الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة مختصر السعد
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الافتتاح للدسوقي
===
الحمد لله العلى الأعلى، موجد الأشياء بعد فنائها، فله المجد الأسنى، أحمده على ما ألهمناه من معانى البيان، وعلمنا من لوامع التبيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك المنان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان- صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أعجزوا ببلاغتهم فرسان البلغاء فى كل ميدان؛ وبعد:
فيقول العبد الفقير المضطر لإحسان ربه القدير، محمد بن عرفة الدسوقى، نظر الله بعين لطفه إليه، وغفر له ولوالديه: هذه فوائد شريفة، وتقييدات لطيفة، على شرح العلامة الثانى سعد الملة والدين التفتازانى لتلخيص" المفتاح"، اقتطعتها من تقارير مشايخنا المحققين، ومن زبد أرباب الحواشى والشارحين، وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان، لكن رجوت العفو بدعوة صالح من الإخوان، وبالله أستعين، وعليه التكلان، فى سلوك سبيل الرشاد فى كل شان.
[القول فى البسملة]:
قال- نفعنا الله به (1) -: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ينبغى التكلم على هذه الجملة بما يتعلق بها من الفنون الثلاثة التى صنّف فيها هذا الكتاب كما هو اللائق بالشارع فى كل فن؛ لما قيل: إن ترك التكلم عليها إما تقصير أو قصور، فنقول: يتعلق بها من فن المعاني- وهو الباحث عن مقتضيات الأحوال- مبحثان:
الأول: أن مقتضى الحال تقدير المتعلّق مؤخّرا؛ لإفادة الاهتمام باسمه تعالى؛ لأن المقام مقام استعانة بالله، ولإفادة القصر.
والقصر: إما قصر إفراد، وهو يخاطب به من يعتقد الشركة، وقصر قلب، ويخاطب به من يعتقد العكس، وقصر تعيين، ويخاطب به الشاك.
(1) المراد: نفعنا بعلمه، يقصد العلامة التفتازاني.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالقصر هنا ينظر فيه لأحوال المخاطبين: فهو قصر قلب إن كانوا يعتقدون أن البركة تحصل بالابتداء بغير اسم الله سبحانه وتعالى. وقصر إفراد إن اعتقدوا أنها تحصل بالابتداء باسم الله واسم غيره. وقصر تعيين: إن شكوا فى حصول البركة بأىّ. لكن هذا الثالث بعيد.
المبحث الثانى: أن مقتضى الحال قطع الصفات، أعنى الرحمن الرحيم؛ لأن المقام مقام ثناء، وقد نصوا على أن النعوت إذا كان المقصود منها المدح فالأولى قطعها؛ لأن فى قطعها دلالة على أن المنعوت متعيّن بدونها، وإنما أتى بها لمجرد المدح، لكن لا يخفاك أن الوارد فى القرآن والسنة الإتباع، وحينئذ فتكون مخالفة مقتضى الحال؛ لما فى الإتباع من الجرى على الأصل؛ إذ الأصل عدم القطع، ثم إذا قطعت تلك الصفات على تقدير (هو)، أو (أعنى) كانت الجملة مفصولة، فيقال: ما سبب الفصل دون الوصل؟
فيقال: سببه أنه لم يقصد التشريك بين الجملتين فى حكم من الأحكام المقتضى ذلك للوصل، أو يقال: سببه أن بين الجملتين كمال الانقطاع؛ وذلك لأن جملة" أؤلف باسم الله" خبرية بالنظر لصدرها، وجملة" هو الرحمن" مثلا لإنشاء المدح، ومتى كان بين الجملتين كمال انقطاع تعين الفصل، كما يأتى إن شاء الله تعالى.
وأما ما يتعلق بها من علم البيان- الباحث عن حال اللفظ من حيث الحقيقة والمجاز والكناية- فخمسة مباحث:
الأول: " الباء" حقيقتها الإلصاق، وهو حقيقى ك" أمسكت بزيد" إذا قبضت على شيء من جسمه أو على ما يحبسه من يد أو نحوه، ومجازى نحو" مررت بزيد" أى ألصقت مرورى بمكان يقرب من زيد، وهى هنا للاستعانة، وحيث كانت هنا كذلك فتكون استعارة تبعية، وتقريرها أن يقال: شبه الارتباط على وجه الاستعانة بالارتباط على وجه الإلصاق بجامع مطلق الارتباط فى كلّ، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعيرت الباء الموضوعة للإلصاق الجزئى للاستعانة الجزئية على طريق الاستعارة التبعية، ولك أن تجعلها من قبيل المجاز المرسل علاقته الإطلاق، والتقييد، وذلك أن الباء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
موضوعة للارتباط المقيد بالإلصاق فأطلقت عن ذلك، واستعملت فى الارتباط على وجه الاستعانة، فهو مجاز مرسل بمرتبتين علاقته ما ذكر. هذا إذا كان استعمال الباء فى الاستعانة من حيث خصوصها، وأما إن كان الاستعمال فيها من حيث إنها جزئى من جزئيات مطلق ارتباط كان المجاز بمرتبة وهى الإطلاق على ما فيه من الخلاف، ثم حيث نقلت الباء من معناه الأصلى، وهو الإلصاق للاستعانة، فحق الاستعانة أن تكون بالذات لا بالاسم، وهنا قد جعلها بالاسم فيكون ذلك مجازا على مجاز، أما المجاز المبنى عليه فقد علمته، وأما المبنى فتقريره أن يقال: شبه الارتباط الواقع بين مطلق مستعان فيه واسم المستعان به، بالارتباط الواقع بين مطلق مستعان فيه وذات المستعان به، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعيرت الباء الموضوعة للارتباط بين المستعان فيه ونفس المستعان به الخاصين للارتباط بين المستعان فيه واسم المستعان به الخاصين، على طريق الاستعارة التبعية. هذا وقد وقع خلاف فى بناء المجاز على المجاز: فقال بعضهم بمنعه؛ لأن فيه أخذ الشىء من غير مالكه؛ لأن الحق فى اللفظ إنما هو للمعنى الحقيقىّ والمجازىّ أخذه تطفلا، وقال بعضهم بالجواز؛ لأن اللفظ لما نقل للمعنى المجازى بالعلاقة صار كأنه موضوع له خصوصا، وقد قالوا: إن المجاز موضوع بالوضع النوعى، وجعل من ذلك قوله تعالى:
وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا (1)، فإن السر ضد الجهر، ثم أطلق على الوطء مجازا؛ لأنه لا يكون غالبا إلا سرّا، ثم استعمل اللفظ فى سببه وهو العقد، وحينئذ فاستعمال السر فى العقد مجاز مبنى على مجاز. ثم اعلم أنه على القول بالجواز تعتبر علاقة المجاز الثانى بينه وبين المجاز الأول، لا بينه وبين المعنى الحقيقى.
المبحث الثانى: الجار والمجرور فى البسملة متعلّق بمحذوف، وحينئذ ففيها مجاز بالحذف بناء على قول من يقول: إن الحذف مجاز مطلقا، وأما على قول من يقول:
ليس بمجاز مطلقا، وكذا على قول من يقول: إنه مجاز إذا تغير بسببه إعراب الباقى
(1) البقرة: 235.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كما فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (1) - فليس فيها مجاز. وسيأتى أن المجاز بالحذف ليس من قسم المجاز المعرّف بأنه: الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له
…
إلخ، بل قسم آخر.
المبحث الثالث: إضافة" اسم" إلى" الله" حقيقية إن أريد من لفظ الجلالة الذات، وعليه يأتى ما مر من بناء المجاز على المجاز، وأما إن أريد منه اللفظ فهى بيانية، والإضافة البيانية مجاز بالاستعارة عندهم؛ لأن الإضافة البيانية مقابلة للحقيقيّة، والإضافة نسبة جزئية بمنزلة معنى الحرف، والاستعارة فى معنى الحرف تبعية، فكذا ما كان بمنزلته.
وتقريرها أن تقول: إن هيئة الإضافة موضوعة لتخصيص الأول بالثانى أو تعريفه به، فاستعملت هنا فى تبيين الثانى للأول بأن شبه مطلق نسبة شيء لشيء على أن الثانى مبين للأول بمطلق نسبة شيء لشيء، على أن الثانى مخصص أو معرف للأول بجامع مطلق التعلق فى كلّ، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعير صورة الإضافة الموضوعة للنسبة الجزئية المفيدة للتعريف والتخصيص، للنسبة الجزئية المفيدة للبيان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
المبحث الرابع: لفظ الجلالة علم على الذات العلية علم شخصى لا جنسى، وقد اختلف فى الأعلام الشخصية: فقيل: إنها حقيقة؛ لأنها استعملت فيما وضعت له، وقيل: إنها واسطة بين الحقيقة والمجاز؛ لأنهما من خواص الأمور الكلية، والأعلام الشخصية موضوعة لمعان جزئية، فعلى القول الأول لفظ الجلالة حقيقة، وعلى الثانى لا حقيقة ولا مجاز، بل واسطة بينهما.
المبحث الخامس: حقيقة الرحمة رقة فى القلب وانعطاف تقتضى التفضل والإحسان، وهى مستحيلة عليه سبحانه وتعالى، فيراد منها لازمها، وهو التفضل والإحسان، واشتق منها بهذا المعنى رحمان ورحيم بمعنى: متفضل ومحسن، فهو مجاز
(1) يوسف: 83.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مرسل تبعى؛ لأن التجوز فيهما تابع للتجوز فى أصلهما. وذكر بعضهم أنه يصح أن يكون فى الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال: شبه حال الله مع عباده فى إيصاله لهم بجلائل النعم ودقائقها، بحال ملك رق قلبه على رعيته فأوصلهم إنعامه، بجامع أن كلّا حالة عظيم مستول على ضعفى ممدّ لهم بإحسانه، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه. وأورد عليه أن اللفظ المستعار فى التمثيلية لا بد أن يكون مركّبا كما فى" إنى أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" وما هنا مفرد، وأجيب: بأنه يجوز أن يقتصر على بعض المفردات، ويرمز به إلى المركب على أن المشترط فى اللفظ منها إنما هو مطلق تركيب، وهو حاصل ب" الرحمن الرحيم" وليس بلازم أن يكون تركيب جملة.
واعترض بأن المشبه به شأنه أن يكون أقوى من المشبه، وجعل حال الملك أقوى من حال الله لا يتم، وأجيب بأنه ليس المراد القوة بحسب الحقيقة ونفس الأمر فقط، بل القوة ولو بالاعتبار كما هنا، فحال الملك باعتبار مشاهدتها للقاصرين أقوى، واعترض أيضا بأن استعارة اللفظ من شيء لشيء تقتضى استعمال اللفظ فى المستعار منه، وقد نصوا على أن" الرحمن الرحيم" مختصان بالله ولم يستعملا فى غيره، وأجيب بأن الاستعمال فى المستعار منه ليس بلازم، بل يكفى الوضع للمستعار منه الذى هو المعنى الحقيقى، ولذا قال الشارح بجواز وجود مجازات لا حقائق لها.
وأما ما يتعلق بها من البديع: فاعلم أن فيها التورية، وهى أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، ويراد البعيد اعتمادا على قرينة خفية، فقد أطلقت الرحمة وأريد بها التفضل والإحسان- الذى هو معنى بعيد لها؛ لأنه مجازى- اعتمادا على قرينة خفية، وهو استحالة المعنى القريب الذى هو الرقة.
وفيها أيضا القول بالموجب، ويقال له: المذهب الكلامى، وهو أن يساق المعنى بدليله، كما فى قوله (1):
(1) هو من البسيط وهو ترجمة لبيت فارسى، والجوزاء برج فى السماء، وحولها نجوم تسمى نطاق الجوزاء. الإيضاح الفقرة 246. ص 324 تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى.
نحمدك
…
===
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته
…
لما رأيت عليها عقد منتطق
وكما فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (1). وبيانه هنا:
أن قوله: " بسم الله الرحمن الرحيم" فى قوة قولنا: لا أبتدئ إلا باسم الله؛ لأنه الرحمن الرحيم. وفيها أيضا الاستخدام بناء على أن المراد من اسم الجلالة اللفظ، وفى الرحمن ضمير يعود على الله باعتبار الذات، وفيها التفات على مذهب السكاكى؛ لأن مقتضى الظاهر فى التوجه له تعالى الخطاب، بأن يقال: باسمك اللهم، فعدل عن مقتضى الظاهر وقيل" بسم الله الرحمن الرحيم". وفيها أيضا الإدماج وهو أن يضمّن الكلام المسوق لغرض غرضا آخر، كما فى قوله:
أقلّب فيه أجفانى كأنّى
…
أعدّ بها (2) على الدّهر الذّنوبا (3)
وبيان ذلك هنا: أن الغرض الأصلى من البسملة التبرك والاستعانة باسمه تعالى، فبعد أن ذكر هذا الغرض منها أدمج فيها الثناء على الله بكونه رحمانا رحيما.
(قوله: نحمدك) أى: نصفك بالجميل الذى أنت أهله؛ لأن الحمد: الثناء بالجميل، ومن المعلوم أن كل أوصافه جميلة، فكأنه قال: نصفك بكل صفة جميلة، ثم إن ذكر نعمتى شرح الصدور وتنوير القلوب، وإن احتمل أن يكون لمجرد تعيين المحمود، أو لمجرد براعة الاستهلال المتبادر منه أنه لأجل كونهما المحمود عليه، والمعنى: نحمدك يا من
…
إلخ لأجل هذين الوصفين؛ لأن الموصول مع صلته فى معنى المشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية المشتق منه، وحينئذ فيرد ما يقال: إن هذا الحمد حمد وشكر، فلم اختار التعبير بالحمد على التعبير بالشكر؟ وأجيب: بأنه إنما اختار مادة الحمد على مادة الشكر لأمور ثلاثة:
الأول: الاقتداء بالقرآن الأعظم. الثانى: العمل بحديث: " كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ب (الحمد لله) فهو أجذم"(4) على رواية ضم الدال. الثالث: أن الحمد اللغوى
(1) الأنبياء: 22.
(2)
كذا فى الأصل وفى الديوان" به".
(3)
البيت للمتنبي، ديوانه 1/ 140، والإشارات ص 285.
(4)
ضعيف، انظر: إرواء الغليل للألبانى 1/ 30.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أظهر من الشكر بغير اللسان فى أداء المقصود؛ لخفاء الاعتقاد، واحتمال عمل الجوارح لغير الحمد، فهو أظهر أنواعه؛ ولذلك روى:" ما شكر الله عبد لم يحمده"(1) أى: ما أظهر نعمته كل الإظهار وكشف عنها عبد لم يثن عليه باللفظ، وإن اعتقد وعمل، فالمراد بالشكر فى الحديث إظهار النعمة، ولا يرد أن زيادة النعم مترتبة على الشكر لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (2)؛ لأنه ليس المراد بالشكر المقتضى لزيادة النعم فى الآية خصوص الشكر اللفظى، أعنى الشكر بخصوص لفظه، بل الشكر العرفى الشامل للثناء بغير لفظه، وخدمة الأركان، واعتقاد الجنان فى مقابلة النعمة، واختارها على مادة المدح للأمرين الأولين، وتنبيها على أنه تعالى فاعل مختار. واختار الجملة الفعلية المضارعية على الاسمية والماضوية؛ لإفادتها؛ لتجدد مضمونها على سبيل الدوام والاستمرار؛ ليناسب الحمد المحمود عليه هنا، وهو نعمة شرح الصدور للتخليص المذكور، وتنوير القلوب، المتجدد ذلك وقتا بعد وقت، بخلاف الماضوية؛ فإنها إنما تدل على الحدوث فقط، والاسمية تدل على الدوام فقط، فلا يناسبان المحمود عليه هنا، وأيضا المضارعية تدل على الأمرين معا، أعنى الحدوث الذى تدل عليه الماضوية، وعلى الاستمرار الدالة عليه الاسمية، وحينئذ فهى أشرف منهما، كذا قيل. ولكن اعترض بأن الاستمرار من وظائف الاسمية فقط- كما يأتى- إلا أن يقال: إن الذى تدل عليه الاسمية الاستمرار مجردا عن التجدد، والذى تدل عليه الجملة المضارعية الاستمرار مع التجدد.
ولما رأى بعض الأشياخ هذا الإشكال، قرر أن الجملة الفعلية المضارعية تدل على الاستمرار من حيث القرائن، وفيه أن الماضى كذلك يدل عليه بواسطة القرينة، اللهم إلا أن يقال: قوة دلالة الماضى على الانقطاع تعارض القرينة، فلم يعتبر فيه ذلك.
بقى شىء آخر، وهو أن الاستمرار التجددى لمضمون الجملة هنا محال؛ لأن
(1) أورده صاحب الدر المنثور 1/ 34.
