الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحقيق مراده في طالع الفصل الأول وهي غير منحصرة لأنه ما من حكم إلا وهو أثر سبب والأحكام لا تنحصر لعدم الحصار الحوادث.
الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان
أي في الذوات ومنافعها لأن التصرف في منافعها تصرف في أنفسها وذكر في هذا الفصل قواعد وضوابط تتفرع عنها تصاريف أبواب الفقه وتفيد العلم بها ملكة يفهم بها خواص الأبواب وفروقها فلا تكاد تشتبه عليه أحكام الأبواب المتشابهة وذلك عون كبير على فقه القضاء والفتوى ويعبر عن هاته الضوابط والقواعد والكليات بالأصول القريبة لأنها تتفرع عنها أحكام فقهية ووصفت بالقرب لأن علاقتها بالفقه أقرب من علاقة مسائل الأصول المتعارفة به حتى لك تجد كثيرًا منها عبارة عن مسائل فقهية مدونة بكيفية كلية تنطبق على أبواب كثيرة وهي نفسها متفرعة عن دلائل الفقه الإجمالية التي هي الأصول المتعارفة فإذا نظر إليها بالنسبة لعلم الأصول كانت فروعًا وإذا نظر إليها بالنسبة لجمعها فروعًا كثيرة في جهة واحدة بحيث يمكن للفقيه أن يستحضر بسببها بعض الفروع كانت أصولاً نسموها القريبة للاحتراز عن أصول الفقه وقد ذكر المصنف هنا منها طائفة نافعة بعد فراغه من أصول الفقه قصدًا لجعلها برزخًا بين الأصول وبين الفقه الذي ذكره في كتابه الذخيرة التي جعل لها هذا الكتاب توطئة كما قدمه في الديباجة واقتصر في الترجمة على تصرفات المكلفين في الأعيان لأنها الأهم مع أنه ذكر التصرف في منافع الأعيان إلا أنها لما كانت منسوبة إليها ومستثمرة منها جعلها تابعة لها. وهذه التصرفات منها أسباب لتصرف ثان ومنها ما ليس كذلك وهي أما أسباب فعلية أو قولية كما ذكره المصنف في الفرق
الخامس والثلاثين والفرق بينهما. أن الفعلية تصح من السفيه والمحجور عليه دون القولية (قوله النقل إلخ) هو إخراج حق التصرف من يد إلى أخرى. فما هو منه يعوض يسمى معاوضة وما هو بدونه يسمى تبرعًا والكل أما تصرف في أصل العين أو في منفعتها كما يظهر من الأمثلة (قوله الإسقاط إلخ) هو التخلي عن حق ثابت أبدًا كالعتق والطلاق والخلع والحبس فخرج التخلي عن غير حق كإسقاط الفضولي وإرجاع الغاصب ما غصبه. وقولي ثابت لإخراج الصلح عن إنكار لأنه التزام بعوض أي التزام عدم المطالبة بحق. وقولي «أبدًا» لإخراج أنظار المعسر ثم النقل إما بعوض أو بدونه وعوضه قد يكون مالاً ولو بعض المسقط كالصلح على دين يدفع بعضه وقد يكون إسقاطًا آخر كالمقاصة والفرق بينه وبين النقل أن النقل يقتضي إخراج التصرف من يد إلى يد أخرى وهذا لا يقتضي إلا سقوط كلفة وأداء حق عن المسقط عنه بدون أن يصير بيده شيء ولا يحل الثاني محل الأول فإن المرأة المطلقة لا تملك عصمة والعبد لم يملك نفسه وإنما سقط عنهما حق كلفة خاصة كذا قال المصنف هنا، وفي الفرق التاسع والسبعين. وبهذا يظهر أيضًا أن النقل قد يكون سببًا لانتقالات كثيرة تعقبه لأن المنقول إليه له أن ينقله إلا في الحبس بخلاف الإسقاط فلا يعقبه إسقاط لأنه عبارة عن اضمحلال حق والمضمحل لا يسقط بعد. ثم الإسقاط لا يحتاج إلى القبول والنقل يحتاج إليه ولذلك وقعت مسائل مترددة مثل الإبراء من الدين والوقف فأختلف فيهما (قوله ولهذا قلنا الطلاق والعتاق إسقاط إلخ) أما العتاق فإسقاط حق التصرف الملكي وأما الطلاق فإسقاط الزوج ماله من حق العصمة وهو يتضمن إسقاط الزوجة أيضًا ما لها من حقوق العصمة لكن حقوق الزوجة معتبرة من لوازم حق العصمة الثابت للزوج لأن حق
