الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي ملإ خير مِنْهُم والمنازع يَقُول مَا زَالَ يذكرهُ أزلا وأبدا ثمَّ يَقُول: ذكره وَذكر غَيره وَسَائِر مَا يتَكَلَّم الله بِهِ هُوَ شَيْء وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا يَتَعَدَّد فحقيقة قَوْله إِن الله لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يذكر أحدا.
وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث تَعْلِيم الصَّلَاة " {وَإِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا وَلَك الْحَمد؛ يسمع الله لكم فَإِن الله قَالَ على لِسَان نبيه سمع الله لمن حَمده} " فَقَوله: سمع الله لمن حَمده؛ لِأَن الْجَزَاء بعد الشَّرْط فَقَوله " يسمع الله لكم " مجزوم حرك بِالْكَسْرِ لالتقاء الساكنين وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه يسمع بعد أَن تحمدوا.
فصل
مَوَاقِف النفاة من مَسْأَلَة الصِّفَات وَالرَّدّ عَلَيْهِم:
والمنازعون " النفاة " كَذَلِك. مِنْهُم من يَنْفِي الصِّفَات مُطلقًا فَهَذَا يكون الْكَلَام مَعَه فِي الصِّفَات مُطلقًا؛ لَا يخْتَص " بِالصِّفَاتِ الاختيارية ". وَمِنْهُم من يثبت الصِّفَات وَيَقُول لَا يقوم بِذَاتِهِ شَيْء بمشيئته وَقدرته؛ فَيَقُول: إِنَّه لَا يتَكَلَّم بمشيئته واختياره وَيَقُول: لَا يرضى ويسخط وَيُحب وَيبغض ويختار بمشيئته وَقدرته وَيَقُول: إِنَّه لَا يفعل فعلا " هُوَ الْخلق " يخلق بِهِ الْمَخْلُوق وَلَا يقدر عِنْده على فعل يقوم بِذَاتِهِ بل مقدوره لَا يكون إِلَّا مُنْفَصِلا مِنْهُ وَهَذَا مَوضِع تنَازع فِيهِ النفاة.
فَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا بَائِنا عَنهُ؛ كَمَا يَقُوله الْجَهْمِية والكلابية والمعتزلة وَقيل: لَا يكون " مقدوره " إِلَّا مَا يقوم بِذَاتِهِ؛ كَمَا يَقُوله: السالمية والكرامية وَالصَّحِيح: أَن كليهمَا مَقْدُور لَهُ.
أما " الْفِعْل " فَمثل قَوْله تَعَالَى {قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم} .
وَقَوله: {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} .
وَقَول الحواريين: {هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} .
وَقَوله: {أوليس الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم} وَقَوله: {أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يعي بخلقهن بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى} إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا يبين أَنه يقدر على " الْأَفْعَال " كالإحياء والبعث وَنَحْو ذَلِك.
وَأما " الْقُدْرَة على الْأَعْيَان " فَفِي الصَّحِيح عَن أبي مَسْعُود قَالَ: " {كنت أضْرب غُلَاما فرآني النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اعْلَم أَبَا مَسْعُود اعْلَم
أَبَا مَسْعُود: لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا} " فَقَوله: " لله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا " دَلِيل على أَن الْقُدْرَة تتَعَلَّق بالأعيان الْمُنْفَصِلَة: " قدرَة الرب " و " قدرَة العَبْد ".
وَمن النَّاس من يَقُول: كِلَاهُمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ كالكرامية وَمِنْهُم من يَقُول: قدرَة الرب تتَعَلَّق بالمنفصل وَأما قدرَة العَبْد فَلَا تتَعَلَّق إِلَّا بِفعل فِي محلهَا كالأشعرية.
و" النُّصُوص " تدل على أَن كلا القدرتين تتَعَلَّق بالمتصل والمنفصل فَإِن الله تَعَالَى أخبر أَن العَبْد يقدر على أَفعاله كَقَوْلِه: {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم} وَقَوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم} فَدلَّ على أَن منا من يَسْتَطِيع ذَلِك وَمنا من لم يسْتَطع.
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم " {يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء} ". أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَوله: " {إِن اسْتَطَعْت أَن تعْمل بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فافعل} .
وَقَوله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيح: " {إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم} وَقد أخبر أَنه قَادر على عَبده وَهَؤُلَاء الَّذين يَقُولُونَ: لَا تقوم بِهِ " الْأُمُور الاختيارية " عمدتهم أَنه لَو قَامَت بِهِ الْحَوَادِث لم يخل مِنْهَا وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث.