(2)
إبراهيم: 7.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحمد ثناء، وهو عرض يزول بمجرد حصوله، وأجيب بأن هذا دوام واستمرار تخييلى لا تحقيقي، وأما جواب بعضهم بأن الدوام باعتبار الثواب، ففيه نظر؛ لأن الدوام المدلول للجملة متعلق بمضمونها لا بالثواب، فهو غير منظور له.
والنون فى قوله: (نحمدك) يحتمل أن تكون للمعظّم نفسه، وأتى بها مع أنها تدل على العظمة المنافية لمقام التأليف، وهو الذل والانكسار؛ إظهارا لملزومها، وهو تعظيم الله له، فهو من باب التحدث بالنعمة الذى هو أولى من سلوك التواضع عند الفقهاء والمحدّثين، ويحتمل أنها للمتكلم ومعه غيره، والمراد بالغير إخوانه الحامدون أو العلماء وأدخلهم معه فى الحمد؛ إما لكون أمر الحمد عظيما لا يقوم به الشخص الواحد، فاستعان بهم عليه، ومع ذلك لم يقوموا بحقه، وإما لتعود بركة الحمد عليهم؛ شفقة منه عليهم، كما تقرأ شيئا وتهدى ثوابه إلى والديك، فإنه يحصل لك ولهم الثواب. غاية الأمر أنه نزل الشركة فى الحمد منزلة الشركة فى الثواب إقامة للسبب مقام المسبّب. ويحتمل أن المراد بالغير أجزاء ذاته، فكأنه جعل كلّ جارحة بمنزلة شخص مستقل ادعاء، لكن لا يخفى أن من جملة كل جزء موارد الحمد الثلاثة: اللسان، والجنان، والأركان، ومن المعلوم أن إسناد الفعل لآلته مجاز، ولفاعله حقيقة، فيكون إسناد الحمد للمتكلم حقيقة، وإلى الموارد الثلاثة المذكورة مجازا، فيلزم على ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما يقال باعتبار ذلك: يقطع، باعتبار إسناد القطع إلى القاطع وإلى آلته، ولا بعد فيه على مذهب من جوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا ظاهر على جعل الجملة خبرية، فإن جعلت إنشائية فى المعنى تعين أن تكون النون للعظمة؛ لأن إنشاء الحمد بهذه الجملة لم يقع إلا من المصنف، فلا يتأتى أن تكون لإنشاء الحمد منه ومن غيره إلا على سبيل التنزيل.
واعلم أنه إذا جعلت الجملة خبرية لفظا ومعنى، حصل بها الحمد ضمنا فى ابتداء التأليف؛ لأن الإخبار عن حمد يقع منه يستلزم أنّ ذلك المحمود أهل لأن يحمد، وهذا ليس تلزم اتصافه بالجميل الذى هو حقيقة الحمد، أو يقال: هو إخبار عن حمد واقع
يا من شرح صدورنا
…
===
بذلك الإخبار كما قيل فى نحو (أتكلم): إنه إخبار عن تكلم حصل به، وإنما عدل عن اسم الجلالة الذى ورد التعبير به فى الكتاب والسنة فى مقام الحمد إلى ضمير الخطاب؛ لأن اللائق بحال الحامد أن يلاحظ المحمود فى حال حمده حاضرا مشاهدا؛ ليكون حمده على وجه الإحسان المفسّر فى حديث الإحسان:" أن تعبد الله كأنك تراه"(1)، ففى التعبير بالضمير المذكور إشارة إلى أن الحامد بلغ مقام المشاهدة للمحمود، بحيث حمده على وجه المخاطبة والمشافهة، وإنما آثر تأخير المفعول مع أن تقديمه يفيد الاختصاص؛ لأن تأخيره هو الأصل، وللإشارة إلى استغناء هذا الاختصاص عن البيان لوضوحه.
(قوله: يا من) أتى ب" يا" الموضوعة لنداء البعيد مع أنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد؛ إشارة إلى علوّ مرتبة الحضرة العلية عن الحامد الملوّث بالمكدرات البشرية من الذنوب والآثام؛ ولذا قال بعض الأفاضل:
العبد عبد وإن تسامى
…
والمولى مولى وإن تنزّل
ولا يناقض هذا ما مر فى نكتة التعبير بكاف الخطاب؛ لأن البعد الرتبى بين الحق والخلق يصاحبه قوة الإقبال والتوجه إليه تعالى، واستعمل" من" فى الذات العلية مع أنها من المبهمات؛ لورود الإذن فى إطلاقها عليه كتابا وسنة، نحو: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى (2) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (3)، وفى الحديث:" يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا من لا يعجزه شىء"، فمنع إطلاقها (4) عليه تعالى فيه نظر.
(قوله: شرح) الشرح فى الأصل: الفتح، والمراد به هنا التهيئة، وقوله:(صدورنا) جمع صدر بمعنى القلب، من إطلاق المحل وإرادة الحالّ، وفى الحقيقة المهيأ للعلوم إنما هو النفس بمعنى الروح لا القلب بمعنى المضغة الحالة فى الصدر، فيراد بالقلب النفس، والمعنى:
(1) أخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الإيمان، باب: الإيمان والإسلام (1/ 123) من حديث ابن عمر رضى الله عنهما.
(2)
الإسراء: 1.
(3)
النحل: 17.
(4)
الهاء فيها عائدة على" من" فى قوله: " يا من".
لتلخيص البيان فى إيضاح المعانى،
…
===
يا من هيأ أرواحنا القائمة بقلوبنا التى محلها منا الصدور، ففيه مجاز بمرتبتين من إطلاق المحل على الحال فيهما.
(وتلخيص الكلام): تنقيحه أى: الإتيان به خالصا من الحشو والتطويل، (والبيان) هو الكلام الفصيح المعرب عما فى الضمير، ثم إنه لا بد من حذف فى الكلام، والمعنى يا من هيأ أرواحنا لعلم كيفية تلخيص الكلام الفصيح وتنقيحه وتخليصه من الحشو والتطويل والقصور عن فهم مراده حينما احتجنا لذلك؛ لأن الذى تهيأ النفس لقبوله العلوم والمعارف، وقوله:(فى إيضاح المعاني) يحتمل أن تكون" فى" بمعنى" مع" على حد قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ (1)، أى: نحمدك يا من هيأ قلوبنا للعلم بكيفية الإتيان لكلام الفصيح منقحا مصاحبا لإيضاح المعاني، أى معانى ذلك البيان؛ وعلى هذا فالإتيان بلفظ" في" التى بمعنى" مع" إشارة إلى أن المقصود بالذات إيضاح المعاني، وأما الإتيان بالكلام الفصيح منقحا فهو بالتبع؛ لأن" مع" تدخل على المتبوع، ويحتمل أن تكون بمعنى" لام التعليل" متعلقة بتلخيص على حد قوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ (2) أى: لأجل ما أفضتم فيه، أو باقية على حالها متعلقة بمحذوف صفة لتلخيص أو للبيان، وفى الكلام حذف، والمعنى: التلخيص الكائن أو البيان الكائن فى وقت إيضاح المعاني وحالته، أو أنها بمعنى" عند"، والمعنى: يا من علمنا كيفية تلخيص البيان عند قصدنا إيضاح المعانى بذلك البيان، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من الاحتراس؛ إذ ربما يتوهم من تلخيص البيان عدم إيضاح معانيه، فدفع ذلك التوهم بقوله: فى إيضاح المعانى، على حدّ قوله (3):
فسقى ديارك غير مفسدها
…
صوب الربيع وديمة تهمى
(1) الأعراف: 38.
(2)
النور: 14.
(3)
هذا آخر بيت من قصيدة لطرفة يمدح بها قتادة بن سلمة الحنفى، فى: منهاج البلغاء وسراج الأدباء ص 316، وشعراء النصرانية فى الإسلام ص 316، وشرح الأعلم لديوان طرفة ص 90 - 93.
ونوّر قلوبنا بلوامع التبيان
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويحتمل أن يراد بالبيان والمعانى خصوص العلمين، وحينئذ ف" فى" بمعنى" مع"، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من المحسّنات البديعية، ففى التعبير بشرح الصدور حسن الافتتاح؛ لأن شرح الصدور أصل لكل خير، ففى افتتاح الكلام به إدخال السرور على السامع، وفيه أيضا براعة استهلال؛ لأنه يشير إلى أن الكلام الآتى شرح، وقوّى البراعة بما ذكره بعد بقوله: لتلخيص البيان، وإيضاح المعاني، وفى ذكر التلخيص، والإيضاح، والبيان، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة- التى هى أسماء كتب فى هذا الفن، الأولان للمصنف، والثالث للطيبي، والأخيران للشيخ عبد القاهر- التوجيه، وهو أن يوجه الكلام إلى أسماء متلائمة ولو اصطلاحا، كما فى قول علاء الدين الكندى:
من أمّ بابك لم تبرح جوارحه
…
تروى أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرّة والكفّ عن صلة
…
والقلب عن جابر والسّمع عن حسن
(قوله: ونورّ قلوبنا) التنوير: إدخال النور فى القلب، والمراد بالقلوب النفوس، واللوامع: جمع لامعة، وهى الذات المضيئة كالشمس والقمر والنجوم، والتبيان هو الكلام الفصيح المقترن بدليل أو برهان، فهو أخص من البيان، وإضافة اللوامع للتبيان إما من قبيل إضافة المشبه به للمشبه أى: بالتبيان الذى هو كالأنجم اللوامع فى الاهتداء بكل، وعلى هذا ف (أل) فى التبيان للاستغراق، فيكون جمعا فى المعنى، فالملاءمة بين المشّبه والمشبه به فى الجمعية حاصلة، وحينئذ فلا يقال: إنّ فيه تشبيه المفرد بالجمع وهو ممنوع، أو يقال: إنه قصد المبالغة فى تشبيهه بجميع اللوامع حيث جعله مقاوما لجميعها، وقولهم بالمنع محله ما لم يقصد المبالغة، فهما جوابان: الأول: بالمنع، والثاني: بالتسليم. ويحتمل أن تكون الإضافة على حقيقتها، والمراد باللوامع المعانى المفهومة بالتبيان على طريق الاستعارة التصريحية؛ وعلى هذا فهو من إضافة المدلول للدالّ، أو من إضافة الموصوف لصفته، أى: اللوامع المبيّنة، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ لأن التّبيان فى الأصل مصدر (بيّن)، وهو بكسر التاء على غير قياس، ونظيره فى الكسر شذوذا: التّلقاء، وغيرهما بالفتح على القياس كالتّذكار والتّكرار، وإنما عبر الشارح بالبيان فى جانب شرح
من مطالع المثانى،
…
===
الصدور، والتبيان فى جانب تنوير القلوب؛ لأن التبيان أبلغ من البيان؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى غالبا، فهو بيان مع برهان، وقيل: مع كد خاطر وإعمال قلب، وتنوير القلب أقوى من شرح الصدر؛ لأن تنوير القلب إدخال النور فيه، وشرحه فتحه، والأبلغ أولى بالأقوى، وإنما قدم شرح الصدور على تنويرها؛ لأنه وسيلة له، والوسيلة مقدّمة على المقصد، وهذا كله بحسب الأصل، وإلا فالمراد بشرح الصدور، وتنوير القلوب واحد، ويدل له ما قالوه فى قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ (1) أى: قذف فى قلبه نورا ينتفع به، فإنّ هذا يدل لما قلنا من أن شرح الصدر عبارة عن تنويره، وحينئذ ففى العبارة تفنن، أى: ارتكاب فنين ونوعين من التعبير، كذا قال بعضهم.
(قوله: من مطالع المثانى) حال من التبيان، أو صفة له؛ لأن الجار والمجرور الواقع بعد المعرف ب (أل) الجنسية يجوز فيه الأمران، و" من" للسببية، وهذا ترشيح للتشبيه على الاحتمال الأول، والمعنى: ونور قلوبنا بالتبيان الشبيه باللوامع كائنا ذلك التبيان أو الكائن بسبب تدبر مطالع المثاني، وعلى الاحتمال الثانى يكون الجار والمجرور حالا أو صفة للوامع ترشيحا للاستعارة، والمعنى: ونور قلوبنا بمعانى التبيان حالة كونها ناشئة من مطالع المثاني، ف" من" للابتداء، وعلى هذا فمعانى التبيان معان أخر غير معانى القرآن استفيدت من ممارسته.
والمثانى- بالثاء المثلثة، كما بالنسخة التى صححها الشارح-: القرآن؛ لأن الأحكام والقصص فيه ثنّيت أى كرّرت، أو لتكرر نزوله، وهو جمع مثنى كمفعل اسم مكان، أو مثنّى بالتشديد من التثنية على غير قياس، (والمطالع) جمع مطلع وهو فى الأصل اسم لمحل طلوع الكواكب والمراد به هنا ألفاظ القرآن، فشبهت ألفاظ القرآن بمحلّ طلوع الكواكب بجامع أن كلّا محل لطلوع ما يهتدى به، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، وإضافة مطالع للمثانى على هذا من إضافة الأجزاء للكل أو بيانية، ويحتمل أن إضافة مطالع للمثان ى من إضافة المشبه به للمشبه
(1) الزمر: 22.
ونصلى على نبيك محمد المؤيد دلائل إعجازه
…
===
كلجين الماء، وليس فى الكلام استعارة. وبين المثانى والمعانى من المحسنات البديعية الجناس اللاحق؛ لاختلافهما بحرفين متباعدين فى المخرج.
(قوله: ونصلى .. إلخ)(1) لعله لم يأت بالسلام خطّا اكتفاء بإثباته له لفظا، فلا يقال إنّ إفراد الصلاة عن السّلام مكروه، أو إنه ترجح عنده القول بعدم كراهة الإفراد.
(قوله: على نبيك) بالهمز مأخوذ من" النبأ"، وهو الخبر؛ لأنه مخبر عن الله بما بلغه الملك من الأحكام، أو لإخباره الناس بأنه نبى فيحترم. وبدون همز من" النبوة" وهى الرفعة؛ لارتفاع رتبته. وإنما لم يقل: على رسولك، مع أن الرسالة أشرف؛ لأن الوصف بالنبوة أشهر استعمالا.
(قوله: محمد) بدل أو عطف بيان من" نبيك".
(قوله: المؤيد) من التأييد، وهو التقوية، وهو نعت لمحمد لا لنبي؛ لئلا يلزم تقديم غير النعت من التوابع عليه.
(قوله: دلائل) جمع دليل على غير قياس كوصيد ووصائد؛ لأن شرط جمع فعيل على فعائل أن يكون مؤنثا كسعيد اسم امرأة، والأولى أن تكون جمع دلالة بمعنى دليل ولا شذوذ ولا شىء، قال فى" الخلاصة" (2):
وبفعائل اجمعن فعاله
…
وشبهه ذا تاء أو مزاله
ثم إن دليل الشيء ما يؤدى إلى معرفته، وحينئذ فدلائل إعجازه- عليه الصلاة والسلام المعجزات التى يعرف بها إعجازه- عليه السلام لمعارضيه عن المعارضة بالإتيان بمثل ما أتى به، واعترض بأن المعجزات (3) إنما يعرف بها صدقه- عليه الصلاة والسلام لأنه المقصود من الإتيان بها لا الإعجاز الذى هو إثبات عجز الغير، وحينئذ فالأولى للشارح أن يقول: المؤيد دلائل صدقه إلخ، وأجيب بأن الإعجاز فى الأصل إثبات
(1) الصلاة: الدعاء والاستغفار، والصلاة من الله تعالى: الرحمة، وصلاة الله على رسوله: رحمته وحسن ثنائه عليه، والصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، وصلاة الناس على النبى يعنى الدعاء له والثناء عليه.
(لسان العرب، صلو، 4/ 2490)
(2)
هي ألفية ابن مالك.
(3)
المعجزة: هى الأمر الخارق للعادة، ويعزى حدوثه إلى الله فبيده يصنع المعجزات وبقدرته يهب صنعها لمن يشاء، وكانت المعجزات خاصة بالأنبياء: كشق البحر لموسى، وإحياء الموتى لعيسى، وبلاغة القرآن معجزة النبوة المحمدية. (المعجم المفصل فى الأدب، 2/ 805)
بأسرار البلاغة، وعلى آله وأصحابه المحرزين قصب السبق
…
===
العجز فى الغير ثم نقل لإظهار العجز فيه، ثم نقل لأظهار صدق النبى- عليه الصلاة والسلام فى دعواه الرسالة، فهو مجاز مبنى على مجاز، وحينئذ فالمعنى: المؤيد دلائل صدقه، وبأن الإضافة لأدنى ملابسة، وبيان ذلك: أن الدلائل لما كانت ملابسة لإعجاز الخلق أى إثبات عجزهم عن الإتيان بمثلها، ودلت على الصدق بواسطته أضيفت إليه.
وفى كلامه من المحسنات البديعية جناس الطباق حيث جمع بين المؤيد والإعجاز، وهما معنيان متقابلان.
