الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[أسفل]
(وأسفل وهو ما إذا غير) الكلام (عنه إلى ما دونه) أى: إلى مرتبة هى أدنى منه وأنزل (التحق) الكلام-
…
===
زيد وعمرو وغيرهما من الأفراد، لا يصح أن يقال: هنا الطرف الأعلى حد الإعجاز وما يقرب منه، وهذا بخلاف الجسمية الثابتة للإنسان، فإنها ليست من أحكام الطبيعة، بل من أحكام أفراده، فيصح حمل الأفراد عليها، فيقال: الجسم زيد وعمرو وغيرهما، وذلك لأن الأحكام الثابتة للطبيعة قسمان، الأول: ما يثبت لها فى ضمن الأفراد، ويسمى ذلك أحكام الأفراد: كالجسمية الثابتة للإنسان، فهذا القسم يصدق على الطبيعة والأفراد جميعا.
والثاني: ما يثبت لها فى نفسها، لا فى ضمن الأفراد: كالنوعية للإنسانية، ويسمى أحكام الطبيعة، وهذا القسم إنما يصدق على الطبيعة والطرفية من القسم الثانى لاستلزامها الوحدة ومنافاتها الكثرة اللازمة للأفراد، فلا يصح ثبوت الطرفية لأفراد الطرف، فتحصل من هذا كله: أن جعل الطرف واحد بالنوع المترتب عليه صحة هذا الزعم لم يتم، فعطل ذلك الزعم
(قوله: وأسفل) أى: وطرف أسفل أى: ومرتبة سفلى فى غاية النقصان
(قوله: وهو ما) أى: وهو مرتبة إذا غير الكلام أى: انحط ونزل عنها، بأن لم تراع تلك المرتبة فى الكلام، فضمن غير معنى نزل أو انحط، فلذا عداه بعن
(قوله: إلى مادونه) أى: إلى مرتبة أنزل من تلك المرتبة السفلى وهى الخبر من الخصوصيات
(قوله: التحق) أى: ذلك الكلام المغير عن تلك المرتبة السفلى بأصوات إلخ، وأورد على هذا التعريف أنه غير مانع؛ لأنه شامل للطرف الأعلى والوسط، فإن كل واحد منهما يصدق عليه أنه مرتبة إذا غير الكلام عنها إلى مادونها التحق بأصوات الحيوانات؛ لأن ما كان دون الأسفل وأنزل منه يصدق عليه أنه دون بالنسبة للأعلى والأوسط، وأجيب بأن هذا الإيراد يدفعه ما فى (ما) من معنى العموم؛ لأن المعنى وهو ما إذا غير إلى أى مرتبة دونه التحق إلخ، فخرج الأعلى والأوسط فإنهما ليسا كذلك إذ من جملة دون الأعلى الأوسط والأسفل، ومن جملة ما دون الأوسط الأسفل وتغيره إلى واحد منها لا يلحقه بأصوات الحيوانات، ثم إن هذا الاعتراض إنما يرد بناء على أن المراد
وإن كان صحيح الإعراب (عند البلغاء- بأصوات الحيوانات) التى تصدر عن محالها بحسب ما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد (وبينهما) أى: بين الطرفين (مراتب كثيرة) متفاوتة بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات،
…
===
بالدون ما كان أنزل ولو بواسطة، وأما لو أردنا به ما كان تحته ملاصقا له فلا يرد.
تأمل، وعرف الحيوانات إشارة إلى أن المراد بها غير الإنسان.
(قوله: وإن كان صحيح الإعراب) لو قال وإن كان فصيحا لكان أحسن ليعلم منه ما ذكره بالطريق الأولى؛ لأنه إذا التحق بأصوات الحيوانات مع الفصاحة فأحرى أن يلتحق بها عند عدم الفصاحة مع صحة الإعراب بخلاف ما ذكره، فإنه ربما يوهم أنه إذا كان فصيحا لا يلتحق بأصوات الحيوانات؛ لأن الفصاحة أرقى إن قلت:
إنه إنما ذكر ذلك ليلائم قوله فيما سبق له فى قول المصنف: وارتفاع شأن الكلام إلخ، حيث قال: وأراد بالكلام: الكلام الفصيح، فإنه يقتضى أن فيه حسنا فلا يلتحق بأصوات الحيوانات. قلت المراد هنا بالتحاق الكلام بتلك الأصوات من جهة عدم مراعاة اللطائف والخصوصيات، وهذا صادق مع ثبوت الحسن بالفصاحة. فتأمل.
(قوله: التى تصدر عن محالها) أى: أصحابها، وهى الحيوانات
(قوله: بحسب ما يتفق) ما مصدرية، وقوله بحسب متعلق بتصدر أى: التى تصدر من أصحابها بحسب اتفاق الأصوات وحصولها بلا علة مقتضية لها، أو موصولة أى: بحسب ما يتفق معها من الأمور التى لا تقتضيها، وقوله من غير اعتبار اللطائف بيان للصدور بحسب الاتفاق فهو على حذف أى: التفسيرية، وعطف الخواص على ما قبله مرادف، وليس من ذلك أى: من الكلام الملحق بأصوات الحيوانات ترك مراعاة اللطائف فى مخاطبة البليد الذى لا يفهمها، بل ذلك الترك مما يجب على البليغ مراعاته؛ لأن ترك اللطائف حينئذ من اللطائف.
(قوله: متفاوتة) أى: فى البلاغة
(قوله: بعضها أعلى من بعض) بيان للتفاوت، وقوله بحسب: متعلق بمتفاوتة، ثم إن تفاوت المقامات يتناول التفاوت بحسب الكم أى:
ورعاية الاعتبارات،
…
===
العدد، كما إذا كان لشخص أحوال عشرة، ولآخر أحوال تسعة، ولآخر أحوال ثمانية.
