الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مقدمة) رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون؛
…
===
القول ولا الإخبار بل مجرد إنشاء المدح، ورد الجواب الثالث: بأن شرط عطف الفعل على الاسم أن يكون الاسم فى معنى الفعل كما فى قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (1) أى: فلق الإصباح، فلا يجوز: مررت برجل طويل ويضرب، إذا ليس الاسم فى معنى الفعل، وحسبى بدون اعتبار يحسبني، اسم ليس فى معنى الفعل، ورد الجواب الرابع: بأن القول بجوازه فيما له محل من الإعراب بدون تأويل. أى: للأولى بالإنشاء أو الثانية بالخبر عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولا يقال الشاهد للجواز فى قوله تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (2) فإن هذه الواو من الحكاية لا من المحكى أى: من كلام الله لا من كلام الصحابة الذين حكى الله كلامهم. أى: وقالوا: حسبنا الله، وقالوا: نعم الوكيل، أو مبتدأ. أى: قالوا حسبنا الله وهو نعم الوكيل، فمع وجود هذين الاحتمالين الظاهرين اللذين يكون عليهما العطف فى الآية من عطف الخبر على الخبر كيف تكون الآية شاهدا للجواز؟ اللهم إلا أن يقال:
إن التقدير خلاف الظاهر.
[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:
[المقدمه ما هي
؟ ]
(قوله: مقدمة) الأظهر أنه خبر لمحذوف. أى: هذه مقدمة ويحتمل أنها مبتدأ والخبر محذوف. أى: مقدمة أذكرها وفى كون أيهما أولى خلاف، ويصح قراءته بالنصب على أنها مفعول لفعل محذوف. أى: أذكر لك مقدمة، أو على نزع الخافض، لكنه سماعى، ويصح الجر بحرف محذوف إلا أنه شاذ، ويحتمل أن تكون مبتدأ وما بعدها خبر، أو خبر وما بعدها مبتدأ لتأويله بالمشروع فيه، ويحتمل أن تكون موقوفة لعدم تركبها مع عامل كأسماء العدد، ثم هى إما اسم للألفاظ أو المعانى أو النقوش أو للثلاثة أو الاثنين منها- احتمالات- والأقرب إنها اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعانى المخصوصة.
(قوله: رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون) اعترض
(1) الأنعام: 96.
(2)
آل عمران: 173.
لأن المذكور فيه إما أن يكون من قبيل المقاصد
…
===
بأن هذا لا يتم؛ وذلك لأن الخطبة من جملة المختصر فكان على الشارح أن يزيدها، وأجيب بأن المراد رتب ما هو المقصود من المختصر فى الجملة أى: سواء كان مقصودا بالذات كالفنون الثلاثة وما يتعلق بها من الأمثلة والشواهد، واعتراضات المصنف على السكاكى أو مقصودا بالتبع كالمقدمة فإنها مقصودة تبعا للعلم الذى ألف فيه المختصر للانتفاع بها فيه وحينئذ فخرجت الخطبة؛ لأنها ليست واحدا منهما (قوله على مقدمة) اعترض بأن الترتيب وضع كل شيء فى مرتبته وهو لا يتعدى بعلى، وأجيب بأنه ضمن الترتيب معنى الاشتمال تضمينا نحويا أى: جعل المختصر مشتملا على مقدمة، فالظرف على هذا لغو متعلق برتب، أو أنه ضمن الترتيب معنى الاشتمال تضمينا بيانيا، وهو جعل اسم فاعل الفعل المتروك حالا من معمول الفعل المذكور، فعلى هذا يكون الظرف مستقرا متعلقا بمحذوف حال. أى: رتب المصنف أجزاء المختصر أى: جعلها مرتبة بحيث يطلق عليها اسم الواحد حال كونه مشتملا على مقدمة، ثم إن ترتيب المختصر واشتماله على هذه الأمور الأربعة من ترتيب واشتمال الكل على أجزائه؛ لأن المختصر ألفاظ وكذلك المقدمة والفنون الثلاثة؛ لأن كلا منها اسم للقضايا الكلية التى هى القواعد والضوابط ومعلوم أنها ألفاظ لما مر أن القاعدة قضية كلية.