(قوله: بأسرار البلاغة) أى الأسرار المعتبرة فى البلاغة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، وأسرارها: الأمور التى يقتضيها الحال، كالتأكيد عند الإنكار، وتركه عند عدمه، وغير ذلك مما سيأتي، وسميت أسرارا؛ لأنها لا يعرفها إلا أربابها، فشبهت بالسر الذى بين اثنين لا يعرفه إلا هما، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرّحة، فإن قلت: من جملة دلائل إعجازه انشقاق القمر، وسعى الحجر، وغيرهما، وأسرار البلاغة ليست موجودة فيهما، فما معنى كونهما مؤيدين بتلك الأسرار؟ وأجيب بأن المعجزات يؤيد بعضها بعضا، فالتأييد ثابت لهما بالأسرار بهذا الاعتبار، وتوضيح ذلك أن القرآن مؤيّد بأسرار البلاغة، وهو مؤيّد لبقية المعجزات؛ لثبوته بالتواتر وبقائه على الدوام، فتكون الأسرار مؤيّدة لبقية المعجزات؛ لأن مؤيّد المؤيّد لشيء مؤيد لذلك الشيء، هذا إن جعلنا إضافة" دلائل" إلى" إعجاز" للاستغراق، فإن جعلناها للجنس لم يرد السؤال، وكذا إن جعلناها للعهد وأردنا بدلائل إعجازه: السور القرآنية، وكل جملة من القرآن قدر سورة، ومعنى تأييد القرآن بأسرار البلاغة أن أمارات الإعجاز فيه وإن كانت كثيرة من الإخبار بالغيوب، والأساليب العجيبة، وغيرهما، لكن أقوى تلك الأمارات كمال البلاغة الحاصل بتلك الأسرار.
(قوله: المحرزين) صفة للآل والأصحاب، مأخوذ من الإحراز، وهو الحوز والضم، أى: الذين حازوا وضمّوا. (وقوله: قصب السبق) القصب: جمع قصبة، وهى سهم صغير تغرسه الفرسان فى آخر الميدان يأخذه من سبق إليه أولا، وإضافة قصب
فى مضمار الفصاحة والبراعة
…
===
السبق من إضافة الدال للمدلول، أى القصب الدال على السبق، أى الدال حوزه عليه.
(وقوله: فى مضمار) صفة القصب أى المغروز فى مضمار الفصاحة، والمضمار محل تسابق الفرسان بالخيل ويقال له أيضا: ميدان، وإنما سمّى مضمارا لتسابق الفرسان فيه بالخيل المضمرة.
ثم إن الفصاحة سيأتى تعريفها، وأما البراعة فمصدر (برع) الرجل إذا فاق أقرانه، فالبراعة: فوقان الأقران، والمراد بها هنا ما به الفوقان من الكمال والشرف. ثم لا يخفى أن كلا من الفصاحة والبراعة بالمعنى المراد هنا لا مضمار لهما، وحينئذ ففى الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبّه هيئة الآل والأصحاب فى حوزهم أعلى مراتب الفصاحة والبراعة عند المحاورة والتخاطب، بهيئة الفرسان فى حوزهم قصب السبق عند التسابق بالخيل فى الميدان، واستعير اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو استعارة مفردة مصرّحة فى قصب السبق، بأن شبه ما اختصوا به من بديع العبارات الدال على علو مرتبتهم فى الفصاحة والبراعة بقصب السبق، واستعير اسم المشبه به للمشبه، والمضمار ترشيح، أو مكنيّة فى الآل والأصحاب بأن شبههم بفرسان، أو فى الفصاحة والبراعة بأن شبههما بالخيل الجيدة الموصلة للمراد، وإثبات المضمار على كل من الوجهين تخييل، وإحراز قصب السبق ترشيح، والفصاحة والبراعة على الأول من الوجهين تجريد، وأقرب من ذلك أن نقول: الإحراز فى الأصل هو الضم، والمراد به هنا التحصيل، والقصب فى الأصل هى السهام الصغيرة التى تغرز فى آخر الميدان بحيث يعد من أخذها أولا سابقا، والمراد بها هنا النكات الدقيقة، أى: المحصلين للمعانى الدقيقة الدالة على سبقهم على غيرهم. (وقوله: فى مضمار) حال من الآل والأصحاب أى حال كون الآل والأصحاب تتسابق أذهانهم فى مضمار، والمراد به هنا الكلام البليغ من كلام الله ورسوله، فكما أن المضمار الأصلى تركض وتتسابق فيه الفرسان، كذلك الكلام البليغ تركض فيه أذهان الآل والأصحاب، وإضافة المضمار بمعنى الكلام البليغ للفصاحة والبراعة؛ من حيث إنه يفيد أن الراكض فيه ذو فصاحة وبراعة،
وبعد: فيقول الفقير إلى الله
…
===
كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من التلميح، وهو الإشارة لشيء من كلام الله أو كلام رسوله أو قصة أو مثل، فذكر السبق إشارة لقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (1)، وذكر البراعة إشارة لقوله عليه الصلاة والسلام:
" لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ساوى مدّ أحدهم ولا نصفيه"(2).
(قوله: وبعد
…
إلخ) هو ظرف زمان مبنى على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أى: بعد البسملة والحمدلة والصلاة، ودخول الفاء على توهّم" أمّا" فى الكلام، والواو عاطفة قصة على قصة أو للاستئناف: إما النحوى وهو ظاهر، أو البيانى فتكون الجملة واقعة فى جواب سؤال مقدّر، أى: ماذا تقول بعد البسملة والحمدلة والصلاة؟
فأجاب بقوله: وبعد فيقول
…
إلخ، وعلى هذا الاحتمال- أعنى كون" أما" متوهمة والواو عاطفة أو استثنائية- فالظرف معمول ل" يقول"، ويحتمل أن تكون" أما" مقدّرة فى نظم الكلام والواو عوض عنها، وعلى هذا الاحتمال فعامل" بعد" أما المحذوفة لنيابتها عن فعل الشرط أو فعل الشرط المقدر بمهما يكن من شيء أو جوابه، وهو يقول.
(قوله: فيقول) مقتضى الظاهر أن يعبّر ب" أقول" لكنه التفت من المتكلم فى" نحمدك" إلى الغيبة؛ توصلا للوصف بالعبودية التى هى أشرف الأوصاف، ولو عبر بما يقتضيه الظاهر وأتى بذلك الوصف لكانت جملته فضلة، واللائق بذلك الوصف أن تكون جملته عمدة.
(قوله: الفقير) فعيل بمعنى مفتقر، وصيغة فعيل تأتى للمبالغة وصفة مشبهة، وهى هنا للمعنيين؛ بناء على جواز استعمال المشترك فى معنييه، وحينئذ فالمعنى:
كثير الفقر ودائمه، وهذا الوصف لازم لكل أحد لا ينفك عنه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ (3) وهذا معنى البطلان فى قول لبيد (4):
(1) الواقعة: 10.
(2)
أخرجه البخارى (ح 3973)، ومسلم فى فضائل الصحابة (5/ 40/ 223).
(3)
فاطر: 15.
(4)
لبيد بن ربيعة فى: ديوانه ص 256، وديوان المعانى 1/ 118، وشرح التصريح 1/ 29، والعقد الفريد 5/ 273، وخزانة الأدب 2/ 255 - 257.
الغنى، مسعود بن عمر المدعو بسعد
…
===
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل
…
...
(قوله: الغني) بالجر صفة لله، أى: المستغنى عن كلّ شيء، فهو سبحانه منزه عن الاحتياج، وبين الفقر والغنى من المحسنات البديعية جناس الطباق، وفى كلامه إشارة إلى أن ما عليه الحادث نقيض ما عليه القديم. ويصح قراءته بالرفع صفة ثانية للعبد، أى: المستغنى به تعالى عن كل ما سواه تعالى؛ وعلى هذا ففيه إيهام التضاد.
(قوله: مسعود بن عمر) بدون تنوين؛ لأن العلم الموصوف بابن يحذف تنوينه سواء كان العلم اسما أو كنية أو لقبا، وهو بدل من العبد الفقير أو عطف بيان؛ لأن نعت المعرفة إذا قدم عليها أعرب بحسب العوامل، وأعربت بدلا منه أو عطف بيان وانعكس الأمر فصار التابع متبوعا، بخلاف نعت النكرة إذا قدم عليها فإنه ينصب على الحال غالبا، وتبقى النكرة على ما هى عليه من الإعراب، كما فى قوله:(1):
لمية موحشا طلل
…
...
ومن غير الغالب قد يعامل نعت النكرة معاملة نعت المعرفة كما فى قولك: ما مررت بمثلك أحد.
(قوله: المدعو بسعد) أى المسمى بسعد، وكما أن التسمية تتعدى للمفعول الثانى بالباء كما تتعدىّ بنفسها، كذلك الدعاء الذى بمعناها تارة يتعدى للمفعول الثانى بالباء قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها (2) أى:
سموه، وتارة يتعدى له بنفسه قال تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (3)، وعلى فرض عدم تعديته بالباء يكون ضمّن الدعاء معنى الاشتهار تضمينا نحويّا أو بيانيّا فعداه بالباء، أو ضمنه معنى التسمية تضمينا بيانيّا لا نحويّا؛ لأنّ الدعاء بمعناها وضعا فلا معنى لإشرابه معناها. وعلى
(1) صدر بيت من الوافر المجزوء، وهو لكثير عزة فى ديوانه ص 506، وخزانة الأدب 3/ 211، وفى شرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 1664، 1825، وهو يروى أحيانا: لعزّة.
(2)
الأعراف: 180.
(3)
الإسراء: 110.
التفتازانى- هداه الله سواء الطريق،
…
===
فرض عدم التضمين تجعل الباء زائدة للتأكيد لا للتقوية؛ لأن الباء تزاد فى مواضع، منها المفعول كما فى قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1)؛ فاندفع ما نقل عن الشارح من أن الأولى المدعو لسعد باللام؛ لأن الدعاء بمعنى التسمية إنما يتعدى لمفعوليه بنفسه، والشائع زيادته للتقوية اللام لا الباء 10 هـ.
وقد يقال فى ردّه- زيادة على ما مر-: إن زيادة اللام للتقوية إنما ثبتت فى المفعول الأول لا الثانى، فلا يقال: زيد معط عمرا للدراهم (*)، تأمل. ثم إنّ قوله:
(المدعو بسعد) أصله بسعد الدين فحذف جزء العلم اختصارا؛ للعلم به بواسطة الشهرة، وتأدبا فى كون الدين سعد به، والتصرف فى العلم شائع على التحقيق.
(قوله: التفتازاني) بالجر صفة لسعد، أو بالرفع صفة لمسعود، نسبة لتفتازان قرية من أعمال خراسان، - ولد رحمه الله تعالى- سنة اثنتى عشرة وسبعمائة بتقديم السين، وتوفّى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، أخذ عن القطب الرازى، وعن العضد بسمرقند.
(قوله: هداه الله سواء الطريق) عدى الهداية للمفعول الثانى بنفسها دون" إلى" أو اللام؛ ملاحظة لما قيل: إن الهداية إذا تعدّت للمفعول الثانى بنفسها يراد بها معنى الإيصال، وإن تعدت باللام أو" إلى" أريد بها معنى الدلالة، قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (2)، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (3)، كذا فى الخطابي، ويعكر عليه ما فى" المصباح" من أن لغة الحجازيين تعديتها إلى المفعول الثانى بنفسها، ولغة غيرهم تعديتها إليه ب" إلى" أو اللام، ودعوى أنها عند الحجازيين دائما بمعنى الإيصال وعند غيرهم دائما بمعنى الدلالة بعيدة. وإضافة" سواء" إلى" الطريق" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى: إلى الطريق السواء أى السوىّ بمعنى المستقيم، أو الإضافة على معنى" من" أى السواء بمعنى السوى من الطريق، والطريق يحتمل أن يراد بها هنا الموصلة للمقصود دنيويّا كان أو أخرويّا، ويحتمل أن يراد بها الدليل القطعى على طريق الاستعارة المصرحة، ومن المعلوم أن من هدى للدلائل القطعية صار عالما محققا.
(1) البقرة: 195.
(2)
الإسراء: 9.
(3)
الشورى: 52.
(*) في النسخة المطبوعة: الدراهم، وأثبتنا ما يقتضيه السياق.
وأذاقه حلاوة التحقيق-: قد كنت شرحت فيما مضى" تلخيص المفتاح"، وأغنيته بالإصباح
…
===
(قوله: وأذاقه حلاوة التحقيق) التحقيق: ذكر الشيء على الوجه الحق، أو إثبات المسألة بالدليل، وحينئذ فإضافة الحلاوة إليه من إضافة المشبه به للمشبه، والإذاقة ترشيح للتشبيه، أو أنه شبه التحقيق بشيء حلو كعسل النحل استعارة بالكناية، وإثبات الحلاوة تخييل باق على معناه أو مستعار للذة، أى: وأذاقه لذة التحقيق، وهى لذة معنوية، وأما لذة الجماع والشيء الحلو كالعسل فهي حسية، والمعتبر اللذة المعنوية، وأما الحسية فهى دفع آلام؛ ولذا حصر بعضهم اللذة فى المعارف والعلوم، وإثبات الإذاقة ترشيح إما باق على معناه أو أنها مستعارة للإعطاء، وفى التعبير بالإذاقة إشارة إلى أن التحقيق أمر صعب المراد لا ينال جميعه، وإنما يصل الإنسان إلى طرف منه كما يصل الذائق إلى طرف مما يذوقه، ثم إن هذه الجملة وما قبلها معترضتان بين القول ومقوله، أعنى: قد كنت
…
إلخ، قصد بهما الدعاء؛ لأنهما خبريتان لفظا إنشائيتان معنى.
(قوله: فيما مضى) أتى به وإن كان المضىّ مستفادا من" شرحت"- إذ هو فعل- ماض تأكيدا لدفع توهم التجوز فى" شرحت"، وأنه بمعنى" أشرح" أو" أن شرح"، وإن كان للمضىّ محتمل للقرب والبعد بخلاف لفظة" فيما مضى"، فإنها تشعر بالبعد، فأتى بها لإفهام بعد زمن تأليف المطول (1)، ويؤيد هذا التوجيه التعبير ب (ثم) فى قوله: (ثم رأيت
…
إلخ) المفيدة للتراخى بين الفعلين.
(قوله: تلخيص المفتاح) للعلامة محمد بن عبد الرحمن القزوينى خطيب جامع دمشق.
(قوله: أغنيته) أى: صيّرته غنيّا، والضمير فى أغنيته وفى معانيه وأستاره لتلخيص المفتاح، وباقى الضمائر الآتية راجعة للشرح، وهذا وإن كان فيه تشتيت فى مرجع الضمير، لكن اتكل الشارح فى ذلك على ظهور المعنى.
(قوله: بالإصباح) هو الدخول فى وقت الصباح، أريد به لازمه وهو الصبح، ثم استعير لشرح الشارح، بجامع إظهار ما كان خفيّا فى كلّ، والمصباح هو السراج أى: الفتيلة،
(1) يعني: حاشية السعد على التلخيص.
عن المصباح، وأودعته غرائب نكت سمحت بها الأنظار،
…
===
استعارة لشراح هذا المتن التى لغير الشارح، بجامع إظهار ما كان خفيّا فى كل، والمعنى حينئذ: وصيرت ذلك المتن غنيّا بالمطول الشبيه بالإصباح عن غيره من الشروح الشبيهة بالمصباح. وإنما آثر لفظ" الإصباح" على لفظ" الصبح"؛ لمزاوجة لفظ المصباح، وفى ذلك إيماء إلى أنه ينبغى أن يسمى شرحه بالإصباح، لكن لم يشتهر بذلك، وإنما غلبت عليه التسمية بالمطوّل.
(قوله: وأودعته) أى: وضعت فيه، فشبه شرحه بأمين تودع عنده النفائس، على طريق الاستعارة المكنية، واختار التعبير ب" أودعته" دون" وضعت فيه"؛ للإشارة إلى عزة تلك النكات؛ لأنه يفهم منه أنه ملتفت إليها وملاحظ لها كما هو شأن من يودع، وللإشارة إلى أن تلك النكات من مستنبطاته؛ لأن الشخص إنما يودع ما كان ملكا له.
(قوله: غرائب نكت) من إضافة الصفة للموصوف، أى: نكتا غريبة مستبدعة مستظرفة الشأن أى تلتفت إليها النفوس؛ لأن شأن النفس التفاتها للشىء الغريب بخلاف غير الغريب فإنه مبتذل عند النفس، والنكت جمع نكتة وهى فى الأصل البحث فى الأرض بعود ونحوه، ومن لازم ذلك ظهور لون فى ذلك المكان المبحوث فيه مخالف للون ما أحاط به ثم استعملت النكتة فى كل لون مخالف لما أحاط به، على طريق المجاز المرسل، والعلاقة الملزومية، ثم استعيرت للطائف المعانى لمخالفتها لغيرها عند الذهن فى الحسن، فإطلاقها على لطائف المعانى مجاز مبنى على مجاز، ولك أن تقول: إن إطلاق النكتة على المعنى الدقيق مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لأنّ الإنسان إذا استعمل فكره فى المعنى الغامض ينكت فى الأرض بعود أو بإصبعه بحسب العادة.