الزوج أقوى فنظرت إليه الشريعة أولاً وبموجب الإسقاط يصح للزوجة أن تتزوج غيره لأنها أصبحت خلية عن الحق فلها أن تلتزم بحق جديد وليس ذلك من باب انتقال حق الزوجية لها وبهذا ظهر كيف يكون الطلاق إسقاطًا وهو أحسن من بيان المص الذي لا يخلو عن غموض وبشاعة (قوله القبض إلخ) هو تناول اليد شيئًا لقصد الانتفاع بعينه للمتناول أو منوبة وهو أصل تملك إن كان مأذونًا فيه واصل الاقباض والاختصاص الذي عبر عنه المص فيما بعد بإنشاء الأملاك ومنه تناول موات الأرض وعافي الكلا وهو غير قسيم للنقل والإسقاط بل هو سبب للنقل ومسبب عنه باعتبارين ومباين للإسقاط إذ ليس في معنى الإسقاط قيض إلا تقديرًا في بعض الأحوال. وهو شرط للانتقال فلا ينتقل الشيء إلا بعد القبض ولو تقديرًا كما يورث إرث من مات قبل القبض في المناسخات (قوله أو بإذن غير الشرع إلخ) أي الذي هو سبب لإذن الشرع (قوله وكذلك المودع إلخ) أي وكذلك حكم المودع الموصوف بما سيأتي فن الإمام يتولى القبض عن ورثته قولاً واحدًا لأن يد الإمام تعينت هنا للقبض إذ ليس ثم يد أولى منها (قوله فإن كان حيًا إلخ) أي فإن كان الذي الوديعة عنده حيًا أي فقد تعارض هنا يدان مستحقتان يد الإمام في حق الورثة ويد المودع لديه بسبب إنابة المودع (قوله لأن إذن الأول انقطع بموته إلخ) تعليل للقول بأن الإمام حينئذ يتولى القبض عنه وقوله إذن الأول أراد به المودع بالكسر وقوله وهو لم يوص أي إن تصرف الإنسان في ماله على وجهين تصرف في الحياة وتصرف بعد الممات فأما في الحياة فماض وأما بعد الممات فلا يمضي إلا بوصية وحيث لم يرص ببقاء الوديعة فقد انقطع تصرف الحياة ولم يوجد سبب التصرف بعد الممات
فتأمل (قوله الالتزام إلخ) هو إنشاء لزوم فعل أو ترك لشخص في منفعة شخص آخر بلا عوض فهو تعمير للذمة في غير مقابل فخرج السلم ودخل الضمان نعم إن التضامن بين الشركاء هو بعوض لكنه رخصة وقد يؤل إلى تعويض أو خسارة من الملتزم فيصير كالمعاوضات وربما أبقوا له اسم الالتزام وتفصيل ما يصح منه وما يبطل مبسوط في كتبه (قوله إنشاء الأملاك إلخ) الإنشاء يترتب عليه الملك وقد بسط المصنف في الفرق المائة والثمانين لقول فيه وفي الفرق بينه وبين التصرف الذي منه الاختصاص بالمنافع الآتي ولا يتصرف فيه بأكثر من الانتفاع ومنه تصرف مع ملك فبين الملك والتصرف عموم وجهي فالمحجور يملك ولا يتصرف ومستحق الحبس يتصرف ولا يملك وذكر في الفرق 184 ما يقبل الملك من الأعياء والمنافع وما لا يقبله أما لعدم اشتماله على فائدة كالتراب أي الممكن تناوله لكل أحد أو لأنه محرم كالخمر. أو لتعلق حق الغير به كالحر أو حق الله كالأوقاف والذي يقبل الملك منه ما يقيله ويقبل النقل أيضًا ومنه ما لا يقبل النقل ككلب الصيد وأم الولد (قوله الاختصاص بالمنافع إلخ) هو الذي سماه في الفرق الثلاثين بتملك الانتفاع وذلك أما بقصر الصيغة على الانتفاع فقط كحبس للسكنى وكالمدارس وأما لأن المنتفع به من الحقوق العامة التي لا يجوز الاختصاص بها فمراده الإقطاع ح بعض أنواعه وهو إقطاع الاختصاص دون التملك وذلك في المعمور وما قاربه وفي نحو الانهار على ما هو
مبين في الفقه أما إقطاع إحياء الموات فهو تمليك للعين (قوله والسبق إلى المباحات إلخ) منه إذا قام أحد من مجلسه ثم رجع فهو أحق به ندبًا قاله الفقهاء ومن رسم موضعًا من المسجد لأقراء قرآن أو تدريس أو فتوى فهو أحق به والجمهور على أنه استحباب لا وجوب ولعله مراد مالك رحمه الله (قوله ومقاعد الأسواق إلخ) أي مقاعد الباعة بها في بطريق وهم أحق ولا يقام أحد حتى يقضي حاجته فإن قام ونيته الرجوع فقال المازري هو أحق قطعًا لأسباب النزاع وقال الجمهور هو وغيره لا سواء (قوله والخوائق إلخ) جمع خانقاه وهي مدارس الصوفية منقولة عن الفارسية (قوله الإذن إلخ) أي الذي لم يقتض تملكًا وقوله في الأعيان أي استهلاكًا فإن الضيف إن شاء أكل ولا يجوز له أن يرفع لمنزله (قوله والإبضاع إلخ) بكسر الهمزة هو التزويج وأراد تزويج الأمة (قوله وإلا فقار) بفاء فقاف من أفقره إذا أعاره ظهر
بعيره ليركبه وهو مشتق من فقرات الظهر للعقد التي في عظم الصلب* قوله ولو لم تقدر إلا بقتله إلخ* هكذا أفتى بعض الفقهاء وهو شذوذ لأن القتل حد وإقامة الحدود من خصائص ولاة الأمور على ما في الإذن لها بقتله من فتح باب الفساد لتوسل سفيهات النساء إلى قتل أزواجهن بهذه الشبهة بل الصواب ما أشار له ابن عاصم بقوله.