(قوله: لأن المذكور فيه) من ظرفية الأجزاء فى الكل؛ لأن المذكور فيه قضايا وقواعد وهى ألفاظ
(قوله: إما أن يكون إلخ) خبر أن بحذف مضاف إما مع الاسم. أى: لأن حال المذكور، أو مع الخبر أى: لأن المذكور فيه إما ذو أن يكون، أو يقال فرق بين المصدر الصريح والمؤول كما ذكره فى نحو هذا
(قوله: من قبيل المقاصد) أى بالذات، وإلا فالمقدمة مقصودة فى الفن، لكن تبعا وأقحم لفظ قبيل لإدراج الأمثلة والشواهد فى الفنون الثلاثة، ولو قال إما أن يكون من المقاصد لخرج ما ذكر؛ لأن المقاصد عبارة عن القواعد فقط.
والحاصل أن الأمثلة والشواهد والاعتراضات ليست من المقاصد وإنما هى مكملة لها، وحينئذ فهى من قبيلها ومن ناحيتها فأقحم لفظ قبيل لإدخالها فى المقاصد، ولعل فى الكلام حذفا والأصل إما أن يكون من المقاصد، أو من قبيلها تأمل.
فى هذا الفن، أو لا؛ الثانى: المقدمة، والأول: إن كان الغرض منه الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فهو الفن الأول، وإلا فإن كان الغرض منه الاحتراز عن التعقيد المعنوى فهو الفن الثانى، وإلا فهو الفن الثالث، وجعل الخاتمة خارجة عن الفن الثالث
…
===
ثم إن قوله لأن المذكور فيه إما أن يكون إلخ. هذا دليل عقلى على ما أدعاه من الحصر؛ لأن التردد بين النفى والإثبات عقلى، وهذا الدليل العقلى مؤيد بالاستقراء.
(قوله: فى هذا الفن) أى: المعهود وهو فن البلاغة وتوابعها
(قوله: الثانى المقدمة) قدم الثانى لقصر الكلام عليه؛ ولأن مفهومه عدمى وهو مقدم على الوجود، ثم إن حمل الثانى على خصوص المقدمة جاء من الاستقراء، فاندفع ما يقال لم لا يجوز أن يكون شيئا آخر، وحاصل الدفع أننا تتبعنا مقصود الكتاب فلم نجد غير المقدمة والفنون الثلاثة، وما قيل هنا يقال فى الثالث.
(قوله: فى تأدية المراد) أى: للبلغاء، والمراد بالمعنى المراد للبلغاء:
ما زاد على أصل المعنى من الأحوال التى يقصدها البليغ: كالإنكار، وخلو الذهن، فلو كان المخاطب ينكر قيام زيد، وأورد المتكلم له الكلام غير مؤيد بأن قال: زيد قائم، فقد أخطأ فى نفس تأدية المعنى المراد لتركه الواجب، وهو التأكيد الدال على حال المخاطب، وهو الإنكار الذى هو معنى مراد للبلغاء، وهذا الخطأ يحترز عنه بالفن الأول، وقوله: عن التعقيد المعنوى. أى: بأن تكون العبارة التى عبر بها يعسر الانتقال منها إلى المعنى المراد فإذا اقتضى الحال المجاز، وأورده المتكلم لكن مع التعقيد المعنوى: بأن أتى بعبارة صعبة خفية اللوازم كما لو قلت: رأيت أبخر فى الحمام مريدا به رجلا شجاعا بجامع مشابهته للأسد فى ذلك، فقد أصبت فى أصل تأدية المعنى المراد لكونه مطابقا لمقتضى الحال، ولكن أخطأت فى كيفية التأدية لكونك أتيت بالعبارة الخفية اللوازم، وهذا الخطأ يحترز عنه بالفن الثاني. فلو عبرت عن المقصود برأيت أسدا فى الحمام بجامع الجراءة لم يكن هناك خطأ فى كيفية التأدية لسهولة الانتقال
(قوله: وإلا فهو الفن الثالث) أى: وإلا بأن كان الغرض ليس الاحتراز أصلا بل إنما هو مجرد تحسين اللفظ وتزيينه فهو الثالث.