(قوله: سمحت) بفتح السين المهملة والميم مأخوذ من السماحة وهى الجود، أى: جادت بها الأنظار، وفى تعبيره بسمحت إشارة لعزة تلك النكات؛ لأن الجود إنما يقال فى مقابلة البخل، والشأن أن الإنسان إنما يبخل بالعزيز، وحينئذ فالمعنى: جادت بها الأنظار مع أنها لعزتها مما يبخل بها، وإسناد السماحة للأنظار مجاز عقلى؛ إذ الحقيقة إسناد السماحة لأصحاب الأنظار، أو أن فى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الأنظار
ووشحته بلطائف فقر سبكتها يد الأفكار،
…
===
بقوم جادوا بمبخول به، بجامع أن كلّا ملتبس بإيجاد ما يستحسن على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات السماحة تخييل، و" أل" في الأنظار عوض عن المضاف إليه أى:
أنظارى، والنظر هو الفكر المؤدى لعلم أو ظن، والفكر حركة النفس فى المعقولات.
(قوله: ووشحته) مأخوذ من التوشيح، وهو إلباس الوشاح، والوشاح شيء يتخذ من الجلد يرصع بالجواهر تلبسه المرأة ما بين عاتقها وكشحها، ويلزم من ذلك التوشيح التزيين فأطلق التوشيح هنا، وأريد لازمه أى وزينته، ويحتمل أنه شبه الشرح بعروس على طريق الاستعارة المكنية، والتوشيح تخييل.
(قوله: بلطائف فقر) إما بالإضافة من إضافة الصفة للموصوف فلطائف مجرور بالكسرة، وإما بترك الإضافة فلطائف مجرور بالفتحة وفقر بدل أو عطف بيان، والفقر جمع فقرة بكسر الفاء، وهى فى الأصل أحد فقار الظهر أى: عظمه المتصل المسمّى بسلسلته، ثم استعير لحلى يصاغ على هيئته يسمّى بالحياصة (1)، ثم استعير هنا للكلام المسجّع المقفى على سبيل الاستعارة المصرّحة، فهو مجاز مبنى على مجاز، ويصح أن يراد بالفقر هنا الحلى المسمّى بذلك، فعلى الإضافة يكون من إضافة المشبه إلى المشبه به وإن كانت قليلة بخلاف عكسها، والمعنى: لطائف كالفقر، وعلى ترك الإضافة تكون فقر صفة للطائف على تقدير حرف التشبيه أى: لطائف كالفقر، وعلى الوجهين فالمراد باللطائف: الكلام المسجع المقفى. فظهر لك مما قلناه أن هذه السجعة تضمنت مدح الشرح باعتبار ما اشتمل عليه من العبارات الرائقة والجمل الفائقة، والسجعة التى قبل هذه تضمنت مدحه باشتماله على المعانى اللطيفة الحسنة، فمفاد كل منهما غير مفاد الأخرى.
(قوله: سبكتها يد الأفكار) أى صاغتها وصفّتها، وإضافة" يد" ل" الأفكار" من إضافة المشبه به للمشبه أى الأفكار الشبيهة بالأيدى، بجامع ترتب المنفعة على كلّ، (وقوله:
(1) الحياصة سير في الحزام، والحياصة سير طويل يشد به حزام الدابة، وانظر: لسان العرب (2/ 1070)(مادة حيص).
ثم رأيت الكثير من الفضلاء، والجم الغفير من الأذكياء، سألونى
…
===
سبكتها) ترشيح للتشبيه إما باق على معناه أو مستعار لأخرجتها، ويصح أن يكون فى الكلام استعارة بالكناية بأن شبه الفكر فى النفس بصائغ على طريق الاستعارة المكنية، وإثبات اليد تخييل، وذكر السبك ترشيح؛ لأن اليد من لوازم المشبه به، والسبك من ملائماته، و" أل" فى" الأفكار" عوض عن المضاف إليه أى أفكارى.
(قوله: ثم رأيت) عطف على قوله: " شرحت"، وعبر ب" ثم"- التى للترتيب- للتراخى بين الفعلين، ورأى يحتمل أنها علميّة فتكون جملة" سألونى" فى محل نصب مفعولا ثانيا، ويحتمل أن تكون بصريّة فتكون الجملة المذكورة فى محل نصب على الحال.
(قوله: من الفضلاء) جمع فضيل بمعنى فاضل ككريم وكرماء، والفاضل من اتصف بفضيلة، ذكاء كانت أو صلاحا أو علما، والمراد به هنا من كثر علمه، والجار والمجرور حال من الكثير أو صفة له.
(قوله: والجم) مأخوذ من الجموم وهو الكثرة، والغفير من الغفر وهو الستر أى والجمع العظيم الساتر لكثرته وجه الأرض وما وراءه، والأذكياء جمع ذكى، قيل: كامل العقل، وقيل: سريع الفهم، والقولان متقاربان؛ لأن كمال العقل يستلزم سرعة الفهم وغيره، ولا يقال: إن هذه السجعة عين ما قبلها؛ لأنّ الجم الغفير أبلغ فى الكثرة من لفظ الكثير، والأذكياء أعم من الفضلاء؛ بناء على أن المراد بالفضلاء من اتصف بكثرة العلم.
(قوله: سألوني) أى: طلبوا مني، وفى هذا إشارة لقوله- عليه الصلاة والسلام:" ليس منّا من لم يتعاظم بالعلم (*) " أى: يعتقد أن الله عظمه بإعطائه نعمة العلم، والسؤال إن كان بمعنى الطلب كما هنا تعدى للمفعولين بنفسه، وإن كان بمعنى الاستفهام تعدى للثانى بعن أو ما بمعناها نحو فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (1)، ونحو:
فإن تسألونى بالنّساء فإنّنى
…
خبير بأدواء النساء طبيب (2)
(*) لم أجده فيما بين يدي من المصادر ولا أراه إلا من قبيل الضعيف أو الموضوع.
(1)
الفرقان: 59.
(2)
البيت من الطويل، وهو لعلقمة الفحل فى: ديوانه ص 35، وأدب الكاتب ص 508، وحماسة البحترى ص 181، وبلا نسبة فى جواهر الأدب ص 49.
صرف الهمّة نحو اختصاره، والاقتصار على بيان معانيه وكشف أستاره؛
===
ولا يعكر على هذا قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (1)؛ لأن المراد:
ويسألونك عن جواب هذا الاستفهام.
(قوله: صرف الهمة) هى لغة: الإرادة، وعرفا: حالة للنفس يتبعها غلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما، فإن كان عليّا فهى علية، وإلا فهى دنيئة، والمراد هنا المعنى اللغوى أى: سألونى أن أصرف إرادتي، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبّه الهمة بناقة بيد صاحبها زمامها يصرفها به إلى أى جهة يريد، والصرف تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للتوجيه.
(قوله: نحو اختصاره)(2) أى إلى جهة اختصاره، فشبه الاختصار بمكان ذى جهة، بجامع ارتياح النفس فى كلّ، وإثبات النحو تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للاشتغال بالاختصار، ويصح أن تكون إضافة النحو للاختصار بيانية ولا استعارة ولا شيء.
(قوله: والاقتصار على بيان معانيه) هذا الضمير والذى بعده يرجعان للتلخيص بخلاف الضمائر الآتية بعد فإنها راجعة للشرح، و" الاقتصار" عطف على" اختصاره" أو على مفعول" سألونى" الثاني، وعلى كل حال فهو تفسير للاختصار المسئول فالمراد أخذ بعض الشرح على وجه بليغ يفهم به المتن، وليس المراد به أن يأتى بمعانى المطول كلها فى ألفاظ قليلة؛ إذ هذا محال عادة، (وقوله:
على بيان معانيه) أى: تبيين مدلولات ألفاظه المطابقية والتضمنية والالتزامية.
(قوله: وكشف أستاره) أى: توضيح معانيه الصعبة، وإزالة الخفاء عنها، فشبه تلك المعانى بعروس على سبيل المكنية، وإثبات الستر تخييل، والكشف ترشيح، أو شبه الغموض والخفاء بالأستار، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، وعطف كشف الأستار على ما قبله من عطف الخاص على العام؛ لأن كشف الأستار قاصر على تبيين المعانى الصعبة الخفية، ثم لا يخفى ما فى ذكر الرؤية
(1) البقرة: 215.
(2)
هو الإيجاز واللمحة الدالة وهو من أبرز أساليب العرب.
لما شاهدوا من أن المحصّلين قد تقاصرت هممهم عن استطلاع طوالع أنواره،
===
ووصف السائلين بالكثرة والفضل والذكاء من تأكيد موجب الامتثال؛ حيث كان السؤال ممن هو بهذا الوصف، ووصولهم للمسئول، ولم يكن بالمراسلة.
(قوله: لما شاهدوا) متعلّق ب" سألونى": لما علموا علما فاشيّا كالمشاهدة، ثم يحتمل أن يقرأ بالتخفيف تعليلا ل" سألوني"، وما موصول اسمى أو نكرة موصوفة فالعائد محذوف، و" من" بيانية أو مصدرية فلا حذف، و" من" زائدة على مذهب من يجوّز زيادتها فى الإثبات، ويحتمل أن يقرأ بالتشديد فتكون ظرفا لسألوني، و" من" و" أن" زائدتان، وإنما كان التقاصر والتقاعد عما ذكر، والتقليب والمد المذكوران، علة لطلب الاختصار؛ لأن فى اختصاره نفع المتقاصرين بإعطائهم مقدورهم، وقمع المنتحلين باستغناء الناس بذلك المختصر عن مصنوعهم، فيتركون الانتهاب والمسخ؛ لبطلان مرجوّهم من ملاحظة الناس لهم واعتنائهم بما ينتهبونه.
(قوله: المحصلين) أى: المريدين للتحصيل، أو الذين شأنهم تحصيل هذا الكتاب، أو المحصلين بالفعل لغير هذا الكتاب من فن المعاني، وليس المراد المحصلين لهذا الكتاب؛ فاندفع ما يقال: إن وصفهم بالتحصيل وتقاصر الهمم فيه تناف.
(قوله: قد تقاصرت
…
إلخ) ما تفيد صيغة التفاعل من التعنى والتكلف غير مراد، أى فليس المراد أن هممهم توجهت ثم أخذت فى الرجوع والكسل، وإنما المراد قصرت من أول الأمر، ومثله يقال فى قوله الآتى: و" تقاعدت"، وقرر شيخنا العدوى أن" تفاعل" يأتى للمبالغة كما هنا، وحينئذ فالمعنى: قصرت قصورا تامّا؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، والهمم:
جمع همّة، وهى والعزيمة شيء واحد، وهى الإرادة على وجه التصميم، وحينئذ ففى كلامه تفنن حيث عبر أولا بالهمم، وثانيا بالعزائم، وإسناد القصور- الذى هو العجز- إلى الهمم، والقعود إلى العزائم، مجاز عقلى، إذ المتصف بهما حقيقة الأشخاص.
(قوله: عن استطلاع طوالع أنواره) السين والتاء إما للطلب أى: عن طلب طلوع، أو زائدتان لتحسين اللفظ، والمعنى: عن طلوع، أى إدراك وفهم، على طريق الاستعارة المصرحة، وجعلهما للطلب أبلغ من جعلهما زائدتين؛ لإفادته أنهم عجزوا عن طلب
وتقاعدت عزائمهم عن اكتشاف (*) خبيئات أسراره،
===
الطلوع أى الإدراك، فضلا عن طلوعهم وإدراكهم بالفعل، والإضافة فى" طوالع أنواره" من إضافة الصفة للموصوف، أى: أنواره الطالعة بمعنى الظاهرة، والمراد بأنوار الشرح معانيه، استعار لها لفظ الأنوار استعارة مصرحة، والطوالع ترشيح، ويصح أن تكون الطوالع استعارة لمعانى الشرح، والأنوار استعارة لألفاظه، أى: عن إدراك معانى ألفاظه؛ وحينئذ فالإضافة من إضافة المدلول للدال، ثم إن كون معانيه طالعة وظاهرة بالنسبة لما عند الشارح أو بالنسبة لما فى الواقع، فلا ينافى أنها بالنسبة لهم فى غاية الدقة فتحتاج إلى استطلاع.
(قوله: وتقاعدت) يقال فيه ما قيل فى" تقاصرت"، ويقال فى السين والتاء فى" استكشاف" ما مر فيهما فى" استطلاع"، والكشف هو الإظهار.
(قوله: خبيئات أسراره) الإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أى أسراره المخبّآت، أى التى شأنها أن تخبأ لعاقبة الدهر؛ لعظمها ولشرفها، والأسرار جمع سر وهو ضد الجهر، والمراد بها هنا النكات، فشبه نكات المطول ومعانيه الشديدة الصعوبة بالأسرار، والجامع الاحتياج لزيادة الاهتمام فى كل، واستعيرت الأسرار للنكات المذكورة استعارة تصريحية. ويحتمل أن تكون الإضافة حقيقية بأن أريد بالأسرار مطلق الأسرار، وأراد بالخبيئات أشرف الأسرار أى: أدقها، والمعنى: عن إظهار أدق الأسرار أى أدق الدقائق. ثم إن هذه السجعة متعلقة بالمعانى الشديدة الصعوبة والدقة، وما قبلها بالدقة الصعبة فقط، فلا يقال: إن هذه عين ما قبلها، لكن قد يقال: إن الأولى الاقتصار على السجعة الأولى وحذف الثانية؛ لأنه إذا تقاصرت هممهم وعجزت عن المعانى الصعبة فقصورها عن الشديدة الصعوبة بالطريق الأولى، إلا أن يقال: أتى بهذه الثانية؛ دفعا لما يتوهم أن هممهم وإن تقاصرت عن درك المعانى الصعبة لم تتقاصر عن إدراك شديدة الصعوبة؛ لكون هممهم عليّة. ثم لا يخفى حسن التعبير هنا ب" تقاعدت"، وفيما مر ب" تقاصرت"؛ وذلك لأنّ طوالع الأنوار شأنها العلو فيناسبها التعبير بالتقاصر، وشأن خبيئات الأسرار الانخفاض فيناسبها التعبير بالتقاعد.
(*) كذا في (المطبوع)، وفي شرح الدسوقي- كما يأتي-:(استكشاف)، وعليه جرى كلامه في الشرح، فلعل ذلك في نسخة خاصة به.
وأن المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب، ومدّوا أعناق المسخ
===
(قوله: وأن المنتحلين) جمع منتحل وهو الآخذ لكلام الغير وينسبه لنفسه تصريحا أو تلويحا، أى: وأن الآخذين لكلام غيرهم مظهرين أنه لهم.
(قوله: قلبوا أحداق (1) الأخذ) الإضافة لأدنى ملابسة، أى: قلبوا أحداقهم الملابس تقلّبها للأخذ والانتهاب؛ لأنّ الشأن أن الإنسان وقت أخذ كلام غيره يقلب أحداقه، أو شبه الأخذ والانتهاب بشخص ظالم، بجامع القبح فى كلّ، على طريق الاستعارة المكنية، وإثبات الأحداق تخييل، والتقليب ترشيح، وهذا كناية عن شدة عنايتهم باختصار المطول ونسبته لأنفسهم، والانتهاب هو الأخذ قهرا، فهو من عطف الخاص على العام، لكن الشارح قصد به التفسير فهو تفسير مراد.
(قوله: ومدوا أعناق المسخ) مدّ العنق: تطويله، أي: وطولوا أعناقهم الملابس مدّها للمسخ، فالإضافة لأدنى ملابسة، وهذا كناية عن كمال الميل لاختصارهم له.
أو فى الكلام استعارة وتقريرها أن يقال: شبه أخذ معانى المطول مع التعبير عنها بعبارة أخرى بالمسخ الذى هو تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى، ثم استعمل اسم المشبه به وهو لفظ المسخ فى المشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ثم بعد ذلك شبه الأخذ المذكور أيضا بإنسان مفسد تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الأعناق تخييل، والمد ترشيح، فقد اجتمعت المصرحة والمكنية والتخييلية، على حد ما قيل فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (2)، ولا يخفى ما فى التعبير بالمسخ من الإشارة إلى أنهم لو عبروا عن معانى المطول بعبارات أخرى، لكان تعبيرهم بعبارة متسفلة جدّا، لما علمت أن المسخ تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى.