وقيل للزوجة إذ يدين
…
تمنع نفسها ولا تزين
* قوله الهر المؤذي* فكل ما خرج أذاه عن حد نوعه جاز قتله من الحيوان الذي لا قيمة له أو قيمته ضعيفة وإن لا طلب من الحاكم رفع ضرره وفي حديث شريح لا أعقل الكلب الهراراي إذا قتله رجل آخر لا يجب عليه قيمته إذا كان يهر لأن الهرير خلق شاذ بل شأن الكلب النبح عند الطروق والهرير عندما يصيبه ضرر أما كثرة الهرير فليس من طبعه وكأنه نظر لقلة قيمته وإلا فالواجب طلب رفع الضرر وفي الرسالة لا بأس بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها* قوله واحتمل أن يكون ذلك لشرفه عن الإهانة إلخ* بل لسد ذريعة دعوى الياس من كل قتيل
في مرض أو من دعوى مرض قتيل وقوله التأديب والزجر إلخ* هما إيلام للنفس لقصد إصلاحها ومنه السجن لأنه إيلام بضغط الوجدان وأنظر الفرق السادس والثلاثين بعد المائتين* قوله من غير إفراط إلى قوله تلك الغاية إلخ* لأن التأديبات والزواجر لم يقصد منها الانتقام بل الإصلاح لبلوغ غاية التأديب ولذا أندرج الأصغر في الأكبر من الحدود وأخرت عن المريض إذ موته كاف ولهذا أسقط حد المحارب إذا جاء تائبًا قبل القدرة عليه وعليه فيسع الإمام في جميع ذلك الاجتهاد كما يراه زاجرًا للجناة ولا ينضبط وقد قيل لا يبلغ بالتعازير مبلغ الحدود وضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضببعًا الذي كان يحمل اليأس على السؤال عن متشابه القرآن ثلاثمائة سوط ويجب كما قال المصنف أن يقتصر من العقوبة على مقدار الحاجة لأن في الإفراط أضرارًا ومذلة وفي الحديث لا يضرب قرشي بالسياط في غير حد كان علته أن لا يذلوا وحاصل معنى الزجر والتأديب يرجع إلى قطر خلق سيئ من الأفراد كالحدود ومن هذا النوع ضرب الصبي للتمرن على الصلاة وإن لم يكلف بها وضرب الدابة لاستصلاحها وإن لم يكن لها تكليف: أو إلى إظهار كامن محاسن الطبايع والسجايا تعتاد الظهور كزجر المتعلم أو الولد ليترك التواني ويتمطى بمواهبه ولا يقتنع بما بلغ إليه وقد أخذ هذا من حديث بدء الوحي أن الملك لما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ فقال ما أنا بقارئ غطه ثلاثًا وهذا أصل فلسفي شريف في إظهار محاسن الأخلاق والمواهب النفسانية فإن الأخلاق السامية تبلغ أقصى غايتها عند المضايقة كما قال أبو تمام لولا اشتعال النار فيما جاورت* ما كان يعرف طيب عرف العود
هذا نهاية ما عرض من التوضيح والتصحيح. لمشكلات كتاب التنقيح. أسأل الله أن يجعله عملاً متقبلاً لديه. وأن ينيله من حسن سمعة أصله بشيء يعود عليه. وقد تم في يوم الجمعة ثالث ذي الحجة سنة 1329 تسع وعشرين وثلاثمائة وألف حرره مؤلفه
محمد الطاهر ابن عاشور
(انتهى)