(قوله: وجعل الخاتمة إلخ) هذا جواب عما يقال حصر ترتيب المختصر
وهم كما سنبين إن شاء الله تعالى.
ولما انجر كلامه فى آخر هذه المقدمة إلى انحصار المقصود فى الفنون الثلاثة ناسب ذكرها بطريق التعريف العهدى بخلاف المقدمة؛
…
===
فى الفنون الثلاثة، والمقدمة غير حاصر إذ من جملة أجزاء الكتاب الخاتمة، فكان على الشارح ذكرها
(قوله: وهم) بفتح الهاء. أى: غلط والمراد به الخطأ؛ لأن الغلط إنما يستعمل فى خطأ اللسان وخطأ الذهن كما هنا لا يقال: فيه غلط بل خطأ
(قوله: كما سنبين) أى: فى أول الخاتمة نقلا عن المصنف فى الإيضاح أن الخاتمة من الفن الثالث.
قال الشارح هناك: ومما يدل على ذلك أن المصنف حصر فى آخر المقدمة أجزاء الكتاب فى الفنون الثلاثة، ولم يلتفت لذكر الخاتمة
(قوله: إلى انحصار المقصود) أى: بالذات.
(قوله: بطريق التعريف العهدى) أى: الذكرى. إن قلت: إن أل التى لتعريف العهد الذكرى ضابطها أن يتقدم ذكر لمدخولها، وما هنا ليس كذلك، إذ لم يسبق على العنوان فى التراجم تعبير بعنوان فن أول وفن ثان. وفن ثالث، وإنما الذى ذكره فى آخر المقدمة ما يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فهو علم المعاني، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى فهو علم البيان، وما يعرف به وجوه تحسين الكلام فهو علم البديع، ولا شك أن هذا العنوان غير عنوان الفن الأول، والفن الثانى، والفن الثالث، وحينئذ فلا يصح جعلها للعهد الذكرى، وأجيب بأن أل التى للعهد لذكرى يكتفى بتقدم ذكر مدخولها تقديرا كما هنا، وتوضيح ذلك أن المصنف لما أخبر فى آخر المقدمة أن علم البلاغة منحصر فى علم المعانى والبيان والبديع، وذكر أن واحدا يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وواحدا يحترز به عن التعقيد المعنوى، وواحدا يعرف به وجوه محسنات الكلام علم أنها فنون. أى: ضروب مختلفة، ومعلوم مما تقدم من قوله (لما كان علم البلاغة وتوابعها) إلى قوله (ألفت مختصرا) أن مقصود الكتاب منحصر فى علم البلاغة وتوابعها فحصل لنا مقدمتان: مقصود الكتاب منحصر فى علم البلاغة وتوابعها، وعلم البلاغة منحصر فى فنون ثلاثة: ينتج مقصود الكتاب منحصر فى فنون ثلاثة، ومعلوم أن الفنون الثلاثة المذكورة فى الكتاب يكون واحد منها أول، وواحد ثان، وواحد ثالث،
فإنه لا مقتضى لإيرادها بلفظ المعرفة فى هذا المقام، والخلاف فى أن تنوينها
…
===
فعلم أن مقصود الكتاب فنون ثلاثة موصوفة بالأولية، والثانوية، والثالثية، وأنها علم المعانى والبيان والبديع، إلا أن النسبة بينها مجهولة إذ لا يعلم أن الفن الأول هو علم المعانى أو البيان أو البديع، فيقال لإفادة النسبة الفن الأول. أى: من الفنون التى علم انحصار مقصود الكتاب فيها علم المعاني، والفن الثانى علم البيان، والفن الثالث علم البديع، فهذه التراكيب الثلاثة من قبيل قولنا: المنطلق زيد من جهة أن كلا من طرفى الجملة معلوم، والمجهول الانتساب، فتدبر