(1) جمع حدقة وهى السواد المستدير وسط العين، وقيل: هى فى الظاهر سواد العين وفى الباطن خرزتها قال الجوهرى: حدقة العين: سوادها الأعظم، والجمع: حدق وأحداق وحداق. وانظر: لسان العرب (2/ 806) مادة: (حدق).
(2)
النحل: 112.
على ذلك الكتاب.
وكنت أضرب عن هذا الخطب صفحا، وأطوى دون مرامهم كشحا؛ علما منى
…
===
(قوله: على ذلك الكتاب) متعلق بمدوا و" على" بمعنى" إلى" وأتى بإشارة البعيد إشارة لبعد مرتبة ذلك الكتاب عنهم، وإنما عبر ب" على" دون" إلى" للطيفة وهى أن" على" تستعمل فعلا ماضيا بمعنى ارتفع، ففى التعبير بها إشارة إلى أنهم حين مدوا الأعناق ارتفع عنهم فلم يصلوا إليه، ويصح الوقف على قوله:(مدوا أعناق المسخ، والابتداء بقوله: (علا ذلك الكتاب) أى: ارتفع ذلك الكتاب عن مد أعناقهم لأجل مسخهم، فهو تحصين لكتابه.
(قوله: وكنت أضرب) الواو للحال، والضرب يطلق بمعنى الصرف والإمساك، أى: كنت أمسك نفسي، وأصرفها عن هذا الخطب العظيم، وهو اختصار الشرح، وبمعنى الإعراض أى: أعرض عن هذا الأمر العظيم، فالفعل على الأول متعدّ حذف مفعوله، وعلى الثانى لازم، وعلى كل ف" صفحا" مفعول مطلق، وقيل مفعول لأجله. فإن قلت: إن الصفح بمعنى الإعراض، وهو عين الضرب بمعنى الصرف؛ فيلزم تعليل الشىء بنفسه، وهو لا يصح؟ والجواب: أن العلة أثر الصفح ولازمه، وهو جلب الراحة من القيل والقال اللذين لا يخلو منهما مؤلّف ولو أبدع فى المقال، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
(قوله: وأطوى دون مرامهم كشحا) الطىّ ضد النشر، ودون مرامهم بمعنى:
قدام مطلوبهم أى: قبل وصولهم إليه، والكشح: ما بين أسفل الخاصرة إلى آخر عظم الجنب، فالكشح هو الوسط، وطى الكشح عبارة عن لىّ الجنب، ومن لوازمه عدم تبليغ السائل مقصوده، فأطلق هنا وأريد لازمه، والمعنى: ولا أبلغهم مقصودهم من اختصار ذلك الشرح، ويحتمل أن يكون الكلام تمثيلا حيث شبه حاله من الامتناع من الشيء المطلوب بحال من طوى كشحه معرضا عن شخص مثلا، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه.
(قوله: علما منى) علة لقوله: (أضرب وأطوى) على التنازع، واعترض هذا التعليل بأنهم لم يسألوه أن يكون ما يأتى به من اختصار المطول تستحسنه كل الطباع،
بأن مستحسن الطباع بأسرها، ومقبول الأسماع عن آخرها، أمر لا تسعه
…
===
فكيف يجعل عدم القدرة على ذلك علة للامتناع؟ ويجاب بأن فى الكلام حذفا، والأصل: علما منى بأن الاختصار الذى طلبوه إذا فعلته لا يسلم من طعن الناس فيه، ولا يخلص من اعتراضهم عليه؛ لأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه كل الطباع أمر لا تسعه قدرتى؛ فلذا آثرت الراحة.
(قوله: بأن مستحسن) أى بأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه ذوو الطباع.
(قوله: بأسرها) أى: بجميعها، والأسر فى الأصل: القيد الذى يشدّ به الأسير، يقال: ذهب الأسير بأسره أى: بقيده، ومن لوازم ذلك ذهابه بجميعه، وذلك اللازم مراد هنا، فقد أطلق اسم الملزوم وهو الأسر، وأريد اللازم وهو الجميع، وهذا تأكيد لما استفيد من (أل) الاستغراقية.
(قوله: ومقبول الأسماع) أى: ولعلمى بأن الإتيان بالأمر الذى تقبله الأسماع، أى: ذوو الأسماع.
(قوله: عن آخرها) أى: إلى آخرها أى من أولها إلى آخرها ف" عن" بمعنى" إلى" الغائية، وفى الكلام حذف المبتدأ وهو تأكيد؛ لأن" أل" الاستغراقية فى" الأسماع" تفيد ذلك الشمول، ويصح جعل" عن" باقية على حالها، وهى متعلقة بمحذوف أى: قبولا ناشئا عن آخرها، وإذا نشأ ذلك القبول عن الآخر كان ناشئا عن غيره بالأولى، فاندفع ما يقال: إن نشأة القبول عن آخر الأسماع لا تشمل جميع الأسماع، إذ قد بقى الأول، وما بين الأول والآخر وهو الوسط، فلا يصح قوله بعد ذلك: (أمر لا تسعه
…
) إلخ، وأجاب عنه بعضهم بجوابين غير ما مر: الأول منهما: أن ذلك التعبير يستلزم عرفا نشأة القبول عن الجميع، باعتبار أنه أسند القبول أولا إلى" الأسماع" المحلى ب (أل) الاستغراقية، ثم قيده بالصدور عن الآخر على سبيل التوكيد؛ دفعا لتوهم عدم الوصول إليه.
والثانى منهما: أن فى العبارة حذفا، والمعنى: عن آخرها إلى أولها. وفى هذا الجواب الثانى نظر من وجهين: الأول: أن" إلى" للانتهاء؛ فالمناسب دخولها على" آخر" لا على" الأول". الثانى: أن" إلى" إنما تقابل ب" من" لا ب" عن"، وأجيب عن الأول: بأن فى الكلام قلبا، والأصل: عن أولها إلى آخرها، وعن الثانى: بأن" عن" تأتى بمعنى" من"، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي
مقدرة البشر، وإنما هو شأن خالق القوى والقدر، وأن هذا الفن قد نضب اليوم ماؤه فصار جدالا
…
===
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (1) أى: منهم.
(قوله: مقدرة البشر) بضم الدال وفتحها مصدر ميمى بمعنى قدرتهم، وأما المقدرة بمعنى اليسار فبالضم لا غير.
(قوله: القوى) جمع قوة، والقدر جمع قدرة، وعطف القدر على القوى عطف خاص على عام؛ لصدق القوى بقوة السمع والبصر، ومعلوم أن خالق ما ذكر من القوى والقدر هو الله تعالى.
(قوله: وأن هذا الفن) عطف على قوله: (بأن مستحسن)، أى: ولعلمى بأن هذا الفن
…
إلخ، أى: وحينئذ فالتعب فيه والاختصار ليس له كبير فائدة؛ لاضمحلاله وقلة المشتغلين به.
(قوله: قد نضب اليوم ماؤه) يقال: نضب الماء ينضب كقعد يقعد، إذا غار، شبّه ذهاب هذا الفن بنضوب الماء وغوره، بجامع عدم الانتفاع، واستعير النضوب للذهاب واشتق من النضوب نضب بمعنى ذهب، والماء ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار لمسائل هذا الفن، أو شبه مسائل الفن النفيسة بالماء بجامع أن كلّا سبب فى الحياة، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ونضب ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار ل" ذهب" على طريق التبعية، أو شبّه الفن بنهر تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، والماء تخييل، والنضوب ترشيح، وهما إما باقيان على حقيقتهما لم يقصد بهما إلا تقوية الاستعارة، أو الماء مستعار للمسائل والنضوب للذهاب، ومعنى التركيب:
وأن هذا العلم قد ذهب مسائله الحسان، وذهابها بذهاب أهل هذا الفن، ومراده ب" اليوم": زمان الشرح وما قرب منه مما قبله.
(قوله: فصار) أى ذلك الفن جدالا أى:
خصومة، أى: صار التكلم فيه جدالا، أو صار الفن محل جدال، فلا بد من تقدير فى الكلام، وإلا فالفن ليس جدالا اللهم إلا أن يكون جعله جدالا قصدا للمبالغة،
(1) الشورى: 25.
بلا أثر، وذهب رواؤه فعاد خلافه بلا ثمر، حتى طارت بقية آثار السلف أدراج الرياح،
…
===
(وقوله: بلا أثر) أى: بلا فائدة؛ وذلك لعدم وقوف متعاطيه على حقائق أسراره فيتكلمون بظواهره.
(قوله: وذهب رواؤه) بضم الراء والمد أى منظره الحسن، استعارة للطائفه على طريق المصرّحة، أو شبه الفن بإنسان ذى منظر حسن، بجامع الرغبة فى كل على طريق المكنية، وإثبات الرواء تخييل إما باق على حقيقته لم يقصد به إلا تقوية الاستعارة، أو استعارة لمسائله اللطيفة وأسراره، وذهابها بذهاب من يعرفها لا بنسيانها.
(قوله: فعاد) أى: فصار ذلك الفن، أى: صار التكلم فيه خلافا، أو صار ذلك الفن محل خلاف، أو فى الكلام مبالغة. (وقوله: بلا ثمر) أى: فائدة، ويحتمل أن الكلام فيه تشبيه بليغ بحذف الكاف أى: فصار ذلك الفن كخلاف أى: كشجر الخلاف وهو المسمى بالصفصاف، وهو لا ثمر له؛ وعلى هذا فقوله:(بلا ثمر) بيان للواقع، ثم إنّ هذه السجعة بمعنى ما قبلها لكن الخطب محل إطناب.
(قوله: حتى طارت
…
إلخ) أى واستمر هذا الفن فى الاضمحلال شيئا فشيئا إلى أن طارت، ف" حتى" للانتهاء، ويصح أن تكون تعليلية، والسلف فى الأصل: من تقدّمك من آبائك، والمراد هنا علماء هذا الفن؛ لأنهم آباء فى التعليم، والمراد ببقية آثارهم ما بقى من فوائدهم وعلومهم أو ما بقى من تلامذتهم المقررين لقواعد هذا الفنّ الناشرين لها بالإفادة، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه بقية آثار أهل هذا الفن بطائر، وإثبات الطيران تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للذهاب.
(قوله: أدراج الرياح) الأدراج جمع درج بفتح الدال وسكون الراء، ودرج الكتاب طيّه، يقال: درج الكتاب درجا أى: طواه طيّا، والمراد بها الطرق، أى: ذهبت بقية آثار السلف فى طرق الرياح، ويلزم من ذلك عدم وجودها بالمرة؛ لأن عادة الريح أن تزيل ما مرت به فى طريقها، فعبر بالملزوم وأراد اللازم؛ وعلى هذا فالأدراج منصوبة على الظرفية، ويصح أن يراد بالأدراج الأحوال، وحال الرياح طيرانها وذهابها بسرعة؛ وعلى هذا فأدراج نصب على الحال على حذف مضاف، أى: طارت بقية آثار السلف
وسالت بأعناق مطايا تلك الأحاديث البطاح
…
===
فى حال كونها مثل طيران الرياح، أو على المفعولية المطلقة على حذف الموصوف والصفة أى طارت طيرانا مثل طيران الرياح، فالحاصل: أن أدراج الرياح يجوز فيه الأوجه الثلاثة:
النصب على الظرفية، والحالية، والمفعولية المطلقة، لكن فى الأول شىء وهو أن اسم المكان لا ينصب على الظرفية باطراد إلا إذا كان مبهما، وإلا جرّ ب" فى"، وأما قوله:
كما عسل الطّريق الثّعلب (1)
أى: اضطرب فى الطريق الثعلب، فضرورة.
(قوله: وسالت) أى: سارت، شبه السير بالسيلان، واستعير له اسمه، واشتق من السيلان سالت بمعنى سارت، وإنما عبر ب" سالت" دون سارت إشارة إلى أن السير لقوته بمثابة سيل الماء، و (البطاح) جمع أبطح على غير قياس، والقياس أباطح، والأبطح هو المحل المتسع فيه دقاق الحصى، وهو فاعل لسالت، وإسناد السيل لها مجاز عقلى، وأصل التركيب: وسارت المطايا بتلك الأحاديث فى البطاح؛ لأن السير حقه أن يسند للمطايا، فعدل عن التعبير بالسير إلى التعبير بالسيل لما قلنا من الإشارة، وعدل عن إسناد السير إلى المطايا إلى إسناده للأباطح مجازا عقليّا للمبالغة، كأنه من قوة السير وسرعته سارت أمكنته التى هى الأباطح.
و(قوله: بأعناق) أى ملتبسا ذلك السير بالأعناق وإنما جعل سيلانها ملتبسا بالأعناق؛ لأن السرعة والبطء فى سير المطايا يظهران غالبا فيها وسائر الأجزاء تستند إليها فى الحركة، وتتبعها فى النقل والخفة، والمطايا فى الأصل الإبل، استعير لعلماء هذا الفن بجامع الحمل فى كل، فكما أن المطايا تحمل الأثقال كذلك العلماء تحمل العلم، والأعناق ترشيح، والمراد بالأحاديث أسرار هذا الفن، والبطائح هنا متجوز به عن أمكنة العلماء كالمدارس؛ وذلك لأنه فى الأصل اسم للمكان المتسع فيه دقاق الحصى أريد به مطلق موضع ثم أريد به موضع العلماء على طريق المجاز المرسل، وحينئذ فمعنى التركيب: وسارت المدارس ملتبسة بأعناق
(1) بعض بيت من الكامل، وهو لساعدة بن جؤية الهذلى فى خزانة الأدب 3/ 83، 86، وشرح أشعار الهذليين ص 1120، وشرح التصريح 1/ 312، وشرح شواهد الإيضاح ص 155.
وتمام البيت:
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه
…
فيه كما عسل الطّريق الثّعلب
وأما الأخذ والانتهاب فأمر يرتاح له اللبيب، فللأرض من كأس الكرام نصيب،
…
===
العلماء الشبيهين بالمطايا الحاملين لأسرار هذا الفن، والمقصد من هذا التركيب الإخبار بأن أسرار هذا الفن وعلماءه قد ذهبوا، بل ذهبت مواضعهم كذلك.
(قوله: وأما الأخذ
…
إلخ) أما تفصيلية مقابلها محذوف دلّ عليه مضمون الكلام السابق، أعنى قوله: (علما
…
إلخ)، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والأصل:
أما ما ذكرتم من تقاصر الهمم فذلك مما يرغب فى الاختصار ويحمل عليه، لولا أنى أعلم أن مستحسن
…
إلخ، وأما الأخذ والانتهاب فليس مما يحمل على الاختصار؛ لأنه أمر يرتاح
…
إلخ، والحاصل: أنهم عللوا طلب الاختصار منه بأمرين: تقاصر همم المحصلين، والأخذ والانتهاب، فأجابهم بأن ما ذكرتموه من مجموع الأمرين لا يقتضى الاختصار؛ فوقع فى ذهن السامع السؤال من ذلك النفى، فأجاب بقوله: أما التقاصر
…
إلخ، وكثيرا ما يحذف المجمل المفصل ب" أما" ومعادلها، ويصح جعل" أما" لمجرد التأكيد والواو للاستئناف حينئذ، وسكت عن المسخ الصادر منهم؛ لأنه غير واقع فى شرحه بل فى عبارتهم؛ فلذا لم يحتج للاعتذار عنه.
(قوله: يرتاح) أى: يفرح وينبسط له اللبيب أى كامل العقل الذى وقع الأخذ من كلامه لا الآخذ؛ وذلك لأن العاقل لا يرضى بالأخذ من كلام الغير ويرضى بكون الغير يأخذ من كلامه؛ لما فيه من الرفعة والثواب، وإذا كان أمرا يرتاح له اللبيب فلا يطلب قطعه بالاختصار؛ لأنى لو وضعت مختصرا لالتفت الناس إليه وأعرضوا عن تأليف المنتحلين، وإذا فات المنتحلين مرجوّهم من إقبال الناس على تأليفهم تركوا الانتحال.
(قوله: فللأرض
…
إلخ) هذا شطر بيت مأخوذ من قول بعضهم
شربنا شرابا طيّبا عند طيّب
…
كذاك شراب الطّيّبين يطيب
شربنا وأهرقنا على الأرض جرعة
…
وللأرض من كأس الكرام نصيب
لكن الشارح أبدل الواو بالفاء لكونه جعله علة لما قبله، وفى الكلام تشبيه الشارح نفسه بالكرام، ونفس" المطوّل" بالكأس، والمنتحلين بالأرض، فمفردات التركيب
وكيف ينهر عن الأنهار السائلون، ولمثل هذا فليعمل العاملون
…
===
باقية على حقيقتها، والكلام على التشبيه بحذف المشبه، أو أن الكرام والكأس والأرض مستعارات، فالكرام مستعار للشارح، والكأس للمطول، والأرض للمنتحلين، ويصح أن يكون المركب استعارة تمثيلية حيث شبه الهيئة الحاصلة من رفعته عليهم وهم دونه وأخذهم من كلامه، بالهيئة الحاصلة من الأرض والشاربين من كأس ينزل شيء مما فيه عليها، واستعمل اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة.
