره من أنوع النَّعيم لَا يُنَافِي وُقُوع الْقَتْل أَو الْأَذَى

- ‌الأَصْل الثَّانِي: التنعم إِمَّا بالأمور الدُّنْيَوِيَّة وَإِمَّا بالأمور الدِّينِيَّة:

- ‌1- الدُّنْيَوِيَّة

- ‌2- الدِّينِيَّة

- ‌فصل

- ‌تنَازع النَّاس فِيمَا ينَال الْكَافِر فِي الدُّنْيَا من التنعم هَل هُوَ نعْمَة فِي حَقه أم لَا

- ‌رَأْي ابْن تَيْمِية

- ‌حَال الْإِنْسَان عِنْد السَّرَّاء وَالضَّرَّاء

- ‌حَال الْمُؤمن عِنْدهمَا

- ‌الْمُؤمن أرجح فِي النَّعيم واللذة من الْكَافِر فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة وَإِن كَانَت

- ‌لذات أهل الْبر أعظم من لذات أهل الْفُجُور

- ‌لما خَاضَ النَّاس فِي مسَائِل الْقدر ابتدع طوائف مِنْهُم مقالات مُخَالفَة للْكتاب وَالسّنة:

- ‌بدع الْقَدَرِيَّة

- ‌بدع طَائِفَة من أهل الْإِثْبَات

- ‌الرَّد عَلَيْهِم

- ‌الْمقَالة الصَّحِيحَة لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة

- ‌رفع الله الْحَرج عَن الْمُؤمنِينَ

- ‌الْإِيمَان وَالطَّاعَة خير من الْكفْر وَالْمَعْصِيَة للْعَبد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة

- ‌معنى الْمَجِيء إِلَى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بعد مماته

- ‌على الْمُؤمن أَن يحب مَا أحب الله وَيبغض مَا أبغضه الله ويرضى بِمَا قدره الله

- ‌فصل

- ‌جَمِيع الحركات ناشئة عَن الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار

- ‌فصل

- ‌أصل الْمُوَالَاة الْحبّ وأصل المعاداة البغض

- ‌فصل

- ‌تَقْسِيم الْعلم إِلَى فعلي وانفعالي

- ‌علم الرب بِأَفْعَال عباده الصَّالِحَة والسيئة يسْتَلْزم حبه للحسنات وبغضه للسيئات

- ‌الْإِرَادَة والمحبة ينقسمان أَيْضا إِلَى فعليتين وانفعاليتين

- ‌الْحبّ يتبع الإحساس والإحساس يكون بموجود لَا بمعدوم

- ‌الْأُمُور الغائبة لَا تعرف وَلَا تحب وَتبْغض إِلَّا بِنَوْع من الْقيَاس والتمثيل

الفصل: ‌مواقف النفاة من مسألة الصفات والرد عليهم:

فِي ملإ خير مِنْهُم والمنازع يَقُول مَا زَالَ يذكرهُ أزلا وأبدا ثمَّ يَقُول: ذكره وَذكر غَيره وَسَائِر مَا يتَكَلَّم الله بِهِ هُوَ شَيْء وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَتَعَدَّد فحقيقة قَوْله إِن الله لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يذكر أحدا.

وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث تَعْلِيم الصَّلَاة " {وَإِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا وَلَك الْحَمد؛ يسمع الله لكم فَإِن الله قَالَ على لِسَان نبيه سمع الله لمن حَمده} " فَقَوله: سمع الله لمن حَمده؛ لِأَن الْجَزَاء بعد الشَّرْط فَقَوله " يسمع الله لكم " مجزوم حرك بِالْكَسْرِ لالتقاء الساكنين وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يسمع بعد أَن تحمدوا.