ذلك. أفاد ذلك العلامة عبد الحكيم والفنارى (1)، وأجاب الحفيد وغيره بما حاصله أن (أل) التى للعهد الذكرى هى التى تقدم مصحوبها صريحا، أو كناية كما يأتي، وما هنا من قبيل الثاني، لأن الفن الأول والثانى والثالث قد ذكرت سابقا بعنوان ما يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وما يحترز به عن الخطأ فى التعقيد المعنوى، وما يعرف به وجوه التحسين، فإن هذه الأمور مشهورة الإتصاف بالعنوان المذكور. أى: الفن الاول، والفن الثاني، والفن الثالث؛ إذ مدلول الفن الأول القواعد المخصوصة، وكذا مدلول الفن الثانى والثالث؛ فيكون من التقديم الكنائى على حد قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (2) فإنه إشارة لما سبق ذكره كناية فى قوله: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (3) فإن لفظ ما وإن كان يعم الذكور والإناث، لكن التحرير وهو أن يعتق الولد لخدمة بيت المقدس إنما كان للذكور دون الإناث، وكذلك الفن الأول إشارة إلى ما سبق ذكره كناية فى قوله: وما يحترز به عن الخطأ إلخ؛ فإن ما وإن كانت تعم الفن الأول وغيره، ولكن الاحتراز عن الخطأ المذكور إنما هو بالفن الأول، وكذا يقال فى الفن الثانى والثالث.
(قوله: فإنه لا مقتضى إلخ) أى: فنكرها لأن الأصل فى الأسماء التنكير، ولا مقتضى للعدول عنه إلى
(1) هو محمد بن حمزة بن محمد، شمس الدين الفنارى- أو الفنرى- الرومى، عالم بالمنطق والأصول- ولى قضاء بروسة، وارتفع قدره عند السلطان بايزيد خان، وحج مرتين. من مصنفاته:" أنموذج العلوم" و" شرح الفرائض السراجية" و" تفسير الفاتحة". توفى 834 هـ (وانظر: الأعلام 6/ 110).
(2)
آل عمران: 36.
(3)
آل عمران: 35.
للتعظيم، أو للتقليل مما لا ينبعى أن يقع بين المحصلين. والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منها؛
…
===
التعريف
(قوله: للتعظيم) أى: كما قال الزوزنى (1): نظرا لكون ما فيها من المعانى عظيما (وقوله: أو التقليل) أى: كما قال غيره نظرا لقلة ألفاظها، وهذا الخلاف لا طائل تحته على أنه يصح اعتبارهما معا بالاعتبارين المذكورين.
بقى شيء آخر وهو أن المقابلة فى كلامه لا تحسن؛ لأن الذى يقابل التعظيم إنما هو التحقير لا التقليل، كما أن الذى يقابل التقليل التكثير لا التعظيم، فكان الأولى أن يقول للتعظيم أو التحقير أو للتكثير أو التقليل، وأجيب بأن فى العبارة احتباكا، فحذف من الأول التكثير بدليل ما أثبته فى الثاني، ومن الثانى التحقير بدليل ما أثبته فى الأول، أو يقال: إنه أراد بالتقليل التحقير تسمحا.
(قوله: مما لا ينبغي) أى: لأنه لا يتعلق به غرض؛ لأن نسبة مقدمة كل فن وكل كتاب إليه لا تتفاوت، بحيث يكون مقامها بالنسبة إليه تارة عظيما وتارة حقيرا، فلا يتشوف إلا لوجودها لا لكونها عظيمة أو حقيرة، وكتب بعضهم قوله: مما لا ينبغى أن يقع بين المحصلين. أى: لمهمات العلوم هممهم عن الاشتغال بمحقراتها وكلامه صالح للتعريض فتدبر.