(قوله: وكيف ينهر) أى: يطرد عن الأنهار السائلون، أى: فكذلك أنا كيف أنهر هؤلاء المنتحلين الذين هم كالسائلين عن المطول الذى هو كالأنهار؟ ففى الكلام تشبيه ضمنى، أو أنه استعار الأنهار للمطول، واستعار السائلين للمنتحلين استعارة مصرحة، ولما كان المطول محتويا على علوم كثيرة بحيث يقوم مقام كتب عدة، شبهه بالأنهار لا بنهر واحد، ثم إن هذا الاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى قوة تعليل ثان، أو إنه تعجبى فيكون ترقيا فيما أفاده من كونه لا ينبغى الالتفات لما طلبوه من الاختصار، واختار التعبير بالأنهار عن الأبحر لعذوبتها، واختار" ينهر" على" يطرد" لمجانسة الاشتقاق بين ينهر والأنهار.
(قوله: ولمثل هذا فليعمل العاملون) هذا اقتباس من الآية، لكن الإشارة فى الآية للفوز العظيم من النعمة والأمن من العذاب، وأما هنا فللأخذ والانتهاب، وأفرد اسم الإشارة؛ لأنهما بمعنى واحد أو لتأويلهما بالمذكور، أى: ويعمل العاملون لمثل هذا الأخذ أى لنيل ثواب مثل هذا الأخذ؛ لما فيه من الرفعة الدنيوية والثواب الأخروى، لا للحظوظ النفسانية، وحينئذ فلا ينبغى قطعه بوضع مختصر، والفاء فى قوله:(فليعمل) زائدة لا تمنع من عمل ما بعدها فيما قبلها، أو أنها سببية واقعة فى جواب شرط مقدر، والتقدير: مهما يكن من شىء فليعمل العاملون لمثل هذا، حذف الشرط مع أداته اختصارا اعتمادا على الفاء، وقدم المعمول لإفادة الحصر، واستشكل بأن فاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن لها الصدارة، والجواب: أنه لا يثبت لها هذا الحكم- أعنى الصدارة- إلا إذا وقعت فى موضعها من توسطها بين جملتين لفظا، فإن لم تتوسط بين
ثم ما زادتهم مدافعتى إلا شغفا وغراما، وظمأ فى هواجر الطلب وأواما، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا،
…
===
الجملتين لم تمنع من العمل المذكور كما هنا، على حد ما ذكروا فى قوله تعالى:
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (1) من أن الفاء واقعة فى غير محلها لعدم التوسط والمعمول مقدم لإفادة الاختصاص ولم تمنع الفاء من العمل فى ذلك المعمول.
(قوله: ثم ما زادتهم مدافعتى
…
إلخ) عبر بثم لإفادة تراخى زيادة الشغف والغرام عن ابتداء المدافعة الذى تضمنه قوله: (وكنت أضرب
…
إلخ)، وفى التعبير بالمفاعلة إشارة لتكرر السؤال وتكرر الإعراض عنهم، أى: ما زادتهم مدافعتى لهم المرة بعد المرة بتركى إجابتهم إلا شغفا- أى حبّا شديدا- فى مطلوبهم الذى سألوه، يدخل ذلك الحب فى شغاف القلب أى جلدته التى هو فى داخلها، والغرام: الولوع.
(قوله: وظمأ) هو العطش، استعير للرغبة استعارة مصرحة، والهواجر جمع هاجرة، وهى نصف النهار عند اشتداد الحر، وإضافتها للطلب من إضافة المشبه به للمشبه، أى: ورغبة فى الطلب الشبيه بالهواجر، بجامع الصعوبة على النفس فى كل، والمراد بالطلب: طلب اختصار المطول، أو أنه شبه الطلب باليوم الطويل الذى فيه هواجر بجامع الاشتمال فى كل ما يطلب دفعه على طريق المكنية، والهواجر تخييل، والأوام- بضم الهمزة- حرارة العطش، فعطفه على الظمأ من عطف اللازم على الملزوم، والمراد بالأوام هنا لازمه، وهو الميل والحب.
(قوله: فانتصبت
…
إلخ) أى فلما زادت رغبتهم ولم تمكن مدافعتهم تسبب عن ذلك أنى انتصبت، أى: تصدّيت وتعرضت وتفرغت.
(قوله: على وفق مقترحهم) الجار والمجرور صفة لمحذوف أى انتصابا أو شرحا كائنا على وفق- أى موافقة- مقترحهم أى مطلوبهم، من كون ذلك الشرح مقتصرا فيه على بيان معانى المتن وكشف أستاره، وفى التعبير بمقترحهم دون مطلوبهم أو مسئولهم إشارة إلى أنهم سألوا ذلك من غير روية وفكر؛ لأن الاقتراح طلب الشيء من غير روية وفكر. (وقوله: ثانيا) صفة للمصدر المقدر بعد نعته بالجار والمجرور أى: انتصابا ثانيا أو شرحا ثانيا، ويحتمل أن يكون ظرفا أى انتصبت لشرح ذلك الكتاب فى زمن ثان.
(1) المدثر: 3.
ولعنان العناية
…
===
(قوله: ولعنان العناية) كان الأولى حذف الواو فيكون ثانيا الثانى حالا من فاعل" انتصبت"؛ لعدم ظهور ما يصلح لعطفه عليه؛ لأن" ثانيا" الأول إما صفة لمصدر محذوف أو ظرف، وعلى كل لا يصلح لعطف" ثانيا" الثانى عليه؛ لأن عطفه عليه يقتضى مشاركته له فى إعرابه. ولا يصح جعلها واو الحال؛ لأن الواو الحالية لا تدخل إلا على الجملة، ولا تدخل على المفرد، وقد يجاب: بأنه يمكن عطف" ثانيا" الثانى على الأول، وجعل" ثانيا" الثانى صفة للمصدر المحذوف كالأول لكن على سبيل الإسناد المجازى؛ لأن" ثانيا" الثانى بمعنى صارفا ومرجعا، وحق السرف والترجيع أن يسند للشخص فأسند لصفته، وهو الانتصاب، على حد: جدّ جده. ولك أن تجعل" ثانيا" الأول أيضا حالا من فاعل" انتصبت" أى: انتصبت فى حال كونى جاعلا ومصيرا للشرح ثانيا، وقوله:" ثانيا" الثانى فى حال أخرى معطوفة على الأولى مبينة لمجيئها حالا، وأورد على هذا أن الحال وصف مشتق وثان الذى من أسماء العدد ليس بمشتق، وأجيب: بأن" ثانيا" المذكور إذا كان بمعنى التصيير كان اسم فاعل حقيقة له فعل ومصدر، تقول: ثنيته ثنيا أى: صيرته اثنين بانضمامى إليه، لكن فى تعدية" ثان" الأول إلى الشرح على وجه المفعولية مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد؛ لأنه إنما يقال: ثناه بمعنى جعله بنفسه ثانيا لا جعل له شيئا غيره ثانيا، ويقال: ثنيته بمعنى صرت أنا له ثانيا، فهو موضوع لتصيير مقيد بجعل ذات الفاعل ثانية، ثم أطلق عن ذلك التقييد، ثم نقل إلى تصيير مقيد بجعل ذات المفعول ثانية، أو استعارة تبعية بأن شبه تصيير الشارح غيره ثانيا بتصييره نفسه ثانيا، بجامع ترتب الزوجية على كل، واستعير اللفظ الموضوع للثانى- وهو الثنى بنفسه- للأول، واشتق منه ثانيا على طريق التبع، أو تقدر فى" ثانيا" الأول حالا يعطف عليها" ثانيا" الثانى أى: انتصبت ثانيا مجتهدا ولعنان
…
إلخ، أو تجعل فى الكلام فعلا محذوفا معطوفا على" انتصبت" فيكون" ثانيا" الثانى حالا من فاعله أى: واجتهدت أو شرعت ثانيا لعنان العناية. والعناية هى الهمة أى: الإرادة المصاحبة للتصميم، أو المراد بها الاعتناء والاهتمام، شبهها بدابة تشبيها مضمرا فى النفس على سبيل المكنية، وإثبات العنان بمعنى المقود تخييل.
نحو اختصار الأول ثانيا، مع جمود القريحة بصرّ البليات، وخمود الفطنة بصرصر النكبات،
…
===
(وقوله: نحو) ظرف ل" ثانيا" بعده، معناه: الجهة.
(قوله: مع جمود القريحة) حال من فاعل" انتصبت" أو من" شرح"، والجمود بالجيم: عدم السيلان، استعير هنا لضعف القريحة أى عدم انبساطها وعدم توغلها فى المدارك، بجامع قلة الانتفاع إلا بعد تكلف، أو أنه شبه القريحة بماء على طريق المكنية، وإثبات الجمود تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار لضعف الفطنة، والقريحة فى الأصل اسم لأول مستنبط من ماء البئر استعير لأول ما يستنبط من العلم أو لما يستنبط منه مطلقا، بجامع أن كلّا منهما سبب للحياة، فالماء سبب لحياة الجسم، والعلم سبب لحياة الروح، ثم أطلق على العقل؛ لأنه محل العلم أو بعضه- أى بعض ضروريّه، على مذهب إمام الحرمين (1) - مجازا مرسلا علاقته الحالية أو الكلية، أو استعارة ثم صار إطلاقه عليه حقيقة عرفية.
(قوله: بصرّ البليات) أى: بسبب البليات التى كالصر، وهو برد شديد يضر بالنبات ويجمد الماء.
(قوله: وخمود الفطنة) الخمود- بالخاء المعجمة-: سكون لهب النار، والفطنة فى الأصل: الفهم، والمراد بها هنا الذهن بمعنى العقل، إما مجازا مرسلا علاقته الحالية، أو حقيقة عرفية، ولا يخفى ما فى الكلام من الاستعارة بالكناية حيث شبه فطنته بالنار بجامع الانتشار فى كل؛ لأن الفطنة تنتشر فى المدارك كما أن النار تنتشر فى الحرق، والخمود تخييل.
(قوله: بصرصر النكبات) الصرصر: الريح الشديدة العاصفة، وإضافته للنكبات بمعنى المصائب وحوادث الدهر من إضافة المشبه به للمشبه، أى: بالنكبات الشبيهة بالريح
(1) هو عبد الله بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيويه الجويني، ويكنى بأبى المعالى، ولد سنة 419 هـ، كان له معرفة تامة بالفقه والأصول والنحو والتفسير والأدب، ومن مؤلفاته: الإرشاد والورقات فى أصول الفقه، ونهاية المطالب فى دراية المذاهب، وله فى أصول الدين: " الشامل فى أصول الدين، توفى سنة 478 هـ.
انظر: مقدمة غياث الأمم، بتحقيق د/ مصطفى حلمى وفؤاد عبد المنعم محمد.
وترامى البلاد بى والأقطار، ونبوّ الأوطان عنى والأوطار، حتى طفقت أجوب كل أغبر قاتم الأرجاء، وأحرر كل سطر منه فى شطر من الغبراء
…
===
العاصفة المزيلة للهب النار، كما أن النكبات مزيلة لانتشار الفطنة فى المدارك، ولا يخفى ما فى جميع هذه الألفاظ- أى الجمود والصر والخمود والصرصر- من اللطافة؛ لما فيه من مراعاة النظير، وهو الجمع بين الشىء وما يناسبه لا بالتضاد؛ لأن البرد يناسبه الجمود؛ لأن به يحصل جمود الماء، والريح العاصفة تناسب الخمود؛ لأنها لشدتها تذهب النار، وفى إضافة الجمود إلى القريحة والخمود إلى الفطنة، المفضية إلى تشبيه طبيعته العقلية بالماء، إشارة إلى جودتها واعتدالها بأخذها طرفى الحرارة والبرودة، ولا يرد أن المقام للتّشكّى، وهو لا يكون بما يحمد؛ لأن الجودة باعتبار الأصل، والتشكى باعتبار ما عرض من الجمود والخمود.
(قوله: وترامى البلدان) أى: ومع ترامى- أى رمى- كل بلدة بى الأخرى، ورمى البلد له: طرده إياه، وهو كناية عن تكدر خاطره فى ضيق المعاش، وعدم استقراره فى محل؛ لتلبسه بالأسفار، فهو لعدم وجود راحته فى تلك البلاد الخارج منها صار كأن كل بلدة تطرده للأخرى، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه البلدان والأقطار بعقلاء على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الترامى تخييل، أو فى الكلام حذف مضاف، أى: ترامى أهل البلدان، والأقطار جمع قطر، وهو مجموع بلاد كثيرة، ولما كان لا يلزم من ترامى البلاد له ترامى الأقطار عطف الأقطار على البلدان.
(قوله: ونبو) أى ومع نبو- أى بعد- الأوطان عنى والأوطار، أى ومع نبو الأوطار جمع وطر بمعنى الحاجة، ومن لوازم ذلك القلق وعدم الفهم. وإنما بعدت أوطانه وأوطاره بسبب سفره المانع من نيلهما عادة.
(قوله: حتى طفقت) غاية لنبو الأوطان، وطفقت بمعنى:
جعلت، أى أنه لما بعدت عنى الأوطان انتهى بى الحال إلى أن جعلت أجوب أى: أقطع، ويحتمل أن" حتى" تفريعية على و" ترامى"
…
إلخ.
(قوله: كل أغبر) أى: كل مكان أغبر أى:
ذى غبرة.
(قوله: قاتم الأرجاء) جمع رجا بالقصر بمعنى: الناحية، أى مظلم النواحى بتلك الغبرة.
(قوله: وأحرر) أى: أهذب وأخلص.
(قوله: كل سطر منه) أى من هذا الشرح المختصر.
(قوله: فى شطر من الغبراء) أى: فى قطعة من الأرض، فالتحرير ليس
يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال
…
عذيب يوما ويوما بالخليصاء
ولما وفّقت بعون الله للإتمام وقوضت عنه خيام الاختتام، بعد ما كشفت عن وجوه خرائده اللثام،
…
===
متواليا حتى يكون مستقيما، وبين سطر وشطر الجناس المضارع لاختلافهما بحرفين متقاربى المخرج.
(قوله: يوما بحزوى) أى: وصار حالى فى هذه الأسفار- من جهة عدم الانتظار بجامع التنقل- كحال القائل: يوما أكون بحزوى وأكون يوما آخر بالعقيق، وأكون بالعذيب يوما وأكون يوما بالخليصاء، وهذه الأربعة أسماء مواضع بالحجاز، والقصد من تشبيه حاله بحال هذا الشاعر الاعتذار بأنه ألف كتابه هذا فى حالة متعبة، فإن حصل منه هفوة فلا لوم عليه.
(قوله: بعون الله) العون اسم مصدر بمعنى الإعانة، والباء للتصوير لا للسببية؛ لئلا يلزم سببية الشيء لنفسه؛ إذ الإعانة جعل الله فيه قوة، وهو عين التوفيق، إلا أن تكون متعلقة بالإتمام، ولا يضر تقدم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا على ما اختاره الشارح. (وقوله: للإتمام) أى: إتمام هذا المختصر، وفيه إشارة إلى أن الخطبة متأخرة عن تأليف هذا الشرح المختصر.
(قوله: وقوضت) بالقاف والواو المشددة من التقويض، وهو نقض البناء من غير هدم، استعير للإزالة، ففى" قوضت" استعارة تبعية أو مجاز مرسل تبعى؛ لأن تقويض البناء يلزمه إزالته.
(قوله: خيام الاختتام) من إضافة المسبّب إلى السبب، أى: الخيام المضروبة عليه بسبب اختتامه أى انتظار إتمامه، ولا يخفى ما فى الكلام من تشبيه الشرح قبل ختمه بشىء نفيس كعروس مستتر فى الخيام على طريق المكنية، وإثبات الخيام تخييل، والمراد من هذا الكلام: ولما وفقت لإتمامه وأظهرته للناس بعد أن كان مخفيّا قبل ذلك الإتمام، كما هو عادة المؤلفين. واعلم أن هذه النسخة هى المصححة بتصحيح الشارح، ولو قال:
" خيام الختام" لكان أولى؛ لأن فيه جناس التصحيف، وفى بعض النسخ:(وقوضت عنه خيامه بالاختتام) أى بسبب حصول الاختتام بالفعل؛ لأن تقويض الخيام وإزالة الخفاء مسبّبة عن الاختتام؛ لأن الشرح قبل الاختتام كان مستورا فلما حصل الاختتام ظهر للطالبين، وفى بعضها:(وفضضت عنه ختامه بالاختتام) على تشبيهه قبل الاختتام بمكتوب ختم بنحو شمع فأزيل بسبب الاختتام ختامه ليطلع عليه الطالبون.