‌فصل

‌مَوَاقِف النفاة من مَسْأَلَة الصِّفَات وَالرَّدّ عَلَيْهِم:

والمنازعون " النفاة " كَذَلِك. مِنْهُم من يَنْفِي الصِّفَات مُطلقًا فَهَذَا يكون الْكَلَام مَعَه فِي الصِّفَات مُطلقًا؛ لَا يخْتَص " بِالصِّفَاتِ الاختيارية ". وَمِنْهُم من يثبت الصِّفَات وَيَقُول لَا يقوم بِذَاتِهِ شَيْء بمشيئته وَقدرته؛ فَيَقُول: إِنَّه لَا يتَكَلَّم بمشيئته واختياره وَيَقُول: لَا يرضى ويسخط وَيُحب وَيبغض ويختار بمشيئته وَقدرته وَيَقُول: إِنَّه لَا يفعل فعلا " هُوَ الْخلق " يخلق بِهِ الْمَخْلُوق وَلَا يقدر عِنْده على فعل يقوم بِذَاتِهِ بل مقدوره لَا يكون إِلَّا مُنْفَصِلا مِنْهُ وَهَذَا مَوضِع تنَازع فِيهِ النفاة.

ص: 28

فَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا بَائِنا عَنهُ؛ كَمَا يَقُوله الْجَهْمِية والكلابية والمعتزلة وَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا مَا يقوم بِذَاتِهِ؛ كَمَا يَقُوله: السالمية والكرامية وَالصَّحِيح: أَن كليهمَا مَقْدُور لَهُ.

أما " الْفِعْل " فَمثل قَوْله تَعَالَى {قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم} .

وَقَوله: {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} .

وَقَول الحواريين: {هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} .

وَقَوله: {أوليس الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم} وَقَوله: {أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يعي بخلقهن بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا يبين أَنه يقدر على " الْأَفْعَال " كالإحياء والبعث وَنَحْو ذَلِك.

وَأما " الْقُدْرَة على الْأَعْيَان " فَفِي الصَّحِيح عَن أبي مَسْعُود قَالَ: " {كنت أضْرب غُلَاما فرآني النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اعْلَم أَبَا مَسْعُود اعْلَم

ص: 29

أَبَا مَسْعُود: لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا} " فَقَوله: " لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا " دَلِيل على أَن الْقُدْرَة تتَعَلَّق بالأعيان الْمُنْفَصِلَة: " قدرَة الرب " و " قدرَة العَبْد ".

وَمن النَّاس من يَقُول: كِلَاهُمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ كالكرامية وَمِنْهُم من يَقُول: قدرَة الرب تتَعَلَّق بالمنفصل وَأما قدرَة العَبْد فَلَا تتَعَلَّق إِلَّا بِفعل فِي محلهَا كالأشعرية.

و" النُّصُوص " تدل على أَن كلا القدرتين تتَعَلَّق بالمتصل والمنفصل فَإِن الله تَعَالَى أخبر أَن العَبْد يقدر على أَفعاله كَقَوْلِه: {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم} وَقَوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم} فَدلَّ على أَن منا من يَسْتَطِيع ذَلِك وَمنا من لم يسْتَطع.

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم " {يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء} ". أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

ص: 30

وَقَوله: " {إِن اسْتَطَعْت أَن تعْمل بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل} .

وَقَوله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيح: " {إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم} وَقد أخبر أَنه قَادر على عَبده وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ: لَا تقوم بِهِ " الْأُمُور الاختيارية " عمدتهم أَنه لَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث لم يخل مِنْهَا وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث.

وَقد نازعهم النَّاس فِي كلا " المقدمتين " وأصحابهم الْمُتَأَخّرُونَ كالرازي والآمدي قَدَحُوا فِي " الْمُقدمَة الأولى " فِي نفس هَذِه الْمَسْأَلَة وقدح الرَّازِيّ فِي " الْمُقدمَة الثَّانِيَة " فِي غير مَوضِع من كتبه وَقد بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع.

ص: 31

وَقَوْلهمْ: إِنَّمَا عرفنَا حُدُوث الْعَالم بِهَذِهِ الطَّرِيق وَبِه أثبتنا " الصَّانِع " فَيُقَال لَهُم: لَا جرم ابتدعتم طَرِيقا لَا يُوَافق السّمع وَلَا الْعقل فالعالمون بِالشَّرْعِ معترفون أَنكُمْ مبتدعون محدثون فِي الْإِسْلَام مَا لَيْسَ مِنْهُ وَالَّذين يعْقلُونَ مَا يَقُولُونَ يعلمُونَ أَن الْعقل يُنَاقض مَا قُلْتُمْ وَأَن مَا جعلتموه دَلِيلا على إِثْبَات الصَّانِع لَا يدل على إثْبَاته بل هُوَ اسْتِدْلَال على نفي " الصَّانِع ".