(قوله: والمقدمة إلخ) اعلم أن قدم تارة يستعمل لازما وتارة متعديا، واسم الفاعل من الأول مقدمة بمعنى: ذات متقدمة أى ثبت لها التقدم، ثم نقل ذلك اللفظ من الوصفية وجعل اسما للجماعة المتقدمة من الجيش، وحينئذ فالتاء فيها للدلالة على النقل من الوصفية للإسمية، ووجه ذلك أن التاء تدل على التأنيث والمؤنث فرع المذكر، وكذلك الإسمية هنا فرع الوصفية، فأتى بالتاء لتدل على ذلك، فإن قلت: إن التاء موجودة حال الوصفية. قلت:
يقدر زوالها والإتيان بغيرها، ثم إنها نقلت منها على سبيل الحقيقة العرفية إن هجر المعنى الأصلى أو على سبيل الاستعارة المصرحة إن لم يهجر، وجعلت اسما لكل متقدم. ويتعين
(1) هو حسين بن أحمد بن حسين الزوزنى- أبو عبد الله عالم بالأدب من أهل زوزن له شرح المعلقات السبع" و" ترجمان القرآن" توفى 486 هـ (وانظر الأعلام 2/ 231)
من قدم
…
===
بالإضافة، فيقال: مقدمة علم، ومقدمة كتاب، ومقدمة الدليل، ومقدمة القياس، فهذا وضع ثالث إذا علمت هذا فقول الشارح والمقدمة: أى: ولفظ المقدمة من حيث هى لا بقيد كونها مقدمة هذا المختصر، ولذلك أظهر مع أن المقام للضمير. وقوله: مأخوذة.
أى: منقولة من مقدمة الجيش. أى: من لفظ مقدمة الذى مدلوله الجماعة المتقدمة من الجيش أو مستعارة منها. وقوله: للجماعة. أى: الموضوعة للجماعة المتقدمة منها. أى:
من الجيش والمناسب منه، ولكنه أنث باعتبار أن الجيش طائفة.
(وقوله: من قدم) اللازم إما خبر لمبتدأ محذوف. أى: وهى أى مقدمة الجيش مأخوذة. أى: منقولة من قدم اللازم. أى: من اسم فاعل قدم اللازم لما علمت أن مقدمة الجيش منقولة من مقدمة الوصف المأخوذة من قدم اللازم، أو أنها حال أى حال كون مقدمة الجيش مأخوذة من قدم اللازم. أى: منقولة من اسم فاعل قدم اللازم ففى كلام الشارح إشارة مراتب النقل على هذين الاحتمالين، أو أنه خبر ثان للمقدمة. أى:
والمقدمة مأخوذة. أى: منقولة من مقدمة الجيش ومشتقه من قدم اللازم. أى: من مصدره، وهذا باعتبار الأصل الأصيل وهو الوصف؛ لأن الاشتقاق إنما هو معتبر فيه.
كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، وذكر العلامة عبد الحكيم أن قوله: المقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش لم يرد به أنها منقولة أو مستعارة من مقدمة الجيش؛ لأنه لا معنى لنقل اللفظ المفرد عن المضاف واستعارته منه، إذ لا بد من اتحاد اللفظ فيهما. أى: فى المنقول عنه وإليه؛ ولأنه لم يبين معنى لفظ المقدمة حتى يقال: إنها بذلك المعنى منقولة أو مستعارة، بل مراده أن لفظ المقدمة مأخوذ من مقدمة الجيش بقطع النظر عن الإضافة، وحينئذ فمعناها المتقدمة، وإنما لم يقل من أول الأمر والمقدمة مأخوذة من قدم بمعنى تقدم؛ لأن التحقيق أن استعمال المشتق منه لا يكفى فى أخذ المشتق ما لم يرد الاستعمال به، وإطلاق المقدمة على الجماعة المتقدمة من الجيش. باعتبار معناها الوضعى، ويدل عليه إيرادها فى الأساس فى الحقيقة، حيث قال قدمته فتقدم بمعنى تقدم، ومنه مقدمة الجيش. انتهى كلامه.