وهكذا، وكل حال يقتضى خصوصية فالإتيان للأول بعشر خصوصيات طرف أعلى، والإتيان للأخير بخصوصية طرف أسفل، وما بينهما مراتب متوسطة متفاوتة بحسب تفاوت الأحوال فى الكم، وكذا يتناول التفاوت بحسب الكيف والمقدار، كما إذا كان لشخص إنكار شديد القوة، ولآخر إنكار قوى غير شديد القوة، ولآخر إنكار ضعيف، فالمقامات متفاوتة بحسب الكيف فقط، فالإتيان للأول بثلاث مؤكدات طرف أعلى، وللأخير بمؤكد طرف أسفل، وللثانى بمؤكدين مرتبة وسطى فقد صدق أن مراتب البلاغة متفاوتة بحسب تفاوت المقامات فى الكيف.
(قوله: ورعاية الاعتبارات) أى: قصد الخصوصيات المعتبرات، فرعاية خصوصيتين أعلى من رعاية خصوصية، ورعاية ثلاث أعلى من رعاية اثنتين لمقام واحد، وفيه إشكال؛ لأنه إذا اعتبرت خصوصية واحدة مثلا، فإن كان رعاية الأكثر يقتضيه الحال، فالبلاغة لا توجد بدونه، وإن كان لا يقتضيه الحال، فالبلاغة لا تتوقف عليه ولا تحصل باعتباره، فمراعاته لا تقتضى زيادة البلاغة؛ لأنها مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال، وهذا ليس مقتضى حال، فكيف تتفاوت البلاغة بحسب رعاية الاعتبارات؟ وأجاب السيد عيسى الصفوى (1): بأن هذا الإيراد مبنى على أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال وهو ممنوع، بل هى مطابقة الكلام لمقتضى الحال فى الجملة، فإذا اقتضى الحال شيئين، فروعى أحدهما دون الآخر كان الكلام بليغا من هذا الوجه، وإن لم يكن بليغا مطلقا، وحينئذ فإذا اقتضى الحال شيئين تحققت البلاغة بمراعاة أحدهما فقط، لكن مراعاتهما أزيد بلاغة وأعلى. قاله يس، لكن قد تقدم لنا عن عبد الحكيم: أن الحق أن البلاغة مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال، لكن بقدر الطاقة،
(1) هو عيسى بن محمد بن عبيد الله أبو الخير- قطب الدين الحسنى الحسينى الإيجى- المعروف بالصفوى من مصنفاته" شرح الكافية لابن الحاجب" و" شرح الحديث الأول من الجامع الصحيح للبخارى" وغيرها- قال ابن العماد: كان من أعاجيب الزمان. توفى سنة 953 هـ وانظر الأعلام (5/ 108).
والبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة (ويتبعها) أى: بلاغة الكلام (وجوه أخر) سوى المطابقة والفصاحة (تورث الكلام حسنا) وفى قوله: يتبعها إشارة إلى أن تحسين هذه الوجوه للكلام عرضى
…
===
وحينئذ فإذا كان المقام يقتضى عشر خصوصيات، وأتى بواحدة لكونه لم يطلع إلا عليها أى: لم يعلم أن المناسب للحال إلا تلك الخصوصية كان هذا مرتبة، أو اطلع على خصوصيتين كان ذلك مرتبة ثانية، وهكذا وكل مرتبة أعلى من الأخرى برعاية الاعتبارات، أو كان حال المخاطب يقتضى ثلاث خصوصيات مثلا، وهذا خاطبه بخصوصية لكونه لم يطلع إلا عليها، وآخر خاطبه بخصوصيتين لكونه اطلع عليهما، وآخر خاطبه بثلاث خصوصيات لكونه اطلع عليها، والحاصل أن التفاوت بحسب رعاية الاعتبارات: إما باعتبار تفاوت الكلامين فى الاشتمال على المقتضيات فى القلة والكثرة، وإما باعتبار تفاوت اقتدار المتكلم فى الرعاية. فتأمل ذلك.
(وقوله ورعاية الاعتبارات) ليس هذا لازما لما قبله؛ لأنه لا يلزم من تفاوت المقامات رعاية الاعتبارات؛ فإن المقام قد يقتضى ثلاث مؤكدات ويؤتى له بمؤكد نعم، هو عطف مسبب على سبب، وأتى بذلك إشارة إلى أن تفاوت درجات البلاغة ليس بتفاوت المقامات، بل بتفاوت رعاية الاعتبارات
(قوله: والبعد إلخ) عطف على تفاوت، كما لو كان كلام مطابق لمقتضى الحال. وانتفى عنه الثقل بالكلية وهناك كلام آخر مطابق، لكن فيه شىء يسير من الثقل لا يخرجه عن الفصاحة، فالأول أعلى بلاغة من الثانى
(قوله: ويتبعها) أى: فى التحسين، وقوله وجوه أخر أى: وهى المحسنات البديعية، وقوله: تورث الكلام حسنا أى: حسنا عرضيا زائدا على الحسن الذاتى الحاصل بالفصاحة والمطابقة.
(قوله: سوى المطابقة والفصاحة) هو غير متعرف بالإضافة ولذا وقع صفة للوجوه وفى هذا التفسير إشارة إلى أن آخرية تلك الوجوه ومغايرتها بالنظر للمطابقة والفصاحة، فإن قلت قول المصنف: أخر المفسر بما ذكره الشارح مستغنى عنه ولا فائدة