(قوله: بعد ما كشفت
…
إلخ)
ووضعت كنوز فرائده على طرف الثمام
…
===
متعلق بقوله: " قوضت"، والخرائد: جمع خريدة وهى الحسناء من النساء، استعارها للدقائق من المسائل بجامع الحسن والاحتجاب فى كلّ على طريق الاستعارة المصرّحة، و" اللثام": وهو ما يجعل على الفم من النقاب وكذلك" الوجوه" ترشيحان للاستعارة، ثم إن اللثام يجوز أن يكون باقيا على حقيقته لم يقصد به إلا تقوية الاستعارة، وكذلك الوجوه، ويجوز أن يكون استعار اللثام للخفاء، أو استعمله فى لازمه وهو الخفاء، واستعار الوجوه لأعظم تلك الدقائق استعارة مصرحة، وحينئذ فالمعنى: وأزلت عن أدق وأشرف مسائله الدقيقة الخفاء وألبستها ثوب الإيضاح.
(قوله: ووضعت) أى وبعد ما وضعت كنوز فرائده، الكنوز: جمع كنز بمعنى مكنوز، وإضافته للفرائد من إضافة الصفة للموصوف أى: فرائده المكنوزة، أى التى شأنها أن تكنز وتخبأ لعزتها كما هو الشأن فى الأموال العزيزة، والفرائد: جمع فريدة وهى فى الأصل الدرة الثمينة أى ذات الثمن الكثير التى تحفظ فى ظرف على حدة، ولا تخلط بغيرها من اللآلئ لشرفها، والمراد بها هنا المسائل الدقيقة، شبه المسائل الحسان الدقيقة بالفرائد، واستعار الفرائد لها استعارة مصرحة.
(قوله: على طرف الثمام) متعلّق ب" وضعت"، والمراد بطرفه حده الأعلى، والثمام- بضم الثاء وفتحها-: نبت لطيف سهل التناول، وما كان على طرفه يكون سهل التناول، والمراد من هذا الكلام أنه أتى بألفاظ سهلة يفهم منها المعنى بلا مشقة، فشبه الهيئة المنتزعة من بيان المراد بالألفاظ السهلة بالهيئة المنتزعة من حال فرائد موضوعة على طرف الثمام بجامع سهولة التناول، واستعير المركب الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو الكلام كناية عن سهولة أخذها وتحصيلها وتيسر طريق الوصول إليها؛ لأنه يلزم من وضعها على طرف الثمام ما ذكر من سهولة الأخذ والتحصيل، ويجوز أن يكون المراد بطرف الثمام حالته، وحينئذ فيكون الظرف متعلقا بمحذوف حالا، أى: وضعت وألفت فرائده المكنوزة وضعا وتأليفا آتيا على حالة الثمام من سهولة التناول، وعلى هذا الاحتمال فليس فى الكلام تجوّز ولا استعارة.
سعد الزّمان وساعد الإقبال
…
ودنا المنى وأجابت الآمال
وتبسم فى وجه رجائى المطالب، بأن توجهت تلقاء مدين المآرب،
…
===
(قوله: سعد الزمان) أى: بظهور الخير فيه، وإسناد السعد للزمان مجاز عقلى أى: سعدت فى زماني، وهو جواب" لما".
(قوله: ساعد الإقبال) أى: وساعدنى إقبال الناس على تحصيل أغراضي؛ لأن من أعرض الناس عنه تعسر عليه تحصيل مطلوبه، ومن أقبل الناس عليه يسهل عليه تحصيل مطلوبه، وإسناد المساعدة للإقبال مجاز عقلى؛ لأن حق المساعدة أن تسند للناس لا لإقبالهم.
(قوله: ودنا المنى) أى: قرب ما أتمناه بظهور أمارته بعد أن كان بعيدا.
(قوله: وأجابت الآمال) جمع أمل، وهو ما يؤمله الشخص ويترجاه أى أن آماله أجابته وحصلت له بعد أن كانت ممتنعة، وإسناد الإجابة للآمال مجاز عقلى إذ الحقيقة أجابنى الله فى آمالى بأن حصل لى ما أؤمله أو أنه شبه الآمال بشخص يجيب بعد الطلب بجامع النفع فى كل، وأجاب تخييل.
(قوله: وتبسم) عطف على" سعد"، و" المطالب" فاعله، وشبّه المطالب بإنسان مرغوب فيه العطاء، لا يقابل سائله إلا بالبشر والتبسم، وشبه الرجاء بإنسان طالب استعارة بالكناية فيهما، وإضافة الوجوه إلى الرجاء، والتبسم إلى المطالب تخييل، وتبسم المطالب فى وجه الرجاء كناية عن إقبال المطالب بعد اليأس منها.
(قوله: بأن توجهت) سبب للأفعال الخمسة قبله، والمسبب مع سببه مرتبان على الشرط، وهو التوفيق أى إنى لما وفقت للإتمام سعد الزمان وساعد الإقبال ودنا المنى
…
إلخ؛ بسبب توجهى فاندفع ما يقال: إنه قد جعل السبب فى الأفعال الخمسة التوفيق المتقدم لتعلقها به حيث قال: " ولما وفقت
…
إلخ سعد الزمان
…
إلخ، وهنا قد جعل السبب فيها التوجه المذكور أو يجاب بأن" لما" هنا ليست للتعليق بل لمجرد الزمان بمعنى حين لدخولها على الماضى أو يقال
…
إنها للتعلق وجوابها" سعد" وما بعده وأما قوله: " بأن توجهت" فهو سبب لقوله: " وتبسم
…
إلخ" وحده، ولا يخفى عليك ما فى كلام الشارح من حسن التخلص.
(قوله: تلقاء مدين المآرب) أى: جهة مدين التى هى موضع لاجتماع المآرب أى: المقاصد ثم إن مدين فى الأصل اسم لقرية شعيب- على نبينا وعليه أفضل- الصلاة والسّلام-
حضرة من أنام الأنام فى ظل الأمان، وأفاض عليهم سجال العدل والإحسان،
…
===
استعيرت هنا للملك الموصوف بالأوصاف الآتية بجامع أن كلا منهما مكان لحصول المآرب، فالمعنى تلقاء ملك شبيه بمدين بجامع أن كلّا منهما مكان لحصول المقاصد، واعترض بأن مدين علم، والأعلام لا تصح استعارتها. قلنا: استعارتها للملك بعد تأويلها بكل وهو موضع اجتماع المطالب كما قالوه فى حاتم ولا يخفى ما فى قوله" بأن توجهت
…
إلخ" من التلميح لقصة موسى مع شعيب حيث توجه له موسى ناحية مدين وحصل له المقصود فيها.
(قوله: حضرة) بدل من مدين والحضرة فى الأصل مكان الحضور أطلقت على الملك نفسه مجازا من باب إطلاق المحل على الحال، ولا شك أن ذات الملك مكان لحصول المآرب وصدورها.
(قوله: من أنام الأنام) أى: الخلق أى جعلهم نائمين.
(قوله: فى ظل الأمان) أى: فى الأمان الشبيه بالظل فى الارتياح بكل أو أنه شبّه الأمان ببستان ذى ظل على طريق المكنية وإثبات الظل تخييل، و" أنام" ترشيح أو أنه أطلق الظل وأراد به لازمه وهو الراحة؛ لأنه يقتضيها عادة أى: من صير الخلق نائمين فى راحة الأمان.
(قوله: وأفاض) أى: أنزل بكثرة من أفاض الماء فى الحوض أنزله فيه حتى فاض ونزل من جوانبه استعارة ل" أظهر"، والسجال: جمع سجل اسم للدلو الممتلىء ماء، فإن كان الدلو خاليا عن الماء قيل له: غرب، وإضافة السجال لما بعده من إضافة المشبه به للمشبه أى: وأظهر فيهم العدل والإحسان الشبيهين بالدلاء الممتلئة بالماء بجامع أن كلّا منهما به حياة النفس؛ لأن الدلو المذكور به حياة النفس من حيث الماء الذى فيه، وكذا العدل والإحسان بهما حياة النفس الكاملة؛ لأن الناس عند كثرة الظلم يكونون فى حكم الأموات، وإن كانوا أحياء، و" أفاض" ترشيح للتشبيه مستعار ل" أظهر" كما علمت، أو أنه شبه العدل والإحسان بماء بجامع الإحياء تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، و" السجال" تخييل أو أنه شبه حال الملك مع رعيته فى كثرة عدله وإحسانه إليهم بحال السجل المفاض ماء ليرتوى به، واستعمل المركب الدال على الثانى
وردّ بسياسته الغرار إلى الأجفان، وسدّ بهيبته دون يأجوج الفتنة طرق العدوان، وأعاد رميم الفضائل والكمالات منشورا،
…
===
فى الأول على طريق الاستعارة التمثيلية.
(قوله: بسياسته) السياسة: التدبير وحسن التصرف فى أمور الرعية، و" الغرار"- بكسر الغين المعجمة وبالراء المهملة- بمعنى النوم، والأجفان: جمع جفن وهو ما يحيط بالعين من أعلى وأسفل وهذا كناية عن كثرة الأمن والرفاهية فى زمنه التى يكون معها النوم وعدم المقاتلة بين الرعية الذى كان مفقودا قبل زمانه، والحاصل أن الأجفان قبل وجوده كانت خالية عن النوم، ومن لوازم ذلك حصول المشقة، ولما وجد هذا السلطان رد النوم للعين، ومن لوازم ذلك حصول الراحة، ويطلق الغرار أيضا على حد السيف، والجفن على غمده، ويصح إرادة ذلك هنا أى: أنه أرجع السيوف إلى أغمادها بعد ما كانت مسلولة زمن الفتنة بإطفائه نارها بحسن سياسته، ففى الغرار والجفن على هذا إيهام، وما أحسن قول بعضهم:
بين السّيوف وعينيه مشاكلة
…
من أجلها قيل للأغماد أجفان
(قوله: وسد بهيبته) أى: بسبب هيبته، والهيبة: حال يقوم بالشخص يوجب خوف الناس منه، والمراد به هنا لازمه، وهو الخوف منه، وقوله:" دون" ظرف بمعنى أمام.
(قوله: يأجوج الفتنة) من إضافة المشبه به للمشبه أى: الفتنة التى هى فى فسادها وكثرتها شبيهة ب" يأجوج". (وقوله: طرق العدوان) مفعول" سدّ"، والعدوان:
التعدى والظلم، وطرقه أسبابه، والمراد بالعدوان الفتنة؛ فهو إظهار فى محل الإضمار أى:
وسدّ بهيبته أمام الفتنة الشبيهة ب" يأجوج" طرقها، وحاصله: أن الفتنة كانت قادمة ومتوجهة على الرعية فسدّ هذا السلطان طرق التعدى قدامها فلم تصل للرعية.
(قوله: وأعاد رميم الفضائل) الرميم هو العظم البالى، والفضائل: جمع فضيلة، وهى ما يمدح به الإنسان من الأخلاق، والكمالات: جمع كمال، فهو أعم من ذلك؛ فهو ما يمدح به الإنسان من الأخلاق أو غيرها كالعلم، فشبه" الفضائل" و" الكمالات" بالموتى فى ذهابها واضمحلالها منذ أزمان على طريق الاستعارة بالكناية، وأضاف إليها العظام الرميمة أى: البوالى تخييلا، ونسب إلى الممدوح أنه أعادها منشورة أى: مبعوثة بعد موتها
ووقع بأقلام الحظيات على صحائف الصفائح لنصرة الإسلام منثورا، وهو السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم،
…
===
ترشيحا، ويصح أن تكون الإضافة بمعنى من أى الرميم من الفضائل والكمالات، وعلى هذا فيكون" الرميم" استعارة للمضمحل من الفضائل، والكمالات من الميت المتجوز إليه بالرميم عن العظم البالى، فهو مجاز على مجاز، وهذا أوفق بقوله:" منشورا"؛ فإن النشر للميت جميعه لا لعظمه فقط، ويصح أن يكون من إضافة الصفة للموصوف، فالرميم استعارة كما مر أو من إضافة المشبه به للمشبه، وعلى هذا فالرميم حقيقة.
(قوله: ووقع) التوقيع فى الأصل الكتابة أريد بها لازمها وهو التأثير، وإضافة" أقلام" إلى" الحظيات" من إضافة المشبه به للمشبه أى: الحظيات التى كالأقلام فى التأثير بها، و" الحظيات"- بضم الحاء بعدها ظاء مشالة ثم ياء مشددة- جمع حظية بالتصغير سهم صغير قدر ذراع ليس فيه نصل، فإن كان فيه نصل قيل له: حظوة بفتح الحاء، وقد تضم، و" الصفائح" جمع صفيحة- بتقديم الفاء- سيوف أعدائه العراض، وإضافة" الصحائف" جمع صحيفة- بتقديم الحاء- بمعنى الورقة إلى" الصفائح" من إضافة المشبه به للمشبه أى: الصفائح التى كالصحائف بجامع أن كلّا يؤثر فيه غيره، وقوله:" لنصرة الإسلام" متعلق ب" وقع"، والمنثور فى الأصل الكلام المكتوب أريد به لازمه وهو التأثير، والمعنى: أن هذا الممدوح أثّر بالسهام الصغيرة الشبيهة بالأقلام فى سيوف أعدائه العريضة الشبيهة بالأوراق تأثيرات وتكسيرات ككتابة كلام منثور، واختار الشارح التعبير بالحظيات دون الحظوات ودون السهام؛ إشارة لقوة ذلك الملك حيث يقمع الأعداء بالسهام الصغيرة التى لا نصل لها، وتخصيص المنثور بالذكر؛ لأنه أغلب من النظم، وهذا الكلام كناية عن إبطال آلات أعدائه وإضعاف قواهم وعزمهم، وفيه من المبالغة فى مدحه وذم أعدائه ما لا يخفى حيث جعل لأضعف آلاته التأثير فى أقوى آلات أعدائه فما بالك بأقوى آلاته وأضعف آلاتهم، وبين" الصحائف" و" الصفائح" الجناس المقلوب.
(قوله: السلطان) من السلاطة، وهى القهر.
(قوله: الأعظم) أى: لا وزيره.
(قوله: مالك رقاب الأمم) أى: ذواتهم، وإنما عبّر ب" الرقاب"؛ لأن أثر الملك يظهر غالبا فيها
ملاذ سلاطين العرب والعجم، ملجأ صناديد ملوك العالم، ظل الله على بريته وخليفته في خليقته، حافظ البلاد، وناصر العباد، ما حى ظلم الظلم
…
===
لأن العبد غالبا يخضع لسيده بعنقه، والمراد بكونه مالكا لهم أنه أمالهم إليه بالإحسان إليهم، والقهر لهم وإلا فهم أحرار، و" الأمم" جمع أمة تطلق على الجماعة وعلى المفرد.
(قوله: ملاذ) أى: مفزع سلاطين العرب والعجم فى دفع ما لا يطيقون، وبين" العرب" و" العجم" التضاد؛ فالجمع بينهما جناس الطباق.
(قوله: ملجأ صناديد
…
إلخ) أى: مهرب الشجعان من الملوك الكائنين فى العالم، فهو لزيادة شجاعته على شجاعتهم يهربون إليه عند اشتداد الأمر عليهم.
(قوله: ظل الله) تسميته ظلّا؛ لأنه يلجأ إليه كما يلجأ إلى الظلّ من الحرّ، ففيه استعارة مصرحة حيث شبه السلطان ب" ظل"؛ لأن كلا منهما يلجأ إليه لدفع الضرر؛ فالسلطان يلجأ إليه في دفع حوادث الدهر، والظل يلجأ إليه لدفع حر الشمس، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، وإضافة" الظل" إلى" الله"؛ لأنه البارئ له. واعلم أن الظلّ ظلمة تنشأ بخلق الله عند حجب الجرم الكثيف للنور عن الأرض، والظلمة كالنور عرضان قائمان بكرة الهواء.
(قوله: وخليفته فى خليقته) الخليفة فى الأصل كل من خلف غيره فى أمر من الأمور ثم جعل اسما لمن خلف غيره فى الملك أى: أنه أعطاه الله قوة وعدلا يحكم به فى العباد فقد خلف المولى بحسب الظاهر.
(قوله: حافظ البلاد) أى أهل البلاد من الشرور، ويحتمل أنه حامى نفس البلاد، وأنه لولا هو لخربت.
(قوله: وناصر العباد) ممن يتعدى عليهم بالظلم، والمراد:
العباد المؤمنين والداخلين تحت ذمته من الكفار.