بمعنى: تقدم، يقال مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع فى مسائله،
…
===
(قوله: بمعنى تقدم) أى: فهى من قدم اللازم؛ لأن تقدم لازم، وأما قولهم: زيد تقدمه عمرو فهو من الحذف والإيصال أى: تقدم عليه وهذا أى أخذها من قدم بمعنى تقدم بناء على قراءتها بالكسر، وأما على قراءتها بالفتح فيتعين أنها من قدم المتعدى؛ لأن اسم المفعول إنما يؤخذ من المتعدى، فإن قلت على قراءتها بالكسر: لم لم تجعل مأخوذ من قدم المتعدى؟ قلنا: لأن المباحث المذكورة متقدمة لا مقدمة شيئا آخر؛ ولأنه لو كان كذلك لأضيفت إلى مفعولها بأن يقال: مقدمة الطالب الذى عرفها على من لم يعرفها من الشارعين؛ لأن الصفة المتعدية للمفعول الظاهر إضافتها إليه لا لما له بها نوع تعلق، فلما لم تضف إليه وأضيفت للكتاب مع أنه غير المفعول علم أنها من اللازم، وإنما كان الكتاب غير المفعول؛ لأن المقدم فى الحقيقة الطالب الذى عرفها لا الكتاب نفسه.
(قوله: يقال مقدمة العلم) أى: يقال هذا اللفظ أو تقال هذه الكلمة، إذ من المعلوم أن الكلمة إذا أريد لفظها فإنها تحكى بالقول نحو: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (1) ويصح أن يجعل القول بمعنى الإطلاق. أى: أن المقدمة إذا أضيفت للعلم تطلق على ما يتوقف عليه الشروع فى مسائله، فاللام فى قوله لما بمعنى على، والظرف لغو متعلق بيقال على التقديرين، وما فى قوله لما نكرة موصوفة واقعة على معان. أى: معان تتوقف إلخ. وهى المبادىء العشرة وظاهره كانت متقدمة أولا بأن كانت فى الأثناء. إن قلت: أصل الشروع فى مسائل العلم إنما يتوقف على تصور العلم بوجه، وذلك يحصل بالرسم.
فيقتضى أن مقدمة العلم اسم للرسم خاصة، وهذا ينافى ما ذكره العلامة السيد فى شرح المفتاح من أن مقدمة العلم اسم لما يتوقف عليه تصور العلم بوجه، وذلك كالرسم أو تصوره بالذات والحقيقة، وذلك كالحد أو الشروع فيه على بصيرة، وذلك كالموضوع والفائدة والغاية وغيرها من بقية المبادئ العشرة المشهورة. قلت: المراد بالشروع الشروع من حيث هو، فيشمل أصل الشروع والشروع على بصيرة، فتشمل المقدمة
(1) الأنبياء: 60.
ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه،
…
===
جميع المبادئ وحاصل ما فى المقام أن العلم لغة: الإدراك، ثم نقل فى العرف إلى معلومات تصورية أو تصديقية هى مسائل كثيرة مضبوطة بجهة واحدة، ولا شك أن الشروع فى تحصيل تلك المعلومات موقوف على تصورها بوجه، وهو التصور الإجمالى لامتناع توجه النفس نحو المجهول المطلق، فيمتنع الشروع فيها بدونه، والشروع فيها على بصيرة يتوقف على تصورها بتلك الجهة، ويتوقف أيضا على معان أخر خارجة عن تلك المعلومات:
كمعرفة الغاية والموضوع والفائدة، وغير ذلك من بقية المبادئ العشرة، فسموا هذه مقدمة العلم لتوقف أصل الشروع، والشروع على وجه البصيرة عليها.