وَقد نازعهم النَّاس فِي كلا " المقدمتين " وأصحابهم الْمُتَأَخّرُونَ كالرازي والآمدي قَدَحُوا فِي " الْمُقدمَة الأولى " فِي نفس هَذِه الْمَسْأَلَة وقدح الرَّازِيّ فِي " الْمُقدمَة الثَّانِيَة " فِي غير مَوضِع من كتبه وَقد بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع.
وَقَوْلهمْ: إِنَّمَا عرفنَا حُدُوث الْعَالم بِهَذِهِ الطَّرِيق وَبِه أثبتنا " الصَّانِع " فَيُقَال لَهُم: لَا جرم ابتدعتم طَرِيقا لَا يُوَافق السّمع وَلَا الْعقل فالعالمون بِالشَّرْعِ معترفون أَنكُمْ مبتدعون محدثون فِي الْإِسْلَام مَا لَيْسَ مِنْهُ وَالَّذين يعْقلُونَ مَا يَقُولُونَ يعلمُونَ أَن الْعقل يُنَاقض مَا قُلْتُمْ وَأَن مَا جعلتموه دَلِيلا على إِثْبَات الصَّانِع لَا يدل على إثْبَاته بل هُوَ اسْتِدْلَال على نفي " الصَّانِع ".
وَإِثْبَات " الصَّانِع " حق وَهَذَا الْحق يلْزم من ثُبُوته إبِْطَال استدلالكم بِأَن مَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث.
وَأما كَون " طريقكم مبتدعة " مَا سلكها الْأَنْبِيَاء وَلَا أتباعهم وَلَا سلف الْأمة؛ فَلِأَن كل من يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول - وَإِن كَانَت مَعْرفَته متوسطة لم يصل فِي ذَلِك إِلَى الْغَايَة - يعلم أَن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لم يدع النَّاس فِي معرفَة الصَّانِع وتوحيده وَصدق رسله إِلَى الِاسْتِدْلَال بِثُبُوت الْأَعْرَاض وَأَنَّهَا حَادِثَة ولازمة للأجسام؛ وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث؛ لِامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا، بل يعلم بالاضطرار أَن " هَذِه الطَّرِيق " لم يتَكَلَّم بهَا الرَّسُول وَلَا دَعَا إِلَيْهَا أَصْحَابه، وَلَا أَصْحَابه تكلمُوا بهَا وَلَا دعوا بهَا النَّاس.
وَهَذَا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ من دين الرَّسُول بِأَنَّهُ عِنْد الرَّسُول
وَالْمُؤمنِينَ بِهِ أَن الله يُعرف ويُعرف توحيده وَصدق رسله بِغَيْر هَذِه الطَّرِيق فَدلَّ الشَّرْع دلَالَة ضَرُورِيَّة على أَنه لَا حَاجَة إِلَى هَذِه الطَّرِيق وَدلّ مَا فِيهَا من مُخَالفَة نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على أَنَّهَا طَرِيق بَاطِلَة. فَدلَّ الشَّرْع على أَنه لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَأَنَّهَا بَاطِلَة.
وَأما الْعقل فقد بسط القَوْل فِي جَمِيع مَا قيل فِيهَا فِي غير هَذِه الْمَوَاضِع وَبَين أَن أَئِمَّة أَصْحَابهَا قد يعترفون بفسادها من جِهَة الْعقل. كَمَا يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد والرازي وَغَيرهمَا بَيَان فَسَادهَا.
وَلما ظهر فَسَادهَا لِلْعَقْلِ تسلط " الفلاسفة " على سالكيها وظنت الفلاسفة أَنهم إِذا قَدَحُوا فِيهَا فقد قَدَحُوا فِي دلَالَة الشَّرْع ظنا مِنْهُم أَن الشَّرْع جَاءَ بموجبها إِذْ كَانُوا أَجْهَل بِالشَّرْعِ وَالْعقل من سالكيها فسالكوها لَا لِلْإِسْلَامِ نصروا وَلَا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عَلَيْهِم وعَلى الْإِسْلَام. وَهَذَا كُله مَبْسُوط فِي مَوَاضِع.
وَإِنَّمَا " الْمَقْصُود هُنَا ": أَن يعرف أَن نفيهم " للصفات الاختيارية " الَّتِي يسمونها حُلُول الْحَوَادِث لَيْسَ لَهُم دَلِيل عَقْلِي عَلَيْهِ وحذاقهم يعترفون بذلك وَأما السّمع فَلَا ريب أَنه مَمْلُوء بِمَا يناقضه وَالْعقل أَيْضا يدل نقيضه من وُجُوه نبهنا على بَعْضهَا.
وَلما لم يُمكن مَعَ أَصْحَابهَا حجَّة " لَا عقلية وَلَا سمعية ": من الْكتاب وَالسّنة احتال متأخروهم فسلكوا " طَرِيقا سمعية " ظنُّوا أَنَّهَا تنفعهم فَقَالُوا: هَذِه