(قوله: ما حى ظلم الظلم) الكلمة الأولى جمع ظلمة، والثانية مفرد بمعنى التصرف فى ملك الغير بغير حقّ، والإضافة من قبيل إضافة المشبه به للمشبه أى ما حى الظلم الذى كالظلم فى القبح وعدم الاهتداء، وفى تشبيه الظلم ب" الظلم" إشارة إلى أن ذلك الظلم الذى محاه وأزاله كان كثيرا، ويحتمل أنه شبه الظلم بالليل تشبيها مضمرا فى النفس،
والعناد، رافع منار الشريعة النبوية، ناصب رايات العلوم الدينية، خافض جناح الرحمة لأهل الحق واليقين،
…
===
و" الظلم" تخييل، وبين" الظلم" و" الظلم" الجناس المصحف شكلا، وأما بين" خليفته" وخليقته فالجناس المصحف لفظا أو المضارع
(قوله: والعناد) قيل: هو الميل عن الحق، وعدم الانقياد إليه، وقيل: هو المكابرة أى إنكار الحق بعد العلم به.
(قوله: رافع منار الشريعة إلخ)" الشريعة" هى الأحكام الشرعية شبهت بمسجد على طريق المكنية، و" المنار" تخييل أو أن رفع منار الشيء يستلزم إظهار الشيء، فأطلق اسم الملزوم وأريد اللازم، والمعنى: أن الشريعة بعد أن كانت مهملة تقريرا أو عملا رفع شأنها وأظهرها بكثرة تقريرها، وحمل الناس على العمل بها أو أنه شبّه أدلة الشريعة ب" منار"، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق المصرحة، وحينئذ فالمراد أن أدلة الشريعة انخفضت، وهذا الملك رفعها بالتفات الناس إليها.
(قوله: ناصب رايات
…
إلخ) المراد بنصبها رفعها، و" الرايات" جمع راية؛ بمعنى العلم، وإضافة" رايات" للعلوم من إضافة المشبه به للمشبه أى: أنه رافع للعلوم الدينية التى هى كالرايات بجامع أن كلّا بهجة لأهله، أو شبّه العلوم الدينية بجيش عظيم بجامع حصول المقصود بكل استعارة مكنية، و" الرايات" تخييل.
(قوله: خافض جناح
…
إلخ) فى ضمير" خافض" استعارة بالكناية شبّه الملك بطائر يخفض جناحه على أفراخه بجامع الشفقة والحنو تشبيها مضمرا فى النفس، و" الجناح" تخييل، و" الخفض" ترشيح، والأول مستعار للجانب، والثانى للين، وإضافة" جناح" إلى" الرحمة" لمجرد الملابسة إذ الرحمة التى هى سبب لخفض ملابسة للجناح، والمعنى: خافض جناحه الملابس للرحمة لأهل الحق أى: لأجلهم أو عليهم، و" الحق" على أنه مصدر مطابقة الواقع للكلام، وعلى أنه صفة مشبهة الكلام الذى طابقه الواقع، واليقين هو الاعتقاد الجازم عن دليل، والمعنى: أنه خافض جناحه الملابس للرحمة لأجل العلماء الذين كلامهم مطابق للواقع، ومعتقدين ما يقولون اعتقادا جازما عن دليل، وأما أهل الكبر والمعاصى فيتكبر عليهم بمعنى أنه يعرض عنهم وينكر عليهم حالهم، وليس المراد أنه يعظم نفسه عليهم.
مادّ سراد (1) الأمن بالنصر العزيز والفتح المبين:
كهف الأنام ملاذ الخلق قاطبة
…
ظلّ الإله جلال الحقّ والدّين
أبو المظفر السلطان محمود جانى بك خان، خلد الله سرادق عظمته
…
===
(قوله: سرادقات) جمع سرادق، وهو الخيمة التى تمد فوق صحن الدار لأجل دفع حر الشمس مثلا، وإضافة" السرادق" للأمن من إضافة المشبه به للمشبه، والجامع اندفاع الضرر مع كل، " والمدّ" ترشيح أو شبّه" الأمن" بدار بجامع الحفظ، واندفاع الضرر فى كل تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، و" السرادق" تخييل، و" ماد" ترشيح مستعار ل" مجدد".
(قوله: بالنصر) أى: الحاصل ذلك الأمن بالنصر على الأعداء.
(قوله: العزيز) الذى لم يحصل نظيره لأحد من السلاطين.
(قوله: المبين) أى: البين الواضح لكل أحد، وهو من أبان بمعنى بان بمعنى ظهر واتضح، والمراد ب" الفتح": فتح بلاد العدو.
(قوله: كهف الأنام) أى: ملجؤهم، و" الكهف" فى الأصل هو غار الوحش فى الجبل؛ شبّه السلطان بكهف بجامع الالتجاء إلى كل، فالسلطان يلجأ إليه أهل مملكته، والكهف يلجأ إليه الوحش، واستعير اسم المشبه به للمشبه.
(قوله: ملاذ) أى:
ملجأ، وقوله:" قاطبة" بمعنى جميعا.
(قوله: جلال الحق) أى عظمة الحق، وقد مرّ معناه، وقوله:" والدين" أى: وجلال الدين وعظمة الأحكام الشرعية مبالغة على حد زيد عدل، والمراد: أن الحق والدين يعظمان بسببه فى صدور الخلق، وهما بدون ذلك الملك حقيران.
(قوله: أبو المظفر) كنيته، (وقوله:" محمود") اسمه، وأعاد لفظ السلطان مع تقدمه فى قوله:" وهو" السلطان الأعظم" تأدبا؛ لأنه يستقبح عادة أن يؤتى باسم السلطان من غير أن يلصق بجانبه وصفه بالسلطنة.
(قوله: جانى بك خان) لقبه، ومعناه بالفارسية: روح كبراء السلاطين؛ لأن" جانى" معناه: روح، " وبك"- بفتح الباء وسكون الكاف- معناه: كبير، و" خان" معناه: السلطان، ويراد من" بك" و" خان" الجمع كما قلنا
(قوله: سرادق عظمته) أى: خيمة عظمته، فشبّه" العظمة" ب" ملك" تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، وإثبات" السرادق" بمعنى الخيمة تخييل أو أن إضافة" السرادق" للعظمة من إضافة المشبه به للمشبه أى:
(1) كذا في المطبوعة، وفي شرح الدسوقي:(سرادقات).
وجلاله، وأدام روى نعيم الآمال من سجال إفضاله، فحاولت بهذا الكتاب التشبث بأذيال الإقبال، والاستظلال بظلال الرأفة والإفضال؛
…
===
أدام الله عظمته وجلاله اللذين هما كالسرادق فى الارتياح والالتجاء لكل، و" الجلال" مرادف للعظمة.
(قوله: وأدام روى (1)
…
إلخ) الروى- بالكسر والقصر- بمعنى الارتواء، وقوله:" نعيم" بمعنى: تنعم، وفيه استعارة بالكناية حيث شبهه بزرع أو إنسان يرتوى، وإثبات الروى تخييل، و" سجال" ترشيح، وقوله:" الآمال" على حذف مضاف أى: نعيم أهل الآمال أو أن إسناد" التنعم" للآمال مجاز عقلى إذ المتنعم أهلها، وقوله:" من سجال" متعلق ب" روى"، وفى إفضاله استعارة بالكناية حيث شبهه ب" ماء" بجامع الإحياء، و" سجال" تخييل، ويصح أن تكون إضافة" الروى" للنعيم من إضافة المشبه به للمشبه، وكذلك إضافة" السجال" للإفضال أى: أدام الله تنعم أهل الآمال الشبيه بالارتواء من إفضاله الشبيه ب" السجال" أى: دلو الماء بجامع الفيضان فى كل، ويصح أن تكون إضافة" نعيم" ل" أهل" الآمال" من إضافة الصفة للموصوف أى: أدام: الله ارتواء أهل الآمال المنعمة من سجال الإفضال، هذا كله على كسر الراء من" روى"، وقصره، ويصح فتح الراء مع المد، ومعناه: الماء العذب، وضم الراء مع المد أيضا، ومعناه: المنظر الحسن وعليهما تكون إضافة رواء ل" نعيم" بمعنى التنعم من إضافة المشبه به للمشبه أى: أدام الله تنعم أهل الآمال الشبيه بالماء العذب أو المنظر الحسن بجامع الاشتياق لكل، من إفضاله الشبيه بالسجال، والوجه الأول- أعنى: كسر الراء مع القصر- أقرب للتعبير ب" السجال".
(قوله: فحاولت) هذا مفرع على محذوف أى: توجهت تلقاء مدين فلما وجدته بتلك الصفات المذكورة حاولت أى: رمت، وقصدت بسبب هذا الكتاب التشبث أى: التعلق بأذيال إقباله، شبّه إقبال السلطان عليه بثوب إنسان، من استمسك بأذياله: بلغ المراد على طريق المكنية، و" الأذيال" تخييل و" التشبث" ترشيح.
(قوله: والاستظلال) أى: وحاولت الاستظلال بظلال الرأفة، وهى شدة الرحمة، و" الإفضال" الإحسان، وإضافة" الظلال" للرأفة من إضافة المشبه به للمشبه أى: الاستظلال برأفته ورحمته الشبيهين بالظلال بجامع الالتجاء، و" الاستظلال" ترشيح للتشبيه أو أنه شبّه الرأفة والإفضال ببستان على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات" الظلال" تخييل.
(1) في الأصل: روا (بالألف) وكذا في كل المواضع بعدها، والمثبت هو الصحيح في قياس الخط.
فجعلته خدمة لسدته التى هى ملتثم شفاه الأقيال، ومعول رجاء الآمال، ومبوأ العظمة والجلال؛ لا زالت محط رحال الأفاضل، وملاذ أرباب الفضائل، وعون الإسلام، وغوث الأنام،
…
===
(قوله: فجعلته) الفاء للسببية أى: فبسبب هذا القصد جعلته أى: هذا الشرح المختصر، وقوله:" خدمة" أى: ذا خدمة أو خادما إذ الخدمة السعاية فى مراد المخدوم.
(قوله: لسدته) هى العتبة فى الأصل، والمراد بها هنا الذات فلا حاجة لتقدير صاحب فيما يأتي، وأما إن بقيت على معناها الأصلى فنحتاج إلى تقدير صاحبها فيما يأتي، وقوله:" ملتثم" أى: محل التثام، و" الشفاه" جمع شفة، و" الإقيال" جمع قيل- بفتح القاف وسكون الياء- وهو فى الأصل ملك حمير- قبيلة باليمن- والمراد به هنا مطلق ملك، وإذا كانت تلك السدة أى: العتبة ملتثما للملوك، فهى ملتثم لغيرهم بالأولى أى:
أن هذه العتبة شأنها أن يقبلها الملوك وغيرهم لعظم صاحبها.
و(قوله: معول) أى: والتى هى معول أى معتمد رجاء الآمال؛ شبّه الآمال بأشخاص طالبين استعارة بالكناية، و" الرجاء" تخييل أى: أن ما ترجوه الآمال وتطلبه لا يعول فى تحصيله على أحد إلا على هذه السدة، أو الكلام على حذف مضاف أى: معول رجاء أهل الآمال، وحينئذ فلا استعارة.
(قوله: ومبوأ العظمة) أى: والتى هى منزل العظمة والجلال ومحلهما، والعظمة والجلال إما بمعنى التعظيم والإجلال أو باقيان على حالهما، والمعنى: أن تلك السدة محل أقام فيه العظمة والجلال.
(قوله: لا زالت) أى تلك السدة بمعنى ذات الملك أو المراد لا زال صاحبها بناء على أن المراد بالسدة معناها الأصلى، وهو العتبة.
(قوله: محط رحال الأفاضل) أى: محالا لانحطاط رحال الأفاضل عند انتهاء أسفارهم لكونها مقصودهم فى ارتحالهم لطلب أفضالها.
(قوله: وملاذ) أى: ولا زالت ملاذا وملجأ لأصحاب الفضائل أى: الأخلاق الحميدة التى يتمدح بها. (قوله وعون الإسلام) أى:
ولا زالت معينة لأهل الإسلام بأن تجلب لهم كل نفع. (قوله وغوث الأنام) أى: ولا زالت مغيثة للأنام من حوادث الدهر، وفى دفع الضرر.
بالنبىّ وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسّلام.
فجاء بحمد الله كما يروق النواظر، ويجلو صدأ الأذهان، ويرهف البصائر، ويضىء ألباب أرباب البيان. ومن الله التوفيق والهداية، وعليه التوكل فى البداية والنهاية، وهو حسبى ونعم الوكيل.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
===
(قوله: بالنبيّ) متعلق بمحذوف أى: وأطلب ما ذكر حال كونى متوسلا بالنبيّ، ومن توسل به لم يخب.
(قوله: فجاء بحمد الله) عطف على قوله سابقا فانتصبت لشرح هذا الكتاب أى: فجاء هذا الشرح حال كونه ملتبسا بحمد الله.
(قوله: كما يروق) بضم الياء وسكون الراء وكسر الواو أى: يعجب أى: جاء حال كونه مشابها لشيء يروق، وإذا كان مثل الشيء الموصوف بهذه الصفات كان متصفا بها فكأنه قال: فجاء على حالة تعجب النواظر.
(قوله: صدأ الأذهان) شبّه" الأذهان" بشيء نفيس كذهب عليه صدأ تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، وإثبات" الصدأ" تخييل
(قوله: ويرهف) أى: يحد البصائر، وهو جمع بصيرة، وهى عين فى القلب، وشبّه" البصائر" بسيف غير حاد لا يقطع شيئا على طريق المكنية، وإثبات" يرهف" بمعنى يحد تخييل.
(قوله: ويضيء) أى: ينور عقول أرباب البيان بمعنى أنه يذهب ما فيها من الاسوداد، و" البيان" هنا يحتمل أن يراد به العلم الآتي، ويحتمل أن المراد به المنطق الفصيح المعرب به عما فى الضمير.
(قوله: ومن الله التوفيق) أى: والتوفيق والهداية أطلبهما من الله لا من غيره.
(قوله فى البداية) أى: فى ابتداء هذا التأليف وفى انتهائه.
(قوله: بسم الله الرحمن الرحيم) هذه الجملة يصح أن تكون خبرية باعتبار صدرها وهو أؤلف؛ لأن التأليف لا يتوقف تحققه فى الخارج على النطق بها بل يجوز حصوله خارجا ويكون ذلك اللفظ حكاية عما تحقق فى الخارج كما هو شأن الخبر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصادق، فإن قلت: إن كلا من مصاحبة الاسم والاستعانة به من تتمة الخبر؛ لأنه قيد ملاحظ فيه، والقيد محط القصد نفيا وإثباتا، وحينئذ فمقتضى الظاهر أن يلتفت للقيد وهو مستعينا، ولا شك أن الاستعانة يتوقف حصولها على النطق به، وحينئذ تكون الجملة إنشائية، وأجيب بأنهما وإن كانا من تتمة الخبر لكنهما ليسا بجزءين منه بل من متعلقاته الخارجة عن حقيقته وقيد فيه، وإن توقف مضمون الخبر المطلوب شرعا عليهما إلا أن ذلك التوقف لا يقتضى الجزئية كتوقفه على الحال فى نحو قامُوا كُسالى (1)، وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (2) والحاصل أن القيود وإن كانت محلا للقصد، لكنها لا تخرج عن كونها فضلات والذى يوصف بالخبر والإنشاء إنما هو العمد لأنها ركنا الإسناد، والمقصود بالذات إنما هو المسند والمسند إليه لكن يرد على هذا" متى ضربت" فإنها جملة إنشائية مع أن أداة الاستفهام فضلة، وحينئذ فلا يصح أن يقال: إن الذى يوصف بالخبر والإنشاء هو العمد، وأجيب بأن محل كون الفضلات لا ينظر إليها ما لم يكن لها تأثير، ومتى أثرت فى الجملة الإنشاء لكونها عريقة فى الاستفهام المنافى للخبر بخلاف الاستعانة مثلا فإنها لا تنافى الإخبار بالتأليف، وأجيب عن أصل الإشكال بجواب ثان، وهو أن المأخوذ من كلام المحققين أن المعتبر فى إنشائية الكلام وخبريته إنما هو صدره لا عجزه، وإن كان عمدة كما فى" زيد اضربه" فقالوا: إن هذه جملة خبرية نظرا إلى الصدر مع أن" اضربه" إنشاء وعمدة، فكيف بالعجز هنا مع كونه غير عمدة، ويحتمل أن تكون جملة البسملة إنشائية نظرا للعجز وهو الاستعانة؛ لأنه لا يتوقف حصولها على النطق بها، إن قلت: إن هذا العجز فضلة، والمنظور له فى الإنشائية والخبرية إنما هو العمدة قلت: قد نظروا هنا إلى أن القيود محط القصد ثم اعلم أن جعلها إنشائية باعتبار العجز متوقف على جعل إضافة اسم الله بيانية، ويقال: إن كل حكم ورد على اسم فهو وارد على مدلوله، وأما إن جعلناها حقيقية، وأن المراد بالاسم المسمى ومن الجلالة اللفظ، فلا يصح أن تكون إنشائية؛ لأن الاستعانة بالذات لا تتوقف
(1) النساء: 142.
(2)
الدخان: 38.