(قوله: ومقدمة الكتاب) عطف على مقدمة العلم. (وقوله: لطائفة) أى:
لجماعة عطف على قوله: لما يتوقف من عطف المفردات أى: أن لفظ مقدمة إذا أضيفت للكتاب تطلق إلخ (وقوله: من كلامه) أى من كلام الكتاب وإضافة كلام للضمير من إضافة العام للخاص فهى للبيان، والمعنى لطائفة منه، وإنما لم يقل هكذا؛ لأن ذكر العام أولا ثم بيانه بالخاص بعد ذلك أوقع فى النفس.
(قوله: قدمت أمام المقصود) أى: جعلت أمامه فلا بد من التجريد فى قدمت عن بعض معناه، وإلا كان فيه ركة لتكرر قوله أمام المقصود معه.
(قوله: لارتباط له بها) أى: لا ارتباط للمقصود بها. أى: بتلك الطائفة. أى: بمعانيها، أو يقال إن طريق الإفادة والاستفادة لما كانت هى الألفاظ لم يحتج لتقدير كما أفاده الفنرى، وإنما اعتبر الارتباط فى جانب المقصود دون المقدمة نظرا إلى أنه موقوف عليها، والموقوف هو المرتبط، وقوله لا ارتباط له بها أى: سواء توقف الشروع فى مسائل الفن على معناها بأن كان مدلولها مقدمة علم أم لا.
(قوله: وانتفاع إلخ) عطف سبب على مسبب، وعلم مما ذكر أن مقدمة العلم ومقدمة الكتاب ألفاظ، ولا يقال إن هذه التفرقة تحكم لا مرجح لها؛ لأنا نقول: إن مقدمة العلم لما كانت منضبطة غير مختلفة التفت فى جانبها للمعاني، ولما كانت معانى مقدمة الكتب مختلفة التفت فى
وهى هاهنا لبيان معنى الفصاحة والبلاغة، وانحصار علم البلاغة فى علمى البيان والمعانى
…
===
جانبها للألفاظ التى هى غير منضبطة، واعترض السيد على الشارح بأن المتبادر من قوله: يقال مقدمة الكتاب لكذا- أن إطلاق مقدمة فى مقابلة مقدمة العلم- اصطلاح بين القوم لا من الشارح وليس كذلك، إذ الموجود فى كلام القوم مقدمة العلم، وقد يطلقون مقدمة الكتاب على الألفاظ الدالة على مقدمة العلم مجازا مرسلا لعلاقة الدالية والمدلولية، ولا يطلقونها على الألفاظ مطلقا أعم من أن يكون مدلولها مقدمة علم أم لا، على ما زعمه الشارح. وأجيب بأن علة التسمية بمقدمة هو التقدم، وحينئذ فلا وجه لجعل إطلاقها على الألفاظ مجازا عن إطلاقها على المعانى مع وجود العلة. فقوله:
ولا يطلقونها على الألفاظ مطلقا ممنوع لما علمت من وجود العلة. والحاصل أن السبب فى إطلاق لفظ مقدمة على الألفاظ المتقدمة على المقصود لارتباطه بها هو التقدم، والأولية لا الارتباط الواقع بين اللفظ والمعنى كالدالية وحينئذ فلا وجه لاختصاصها فى كلامهم بمقدمة العلم، ولا يختص إطلاقها على اللفظ الدال على مقدمة العلم. فقوله:
ولم يطلقوا المقدمة على الألفاظ مطلقا ممنوع، واعلم أن النسبة بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب التباين؛ لأن الأولى اسم للمعاني، والثانية اسم للألفاظ، وأما بين مقدمة العلم ومدلول مقدمة الكتاب فالعموم والخصوص الوجهى، كما أن دال مقدمة العلم ونفس مقدمة الكتاب كذلك. أى: بينهما العموم والخصوص الوجهى يجتمعان فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر أمام المقصود، وتنفرد مقدمة الكتاب فيما لا يتوقف عليه الشروع فى المسائل إذا ذكر أمام المقصود، وتنفرد مقدمة العلم فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر فى الأثناء. خلافا لمن قال إن النسبة العموم والخصوص المطلق بين الأمرين. بناء على اعتبار التقدم فى مفهوم مقدمة العلم، وقد علمت من تعريف الشارح لها عدم اعتباره فيها، وأما النسبة بين دال مقدمة العلم ومدلول مقدمة الكتاب فالتباين كالأولى.