وَإِثْبَات " الصَّانِع " حق وَهَذَا الْحق يلْزم من ثُبُوته إبِْطَال استدلالكم بِأَن مَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث.

وَأما كَون " طريقكم مبتدعة " مَا سلكها الْأَنْبِيَاء وَلَا أتباعهم وَلَا سلف الْأمة؛ فَلِأَن كل من يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول - وَإِن كَانَت مَعْرفَته متوسطة لم يصل فِي ذَلِك إِلَى الْغَايَة - يعلم أَن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لم يدع النَّاس فِي معرفَة الصَّانِع وتوحيده وَصدق رسله إِلَى الِاسْتِدْلَال بِثُبُوت الْأَعْرَاض وَأَنَّهَا حَادِثَة ولازمة للأجسام؛ وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث؛ لِامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا، بل يعلم بالاضطرار أَن " هَذِه الطَّرِيق " لم يتَكَلَّم بهَا الرَّسُول وَلَا دَعَا إِلَيْهَا أَصْحَابه، وَلَا أَصْحَابه تكلمُوا بهَا وَلَا دعوا بهَا النَّاس.

وَهَذَا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ من دين الرَّسُول بِأَنَّهُ عِنْد الرَّسُول

ص: 32

وَالْمُؤمنِينَ بِهِ أَن الله يُعرف ويُعرف توحيده وَصدق رسله بِغَيْر هَذِه الطَّرِيق فَدلَّ الشَّرْع دلَالَة ضَرُورِيَّة على أَنه لَا حَاجَة إِلَى هَذِه الطَّرِيق وَدلّ مَا فِيهَا من مُخَالفَة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على أَنَّهَا طَرِيق بَاطِلَة. فَدلَّ الشَّرْع على أَنه لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَأَنَّهَا بَاطِلَة.

وَأما الْعقل فقد بسط القَوْل فِي جَمِيع مَا قيل فِيهَا فِي غير هَذِه الْمَوَاضِع وَبَين أَن أَئِمَّة أَصْحَابهَا قد يعترفون بفسادها من جِهَة الْعقل. كَمَا يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد والرازي وَغَيرهمَا بَيَان فَسَادهَا.

وَلما ظهر فَسَادهَا لِلْعَقْلِ تسلط " الفلاسفة " على سالكيها وظنت الفلاسفة أَنهم إِذا قَدَحُوا فِيهَا فقد قَدَحُوا فِي دلَالَة الشَّرْع ظنا مِنْهُم أَن الشَّرْع جَاءَ بموجبها إِذْ كَانُوا أَجْهَل بِالشَّرْعِ وَالْعقل من سالكيها فسالكوها لَا لِلْإِسْلَامِ نصروا وَلَا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عَلَيْهِم وعَلى الْإِسْلَام. وَهَذَا كُله مَبْسُوط فِي مَوَاضِع.

وَإِنَّمَا " الْمَقْصُود هُنَا ": أَن يعرف أَن نفيهم " للصفات الاختيارية " الَّتِي يسمونها حُلُول الْحَوَادِث لَيْسَ لَهُم دَلِيل عَقْلِي عَلَيْهِ وحذاقهم يعترفون بذلك وَأما السّمع فَلَا ريب أَنه مَمْلُوء بِمَا يناقضه وَالْعقل أَيْضا يدل نقيضه من وُجُوه نبهنا على بَعْضهَا.

وَلما لم يُمكن مَعَ أَصْحَابهَا حجَّة " لَا عقلية وَلَا سمعية ": من الْكتاب وَالسّنة احتال متأخروهم فسلكوا " طَرِيقا سمعية " ظنُّوا أَنَّهَا تنفعهم فَقَالُوا: هَذِه

ص: 33