(قوله: وهى) أى المقدمة ها هنا أى: فى ذلك الكتاب
(قوله: لبيان) أى مذكورة لبيان.
(قوله: وانحصار) عطف على معنى الفصاحة. (وقوله: علم البلاغة) أى:
وما يلائم ذلك، ولا يخفى وجه ارتباط المقاصد بذلك. والفرق بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب مما خفى على كثير من الناس.
===
العلم المتعلق بها.
(قوله: وما يلائم ذلك) عطف على معنى الفصاحة. أى: ولبيان ما يلائم ذلك. أى: معنى الفصاحة والبلاغة، والمراد بذلك الملائم: النسبة بين الفصاحة والبلاغة ومرجع البلاغة.
(قوله: ارتباط المقاصد بذلك) أى: بما ذكر مما احتوت عليه المقدمة أو بالبيان المذكور، وأشار بهذا إلى أن المقدمة المذكورة هنا مقدمة كتاب لا مقدمة علم؛ لأن مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع فى مسائله كالحد والموضوع والغاية إلخ والمصنف لم يذكرها كلها فيها وإن كان قد ذكر فيها غايات العلوم الثلاثة، حيث قال فى آخرها:
وما يحترز به إلخ، ويصح جعلها مقدمة علم أيضا بهذا الاعتبار.
(قوله: والفرق إلخ) قد علمت محصله وهو: أن مقدمة الكتاب اسم لمجموع الطائفة من الكلام اللفظى التى يقدمها المصنف أمام المقصود لارتباط له بها؛ فما لم يقدمه وإن حصل به الارتباط والانتفاع لا يصدق عليه التعريف. ومقدمة العلم معان مخصوصة يتوقف عليها الشروع فيه.
(قوله: فى الأصل) أى: فى اللغة إلخ: لما كان الواقع فى كتب اللغة ذكر معان متعددة للفصاحة، وكلها يدل على الظهور، ولما لم يتحقق الشارح من تلك المعانى الحقيقى من المجازى لما وقع فى ذلك من الاختلاف والاشتباه. أتى فى بيانها. أى: الفصاحة بما يجمع معانيها الحقيقية والمجازية، وهو الإنباء عن الظهور والإبانة، فهذا نكتة قول الشارح:(تنبئ عن الظهور والإبانة) دون أن يقول هى الظهور والإبانة، وتوضيح ذلك أن الفصاحة تطلق فى اللغة على معان كثيرة، فتطلق على نزع الرغوة وذهاب اللبأ من اللبن. يقال: سقاهم لبنا فصيحا أخذت رغوته ونزعت منه، أو ذهب لبؤه وخلص منه. قال فى" الأساس": إن هذين المعنيين حقيقيان ثم قال: ومن المجاز سرينا حتى أفصح الصبح أى: بدا ضوءه وحتى بدا الصباح المفصح. أى: الذى لا ظلمة فيه وهذا يوم مفصح وفصح لا غيم ولا قر، وجاء فصح النصارى. أى: عيدهم، وهذا مفصحهم. أى: مكان بروزهم، وأفصحوا عيّدوا.
أفصح العجمى. تكلم بالعربية. وفصح: انطلق لسانه، وخلصت لغته عن اللكنة، وأفصح الصبى فى منطفه: فهم ما يقول فى أول ما يتكلم. وأفصح إن كنت صادقا. أى: بيّن. اه.